ما بين مشروعَيْ سبحاني والعلواني.. نحو تكامل النظر للقرآن

طمح أسد سبحاني لضبط منهج تفسير القرآن بالقرآن، وطمح طه العلواني لاكتشاف منهجية القرآن لفهم الكون والإنسان، تستطيع نظرة تكاملية للمشروعين بلورة تصور جديد يفيد منهما.

Share
ما بين مشروعَيْ سبحاني والعلواني.. نحو تكامل النظر للقرآن
يتَّسم الواقع الإسلامي باتساعٍ كبيرٍ | تصميم خاص بالفراتس

النصُّ الدينيُّ نصٌّ مُتَّسعٌ ذو لغة خاصة مكثف بلاغيّاً وقصصيّاً. ويحوز هذا النص سلطةً على المتدينين، إذ يطلب الطاعة والإذعان وتصديق كل ما يقول، مثلما تعبِّر الباحثة الفرنسية آن سيلفي بواليفو في دراستها "حديث القرآن عن نفسه في السور المكية الأولى"، المترجمة سنة 2020. تحتَّم هذه الطبيعة للنص وجود إجراءات وقواعد لضبط فهمه، ما جعل تأويلات الكتب المقدسة نشاطاً علمياً مركزياً لليهود والمسيحيين والمسلمين قبل العصور الحديثة، وجعل نقاش اللغة الدينية مبحثاً مركزياً في فلسفات اللغة والدين المعاصرة. إلا أن الكلمة الإلهية عرضت نفسها كذلك منطلقاً للفهم. فمثلما جاء في إنجيل لوقا عن المسيح "حينئذ فتح ذهنهم ليفهموا الكتب،" ما يعني أن المسيح، الكلمة الإلهية، هو باب الفهم. كذلك وصف القرآن نفسه في آيات عديدة بأنه بيان، و"تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ."

يكثِّف تناول القرآن المعاصر الجدلَ بين هذين المنطقين. إذ نجد عدداً كبيراً من المناهج المطروحة بغرض قراءة القرآن قراءة علمية منضبطة تتنوَّع وتتناقض أحياناً في منطلقاتها وأهدافها والمصادر التي تعتمد عليها في استمداد آلياتها. كذلك نجد نظراً للقرآن كتاباً يقدِّم تفسيراً للعالم والتاريخ والنفس. ولا يلزم انفصال هذين المنطقين بين الدارسين، بل أحياناً نجدهما عند نفس الشخص أو داخل ذات المدرسة، وإن اختلفت درجات حضورهما والعلاقة بينهما. ولا يمثِّل هذا من الناحية النظرية تناقضاً بل تكاملاً، إذ إن الفهم الدقيق المنهجي للنصوص الدينية أساس الفهم بها.

قدَّم المفسر الهندي محمد عناية الله أسد سبحاني والأصولي العراقي طه جابر العلواني مشروعين عن القرآن، يحاول الأول إيجاد منهج جديد لفهم الكتاب، ويحاول الثاني الانطلاق من الكتاب لفهمٍ شاملٍ للكون والإنسان. وعلى تباعد المشروعَين جغرافياً ومن جهة الهدف والسياق المعرفي، إلا أنهما يطرحان إمكانية الحوار بينهما. إذ تتكامل المقاربتان في تأسيس قراءة منهجية للقرآن، لا تقف عند حد فهمه في سياقه الكلي، بل تنطلق من كليته، وتفعِّلها في إبداع منهجية شاملة لفهم الكون وتوجيه الفعل البشري. 


تقدِّم المؤلفات المتتالية لسبحاني تفسيراً للقرآن بالقرآن. لا يتوقف هذا عند الناحية التطبيقية المتمثلة في مجموعة كتابات تقدم كشفاً لنظام القرآن ونظام بعض السور الهادي لفهمها وفق منطقها الداخلي، بل يتعداه للاهتمام النظري المتمثِّل في عرض مفهوم "نظام القرآن" وأهميته التفسيرية، وبيان قواعد القراءة الكلية للقرآن. يوفِّر هذا الاهتمام النظري لمحاولة سبحاني موقعاً خاصاً ضمن محاولات تفسير القرآن بالقرآن في العالم الإسلامي، وما يتقاطع معها من محاولات "التفسير الموضوعي".

اهتم المفسرون المعاصرون بتفسير القرآن بالقرآن، في إطار رفض الطرق التقليدية في التفسير، التي نُظِر لها مشوِشةً على الهدي القرآني. فبينما توسع المفسِّرون التقليديون في استخدام الحديث والأخبار والإسرائيليات في التفسير، حاول المعاصرون منذ تفسير المنار لمحمد عبده ورشيد رضا في بداية القرن العشرين تفسيرَ القرآن من داخله بعرض بعضه على بعض. عرض المدافعون عن تفسير القرآن بالقرآن هذه المنهجية منهجيةً تراثية راسخة، إذ أرجعوها لعدد من أعلام التراث مثل الفقيه والمتكلم من القرن السابع الهجري أحمد بن تيمية. انتقد أحمد بن تيميةمدونات التفسير، وعدَّها غير مخلِصة لكفاية النص وحاكميته باستخدمها الأحاديث المنكرة والموضوعة والإسرائيليات في التفسير. في رسالته التي سُميت في العصر الحديث "أصول التفسير"، دعا لمنهج قاعدته الأولى تفسير القرآن بالقرآن، وعدَّه أحسن طرق التفسير. وكرر السيوطي الفقيه من القرن العاشر الهجري نحو قوله في كتابه "الإتقان في علوم القرآن". يرى الباحث في تاريخ التفسير وليد صالح في دراسته "تفاسير القرآن" المترجمة سنة 2020 أن انتشار هذه النظرات أدى للاهتمام بالتفاسير التراثية الأقرب لاستخدام القرآن والآثار الصحيحة في التفسير، مثل تفاسير الرازي وابن كثير والسيوطي. 

وبحسب الباحث في الدراسات القرآنية سامر رشواني في كتابه "منهج التفسير الموضوعي للقرآن الكريم" المنشور سنة 2009، يعد تفسير القرآن بالقرآن الأساس الذي تولَّد عنه "التفسير الموضوعي". وهو تفسير القرآن في كليته انطلاقاً من موضوع مُحدَّد يعالجه، ذي أهمية نصية أو واقعية، مثل الإنسان أو الطبيعة. يظهر هذا النوع من التفسير في القرن العشرين في كتابات المفسرين عبد الله دراز وأمين الخولي وعائشة عبد الرحمن ومحمد باقر الصدر، وإن استقل هذا التفسير لاحقاً وأصبح مساحة واسعة متنوعة.

وتبرز المحاولة المنهجية الأولى في سياق تفسير القرآن بالقرآن مع منهج المفسر عبد الحميد الفراهي. لم يكتف الفراهي برفض الطرق التقليدية في التفسير، التي أفضت إلى تعديد المعنى القرآني والاختلاف فيه، بل أسَّس في كتابه "دلائل النظام"، الذي جُمِع وحُرَّر بعد وفاته ونشر سنة 1968، منهجية جديدة للوصول لدلالة القرآن القطعية. تقوم هذه المنهجية على تفسير القرآن بتحديد نظامه، ويقصد بالنظام ارتباط أجزائه وأجزاء سوره لتبدو جملة واحدة، وعلى تحديد "عمود السورة" أي موضوعها المركزي الساري فيها واعتباره محور فهمها. وتجد هذه المحاولة تطبيقها المنهجي في أعمال تلميذ الفراهي، أمين أحسن إصلاحي، خصوصاً في تفسيره "تدبري قرآن" (تدبر القرآن) الذي بدأ نشره سنة 1947. وسَّع إصلاحي منهج النظام وفصَّل في نظام القرآن، إذ جمع سور القرآن المفردة في مجموعات أو زمر تتناول موضوعات محددة. ويمثِّل عمل سبحاني الوريث لهذين النتاجين النظري والتطبيقي والمطوَّر الإسلامي المعاصر لهما.

في كتابه "محاضرات في علم نظام القرآن" المنشور سنة 2026، يعرض سبحاني ملامح منهجه لفهم القرآن بالنظام. ويبدأ عرضه بتحديد المقصود بنظام القرآن وهو ذات تحديد الفراهي إياه، ثم يحاول تكريس أهمية النظام بمواجهة الاعتراضات ضده. اعتُرِض على فكرة القراءة الكلية للقرآن بأمور منها نزول القرآن متفرقاً لا جملة واحدة، ونزوله على أميين لم يعهدوا ترتيب الكلام، ولم يكن مشكولاً ولا منقوطاً في مصاحف عثمان. مؤدَّى هذا أن الطريقة الأمثل لقراءة القرآن قراءته في تفرقه هذا وفي تعدُّد حروفه وقراءاته، لا في اعتباره جملة واحدة، ومن ثم التعسف في إيجاد روابط بين سوره في ترتيبه في المصحف. يرى سبحاني أن كل هذه الرؤى غير دقيقة، فالقرآن وإن نزل مُنجَّماً فإنه مرتب في اللوح المحفوظ قبل تنزيله، ومرتب في عهد النبي ترتيباً توقيفياً، ما يعني أنه يحوي نظاما إلهياً وحكمة في بنائه وترتيبه على هذا الشكل ينبغي استكشافها. كذلك يرفض سبحاني ما قيل عن مصاحف عثمان المجردة التي نُقطت في عهد عبد الملك بن مروان في القرن الثاني الهجري، ويقرر أن المصاحف الأولى كانت منقوطة ومشكولة بقراءة واحدة لا اختلاف فيها. ويعتبر أن أميّة الصحابة لا تعني عدم المعرفة بالقراءة والكتابة، لأن هذا يناقضه وجود كتبة الوحي وما عُرف عن الصحابة من فهم وفقه، فالأمّيّة وفق سبحاني نسبة لأمِّ القرى أي مكة. كذلك يُبرِز سبحاني قيام الترتيب في كتابات العرب النثرية والشعرية، وأنه يُفترض في القرآن الذي تحدّى هؤلاء ورام إعجازهم، بلوغ قمة النظم والترتيب. 

يبين سبحاني أهمية إدراك النظام ومضارّ تفويته. فالاهتمام بالنظام يفتح باب تفسير القرآن بالقرآن وضبطه منهجياً، وتفويت إدراكه يعرِّض القرآن لإسقاط ضعيف الأخبار والأهواء عليه، فيغيِّب منطقه الداخلي. لا يكشف النظام عن ترابط الآيات في جملة واحدة، أو عن علاقات السور ببعضها فحسب. فالفائدة الأكبر لإدراك النظام، قدرته على تحديد مرتكزات تُقوَّم بها العلوم الإسلامية التي هيمنت على الممارسة التفسيرية التقليدية، وخرجت بالقارئ عن تلقي النص مباشرة. في الأخبار والمرويات، تظهر صحة صحاح الأحاديث والأخبار بعرضها على القرآن ونظامه، مثلما تتكشف المناكير منها بالعرض ذاته. 

يبرز سبحاني الأضرار التي تلحق بالقارئ والمفسر حين يغفل عن النظام. إذ يقع القارئ في تصور القرآن ظنيّ الدلالة، بسبب الاختلاف الكبير بين المفسرين في معاني النص. مِثل الفراهي يُرجع سبحاني هذا الخلاف للقارئ لا للنص ذاته، فالنص قطعيّ الدلالة واحدها، إلا أن تفويت إدراك نظمه يؤدّي إلى تفويت هذه الدلالة، والتشعُّب بين دلالات جزئية غير معبِّرة عن تمام النص. كذلك يؤدي تفويت النظام إلى تجزئة القرآن لآيات متشابهة ملتبسة تحتاج تأويلاً، في مقابل آيات محكمة بينَّة الدلالة. تنتهي هذه التجزئة لتحكُّم كل مذهب ورؤية فكرية في تحديد محكم الآيات. إذ يعتبر صاحب كل مذهب أن الآية المحكمة هي التي يؤيد ظاهرها مذهبه، ويؤول باقي الآيات في ضوئها. كذلك يفضي تفويت النظام إلى تحكيم أسباب النزول وظرفيتها في مطلقية النص وشموله. يذكِّر سبحاني بفكرة طرحَها الفراهي وهي أن سبب النزول ليس سياقاً لنزول آية، بل هو أمر شامل تهدف له السورة في نزولها ويظهر في عمودها. كذلك يؤدِّي تفويت النظام وعدم بذل الجهد في سبيل إدراكه، إلى الميل لمصادر خارج القرآن لتفسيره، مثل الإسرائيليات وضعيف الأخبار، وتغليبها على منطق النص ذاته.

قدّم سبحاني عدداً من التطبيقات لمنهجه في تفسير القرآن. في الجزء الثاني من كتابه "البرهان في نظام القرآن" الذي صدر سنة 2026، يقسِّم سبحاني، مثل الفراهي وإصلاحي، القرآن إلى سبع مجموعات هي السبع المثاني. المجموعة الأولى تضم السور من الفاتحة إلى المائدة، والثانية تضم السور من الأنعام إلى التوبة، ثم الثالثة من يونس إلى الأنبياء، والرابعة من المؤمنون إلى السجدة، تليها الخامسة من سبأ إلى الأحقاف، فالسادسة من ق إلى الواقعة، وأخيراً السابعة من الملك إلى الناس. كل مجموعة من هذه المجموعات تضم سوراً مكية ومدنية، تشترك في نفس الفكرة العامة التي تظهر في عُمَدِهم. فعلى سبيل المثال تمثل الفاتحة المكية ديباجة القرآن، وهي تلخيص لكل الدعوة، وتمثل سور البقرة وآل عمران والنساء والمائدة، وكلها مدنية، تفصيل هذه الديباجة. وإذا كانت الفاتحة دعاء الناس لله بطلب الصراط المستقيم، فالسور الأربع تعرض هذا الصراط تفصيلاً.  فالبقرة دعوة للإيمان بالقرآن وتوبيخ لأعدائه، وآل عمران دعوة إلى العمل الصالح الذي يحثّ عليه القرآن، وسورة النساء دعوة إلى التراحم والمواساة وأداء الحقوق، ثم المائدة دعوة للوفاء بالعهود والمواثيق. كذلك فالفاتحة استعاذة من سبل الضالين والمغضوب عليهم، والسور الأربع تنبه على المواقف العدائية لهؤلاء وتحذِّر المؤمن منهم.

ولا تتوقف أهداف النظام عند سبحاني عند ضبط عملية تفسير القرآن بالقرآن، بل تتعداها إلى كشف المقاصد القرآنية للتشريعات. يختلف سبحاني مع تأسيس أبي إسحق الشاطبي لعلم المقاصد في القرن الثامن الهجري. استدلَّ الشاطبي على المقاصد القرآنية بالاستقراء القائم على جمع الآيات في موضوع محدَّد ثم اكتشاف المقصد وراءها. واعتبر سبحاني هذا المنهج ظنّياً، واقترح منهجاً آخر يعتبر نظم الآيات وسياقها الموصل يقيناً لفهم المقصد القرآني. 

يضرب سبحاني مثالاً على هذا بالبحث في عِدّة المطلقة والمتوفَّى عنها زوجها في القرآن. فرفض اعتبار علة استبراء الرحم، التي شاعت بين الفقهاء والمفسِّرين المقصدَ القرآنيَّ من العدة. يفرق سبحاني بين الآيات التي تتناول العدة وفق سياقها الخاص، إذ وفق سياق آية البقرة "وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ" تكون عدة المطلقة عند سبحاني ثلاثة أشهر للحائل والحامل دون تفريق، ويكون المقصد الإلهي هنا إصلاح ذات البين "وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُواْ إِصْلاَحًا". أمّا عدة المتوفى عنها زوجها فهي أربعة أشهر وعشراً سواء كانت حائلاً أم حاملاً. ولا يعتبر وضع الحمل عدة بل أجلاً، والمقصود أن وضع الحمل أجل لمسؤولية الزوج تجاه مطلقته.

غيرَ أن وصل سبحاني القرآن بالواقع، بالمقاصد القائمة على النظام القرآني، ظلَّ حبيس النظرات الجزئية لبعض القضايا التشريعية، مثل العدة والربا والقتال، ولم يتخطَّ هذا نحو ربط القرآن في كليته بالواقع وبالكون ربطاً منهجياً ومعرفياً شاملاً.


في مقابل محاولات التقعيد لتفسير القرآن بالقرآن، التي استمرت بشرح مفهوم النظام وتطبيقه منذ الفراهي إلى سبحاني، قدَّم العلواني، الأصولي العراقي وأحد مؤسسي المعهد العالمي للفكر الإسلامي وأحد رواد مشروع أسلمة العلوم، مشروعاً آخر يمكن تسميته مشروع التفسير بالقرآن، أو "الفهم بالقرآن". إذ يمثِّل القرآن في كتابات طه العلواني منهجاً لفهم الواقع والكون.

ينتمي عمل العلواني لسياق مشروع أسلمة العلوم أو الإسلام المعرفي، الذي قدَّم نظرة جديدة للقرآن كتابَ منهج. نشأ هذا المشروع في سياق معرفي تبنَّى نظرة معرفية للتراث والحداثة، مثلما يظهر في مشاريع نقد التراث مع المفكر محمد عابد الجابري والمفكر اللبناني حسين مروة والشاعر أدونيس في ثمانينيات القرن العشرين. لم تعد هذه الكتابات تنتقد بعض الأفكار أو المذاهب أو المناهج التراثية، ولم تبغ تقديم صيغٍ توفيقية تربط بين بعض أفكار التراث وبعض أفكار الحداثة على عادة الفكر النهضوي الحديث. بل قدَّمت نقدها للتراث الإسلامي نقداً للأبنية المعرفية العامة التي تأسَّس عليها، التي اعتبرتها معبِّرة عن "عقل عربي" وضعته موضع النقد. كذلك قدَّمت هذه المشاريع رؤيتها الحداثةَ منهجاً معرفياً مفعلاً في قراءة التراث والنص الديني، وليست مجرد تقنيات وأفكار يسهل استيرادها وتنزيلها على الواقع المعرفي العربي دون تغييره. 

يتميز مشروع الأسلمة ضمن هذا السياق المعرفي العام بأن روَّاده لم يقصروا نقدهم على التراث الإسلامي. وإنما انتقدوا ما اعتبروه النموذج الحضاري والمعرفي الغربي المؤسِّس العقلَ الحديث ونظرياته ومناهجه. فقد عاينوا هذا النموذج في تجربة أكاديمية وحياتية لهم في الغرب، ورأوه مناقضاً النموذجَ التوحيدي. يقول عالم الأديان إسماعيل راجي الفاروقي في كتابه "أسلمة المعرفة" المترجم للعربية سنة 1988 مُتحدثاً عن جيله صاحب الهم النهضوي الإسلامي والتكوين الأكاديمي الغربي: "فجيلنا فقط هو من أدرك هذا التناقض إذ عاشه في حياته". وقف هذا المشروع في مواجهة نموذجين معرفيين وحضاريين منتقدين، التراثي والغربي، محاولاً إبداع بديلٍ متجاوزٍ إياهما ينطلق من التوحيد نموذجاً معرفياً حضارياً. 

وبينما نظر النهضويون القرآنَ كتاب هداية، وحاولوا التوفيق بينه وبين العلم الحديث، لم يحاول رواد الأسلمة التوفيق بين الدين والعلم. بل نظروا للتوحيد ذاته نظرية معرفية تتجاوز النظرية المعرفية الغربية المؤسِّسة العلمَ الحديث، ونظروا للقرآن كتابَ منهج يفسِّر الذات والكون. قامت محاولات التوفيق النهضوية على جهتين، الأولى إبراز عدم معاداة الإسلام العلمَ والمدنية، الذي يبرز في كتابات مثل "الإسلام بين العلم والمدنية" لمحمد عبده، المنشور سنة 1923. والثانية إعادة تفسير بعض الآيات التي بدت مخالفة النظرياتِ والكشوفاتِ العلمية الحديثة تفسيراً يرفع هذا الخلاف. أبرز مثال على هذا، التفسير الذي قدّمه محمد عبده ورشيد رضا في المنار للجن والكائنات الأرواحية. جاء في تفسير المنار آية سورة البقرة "الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ"، "إن الجن أجسام حية خفية لا ترى، وأن الأجسام الحية الخفية التي عرفت في هذا العصر بواسطة النظارات المكبرة وتسمى بالميكروبات يصح أن تكون نوعاً من الجن". وتمثل قمة هذه المحاولة كتاب محمد أحمد خلف الله "الفن القصصي في القرآن" المنشور سنة 1947، الذي صرح في مقدمته بأنه يسعى لحل إشكال تناقض بعض قصص القرآن مع بعض الكشوفات العلمية والتاريخية الحديثة. هذه الإجراءات مثَّلت نوعاً من فتح آفاق الدين لتقبُّل العلم الحديث، مثلما يعبِّر برهان غليون في كتابه "الوعي الذاتي" المنشور سنة 1987.

يرى الفاروقي في كتابه "أطلس الحضارة الإسلامية" المترجم للعربية سنة 1998، أن جوهر الحضارة الإسلامية هو التوحيد وأن هذا الجوهر له بُعد معرفي ومنهجي. عناصر البعد المنهجي للتوحيد عند الفاروقي هي الوحدة والعقلانية والتسامح. فالعقلانية مبدأ إسلامي منهجي أساس يظهر في رفض الإسلام ما لا يتطابق مع الواقع، الذي يحمي المسلم من الظن وادعاء المعرفة. ورفضه التناقضاتِ المطلقة، وهو ما يحمي المسلم من التناقض البسيط والظاهري. وانفتاحه على الأدلة الجديدة أو المناقضة الذي يحمي المسلم من الجمود والتعصب. ويمثل القرآن الكتاب الخاتم والمعبِّر عن جوهر التوحيد، ما يجعله المصدر الرئيس لمنهج معرفة الكون.

يقدم العلواني في كتابه "الجمع بين القراءتين"، المنشور سنة 2010، تصوره عن العلاقة التي يربط بها القرآن بين الكتاب المنزَّل والكون، التي تؤسس لمنهجية معرفية جديدة وشاملة. فالقرآن كتاب مسطور في حين أن الطبيعة كتاب منظور، ويمثل القرآن المنهج لقراءة هذا الكتاب. ويحدد القرآن طرق التعامل مع الكون، إذ يكشف موقع الإنسان فيه خليفةً لله، ويكشف الكون آية عن الله تبرز في نظم الكون وقوانينه. يواجه منهج "الجمع بين القرائتين" النموذجين المعرفيين التراثي والغربي، إذ أهمل كل نظام معرفي من هذين النظامين أو تجاهل إحدى القراءتين المأمور بهما في القرآن في سورة العلق، أول السور نزولاً، ما أدَّى لغياب التكامل. فالتراث الإسلامي ركَّز على قراءة الكتاب المسطور وتجاهل الكتاب المنظور حتى "سقط في إلغاء الفعالية الإنسانية، ونفى إرادة الإنسان واختياره واستلبه استلاباً لاهوتياً كهنوتياً". في حين ركَّز النظام المعرفي الغربي على قراءة الكتاب المنظور، فقطع الصلة بين العالم وما وراءه، وانتهى إلي تعضية أي تجزئة الوجود الكوني ذاته وتغييب حقيقته المُركَّبة. نتج عن هذا آفات علمية تتمثل في صعود العلمية والمادية، ونتج عنه آفات حضارية تتمثل في تدمير الكون. الحل لهذا وفق العلواني بناء منهجية إسلامية معرفية شاملة، تنطلق من القرآن ومن مبدئه في الجمع بين القراءتين، فتدمج معرفة الكون ضمن نسق توحيدي قرآني شامل. 

ولوضع أساس هذا المنهج المعرفي الشامل المتجاوز، قدم العلواني تعريفاً جديداً للقرآن يبرز مركزيته في إنشاء هذا المنهج. إذ عرَّفه كتاباً حاكماً ومهيمناً وشاملاً ومنفتحاً على الكون. تقوم إعادة التعريف هذه على إنشاء شبكة مفهومية تُسوِّر القرآن وتحدد ماهيته وطرق التعاطي القويمة معه وتبرز علاقته بالواقع والكون. يمكن استناداً لمفاهيم اللساني الياباني توشيهيكو إيزوتسو، رسم هذه الشبكة في صورة "حقل مفاهيمي" يضم عدداً من المفاهيم المتعالقة المترابطة. في مركز هذا الحقل توجد المفاهيم التي عرَّفها القرآن نفسه، مثل القرآن والآية والكتاب والتبيان والرحمة والهدي والحكم والإحكام والبشارة والإنذار والتيسير والبيان. ويحيط بهذه المفاهيم دائرة المفاهيم التي تُحدِّده وتُحدِّد أطر التعامل معه سلباً وإيجاباً، مثل مفاهيم العضين أي المقسم والاختلاف والإحكام والتشابه والنسخ، ويحيط بهذه المجموعة دائرة مفاهيم تلاوة القرآن وفتحه على أفق القارئ والكون، مثل التلاوة والتدبر والتعقل والتبصر والنظر والتفكر. 

ولضبط عملية فتح القرآن على الواقع والكون، بلور العلواني المقاصد القرآنية العليا الحاكمة، التوحيد والتزكية والعمران والأمة والدعوة. هذه المقاصد مصدرها القراءة الكلية للقرآن، ما يجعلها أساساً للاستدلال بديلاً لاستقراء الشاطبي. بالإضافة لهذا تتجاوز هذه المفاهيم الجزئية التي لم تستطع مفارقتها محاولة سبحاني، لتبني إطاراً شاملاً لتفعيل الصلة بين القرآن والعالم. إذ تشمل المفاهيم الخمسة الحركة الإنسانية في كل أبعادها، مع الله ومع الذات ومع العالم ومع المؤمنين ومع غير المؤمنين. يواجه العلواني بهذه الشبكة المفاهيمية مجموعة مفاهيم النسخ والتشابه في علوم القرآن التقليدية، التي لا يعتبرها مسؤولة عن تقسيم القرآن وتفويت نظامه ومعناه فحسب على ما رأى الفراهي ثم سبحاني، بل يرى أنها عزلت القرآن عن الفرد والكون. يعرض العلواني هذه المقاصد القرآنية بدايةً لتأسيس جديد للعلوم والمعارف، يبدأ من القرآن ليشمل كل مساحات النشاط الإنساني ويوجهها.

إنّ بداية العلواني من القرآن لاكتشاف منهجيته الشاملة تطرح سؤال كيفية قراءة القرآن. يعتبر العلواني قراءة القرآن عملية تدبرية، ويعرض تدبر القرآن بديلاً لتفسيره. لذا لا يقدم تنظيراً لتفسير القرآن مثل ما وجدنا عند سبحاني، بل يكتفي بعرض بعض المعوقات التي ينبغي مواجهتها أثناء قراءته، وعرض بعض مداخل ينبغي اتباعها، ثم عرض بعض مداخل تدبرية. 

في كتابه "تفسير سورة الأنعام" المنشور سنة 2012، يوضح العلواني بعض معوقات التدبر ومقدماته. إذ يؤكد على ضرورة تجنب القارئ القراءة القائمة على الاختلاف، والقراءة الباحثة عن الشواهد المؤيدة، والدخول إلى القرآن بقواعد مسبقة. ثم يوضح ضرورة تحديد القارئ موقعه من القرآن، وما الذي يطلبه من القراءة. هل يطلب البحث عن قواعد للهداية أم عن السنن الإلهية اجتماعية أو تاريخية. ثم ضرورة تنزيل القرآن على القلب، وأن يعي القارئ كون الحضارة الإسلامية حضارة كلمة إلهية لا حضارة صورة، مما يعني النظر للكلمة حياة في مقابل وثنية الصورة، وأن كلمات القرآن مفاهيم وليست مجرد كلمات عادية. ثم أهمية الوعي باللسان الخاص للقرآن الذي لا يماثل اللسان العربي الجاهلي بل يتميز عنه بسمات فريدة، ثم وعي القارئ بأسماء القرآن مثل الذكر والبيان، والأفعال التي تحدد العلاقة به مثل الترتيل والتنزيل. إذ تساعد هذه المفاهيم القارئ في عقد علاقة قويمة بالنص، لعلاقة حددها القرآن نفسه بالفعل. 

على أهمية تأسيس العلواني تعريفاً جديداً للنص، وأهمية المداخل التدبرية في ربط القارئ في واقعه بالقرآن، إلا أن هذا غير كافٍ في استخراج مفاهيم قرآنية شاملة العلم بالواقع وإدارته. فكما يرى إيهاب محمد اللمعي في كتابه "صناعة المفاهيم بين النص والواقع" المنشور سنة 2024،  فإن تأسيس المفاهيم يحتاج أولاً لمنهجية منضبطة لقراءة النص تجمع بين التفسير ثم التعليل أو الربط بالمقاصد. 


يرجع تفويت مشروع سبحاني توسعة أفق النص مع الكون، وتفويت مشروع العلواني الاهتمام بتقديم منهجية تفسيرية، لارتباط كلٍّ منهما بسياقه المعرفي، والحدود التي يتحرك فيها هذا السياق. لذا تتمثَّل الاستفادة الكبرى من مشروعيهما في فك هذا الارتباط، وعقد حوار متخيل بينهما يدفع بهما لأقصى حدودهما. تقدِّم فيه رؤية العلواني لمشروع سبحاني الأفق الذي يحتاجه لينتقل من مجرد تجديدٍ منهجيٍّ جزئيٍّ في قراءة القرآن إلى تجديدٍ فكريٍّ شاملٍ قائمٍ على القرآن. ويقدم فيه مشروع سبحاني لمشروع العلواني، منهجية قراءة القرآن. فيفضي هذا الحوار إلى بلورة فهم منضبط للقرآن ينتهي للفهم بالقرآن.

حاولت تفاسير القرآن بالقرآن والتفاسير الموضوعية منازعة التفسير التقليدي بالتوسع في إنتاج تفاسير جديدة، ففاتها اكتشاف الآفاق التي تفتحها فكرتي الكلية والموضوعية لربط القرآن بالكون. أدّى هذا لظهور عدد واسع من التفاسير وموسوعات التفاسير الموضوعية، التي يتَّسم الكثير منها بضعف التأسيس المنهجي فيما يرى سامر رشواني في كتابه "المنهج في التفسير الموضوعي". غير أن مشكلة هذه التفاسير والكتابات لا تتوقف عند ضعف قواعد عملية التفسير أو غيابها. وإنما الأهم عدم قدرة الكتابات المتماسكة في التفسير الموضوعي، إدراك الأفق الأوسع الذي يمثِّله النظر للقرآن في كليَّته، والنظر له من استحضار الموضوعات الشاملة الملحة. إذ تستطيع النظرة الكلية والموضوعية للقرآن أن تكون بدايةً لاستنطاق قول القرآن المعرفي الشامل، عن موضوعات كلية وملحة مثل الكون والطبيعة.

تبرز بعض الاستثناءات في تاريخ التفسير الموضوعية، التي حاولت فهم علاقة القرآن بالكون، وإن ظلت قاصرة عن بلورة رؤية قرآنية شاملة لفهمه. من هذا المحاولة التي قدمها العراقي محمد باقر الصدر في كتبه عن الفلسفة القرآنية. ففي "المدرسة القرآنية" وهي مجموعة محاضرات ألقاها ما بين سنتي 1980 و1997 ثم طُبِعت سنة 2001، اعتبر الصدر أن قارئ القرآن المعاصر يحتاج لأن يرتبط بالفلسفة العامة التي يقدِّمها القرآن لكل إشكالات الواقع. وهذا لسبيين، الأول طبيعة القارئ المعاصر المنفصل بالضرورة عن الرؤية الإسلامية العامّة، التي كان يقدِّمها السياق الإسلامي التراثي الفكري والمؤسِّسي. والثاني طبيعة المعرفة المعاصرة التي يتعرَّض لها القارئ المعاصر، التي تمتليء بفلسفات ورؤى شاملة لكل مظاهر الوجود. وهو ما يحتم عدم بقاء التصور الإسلامي للفرد عند حد الجزئيات، وتجاوزها إلى السياق الكلي الشامل الذي يقف وراءها. وقد حاول الصدر تجاوز الرؤى الجزئية للتشريعات والقصص القرآني، إلى تقديم قراءة كلية لنظرة القرآن للتاريخ والاقتصاد. إلا أن قراءته كانت تبحث عن مضمون السنن التاريخية والاجتماعية والاقتصادية التي يعرضها القرآن في قصصه وتشريعاته، وليس عن مبادئ كلية معرفية لدراسة التاريخ والاقتصاد. كذلك اهتم المفكر فضل الرحمن مالك بالطبيعة. ففي كتابه "المسائل الكبرى للقرآن" المترجم للعربية سنة 2014، الذي يمثل قراءة موضوعية للقرآن، حاول تقديم رؤية قرآنية عن الطبيعة. لكنَّ رؤيته لا تفصح عن تصور القرآن الطبيعةَ ذاتها ولا عن منهجية فهمها، إذ اعتبر الطبيعة في القرآن موضوعاً فرعياً مرتبطاً بالآخرة وبمركزية الحساب.

في المقابل اهتمت رؤى أسلمة العلوم، ومنها رؤية العلواني، ببيان الفارق بين النموذجين المعرفي التوحيدي والغربي، وبربط القرآن بالكون لإنتاج منهجية قرآنية شاملة، إلا أنها أهملت خطوة بلورة أسس لتفسير القرآن مصدراً لهذه المنهجية. صدر عن المعهد العالمي كتابات كثيرة عن مركزية القرآن، مثل "النص القرآني من الجملة إلى العالم" لوليد منير سنة 1997، و"حاكمية القرآن" للعلواني سنة 1996. وكتابات تبرز مركزية القرآن وشموله كلَ الأنشطة الإنسانية، مثل "سنن القرآن في قيام الحضارات وسقوطها" لمحمد هيشور سنة 1996، و"المداخل المنهجية للبحث في العلاقات الدولية في الإسلام" لنادية محمود مصطفى في نفس السنة، و"الفنون الإسلامية" للفاروقي المنشور سنة 2015. كذلك وضع الفاروقي خطة عمل لعملية الأسلمة، فضلاً عن بلورة رؤية شاملة للتاريخ البشري ومساراته منطلقة من تصور للقرآن كاشفاً عن منهجية معرفية في صلة الإنسان بالغيب بالتاريخ، مع أبو القاسم حاج حمد في كتابه "منهجية القرآن المعرفية" الصادر سنة 1986. في مقابل هذا لا نجد دراسات لمناهج المفسرين التقليدين، ولا نقاشاً تفصيلياً للأدوات التفسيرية، ولا بلورة واضحة لمنهجية تفسير تستطيع إنشاء حوار مع المنهجيات التقليدية والمعاصرة في قراءة القرآن، وتؤسِّس لاكتشاف المفاهيم القرآنية.

إلا أن المشاريع العلمية لا تنحصر في السياقات التي أنشأتها، خصوصاً حين تمثل اجتهاداتها دفعاً إلى تجاوز هذه الحدود بالفعل. فمشروع سبحاني يمثل محاولة لعدم الوقوف عند حيز تفسير القرآن بالقرآن، بدفع منهج القراءة إلى التماسك، ودفع النص إلى الواقع مقاصدياً. ومشروع العلواني بسبب تكوينه الأصولي، دفع بمشاريع الأسلمة إلى الدخول في نقاش بنية النص القرآني، وتطوير بنية مفاهيمية مؤطِّرة تتجاوز بنية المفاهيم والعلوم التراثية. إنّ عقد لقاء بين المشروعين، يستطيع أن يدفع بهذه الإمكانات في اتجاه أشمل وأعلى، تمثِّل فيه قراءة النص ببنية منهجية مؤسَّسة، مجرد بداية لاكتشاف المنهجية القرآنية الشاملة المودعة فيه.


يتسم الواقع الإسلامي باتساع كبير، سواء جغرافياً، أو على مستوى السياقات الفكرية والاجتماعية والحضارية، وهو مايسم كل قراءة جديدة للقرآن بسمات ترتبط بسياقها الفكري الخاص، لكنَّ ذلك لا ينفي اشتراك كل هذه المشاريع في هذا الأفق العام، الذي ينطلق من مركزية القرآن في مشروع النهوض.

لذا فعلى كثرة المشاريع الفكرية التي تقدَّم عن القرآن، التي قد ينظر لها جزراً فكرية ومنهجية منعزلة أو متعارضة، إلا أن افتراض حوارات متخيلة بين هذه المشاريع هو القراءة الأمثل لها. إذ يدفع لاكتشاف حدودها، والوقوف على نقاط قوتها وما يمكن أن تعد به، فيطرح إمكانات للجمع بينها أساساً لبلورة رؤى جديدة.

اشترك في نشرتنا البريدية