إبراهيم فاضل جبل
كاتب في دراسات قضايا الدولة والمواطنة وتحولات النظام السياسي في العراق.
غطّت الحرب التي شنّتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضدّ إيران في نهاية فبراير 2026 على أزمةٍ أخرى منذرةٍ بالاحتدام في منطقة الخليج. فقبل أيامٍ من اندلاع الحرب، أودع العراق ترسيمه الحدود البحرية بينه وبين الكويت من طرفٍ واحدٍ لدى الأمم المتحدة. وعدّت الكويت التحرك العراقي اعتداءً على سيادتها، في موقفٍ أيدتها فيه معظم دول المشرق العربي. لتحيي الأزمة بركاناً خامداً بين البلدين لم ينتهِ مع انتهاء احتلال العراق الكويتَ في فبراير 1991. بعد خروج القوات العراقية من الكويت، واصل العراق المختنق اقتصادياً سداد التعويضات التي قدّرتها الأمم المتحدة بمبلغ 52.4 مليار دولار للجار الكويتي حتى سنة 2022. لكن تسوية حقوق الكويت بعد انتهاء الاحتلال لم تُخرج العراق من عوالق مغامرته. إذ ظلّت الكويت عقدةً وملفاً يتجدد فتحه بصيغٍ مختلفة. تارةً عبئاً مالياً يُثقل حاضر العراقيين بأخطاء نظامٍ سابقٍ، وتارةً جرحاً سيادياً مؤجلاً في تصور العراقيين، وأخيراً فرصةً داخليةً لإنتاج خطابٍ وطنيٍ في لحظة عجزٍ سياسيٍ خانقة.
وتلخص أزمة الحدود البحرية أبعاد ذلك الجرح العراقي، إذ تتجاوز كونها خلافاً على خرائط وإحداثياتٍ ونزاعاً قانونياً حول اتفاقيةٍ أو تفسير قرارٍ دولي. فقد رُسمت الحدود بين العراق والكويت في حين كانت الدولتان – إحداهما أو كلتاهما – تحت الاحتلال أو الحماية من قوىً خارجية. وساهمت الدولة المحتلة في جعل الحدود بين البلدين – لاسيما المتصلة منها بالمنافذ البحرية – محلّ اضطراب.
ومنذ أعوامٍ يتجدد الخلاف الحدودي بين العراق والكويت في المناطق نفسها. وأسهم حال نظام الحكم القائم في العراق في إذكاء تلك الخلافات. إذ وجد العراق نفسه بعد إسقاط نظام البعث في 2003، تحت قيادة نظامٍ قائمٍ على شرعيةٍ قلقةٍ، يلجأ إلى إعادة إنتاج فكرة "الاستثناء العراقي" بدلاً من تجاوزها. فالعراق الذي تحكمه موازين داخليةٌ مضطربةٌ، وتتنازع قراره مؤسسات الدولة وقوى ما فوقها، غالباً ما يلجأ إلى القضايا السيادية ساحةً بديلةً لإعادة ترتيب الشرعية، أو البحث عن نجاحٍ رمزيٍ حين يتعذر تحقيق نجاحٍ فعليٍ في بنية الحكم. وعليه، تغدو أمواج الخليج موضعاً تحاول فيه العراق تعويض ما عجزت عن تسويته في اليابسة. لا لأن البحر وحده موضع خلافٍ، بل لأن الإشكالية الأعمق تكمن في طبيعة الدولة العراقية نفسها، وفي طريقتها في تعريف السيادة واستخدامها واستدعائها عند الحاجة.
تُقرأ أزمة الحدود البحرية بين العراق والكويت ضمن تاريخ الخلافات الحدودية في الخليج العربي. ويعود تاريخها إلى نهايات القرن التاسع عشر، إبان خضوع المنطقة للحكم العثماني.
في كتابها "مشكلة الحدود الكويتية بين الدولتين العثمانية والبريطانية 1899-1913" الصادر سنة 1993 تعود الباحثة الكويتية ميمونة خليفة الصباح، إلى تلك الحقبة لتبرز تاريخ الخلاف الطويل على حدود الكويت مع جيرانها.
تبرز الباحثة في استعراضها التاريخي إعلان "الإرادة السَنية لصاحب مقام الخلافة" الذي أصدر فيه أوامره في مارس 1906 بألَّا "يُترك للإنكليز مقدار شبرٍ من الأرض في اليمن، أو في خليج البصرة". لتبين كيف كانت مسألة النفوذ والسيطرة في الخليج جزءاً من صراعٍ أوسع. ومن ثم، انتقل من فواعله الإمبراطورية المتمثلة في المتحكمين في هذا الملف من بريطانيا والدولة العثمانية، إلى كونه جدلاً ثنائياً بين الكويت والعراق.
في المقابل، يرى العراق أن ترسيم الحدود بينه وبين الكويت في أعقاب انتهاء الغزو سنة 1991، والمعيّن بقرارٍ من الأمم المتحدة يستند إلى وثيقةٍ "مزورة"، أي خطابٍ منسوبٍ لرئيس الوزراء العراقي السابق نوري السعيد موجّهٍ إلى المندوب السامي البريطاني في العراق في 21 يوليو 1932. بموجب هذه الوثيقة التي لا يعترف العراق بصحتها، يتخلى العراق للكويت عن جزيرتي وربة وبوبيان، مما يحد من وصول العراق لمياه الخليج الثري بالنفط والغاز الطبيعي.
منذئذٍ ظلت الخلافات الحدودية الرئيسة بين البلدين متصلةً بوصول العراق لمياه الخليج وموارده، كما يظهر في تحركات العراق الأخيرة لترسيم حدوده المائية، في حين يعاني من تركةٍ اقتصاديةٍ ثقيلةٍ واضطراباتٍ داخليةٍ تزيد من حدّتها هشاشة مؤسسات الحكم.
تفتتح أستاذة الفلسفة السياسية، آفيا باسترناك كتابها "مواطنون مسؤولون ودول غير مسؤولة، [. . .]" المنشور سنة 2023، بمثالين على أخطاء سلطات الدول، فيصبح تصحيحها عبئاً يثقل مواطنيها. هذان المثالان هما تعويضات ضحايا الهولوكوست التي تحمّلتها ألمانيا الغربية بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، والتزامات العراق التي قررتها الأمم المتحدة تعويضاً عن الخسائر والأضرار التي لحقت بالكويت ومواطنيها جراء الغزو الذي جاء بقرارٍ من الرئيس العراقي صدام حسين في مطلع التسعينيات.
تقول باسترناك: "حين نلقي المسؤولية على عاتق الدولة، فسوف يتأثر مواطنوها في الداخل [. . .] المبالغ الضخمة التي استُخدمت لتمويل خطط التعويض هذه، كان مصدرها الخزينة العمومية. ما يعني أن مسؤوليتها (أي الدولة) عن معالجة أفعالها الضارة، توزّعت على شعوبها توزيعاً تلقائياً". هذا العبء الاقتصادي الأخلاقي حضر في مواقف العراقيين في كل جدلٍ مع الكويت، سواءً كان جدل الحدود أو حتى النقاشات العامة. مثالٌ على ذلك تصريحات أحمد الجلبي، العضو السابق في البرلمان العراقي، حين دعا الكويت سنة 2010 للتنازل عما تبقى من تعويضاتها في أعقاب إسقاط نظام صدام حسين. قال الجلبي إن على الكويت "أن تمدّ يد العون للشعب العراقي الذي عانى الكثير من السياسات غير المسؤولة للنظام البائد".
مع سقوط نظام صدام حسين سنة 2003، أصبح شعور العراقيين بعبء الماضي أكثر حضوراً. يرصد الباحث المختص بالشؤون الاقتصادية أحمد الطبقجلي في دراسته "ديون العراق.. نظرة عامة حول وضع الديون ونشأتها ومستقبلها" المنشورة سنة 2018، أن العراقيين "لم يكونوا على علم بحجم الديون والالتزامات الهائلة خلال سنوات حكم صدام". وأن "الصدمة برزت بوضوح" بعد سنة 2003 حينما اكتشفوا أن بلدهم "مرهونٌ للخارج لعقودٍ قادمةٍ بديونٍ، أثقلها تعويض الكويت". غير أن اكتمال سداد التعويضات في سنة 2022 لم يُنهِ الإحساس بثقل وطأة الماضي. فالكلفة أخذت بعداً سيادياً وسجالاً سياسياً يتعلق بالحدود.
جاء قرار المحكمة الاتحادية العليا في العراق سنة 2023 بعدم دستورية اتفاقية تنظيم الملاحة في خور عبد الله المطلّ على الخليج العربي، التي تنصّ على إدارة القناة والمرافئ عبر لجنةٍ مشتركةٍ بين العراق والكويت، موقَّعةٍ في سنة 2012، ليبدو ذروةً قانونيةً للتعبير عن الخطاب الذي تتبناه أجنحةٌ داخل السلطات العراقية. قرار إسقاط الدستورية عن الاتفاقية جاء بعد عامٍ واحدٍ فقط من استكمال العراق دفع تعويضات غزو الكويت. وأوحى القرار، كما صوّره نواب عراقيون، بأنه "موقفٌ وطنيٌ لتصحيح المسار وحفظ الحقوق" ورفض الاستمرار في دفع أثمانٍ سياديةٍ "لقراراتٍ اتُخذت تحت ضغط أخطاء النظام السابق". ومنهم النائب زهير شهيد الفتلاوي الذي عبّر عن هذا الموقف عبر صفحته على فيسبوك في فبراير سنة 2025.
ترى قطاعاتٌ من الساسة ومواطني العراق أن علاقة دولتهم بالكويت علاقةٌ استثنائية. فقد حكمتها ظروف تفاوض العراق تحت ضغط الحصار الاقتصادي والعسكري في أعقاب حرب الخليج الثانية، ثم وسط ظرفٍ تاريخيٍ تواجه فيه الدولة انتقاصاً من سيادتها وتشكّل نظامٍ سياسيٍ قائمٍ على المحاصصة تتنازعه "المكونات العراقية". ولا تتجلى تلك الاستثنائية في إشكالية الترسيم الحدودي فحسب، بل في كيفية توظيف العلاقة مع الكويت في الصراعات السياسية داخل العراق. فقرار المحكمة الاتحادية، وهو نقطة التحوّل الأبرز في القضية بعد سنة 2003، سرعان ما أصبح ورقة لعبٍ على طاولة التنافس السياسي والانتخابي، وسبباً في انقسامٍ داخل منظومة القضاء وساحةً للاتهامات المتبادلة بين الحكومة ومجلس النواب.
ثمة تصورٌ عراقيٌ لاستثنائية العلاقة الحدودية مع الكويت بالذات، إلا أن الحقائق التاريخية تشهد بأن هذا النزاع بين البلدين يأتي في سياقٍ أوسع يشمل مشكلاتٍ حدوديةً قائمةً في الخليج العربي. فقد ارتبط كثيرٌ منها بإرث الخرائط الاستعمارية وتداخل المجالين البري والبحري وحساسية الموارد والممرات المائية. فقضية الحدود في منطقة الخليج العربي من أكثر الملفات تعقيداً في التاريخ المعاصر، ذلك أنها تتعلق بتحوّلٍ جذريٍ في بنية السلطة والمجال السياسي في الخليج من فضاءاتٍ قبليةٍ مفتوحةٍ إلى دولٍ وطنيةٍ ذات سيادةٍ محددةٍ جغرافياً.
يشير الباحث لوي أولداي المختص في تاريخ الخليج، في مقالٍ منشورٍ سنة 2014 بعنوان "البريطانيون في الخليج: نظرة عامة"، إلى أن بريطانيا تركت إرثاً من الاتفاقيات المتضاربة في منطقة الخليج منذ انتصارها على قبائل القواسم سنة 1820 في منطقة رأس الخيمة. حاولت بريطانيا بتلك الاتفاقيات موازنة القوى المحلية وتأمين مصالحها الاستراتيجية لأنها القوة المهيمنة حتى السبعينيات.
لكن ذلك خلق نقاط احتكاكٍ انفجرت مراراً عند كلّ تحوّلٍ في موازين القوى، أو عند اكتشاف موارد طبيعيةٍ جديدةٍ في المناطق المتنازع عليها. هذا ما يؤكده أيضاً الباحث صلاح أمين الذي خلص في دراسته "أدوات السيطرة البريطانية على الخليج العربي 1899-1971" المنشورة سنة 2025، إلى أنه في أعقاب اكتشاف النفط الغزير في الخليج، سارعت بريطانيا لإيجاد طريقةٍ لنيل مصالحها الاقتصادية متمثلةً في شركات التنقيب، خصوصاً في ظل التنافس مع الشركات الأمريكية التي جاءت للتنقيب عن النفط في المنطقة.
ولنيل مآربها استخدمت ما دفعت به القيادات المحليةَ في ترسيم الحدود بين دول الخليج، بما يضمن الاحتفاظ بأكبر قدرٍ من الموارد تحت الحماية البريطانية، فزرعت بذوراً للنزاعات الحدودية.
فلا تمثّل مشكلة الحدود بين العراق والكويت حالةً استثنائيةً في تاريخ الخليج العربي بقدر ما تُعدّ حلقةً في سلسلةٍ طويلةٍ من النزاعات الحدودية التي واجهتها المنطقة منذ تشكّل دولها الحديثة منذ الربع الأول من القرن العشرين. ارتبطت النزاعات بتحولاتٍ كبرى في بنية السلطة، من انهيار النفوذ العثماني وصعود الدور البريطاني، ثم اكتشاف النفط.
من أبرز النماذج التي تُظهر كيفية إدارة هذه النزاعات بقانونيةٍ مركّبةٍ، العلاقة بين الكويت والمملكة العربية السعودية بشأن ما عُرف بـالمنطقة المحايدة أو "المنطقة المقسومة". وترجع جذور هذه القضية إلى مؤتمر العقير سنة 1922، وهو اجتماعٌ عُقد برعايةٍ بريطانيةٍ في ميناء العقير على ساحل الخليج ضمن الأراضي السعودية الحالية، بهدف ترسيم الحدود بين الدولة السعودية الناشئة آنذاك وكلٍّ من العراق والكويت بعد تراجع النفوذ العثماني.
كان الدافعُ الرئيس لعقد المؤتمر منعَ النزاعات القبلية المتكررة وضبط المجال الجغرافي في منطقةٍ بدأت تكتسب أهميةً استراتيجيةً متزايدة. ويذكِّر المتخصص في شؤون التاريخ محمد المطيري في أطروحته "بريتش سعودي ريليشنز 1902–1932" (العلاقات البريطانية السعودية 1902-1932) المنشورة سنة 2019، إلى أن هذا المؤتمر شابَهُ خللٌ بنيويٌ مهم، إذ لم تكن للكويت مشاركةٌ تفاوضيةٌ فاعلةٌ، إذ مثّلها شكلياً ممثل الحماية البريطانية السياسيُّ، وليس وفداً كويتياً مستقلاً. أدّى ذلك إلى ترجيح كفة الرؤية البريطانية والسعودية في رسم الحدود. ونتيجةً لذلك، ثُبِّتت حدودٌ لم تأخذ بعين الاعتبار كل التعقيدات الاجتماعية والقبلية على الأرض.
المنطقة المحايدة السعودية والكويت (2 ديسمبر 1922 – 18 يناير 1970) وضعت من قبل معاهدة العقير في ديسمبر 1922 | ويكيمديا
المنطقة المحايدة السعودية والكويت (2 ديسمبر 1922 – 18 يناير 1970) وضعت من قبل معاهدة العقير في ديسمبر 1922 | ويكيمديا
ظهرت "المنطقة المحايدة" في هذا السياق، حلاً وسطاً لمشكلة التداخل بين النفوذين الكويتي والنجدي. وذلك بموجب اتفاقية العقير سنة 1922، قبل قيام المملكة العربية السعودية بصيغتها الحديثة في سبتمبر 1932. والمنطقة المحايدة تقع جغرافياً في جنوب الكويت وشمال شرق السعودية، وتبلغ مساحتها نحو 7500 كيلومتر مربعٍ، وتمتد من الحدود البرية إلى جزءٍ من الساحل على الخليج العربي.
لم تكن هذه المنطقة "محايدة" بالمعنى التقليدي، بل منطقةً ذات سيادةٍ مشتركة يُسمح لكلا الطرفين باستخدامها في ظل غياب ترسيمٍ دقيقٍ للحدود داخلها. وأبرز إنشاءُ هذه المنطقة طبيعةَ المرحلة، حيث لم تكن الدول الناشئة قد فرضت بعدُ سيطرتها الكاملة على مجالها السياسي، وكانت الحدود لا تزال تتشكل بين مجالات نفوذٍ قبليةٍ متداخلة.
تغيرت أهمية هذه المنطقة مع اكتشاف النفط في الثلاثينيات، إذ تحوّلت من فضاءٍ هامشيٍ إلى منطقةٍ ذات قيمةٍ اقتصاديةٍ واستراتيجيةٍ عاليةٍ، ما فرض الحاجة إلى إعادة تنظيم وضعها القانوني. وعلى هذا الأساس، توصلت الكويت والسعودية إلى اتفاقيةٍ لتقسيمها سنة 1965. دخلت الاتفاقية حيّز التنفيذ سنة 1970. وقُسمت بموجبها المنطقة المحايدة قسمين برّيين بين الكويت والسعودية، مع الإبقاء على مبدأ تقاسم الموارد الطبيعية مناصفةً بين البلدين، حتى في المناطق التي أصبحت ضمن السيادة الإقليمية لكل طرفٍ بعد التقسيم.
مثّل هذا الحل انتقالاً من صيغة السيادة المشتركة غير المحددة إلى صيغةٍ أكثر تنظيماً تقوم على تقاسم المنافع بدلاً من حسم النزاع لصالح أحد الطرفين.
تطوّرت هذه الترتيبات في المرحلة اللاحقة إلى نموذجٍ عمليٍ للإدارة المشتركة، وعُرف بِاسم "منطقة العمليات المشتركة"، وهي آلية إدارة الحقول النفطية في المنطقة، مثل حقل الوفرة في الجزء البري وحقل الخفجي في الجزء البحري. ومع هذا التنظيم إلا أن المنطقة شهدت تحدياتٍ أبرزها توقف الإنتاج سنة 2014 نتيجة خلافاتٍ تشغيليةٍ وتنظيميةٍ، ما أظهر أن الترتيبات القانونية تحتاج إلى دعمٍ سياسيٍ مستمر.
وبعد أعوامٍ من التوقف، توصّل الطرفان إلى مذكرة تفاهمٍ سنة 2019 لاستئناف الإنتاج، ثم اتفاقاتٍ لاحقةٍ سنة 2021 لتنظيم العمليات، وصولاً إلى اتفاق سنة 2022 لتطوير حقل الدرَّة الغازي في المنطقة البحرية المشتركة واعتماد مبدأ الفصل البحري وتقاسم الإنتاج بالتساوي.
كذلك الحال في النزاع الحدودي بين قطر والبحرين، الذي تمتد جذوره إلى تاريخ تشكّل السلطة على الساحل الغربي من الخليج العربي. ارتبط الملف منذ وقت مبكرٍ بمدينة الزبارة، وهي بلدةٌ تقع على الساحل الشمالي الغربي من شبه الجزيرة القطرية. ازدهرت الزبارة في أواخر القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر مركزاً لتجارة اللؤلؤ أسّسه تجارٌ قدموا من الكويت. وربطتها شبكات تجارةٍ واسعةٌ بالهند ومناطق متفرقةٍ في شبه الجزيرة العربية وغرب آسيا. وارتبط اسم آل خليفة بالزبارة قبل انتقالهم إلى البحرين.
فقد كان آل خليفة جزءاً من الجماعات التي استقرت في الزبارة بعد قدومها من الكويت، ثم قادوا سنة 1783 عملية السيطرة على البحرين، واستقروا هناك أسرةً حاكمة. وبعد انتقالهم إلى البحرين، ظلت الزبارة حاضرةً في الذاكرة السياسية البحرينية جزءاً من إرثٍ تاريخيٍ سابقٍ، بينما كانت تقع جغرافياً على البر القطري.
هذا التداخل بين السابقة التاريخية للحكم والموقع الجغرافي الفعلي، جعل الزبارة تتحول من مركزٍ تجاريٍ قديمٍ إلى عقدةٍ سياديةٍ في النزاع الحديث. ولم يُنْهِ خروج آل خليفة من الزبارة التنافسَ في المنطقة، إذ تعاقبت على شبه الجزيرة القطرية قوىً محليةٌ مختلفةٌ، ثم برز آل ثاني تدريجياً في القرن التاسع عشر السلطةَ السياسية الأهم في قطر.
كانت الزبارة والبحرين جزءاً من تنافسٍ أوسع بين قوى الساحل الخليجي المحلية على التجارة واللؤلؤ والمرافئ. كانت بريطانيا تنظر إلى قطر تابعةً البحرين، وحين تصاعد النزاع بين البحرين وسكان قطر سنة 1867 و1868 شنّت قواتٌ بحرينيةٌ مدعومةٌ من أبوظبي هجماتٍ على بلداتٍ قطرية.
وبحسب اختصاصية الأرشفة في المكتبة البريطانية كارين ستابلي في مقالها "ذي إيميرجنس أوف قطر: [. . .]" (ظهور قطر: دور بيلي في اعتراف بريطانيا بالدولة سنة 1868) المنشور سنة 2014، دفعت تلك المواجهة بريطانيا إلى التدخل سياسياً لصالح قطر. فأبرمت بريطانيا في سنة 1868 ترتيباً منفصلاً مع الشيخ محمد بن ثاني، مؤسس النفوذ السياسي لأسرة آل ثاني قبل بروز الدولة القطرية الحديثة.
وعُدّت تلك خطوةً مبكرةً في الاعتراف بقطر كياناً سياسياً منفصلاً عن البحرين. أي إن بريطانيا لم ترسم حدوداً نهائيةً، لكنها أسست لتمييزٍ سياسيٍ بين الطرفين، من دون أن تحسم المناطق المتنازع عليها.
جزر حوار | خرائط غوغل
جزر حوار | خرائط غوغل
ولم يقتصر النزاع بين قطر والبحرين على الزبارة، بل امتد ليشمل جزراً ومناطقَ بحريةً قريبةً، أبرزها جزر حوار وفشت الدبل وجزيرة جنان. وكانت أهمية هذه المواضع أكبر من حجمها، لأن السيادة عليها تؤثر في رسم خطوط الأساس البحرية، ومن ثم ترسيم المياه الإقليمية والمناطق البحرية الأخرى بما فيها من ثرواتٍ بين الطرفين.
فضّلت الإدارة البريطانية إدارة التوازن بين القوى المحلية بدلاً من فرض حدودٍ نهائيةٍ، ما أسهم في ترحيل النزاع إلى مرحلة ما بعد الاستقلال بحسب ستابلي. ومع انسحاب بريطانيا سنة 1971 وظهور الدول الوطنية الحديثة، تحوّل هذا الإرث التاريخي إلى نزاعٍ سياديٍ صريحٍ بين دول الخليج المستقلة في ظل غياب اتفاقاتٍ حاسمةٍ بشأن الحدود البرية والبحرية.
الصراع على الحدود والثروات يبرز في النزاعات الحدودية بين الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية. كانت بريطانيا قبل استقلال الإمارات في سنة 1971، تدير ساحل الإمارات باتفاقات حمايةٍ وتحالفاتٍ محليةٍ، من دون أن تنجح في فرض ترسيمٍ نهائيٍ ودقيقٍ للحدود مع السعودية.
يصعب ترسيم الحدود بين البلدين خاصةً في المناطق الصحراوية الشاسعة ذات الكثافة السكانية المنخفضة، حيث كان النفوذ القبلي ومجالات الحركة التقليدية أسبق من الدولة الحديثة.
وتعقّد هذا الإرث مع صعود أهمية النفط، ذلك أن كلّ خطٍّ حدوديٍّ غير معنيٍّ بضبط المجال الجغرافي وحسب، بل بتحديد السيادة على حقولٍ ومنافذ وممراتٍ استراتيجية. وترتبط جذور الخلاف الإماراتي السعودي الحديث بثلاث بؤرٍ رئيسةٍ، منطقة البريمي العين، ومنطقة خور العديد، ومنطقة زرارة الشيبة. فالبريمي منطقةٌ تاريخيةٌ تقع عند تقاطع أبوظبي وعُمان والسعودية، وكانت موضع تنازعٍ منذ الخمسينيات بسبب قيمتها السياسية وموقعها بوابةً داخليةً إلى عُمان وأبوظبي.
أما خور العديد فهو منفذٌ ساحليٌ على الخليج العربي في الجهة الغربية من أبوظبي، وتكمن أهميته في أنه يلامس الساحل البحري ويؤثر في الاتصال البري بين الإمارات وقطر. وأما زرارة الشيبة فهو حقلٌ نفطيٌ كبيرٌ في الربع الخالي، تسميه السعودية "الشيبة" وتسميه الإمارات "زرارة"، وتنبع حساسيته من أن أي ترسيمٍ حدوديٍ في تلك المنطقة يظهر ملكية أحد أكبر الموارد النفطية في الحدود الصحراوية بين السعودية والإمارات.
وجدت الدولتان سبيلاً للحل بعد ثلاثة أعوامٍ فقط من إعلان تأسيس دولة الإمارات العربية المتحدة، أي سنة 1974، حين وقّعا اتفاقية جدة لترسيم الحدود البرية والبحرية، سعياً إلى تسوية النزاعات الحدودية المتراكمة منذ الحقبة البريطانية. وكانت الإمارات بحاجةٍ إلى مثل تلك الاتفاقيات لتثبيت الاعتراف بها إقليمياً وترسيخ اتحادها الداخلي. وسعت السعودية إلى إغلاق الملفات الحدودية العالقة منذ حقبة النفوذ البريطاني.
حصلت السعودية بموجب الاتفاقية على ممرٍّ بريٍّ يصلها بالخليج العربي عند منطقة خور العديد، ما أدى إلى فصل الحدود البرية بين الإمارات وقطر. نصت الاتفاقية أيضاً على أن تقع المشتقات النفطية في حقل الشيبة زرارة ضمن الجانب السعودي، مع تعهدٍ إماراتيٍ بعدم الاستكشاف أو الحفر في الجزء الواقع شمال خط الحدود، وناقشت تبعية بعض النقاط الساحلية والجزر الصغيرة وترتيبات الحدود البحرية وإن لم تحسمها. وبذلك لم تكن الاتفاقية مجرد ترسيم خطٍّ حدوديٍّ، بل إعادة توزيع المجال الحدودي على نحوٍ مسّ منفذاً بحرياً وحقلاً نفطياً بالغ الأهمية.
جلبت الاتفاقية قدراً من الاستقرار الشكلي، إلا أنها لم تُنهِ الخلاف تماماً من وجهة النظر الإماراتية. فالرواية الإماراتية التي برزت لاحقاً تقول إن ما تُفوهِم عليه شفهياً قبل التوقيع لم يطابق الصيغة النهائية المكتوبة.
ويرى الإماراتيون أن فريقهم التفاوضي كانت تنقصه حينها الخبرة القانونية والفنية والجغرافية، بحكم حداثة الدولة والظرف السياسي الضاغط. ولهذا ظهر على الجانب الإماراتي خطابٌ وصف الاتفاقية بأنها تسويةٌ في ظروفٍ غير متكافئةٍ لا تعكس بالضرورة ما تعتقده الإمارات حقاً تاريخياً أو جغرافياً لها. ففي سنة 2006، وفي عهد خليفة بن زايد، سعت الإمارات إلى "تصحيح" اتفاقية جدة، ووصفَها الحاكم الإماراتي بأنها "ظالمة" كون بلاده "اضطرت لتوقيعها في ظروفٍ استثنائية". ونشرت الإمارات وقتئذٍ خرائط رسميةً تُظهر قراءةً مختلفةً لمسار الحدود التي تمددت غرباً لتضم معظم مساحة وموارد حقل الشيبة الذي كانت الاتفاقية قد منحته للسعودية.
مثلت سنة 2022 محطة تصعيدٍ أخرى بين السعودية والإمارات، حين أصدر مجلس الوزراء الإماراتي القرار رقم 35 لسنة 2022 بشأن تطبيق نظام الخطوط المستقيمة على سواحل الدولة. والمقصود بالخطوط المستقيمة أن الدولة لا تقيس بحرها الإقليمي من تعرجات الساحل الطبيعية نقطةً بنقطةٍ، بل تصل بين نقاطٍ محددةٍ على الساحل أو الجزر بخطوط مستقيمة، ثم تعدّ المياه الواقعة داخل هذه الخطوط مياهاً داخليةً، ومنها تبدأ قياس البحر الإقليمي وسائر المناطق البحرية.
هذا الإجراء لم يكن فنياً بسيطاً وحسب، بل إن تغيير خط الأساس البحري يغير تلقائياً نطاق الولاية البحرية للدولة.
ذكرت الإمارات إحداثياتٍ محدّدةً لنقاط على ساحلها في الخليج العربي وخليج عُمان، ونصّ القرار على أن هذه خطوط الأساس المستقيمة التي ستُقاس منها المناطق البحرية الإماراتية. وبعد ذلك أُبلغت الأمم المتحدة بهذه الإحداثيات ضمن إخطارٍ بحريٍ رسمي.
في المقابل، أودعت السعودية لدى الأمم المتحدة مذكرةً رسميةً في ديسمبر 2023، اعترضت فيها على التحرك الإماراتي والإحداثيات الناتجة عنه، ووصفتها "غير المقبولة [. . .] وغير المعترف بها من جانب الرياض". وكانت هذه بداية معركة مذكراتٍ أمميةٍ بين البلدين ما زالت جاريةً حتى لحظة كتابة هذه المطولة.
بالمثل شهدت الحدود بين سلطنة عمان من جانبٍ والإمارات والسعودية كلٌّ على حدةٍ خلافاتٍ شبيهة. تمكنت الدول الثلاث من التوصل إلى تفاهماتٍ أنهت تلك الخلافات الحدودية. لكن ذلك الاستقرار والتفاهم سبقته نزاعاتٌ وأزماتٌ ارتبطت بطبيعة التحوّل من المجال القبلي إلى الدولة الحديثة.
ففي الحالة العُمانية السعودية، يُعدّ نزاع واحة البريمي في أوائل الخمسينيات أبرز صدامٍ حقيقي. في سنة 1952، ومع تصاعد أهمية النفط في شرق الجزيرة العربية، حاولت السعودية تثبيت وجودها في الواحة بدعم زعاماتٍ قبليةٍ محليةٍ، وسعت الرياض إلى توسيع نطاقها السيادي في المناطق غير المعيّنة حدودياً.
واجهت سلطنة عُمان وإمارة أبوظبي هذا التوسع وعدّته مساساً بسيادتهما التاريخية، ما أدى إلى تصاعد التوتر إلى مستوىً شبهٍ عسكريٍ انتهى بتدخلٍ بريطانيٍ مباشرٍ في سنة 1955 أعاد السيطرة على الواحة لصالح عُمان وأبوظبي. لكنه لم يُنهِ الإشكال بالكامل، وأجّل حسم الحدود النهائي إلى عقودٍ لاحقة.
أما في الحالة العُمانية الإماراتية فقد اتخذت الخلافات طابعاً مختلفاً، إذ لم تكن صداماً مباشراً، بل توتراتٍ ناتجةً عن التداخل الجغرافي والبشري. ويلاحَظ ذلك في المناطق الجبلية بين شمال عُمان والإمارات حيث القرى والقبائل تنتشر وتتحرك بلا حدودٍ واضحة.
ظهرت في السبعينيات والثمانينيات احتكاكاتٌ محدودةٌ لمحاولات ضبط الحدود وتنظيم الوجود الأمني، خصوصاً في المناطق القريبة من إمارتَيْ رأس الخيمة والفجيرة، حيث كانت بعض القرى تخضع إدارياً لطرفٍ، بينما ترتبط اجتماعياً أو قبلياً بالطرف الآخر.
ومن أبرز مظاهر هذا التعقيد استمرار وجود الجيوب الجغرافية مثل منطقة مدحاء العُمانية داخل الإمارات، وما تحتويه من تداخلٍ مع قرية نحوة الإماراتية، وهو وضعٌ يعكس بقاء آثار المجال القبلي القديم داخل الدولة الحديثة. عولجت هذه التوترات تدريجياً بمفاوضاتٍ طويلةٍ انتهت باتفاقية سنة 2002، التي لم تكن مجرد ترسيم حدودٍ، بل تسويةً لإرثٍ تاريخيٍ معقّدٍ من التداخلات.
لكن "النزاع" العراقي الكويتي هو الأحدّ في تاريخ الخلافات الحدودية في الخليج العربي، وتداخلت فيه جملةٌ من الأسباب التاريخية. فساحل العراق المحدود على الخليج جعل من أي ترسيمٍ بحريٍ مسألةً حساسةً لاقتصاد البلاد، خاصةً وأن ممرّ خور عبد الله يمثّل الشريان الوحيد للوصول إلى المواني الكبرى في البصرة.
هذا الوضع الجغرافي فاقَمَ الحساسية معطوفاً على إرث العلاقات بين البلدين، لاسيما أن أبرز حدثٍ بينهما هو غزو العراق الكويتَ وما ترتّب من عقوباتٍ دوليةٍ أسهمت في تراجع العراق اقتصادياً وامتد أثرها إلى إسقاط النظام في 2003.
تلك القضايا المتراكمة جعلت من الخلاف الحدودي مع الكويت ورقةً سياسيةً محليةً، لأنها تمثل تقاطعاً بين القانون والسيادة وأداةً لإنتاج شرعيةٍ في سياق إخفاقاتٍ داخلية. ما يجعل قضية الحدود تُستدعى عند كلّ تأزُّمٍ عراقيٍ داخلي. فيُنظر لذلك الصراع الحدودي من زاويةٍ تصوِّره وكأن الكويت تسعى لاستثمار الأزمات الداخلية العراقية لفرض واقعٍ تراه في صالحها أو كسب تنازلاتٍ في ملف الحدود البحرية.
الأدبيات السياسية على اختلافها لا تعرض قضية ترسيم الحدود السياسية بين أي بلدين مسألةً فنيةً، بل هي دائماً إما أزمةٌ أو مشكلةٌ أو صراع. يعود ذلك لكون ترسيم الحدود السياسية لا يكتفي بتعيين مواضع السيادة وحدودها، بل يمتد – كما يظهر في حالة الخليج العربي – إلى التنافس على الموارد أو التاريخ المتنازع عليه.
1899 - 1913
تدين المؤرخة الكويتية ميمونة الصباح في دراستها "مشكلة الحدود الكويتية بين الدولتين العثمانية والبريطانية" دولاً أوروبيةً مثل ألمانيا وروسيا وفرنسا. وتتهمها بأنها حرّضت الدولة العثمانية على تقليص نفوذ الشيخ مبارك الصباح مؤسس الكويت الحديثة على بعض المناطق "التابعة له، وضمّها إلى ولاية البصرة العثمانية".
ومن تلك المناطق تذكر جزيرتَيْ وربة وبوبيان، وهما جزيرتان تقعان في أقصى شمال الخليج العربي عند مدخل شط العرب. وتذكر كذلك منطقتَيْ أم قصر وصفوان، وهما منطقتان تقعان على الساحل الشمالي الغربي من الخليج. تستند ميمونة في ذلك إلى توقيع الشيخ مبارك الصباح اتفاقية الحماية مع بريطانيا في 23 يناير 1899، بعد أن قتل أخويه محمد وجراح اللذين فضّلا العلاقة مع الدولة العثمانية.
وحين حسمت المفاوضات بين الدولة العثمانية وبريطانيا سنة 1913، تمخّضت عنها اتفاقيةٌ أكدت سيادة الكويت على وربة وبوبيان. إلا أن الباحثة تراه حسماً "ظالماً". هذا النتيجة التي تراها الباحثة الكويتية ظالمةً لبلدها هي ما قامت عليه مجمل الصراعات الحدودية اللاحقة بين العراق والكويت.
1918 - 1920
ارتبطت الفترة التي سبقت تأسيس الدولة العراقية الحديثة بالتغيرات والاضطرابات السياسية المتلاحقة، بدءاً من انهيار الدولة العثمانية وتقسيم تركتها بين القوى الاستعمارية الكبرى، مروراً بالانتفاضات العراقية ضد البريطانيين التي لم تتوقف حتى قيام الدولة العراقية المستقلة.
وذكر الكاتب العراقي حسن العلوي في كتابه "الشيعة والدولة القومية في العراق" المنشور سنة 1990، أن أول تجربةٍ حزبيةٍ عراقيةٍ في الكفاح المسلح ضد البريطانيين كانت "ثورة المدينة" في مارس 1918. وكانت الانتفاضة الكبرى هي ثورة العشرين التي اندلعت في 30 أغسطس 1920 ضد الاحتلال البريطاني.
وتعدّ الحدث الذي مهّد لتأسيس الدولة العراقية الحديثة وصعود النزعة الوطنية المتمثلة بالرغبة في تشكيل دولةٍ وطنية. وتمخض عنها تشكيل حكومة عبد الرحمن النقيب، التي مثّلت المجلس التأسيسي الذي اضطلع بدور تنصيب ملك للعراق. ومع كل ذلك الغليان السياسي، لم يكن للعراق دورٌ في مسألة حدوده ولاسيما مع الكويت، إذ تعود جذورها إلى تناقضٍ في إدارة السياسة البريطانية نفسها.
كانت بريطانيا تدير شؤون الخليج العربي في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين بمستويين إداريين مختلفين. الأول هو الحكومة البريطانية في لندن ووزارة خارجيتها، والثاني هو حكومة الهند البريطانية التي كانت تتبع التاج البريطاني حتى سنة 1947. وأُنيطت إدارة الخليج بحكومة الهند منذ منتصف القرن التاسع عشر، حين عُدّ الخليج جزءاً من المجال الاستراتيجي المرتبط بأمن طرق التجارة المؤدية إلى الهند، المستعمرة الأهم في الإمبراطورية البريطانية.
ولهذا كانت التقارير والاتصالات المتعلقة بالخليج تمر بحكومة بومباي ثم حكومة الهند في كلكتا ولاحقاً نيودلهي، وكان المقيم السياسي البريطاني في الخليج يتبع إدارياً حكومةَ الهند لا وزارةَ الخارجية في لندن. في المقابل، كانت وزارة الخارجية في لندن تنظر إلى المسألة من زاوية توازنات الإمبراطورية البريطانية وعلاقاتها مع الدولة العثمانية والقوى الدولية الأخرى.
وبسبب هذا الازدواج في مراكز القرار، ظهرت أحياناً اختلافاتٌ في المقاربات السياسية، إذ ركزت حكومة الهند على إدارة العلاقة اليومية مع الحكام المحليين في الخليج، وحرصت على أخذ مصالحهم بعين الاعتبار حفاظاً على الاستقرار التجاري والأمني في المنطقة، في حين انشغلت لندن بالاعتبارات الدبلوماسية الأوسع.
ومن ثَمّ بدا التباين بين حكومتي لندن والهند البريطانية واضحاً في سير الأحداث وطريقة التعاطي مع القضايا المحلية، ومنها مسألة الحدود. وظهر هذا التباين في تبادل المصالح والنفوذ بين الدولة العثمانية وبريطانيا، ما أوحى في بعض المراحل بوجود تردّدٍ أو عدم اهتمامٍ بمطالب الشيخ مبارك، مع أن بريطانيا أظهرت في وقتٍ سابقٍ موقفاً يميل إلى مسايرة الكويت في ملف الحدود.
لذلك لم تتنبّه ميمونة الصباح في دراستها للتسويات السياسية المؤقتة التي أنتجت حلولاً مرحليةً، بعد أن قالت جازمةً إن "بريطانيا لم تلتزم بتعهداتها تجاه الكويت"، عند سرد مجموعة حوادث عن "تخوّف الشيخ مبارك من ضم بعض المناطق الشمالية إلى البصرة".
بدأ العراق ينخرط في مسائل الحدود – وإن لم يحُز كامل سيادته بعد – عقب الهجمات "السعودية " سنة 1921. دفعت تلك الهجمات بريطانيا إلى السعي لترسيم الحدود لحماية كلٍّ من الكويت والعراق. وكان لمؤتمر العقير المنعقد في نوفمبر 1922 دورٌ في معالجة هذه المسألة تحت إشراف المندوب السامي البريطاني في العراق السير بيرسي كوكس. وحدّدت المعاهدات التي وُقّعت في ديسمبر من السنة نفسها الحدود الحالية للسعودية مع الكويت والعراق، وأنشأت المنطقتين المحايدتين السعودية العراقية، والسعودية الكويتية.
إلا أنها لم تعيّن الحدود بين العراق والكويت. وسُوّيت هذه المسألة في أبريل 1923 بمذكرةٍ جاءت رداً على رسالةٍ من شيخ الكويت، أرسلها السير كوكس إلى الوكيل السياسي البريطاني في الكويت، وفوّضه بإبلاغ الشيخ بأن "مطالبته بالحدود والجزر المشار إليها [المقصود بالجزر وربة وبوبيان] معترفٌ بها". وحُدِّدت حدود العراق والكويت في تلك المذكرة بعباراتٍ تكاد تكون مطابقةً لما ورد في اتفاقية سنة 1913 (البريطانية العثمانية).
1932 - 1958
بعد استقلال العراق في أكتوبر 1932، وافق رئيس مجلس الوزراء وقتئذٍ نوري السعيد، في رسالةٍ – تزعم الخارجية البريطانية أنها تلقّتها ولا يوجد في الوثائق العراقية دليلٌ على وجودها – على احترام حدود الكويت كما حُدِّدت في مذكرة السير كوكس. وشهدت السنة ذاتها، بحسب سالم مشكور في كتابه "نزاعات الحدود في الخليج، معضلة السيادة والشرعية" المنشور سنة 1993، رواج خطاب "ضرورة ضم الكويت" في الصحافة العراقية "للتخلص من عمليات التهريب إلى العراق".
لكن شيخ الكويت أحمد الجابر الصباح زار العراق وتعهد للملك غازي بمنع التهريب ومعاقبة فاعليه. غير أن هذا الالتزام "نُقض" كما ترى الكويت في سنة 1938، عندما طالب الملك غازي بضمّها. واستخدم الملك إذاعة قصر الزهور لبثّ خطاباتٍ تدعو الكويتيين للثورة ضد الهيمنة البريطانية والانضمام إلى وطنهم الأم، معلناً أن العراق قد "يضم الكويت بالقوة المسلحة في حال فشل في الوسائل السلمية".
أدّى هذا الخطاب إلى انقسامٍ في الشارع الكويتي، بين حركةٍ وطنيةٍ ظهرت بوادرها سنة 1938 مطالبةً بإصلاحاتٍ تشريعيةٍ تعزز الاستقلال، ونخبٍ تعاطفت مع فكرة الاتحاد مع العراق مدفوعةً بشعارات العروبة. حينئذٍ، أعلن العراق رسمياً اعتباره الكويت جزءاً من أراضيه لأنه "الوارث الشرعي" للدولة العثمانية في ولايات الموصل وبغداد والبصرة. ومع أن وفاة الملك غازي في حادث سيرٍ سنة 1939 خفّفت من حدّة التوتر العلني، إلا أن المبدأ السياسي العراقي ظل ينظر إلى الكويت قضيةً حدوديةً غير محسومة.
في سنة 1958، وقبل أشهرٍ من إسقاط الملكية في العراق حاول السياسي العراقي نوري السعيد، الذي شغل منصب رئيس الوزراء عدّة مراتٍ في العهد الملكي، إحياء المطالب العراقية في الكويت بالقنوات الدبلوماسية. وهو ما نصّ عليه تقريرٌ من المخابرات المركزية الأمريكية كُشف عنه في 1999، بعنوان "باست أند بريزنت بروبلمز أوف إراكز باوندريز وذ كويت أند سعودي أرابيا" (مشاكل حدود العراق في الماضي والحاضر مع الكويت والمملكة العربية السعودية).
اقترح السعيد انضمام الكويت إلى "الاتحاد العربي" الذي تشكّل بين العراق والأردن، بهدف "تأمين الموارد النفطية الكويتية لمواجهة المد الناصري والجمهورية العربية المتحدة". ودفع السعيد بأن الكويت "لا يمكنها الاستمرار ككيانٍ صغيرٍ مستقلٍ في ظل التهديدات الإقليمية". إلا أن الكويت، وبدعمٍ بريطانيٍ، فضّلت الحفاظ على وضعها القائم، ما عمّق الشعور العراقي بأن "بريطانيا تستخدم الكويت كأداةٍ لعزل العراق وتطويقه بحرياً".
1961
وباستقلال الكويت في يونيو 1961 أعلن رئيس مجلس الوزراء العراقي عبد الكريم قاسم، الذي أطاح بالنظام الملكي في العراق قبلها بثلاثة أعوامٍ، أن الكويت "جزءٌ لا يتجزأ من العراق" مضيفاً أنه سيصدر "مرسوماً بتعيين شيخ الكويت قائممقاماً للكويت، ويكون تابعاً إلى سلطة لواء البصرة". ورفض الاعتراف باتفاقية سنة 1913 التي حددت حدود الكويت، لأنها "لم تُصدّق قطّ، وبالتالي فهي لا تتمتع بأيّ صلاحيةٍ بموجب القانون الدولي". وجادل قاسم بأن مذكرة السير كوكس لسنة 1923، التي كان من المفترض أنها حسمت مسألة الحدود بين العراق والكويت، غير صالحةٍ لأن "المندوب السامي كان يتصرف بأراضٍ عراقيةٍ بما يخالف شروط الانتداب التي أُبرمت في مؤتمر العقير".
أدّى هذا التصعيد، الذي ترافق مع تحركاتٍ عسكريةٍ رمزيةٍ نحو الحدود الكويتية إلى استنفارٍ بريطانيٍ سريع. وأطلقت لندن "عملية فانتج" وأنزلت قواتها في الكويت بناءً على طلب الأمير عبد الله السالم لصدّ أيّ هجومٍ محتمل.
ومع الانقسامات العربية بين المعسكرين الجمهوري والملكي، إلا أن المعسكرين أجمعا على ضرورة إخراج القوات البريطانية من المنطقة. وتوسطت جامعة الدول العربية، ووافقت على عضوية الكويت في يوليو 1961 رغم المعارضة العراقية الشديدة.
ثم اتُفق على استبدال القوات البريطانية "بقوات أمن" مشتركةٍ تضم وحداتٍ من السعودية والجمهورية العربية المتحدة (مصر وسوريا) والأردن والسودان. ونجحت هذه القوة في تأمين الاستقرار على الحدود. بمقتل عبد الكريم قاسم في سنة 1963، انتهى تمركز القوات العربية الموجودة بين البلدين، بحسب أستاذة التاريخ بجامعة المثنى رشا جميل في دراستها "ذا ريفليكشنز أوف ذا سيكوند غلف وور أون ذا إراكي كويتي ريليشنز 1990–2010" (انعكاسات حرب الخليج الثانية على العلاقات العراقية الكويتية 1990-2010) المنشورة سنة 2025.
1963- 1990
اتخذت الإدارة العراقية الجديدة بعد انقلاب البعث في فبراير 1963 مساراً تصالحياً مع الكويت، مدفوعاً برغبة القادة الجدد في كسر عزلة العراق وتأمين موارد ماليةٍ لدعم الاقتصاد. وفي لقاءٍ وُصف بأنه تاريخيٌّ ببغداد، وقَّع الجانبان "المحضر المتفق عليه بين دولة الكويت والجمهورية العراقية بشأن استعادة العلاقات الودية والتمثيل الدبلوماسي"، تضمّن اعتراف العراق بسيادة الكويت واستقلالها بحدودها القائمة. ولكن لم ينتج عن اللقاء ترسيمٌ ميدانيٌ لعلامات الحدود، ما أنذر بتجدّد الخلافات مستقبلاً. خاصةً مع احتياج العراق القائم لصيغةٍ تمكّنه من الانفتاح على الخليج العربي، سواءً بضمّ جزيرتي وربة وبوبيان إليه، أو على الأقل الحصول على حقّ استخدام شريطٍ أوسع على الساحل.
ظل الوضع المتفق عليه بين البلدين معلقاً على ما اتفقا عليه في محضر اجتماع 1963. ثم جاء عقد التسعينيات الذي افتتحه الرئيس العراقي السابق صدام حسين باقتحام الكويت وإنهاء الاتفاقية. ومع فشل جامعة الدول العربية والأمم المتحدة في احتواء الأزمة في هذه المرة، دُوِّلت أزمة الغزو، وتدخل التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة وبمشاركاتٍ عربية. انتهت حرب تحرير الكويت بإنهاء الغزو العراقي، ثم بدء مسار الحصار الاقتصادي والتعويضات التي انتهت إلى إسقاط نظام صدام حسين بعد ثلاثة عشر عاماً بحربٍ لا يزال العراق تدفع ثمنها إلى اليوم.
تسبّبت ثماني سنواتٍ من الحرب ضد إيران في استنزاف العراق اقتصادياً وعسكرياً، ليأتي شهر أغسطس 1988 وقد تكبد العراق خسائر تجاوزت 430 مليار دولار وارتفعت ديونه الخارجية من 35 مليار دولار عشية الحرب إلى نحو 100 مليار دولار بنهايتها. وهي تقديراتٌ بيّنتها دراسة "ذا إيكونوميك كونسيكوينسز أوف غَلف وور" (التبعات الاقتصادية لحرب الخليج) الصادرة سنة 1990 لقمران مفيد. وتزامنت ديون العراق المتراكمة مع انخفاضٍ طال أسعار النفط التي مثلت العمود الفقري لدخل العراق.
وجد العراق منفذاً للخروج من أزمته الاقتصادية الخانقة باتهام الكويت بالمسؤولية. يقول المؤرخ الفلسطيني وليد الخالدي في مقاله "أزمة الخليج: الجذور والنتائج" المنشور سنة 1991، إن بغداد اتهمت الكويت بالإفراط في إنتاج النفط خارج حصص منظمة أوبك لخفض الأسعار. واتهمتها أيضاً "بسرقة" النفط العراقي من حقل الرميلة عبر تقنيات الحفر المائل. وبلغت لغة الخطاب العراقي ذروتها بوصف التصرفات الكويتية بأنها "عملٌ حربيٌ وعدوانٌ اقتصادي".
ومع تصاعد التوتر، حدثت محاولةٌ أخيرةٌ للحلّ العربي في جدة بالمملكة العربية السعودية في أواخر يوليو 1990. وفشل الاجتماع الثلاثي بسبب الفجوة الواسعة في المواقف. إذ طلب العراق تنازلاتٍ حدوديةً وماليةً، في حين رفضت الكويت التفاوض تحت التهديد. وبعد يومين من المؤتمر، اقتحمت القوات العراقية حدود الكويت وبدأ الغزو.
بعد انتهاء الحرب سنة 1991، شكّلت الأمم المتحدة "لجنة ترسيم الحدود بين العراق والكويت". واعتمد مجلس الأمن نتائجها في القرار 833 لسنة 1993، الذي يعدّه عراقيون كثر "ترسيماً قسرياً" تحت ضغطٍ دوليٍ، وقتما "كانت الدولة العراقية في أضعف حالاتها". فهِمَ هؤلاء الموقف هكذا ولاسيما أن قرار الأمم المتحدة قد صدر حين خضوع العراق لنظام عقوباتٍ شمل قيوداً اقتصاديةً وتجاريةً وماليةً صارمةً، إلى جانب تقييد سيادته في مجالاتٍ متعددة. ولم تبنِ آلية الترسيم نفسها على مفاوضاتٍ ثنائيةٍ مباشرةٍ بين العراق والكويت، بل على لجنةٍ دوليةٍ اعتمدت قراراتٍ سابقةً ووثائق تاريخيةً أقرّها مجلس الأمن بقرارٍ ملزم. بينما رأى الكويتيون ما نقله جاسم كرم في دراسته "ترسيم الحدود السياسية لدولة الكويت كإحدى نتائج الغزو العراقي على الكويت" المنشورة سنة 1994، أن قرار الترسيم كان "حدثاً رئيساً في إنهاء مطامع العراق في ثروات الكويت، ولهذا كان يستغل قوته في الماضي لغزوها".
بحسب وثائق مجلس الأمن، تضمّن القرار 833 تحديداً دقيقاً للحدود البرية والبحرية، بما في ذلك خور عبد الله. وهو ممرٌّ مائيٌّ يقع شمالي الخليج العربي يقع بين جزيرتي بوبيان ووربة وشبه جزيرة الفاو العراقية، ويمتد داخل الأراضي العراقية، مشكّلاً خور الزبير، ويعدّ المنفذ الملاحي الوحيد المؤدي إلى مواني العراق. وكانت أول مرةٍ وُضعت فيها علاماتٌ حدوديةٌ ماديةٌ بين البلدين، ما منح الكويت سيادةً قانونيةً دوليةً على جزيرتي وربة وبوبيان وجزءٍ كبيرٍ من الممر الملاحي في خور عبد الله.
وكشف الكاتب العراقي أحمد عبد الله في تحقيقٍ صحفيٍ بعنوان "الخرائط والوثائق: كيف وصلنا إلى اتفاقية خور عبد الله؟" منشورٍ سنة 2025 أن لجنة الأمم المتحدة لم تفرض على العراق أي شروطٍ أو قيودٍ على الملاحة في خور عبد الله، ولم تفرض عليه أيّ بنودٍ توجب التوصل إلى اتفاقٍ أو تسويةٍ مع الكويت في الخور أو الحدود المائية عامةً.
ما يعني أن العراق لم يكن مضطراً إلى توقيع اتفاقيةٍ مع الكويت لتنظيم الملاحة في سنة 2013، ذلك أن قرار مجلس الأمن "لم يمنح الكويت سلطة التحكم بحركة الملاحة، ولا يتضمن أيّ نصٍّ يُوجِب تنازل العراق أو إقرار التزاماتٍ لاحقةٍ حول المياه الإقليمية للخروج من البند السابع". الأمر الذي يُفهم منه أن العراق ذهب إلى الاتفاقية بلا دراسةٍ، وربما كان التوقيع خياراً سياسياً اتخذته الحكومة العراقية آنذاك لتطبيع العلاقات مع الكويت.
فتحت الاتفاقية باباً لجدلٍ سياسيٍ وقانونيٍ داخل العراق، إذ رأى منتقدوها أنها تجاوزت حدود ما أقرّته الأمم المتحدة، وأنها نقلت مسألة تنظيم الملاحة من إطارٍ دوليٍ إلى التزامٍ ثنائيٍ، يقيّد هامش الحركة العراقية في ممرٍّ يُعدّ شرياناً حيوياً لاقتصاد البلاد وموانيها.
في المقابل، وبحسب تقريرٍ نشرته وكالة الأنباء العراقية الرسمية بعنوان "نواب وخبراء: اتفاقية خور عبد الله تنظم الملاحة ولا تمسّ سيادة العراق" منشورٍ سنة 2025 أكد مؤيدو الاتفاقية مثل النائبة عن كتلة الإعمار والتنمية عالية نصيف، وعضوة كتلة تيار الفراتين النيابية رقية النوري، والخبير القانوني علي التميمي أنها كانت خطوةً ضروريةً لتثبيت الاستقرار الحدودي وتجنب إعادة تدويل النزاع مع الكويت.
في سنة 2017، أوصت لجنةٌ شكّلها مجلس النواب العراقي لمراجعة اتفاقية تنظيم الملاحة مع الكويت بإيقاف العمل بها باعتبارها "تجاوزاً على السيادة العراقية في ساحله البحري الوحيد، ومخالفةً للقرار الدولي 833، وتفرض الرقابة على سفن العراق الحربية، وتوجب اطلاع الكويت على كل التحركات الأمنية لخفر السواحل العراقي".
لكن لم يُتخذ قرارٌ بناءً على التوصية. وتوقفت الإجراءات العراقية حتى جاء إعلان المحكمة الاتحادية العليا سنة 2023 قرارها بإسقاط دستورية التصديق على الاتفاقية، لأنه "لم يحصل على غالبية الثلثين من أعضاء مجلس النواب وقتها، وهو ما يقرّه الدستور العراقي النافذ".
كتلة الصادقون النيابية في البرلمان العراقي
كتلة الصادقون النيابية في البرلمان العراقي
"هادي العامري زعيم "منظمة بدر
"هادي العامري زعيم "منظمة بدر
مارك سافايا ورئيس الوزراء محمد شياع السوداني
مارك سافايا ورئيس الوزراء محمد شياع السوداني
عضو ائتلاف الإعمار والتنمية قصي محبوبة ورئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني
عضو ائتلاف الإعمار والتنمية قصي محبوبة ورئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني
رئيس مجلس القضاء الاعلى فائق زيدان
رئيس مجلس القضاء الاعلى فائق زيدان
أثار قرار المحكمة الاتحادية جدلاً واسعاً، وحشد الشارع العراقي المثخن والمنقسم. ومع أن السخط الشعبي على النظام السياسي كان مفهوماً لاعتباراتٍ اقتصاديةٍ وسياسيةٍ، إلا أن ما يثير الانتباه، هو "الثورية الوطنية" التي ظهرت عند بعض الأحزاب والتيارات التي تُصنّف نفسها صراحةً بأنها مواليةٌ لإيران. من هذه التيارات "حركة حقوق"، الجناح السياسي لكتائب حزب الله العراقي، وكتلة "صادقون"، الجناح السياسي لحركة "عصائب أهل الحق". إذ أعلنت كتلة صادقون أن "أي تهاون سنواجهه بموقف لا يلين. السيادة خط أحمر، وكفى مجاملة". مؤكدةً أن على الحكومة تحمّل مسؤولياتها التاريخية. تجاوز النقاش عن الاتفاقية طابعه الدستوري، وعزّز من ذلك أن المحكمة الاتحادية لم تُسقط دستورية الاتفاقية استناداً إلى مضمونها ولم تقيّم أحكامها الموضوعية، بل انصبّ الحكم على مسار إقرار الاتفاقية الداخلي ما يضع مجلس النواب الذي مرّر الاتفاقية ومن ورائه الحكومة موقع الاتهام.
دخلت القضية سريعاً في سياق إعادة تعريف المواقف الوطنية وتبادل الاتهامات بين القوى السياسية التي وظفت الحدث ضمن صراعها السياسي الداخلي. ويُظهر تعامل المؤسستين القضائيتين (مجلس القضاء الأعلى والمحكمة الاتحادية) مع الملف تبايناً في المقاربة بين البعد الشكلي والبعد الموضوعي. ويتصل ذلك كلّه بسياقٍ أوسع شهدته المرحلة بين سنتي 2023 و2026، وهي مرحلةٌ تداخلت فيها التحولات السياسية الداخلية مع الضغوط الإقليمية، بما أعاد تنشيط ملف الحدود وأنتجه ضمن خطاب السيادة والتنافس السياسي.
يتبنى العراق خطاباً يعارض النفوذ الأمريكي والإسرائيلي في المنطقة، متقاطعاً مع المصالح الإيرانية، ما عرّض العراق لرسائل وهجماتٍ أمريكيةٍ ضد نشاط الجماعات المسلحة بعد السابع من أكتوبر 2023. وبحسب فارس الخطاب في دراسته "الفصائل العراقية والحرب على غزة" المنشورة سنة 2024، دأبت واشنطن على وصف الفصائل التي تهاجم قواتها في العراق وسوريا "المسلحين المدعومين من إيران". وردّت القوات الأمريكية على فصائل محددةٍ، نتيجة استهداف الفصائل مصالح أمريكا. وتضمّنت الردود شنّ هجماتٍ متفرقةٍ ونوعيةٍ على مقراتٍ ومراكز تدريبٍ في مدينة جرف الصخر جنوب غربي بغداد، ومواقع عسكريةٍ على الحدود مع الأردن، وغيرها من الأماكن. فضلاً عن اغتيالات شخصياتٍ غير معروفةٍ على المستوى العام ويُعتقد بدورها الاستخباراتي المؤثر في العمليات.
أصبح العراق بعد السابع من أكتوبر أمام نوعين من المواقف، أحدهما "مقاوم" والآخر يرفض "الدخول بالحرب". إلا أن الواقع رجّح كفة النشاط المسلح وخطابه. فردّاً على الرسائل الأمريكية، بدأت الجماعات المسلحة في صياغة خطابٍ مضادٍ عدّ الوجود الأمريكي في العراق "هدفاً مشروعاً" في حال تدخلت أمريكا مباشرةً في العدوان على غزة. فتوعّد هادي العامري، زعيم "منظمة بدر" وأحد المتهمين في "بيع خور عبد الله باتفاقية سنة 2013"، في 9 أكتوبر 2023، "جميع الأهداف الأمريكية" بأنها "ستكون مشروعة" إذا تدخلت الولايات المتحدة. وأعلن أبو آلاء الولائي، قائد "كتائب سيد الشهداء"، أن التدخل الأمريكي المباشر يعني تحويل مصالحه في المنطقة بأسرها إلى "أهداف للمقاومة". وتبنّت جميع أطراف "الإطار التنسيقي" وهو الائتلاف الحاكم الذي يضم الكتل السياسية والجماعات المسلحة الشيعية التي شكّلت الحكومة في سنة 2021 بعد إقصاء "التيار الصدري" الفائز في انتخابات ذلك العام، خطاباً موحداً داعماً "محورَ المقاومة".
لم تتخذ السلطات العراقية أيّ موقفٍ ضد الجماعات المسلحة نظراً لحضورها الفاعل في القرار السياسي. على العكس من ذلك، راكمت المواقف العراقية خطاباً معادياً أمريكا. ومع أن أمريكا سعت لعدم تصعيد الموقف، كما كتب الخطّاب في دراسته، إلا أن خطابها ترجم غضبها بتصاعد حدّة الرسائل، والدعوة إلى حلّ الجماعات المسلحة وإجراء إصلاحاتٍ اقتصاديةٍ، والتذكير باتهامات تهريب النفط العراقي إلى إيران.
وقتئذٍ كانت الجماعات المسلحة تواجه أزمة شرعيتها السياسية. فالدستور العراقي يمنع الدمج بين العمل العسكري والسياسي. وبرزت دعواتٌ من داخل مؤسسات الحكم الرسمية تطالب بإيجاد حلّ "السلاح المنفلت" أو دمج عناصر الحشد الشعبي في الجيش. والحشد الشعبي هيئةٌ أمنيةٌ رسميةٌ أعيد تنظيمها من مجموعة فصائل مسلحةٍ بعد سنة 2014 لمواجهة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش).
بدت الجماعات المسلحة بفواعلها السياسية وأذرعها المسلحة أمام مصيرٍ مجهول. لكن سقوط نظام بشار الأسد في سوريا في نهاية 2024 منحها فرصةً لالتقاط الأنفاس، فحاولت تصدير نفسها حاميةً للبلاد من أخطار الإرهاب أو دخول "قوات الجولاني" إلى العراق، حسبما جاء على لسان رئيس الوزراء السابق نوري المالكي في ديسمبر 2024.
تدريجياً، لم تعد الرسائل الأمريكية تقتصر على الجوانب العسكرية لقوى "اللا دولة"، بل بدأت تتبنى نهجاً مؤسسياً يربط بين وجود الفصائل وبين هيكل الدولة العراقية واقتصادها. ونوهت وزارة الخزانة الأمريكية في تقريرٍ أصدرته سنة 2024 إلى ضرورة مراقبة معاملات الجماعات المسلحة. وبعد تعيين مارك سافايا مبعوثاً أمريكياً خاصاً إلى العراق في أكتوبر 2025، صرّح أن أيّ جهدٍ جدّيٍ لتحقيق الاستقرار "يجب أن يبدأ بتفكيك شبكات الفساد التي تموّل وتحمي الميليشيات"، إشارةً إلى أذرعها السياسية الحاكمة.
هذه التحوّلات أكدت أن أمريكا بدأت تستخدم سياسةً ترى في الفصائل وبيئتها السياسية عائقاً أمام مشروع العراق الدولة الذي يمكن التعامل معه شريكاً موثوقاً، ما يستدعي توجيه الحكومة العراقية للسيطرة عليها ومواجهتها.
في الوقت عينه كانت الضغوط ترتفع لتهز الوضع السياسي الداخلي العراقي بقوةٍ، بدءاً من الحديث عن "الانهيار الاقتصادي المرتقب"، وعلاقة المركز بإقليم كردستان وتصدير النفط عبر ميناء جيهان التركي، الذي لم يكن ليتمّ لولا الضغوط الأمريكية. وقد أثارت القضايا الأمنية والمائية مع تركيا جدلاً داخلياً، وارتفع منسوب الغضب بعد انقطاعات الكهرباء بسبب اضطراب إمدادات الغاز الإيراني.
في خضم هذا التوتر الذي طبع سنة 2025، أثيرت مجدداً قضية الاتفاقية مع الكويت بشأن تنظيم الملاحة، وتحديداً قرار المحكمة الاتحادية. فتبنّت القوى الحاكمة حالة "الثورية الوطنية" الموجهة نحو قضية الحدود العراقية مع الكويت كي تعيد تموضعها داخل بيئتها الاجتماعية، خصوصاً مع الاستعداد لانتخاباتٍ تشريعيةٍ جديدة.
استخدمت الأحزاب في تحضيرها للانتخابات ملف الاتفاقية الحدودية. وانقسم المشهد السياسي متبادلاً الاتهامات، فاتهم كل فريقٍ الآخر بالشعبوية. وبغضّ النظر عن مضمونها، مثّلت الاتفاقية أداةً فعّالةً في خطاب التخوين. أكد قصي محبوبة، عضو ائتلاف الإعمار والتنمية الذي يقوده رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، في حوارٍ تلفزيونيٍ على قناة الأولى العراقية في 30 يوليو 2025، أن نقاش السيادة مرتبطٌ بحساباتٍ انتخابيةٍ لإفشال السوداني. يقابل ذلك روايةٌ صُدّرت للفضاء العام مفادها أن "السوداني أحد الذين باعوا خور عبد الله للكويت في 2013"، رداً على مطالبته المحكمة الاتحادية بالعدول عن قرارها الذي قضى بعدم دستورية المصادقة عليها. وبعد أن سحب السوداني طعنه على الحكم، وُصف هذا الإجراء أيضاً بأنه مناورةٌ سياسيةٌ بهدف التنصّل من المسؤولية.
جدير بالذكر، أن أبرز المعترضين على الاتفاقية هم من داخل أعضاء الائتلاف الحاكم الذي شكّل حكومة السوداني، إلا أنهم انقلبوا عليه، وفقاً لما يمكن استنتاجه من حديث محبوبة، تمهيداً لخفض حظوظه في رئاسة الحكومة ولايةً ثانية. وذهبت آراء أخرى مثل الكاتب العراقي سمير عادل في مقاله "لماذا أُثيرت قضية 'خور عبد الله' الآن؟ ومن يقف وراءها؟" المنشور سنة 2025، أن "هؤلاء المنقلبون أدوات إيرانية" دفعتهم إيران إلى "الضغط على الكويت بعد أن تصاعد خلافٌ بينهما بشأن حقل الدرة النفطي والغازي الواقع في منطقة خور عبد الله".
دافع التيار الحكومي بين ذلك، عن نفسه بالقول إن "ضرر إلغاء الاتفاقية أكبر من ضرر غزو الكويت"، لكنه لم يقدّم دليلاً على حقيقة ذلك، ودعا "الوطنيين" (من هم خارج الائتلاف الحاكم) إلى "خفض التصعيد، وعدم الوقوع في فخ الدعايات الانتخابية". وسعى الخطاب الحكومي إلى نزع الطابع الحدودي عن الجدل الدائر، وتقديمه قضيةً حُسمت قانونياً منذ عقود. إذ نشرت وكالة الأنباء العراقية في سنة 2023 تقريراً بعنوان "الناطق بِاسم الحكومة يوضح بالتفصيل قرار ترسيم الحدود مع الكويت منذ سنة 1994"، أوضح فيه المتحدث بِاسم الحكومة باسم العوادي أن مسألة الحدود مع الكويت أُغلقت منذ سنة 1994 عندما اعترف العراق رسمياً بقرار مجلس الأمن رقم 833. وأن الملف بات يستخدم لممارسة الضغط السياسي بين القوى العراقية، عبر "اتهام الحكومات المتعاقبة بالتفريط بالسيادة".
كان الإقرار بعدم دستورية الاتفاقية في المحكمة الاتحادية نتيجة حراكٍ قانونيٍ قاده النائب سعود الساعدي، رئيس كتلة "حقوق" النيابية. استطاع الساعدي إقناع المحكمة بوجود خللٍ في عملية التصويت. حاولت الكتلة استخدام هذا "النجاح" في تعزيز مكانتها داخل المشهد السياسي، واستُغِل في المهرجانات الانتخابية، كما نشر الساعدي عبر صفحته على فيسبوك في 27 أكتوبر 2025.
إلى جانب ذلك، برز خلافٌ داخل جهاز القضاء. إذ لا يمكن القول إن العراق بلور موقفاً دستورياً موحداً كما يتضح من الرأي القانوني الذي طرحه رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان، في مقالٍ له في صحيفة الشرق الأوسط بعنوان "أمواج خور عبد الله بين قرارين متناقضين" المنشور سنة 2025. أكد زيدان أن اتفاقية تنظيم الملاحة في خور عبد الله الموقعة في سنة 2013 تمثّل معالجةً فنيةً وإداريةً لتنظيم الملاحة في الممر المائي المشترك، ولا تمسّ مسألة الحدود التي حُسمت سابقاً بقرار مجلس الأمن رقم 833 لسنة 1994. وأشار زيدان إلى أن العراق استكمل إجراءات التصديق عليها وفق الأصول الدستورية لسنة 2013 بالأغلبية البسيطة في مجلس النواب، وهو ما أقرّته المحكمة الاتحادية نفسها في قرارها الصادر في سنة 2014 عندما ردّت الطعن المقدم ضد قانون التصديق، مميّزةً بين قانون التصديق على اتفاقيةٍ محددةٍ الذي يُقرّ بالأغلبية البسيطة، وبين القوانين المنظمة لإجراءات المصادقة على المعاهدات التي تتطلب أغلبية الثلثين.
غير أن المحكمة – بحسب زيدان – عادت في سنة 2023 وعَدَلَت عن قرارها السابق، معتبرةً أن التصويت كان ينبغي أن يكون بأغلبية الثلثين. وهو ما عدّه زيدان خروجاً على مبدأ حجّية الأحكام القضائية، الذي يفيد بأن الأحكام النهائية لها قوةٌ ملزمةٌ تمنع إعادة طرح النزاع ذاته أمام القضاء مرةً أخرى، فضلاً عن أنه "يهدد الاستقرار القانوني للاتفاقيات الدولية التي أبرمها العراق خلال السنوات الماضية". وكان المحورُ الأساس الذي استندت إليه المحكمة الاتحادية مخالفةَ نصّ المادة 61 في فقرتها الرابعة من الدستور، التي تنصّ على أن "تنظم عملية المصادقة على المعاهدات والاتفاقيات الدولية بقانونٍ يُسنّ بأغلبية ثلثي أعضاء مجلس النواب"، في حين مُرِّرت الاتفاقية بالأغلبية البسيطة (النصف زائداً واحداً) وليس بأغلبية الثلثين الموصوفة. ما يجعل إجراءات المصادقة باطلةً من الناحية الدستورية الشكلية.
ولم يتوقف الخلاف عند حدود الجدل القانوني بين المؤسستين القضائيتين، بل امتدّ ليُنتج أزمةً داخل المحكمة الاتحادية نفسها. فقد انتهى هذا السجال بتقديم رئيس المحكمة، جاسم العميري، استقالته التي بُررت لاحقاً بدواعٍ صحية. واستقال تسعةٌ آخرون من أعضاء المحكمة في خطوةٍ غير مسبوقةٍ في تاريخها.
أظهرت هذه التطورات، في مجملها، حجم التداخل بين الاعتبارات القضائية والصراعات السياسية في إدارة هذا الملف، بما يعزز الانطباع بأن الجدل حول الاتفاقية لم يكن قانونياً صرفاً. فهذه استثنائيةٌ عراقيةٌ تلاعبت بملفاتٍ سياديةٍ لمصالح سياسيةٍ، وصراعٌ خفيٌّ بين المؤسستين القضائيتين نتج بعد "قراراتٍ لمحكمة التمييز نقضت فيها الكثير من قرارات الاتحادية، مع أن قراراتها باتّةٌ ومُلزِمةٌ للسلطات كافةً، ولا يمكن الطعن بها من أيّ جهة".
بإيداع العراق في 21 فبراير 2026 قوائم الخرائط البحرية والإحداثيات الخاصة بمياهه الإقليمية لدى الأمم المتحدة، تجدد الشقاق بين العراق وجيرانه من دول الخليج. إذ عدّت دول مجلس التعاون الخليجي هذه الخطوة "تمسّ سيادة الكويت على مناطقها البحرية"، ودعت إلى الحوار الدبلوماسي لمعالجة الملف. وفي المقابل، شدّد العراق على أن إجراءها يستند إلى القانون الدولي وأن الحل يكمن في التفاوض والحوار. وتباينت مواقف دول الخليج، فأكدت كلٌّ من السعودية وقطر والإمارات والبحرين دعمها الكامل الكويتَ وتمسكها بالقانون الدولي، في حين ذهبت سلطنة عُمان إلى موقفٍ أقل اصطفافاً بتأكيدها على أهمية احترام المعايير الدولية ومبادئ حسن الجوار.
أيّدت نخبٌ عراقيةٌ خطوة إيداع قوائم الخرائط البحرية، ورأت أن العراق قدّم إلى الأمم المتحدة خارطةً وإحداثياتٍ تبيّن ما يراه في مسألة الحدود. ومن بين المؤيدين مدير برنامج العراق في معهد دول الخليج العربي عباس كاظم، الذي أكد أنه "لا يوجد إجراءٌ أكثر سلميةً وقانونيةً منه". بينما رفضته الكويت في بيانٍ صادرٍ عن وزارة خارجيتها في 21 فبراير 2026، واستدعت القائم بأعمال سفارة العراق لديها لتسليمه مذكرة احتجاجٍ رسميةً على "ما تضمنته الادعاءات العراقية المودعة لدى الأمم المتحدة من مساسٍ بسيادة دولة الكويت على مناطقها البحرية، والمرتفعات المائية التابعة لها". وردّت الخارجية العراقية في بيانٍ نشرته في 21 فبراير 2026، بأن الإيداع يحلّ محلّ إيداعاتٍ سابقةٍ في سنة 2011، في إطار تحديث بياناتها البحرية بما ينسجم مع القانون الدولي، ويعزز الوضوح القانوني لمجالاتها البحرية. وشددت على أن تحديد المجالات البحرية شأنٌ سياديٌّ لا يجوز لأيّ دولةٍ التدخل فيه.
وفي خضم هذه الأجواء، ظهر إصدارٌ مرئيٌّ لهيئة الحشد الشعبي بعنوان "نحمي العراق براً وجواً وبحراً" بعد أربعة أيامٍ من إيداع العراق خرائطه البحرية لدى الأمم المتحدة وتصاعُدِ الجدل. بدا هذا الخطاب الإعلامي جزءاً من سلسلة المواقف التعبوية الداخلية أكثر منه إشارةً سياسيةً موجهةً نحو دول الإقليم. فالحشد الشعبي يواجه تحدياتٍ غير مسبوقةٍ تتعلق بسلاح الفصائل ودورها الأمني، إضافةً إلى الانتقادات المتكررة بشأن النفوذ الإيراني. وعليه، تمثل هذه الخطوة محاولةً لتجسيد "موقف وطني" وإعادة تقديم هيئة الحشد الشعبي بالذات قوةً تدافع عن السيادة العراقية في لحظةٍ سياسيةٍ حساسة.
تاريخياً، لم يكن للعراق دورٌ رئيسٌ في رسم حدوده مع الكويت أو الاتفاق عليها بصورةٍ متوازنة. فمنذ تسليم السير كوكس مفاتيح عددٍ من الجزر إلى الشيخ مبارك قبل قيام الدولة العراقية، مروراً بالمطالبات العراقية المتكررة بالكويت في عقودٍ لاحقةٍ، وصولاً إلى غزوها في سنة 1990، حُكم الملف بقراراتٍ خارجيةٍ وتوازناتٍ إقليميةٍ ودوليةٍ أكثر من كونه نتاج تفاهمٍ ثنائيٍ مستقر. وترك هذا المسار التاريخي المعقّد إرثاً ثقيلاً في العلاقة بين البلدين، ما جعل أيّ تطورٍ قابلاً لاستحضار تلك الذاكرة المتوترة، حتى وإن كان في إطارٍ دبلوماسي.
ولأن قضية الحدود بين العراق والكويت بدأت تأخذ طريقها نحو الحسم في ظل نظامٍ نشأ تحت الاحتلال الأمريكي للعراق، الذي يمكن الجدال في كونه لا يزال قائماً، فلا ينفك جرح السيادة والشرعية في العراق قائماً تغذيه الانقسامات وسيطرة الطائفية على خريطة الحكم. كل هذا جعل من ملف الحدود مع الكويت ملفاً ساخناً تتجسد فيه كل تلك المشكلات والأزمات العراقية الداخلية، بعدما أثبت التاريخ بين البلدين أن هذا الملف عابرٌ الحكوماتِ. كل ذلك يطرح مخاوف من أن ملفات الحدود ربما لا تجد طريقاً للحل ما دامت الدول المتصارعة فيها تحيا في ظلّ أزمات استقلالٍ واستقرارٍ مستمرةٍ ومتجددة.
