جاءت هذه الحادثة وسط نقاشاتٍ متصاعدةٍ عن تأثير هذه التقنية على المستخدمين ممّن هم دون سنّ الرشد. فما كان يعتقده الأهل مساحة تسليةٍ أو معرفةٍ للأبناء، صار منظومةً رقميةً كاملةً تُصممها شركاتٌ كبرى بخوارزمياتٍ رقميةٍ تعدِّل المحتوى وفقاً لحالة المستخدمين النفسية، وتدفعهم لمزيدٍ من التفاعل لتضمن حضورهم داخلها أطول وقتٍ ممكن. ولا يتوقف الأمر عند حدود الاستخدام، إذ قد يصل إلى نوعٍ من الاعتماد العاطفي على هذه المنصات والتطبيقات، بما فيها أنظمة الذكاء الاصطناعي وبرامج المحادثات القادرة على محاكاة الأطفال والتفاعل معهم.
تأثير وسائل التواصل الاجتماعي وأدوات الذكاء الاصطناعي هكذا ينقل الأطفال والمراهقين من خانة الضحايا المحتمَلين إلى ارتكابهم – بدافع الفضول أو الضغط أو التقليد – ما يندرج تحت التنمر الإلكتروني أو الابتزاز. وقد يتطور ذلك في بعض الحالات إلى القتل أو الانتحار. ومع تصاعد القلق، اتجهت عدة دولٍ، على رأسها أستراليا، إلى تشريعاتٍ لتقييد وصول الأطفال والمراهقين إلى هذه المنصات. وقابل هذه التشريعات جدلٌ في جدواها، بين كونها وسيلةً لحماية الصغار من التنمر والمحتوى الضار والاستغلال الرقمي، ومدخلاً لتعزيز أشكالٍ جديدةٍ من الرقابة الرقمية وتوسيع سلطة الدولة. وهو الجدل الذي انتقل صداه للفضاء العربي، من أجل ضبط التشريعات لحماية القُصّر في الواقع الافتراضي، مع التنبيه إلى محدوديتها وحاجة الأسر لتكون خط الدفاع الأول عن أبنائها وبناتها.
لهذا زادت اضطرابات الصحة النفسية بين الأطفال والمراهقين في العقود الأخيرة. في دراسةٍ لعدة باحثين في طبّ العظام بعنوان "ذي إمباكت أوف سوشال ميديا [. . .]" (تأثير وسائل التواصل على صحة الأطفال والمراهقين النفسية) في 2025، يُذكر أنه بينما تتيح المنصات الرقمية فرصاً للتواصل الاجتماعي والتعبير عن الذات والحصول على دعمٍ نفسيٍّ، فإنها في المقابل تحمل مخاطر جمّة. ومن هذه المخاطر الاستخدام القهري والتنمر الإلكتروني وترسيخ معايير جماليةٍ غير واقعية.
في المقابل، كانت وزارة الصحة الأمريكية قد أصدرت تقريراً في 2022 أوضحت فيه أن هناك فجواتٍ في الفهم الكامل لتأثيرات وسائل التواصل الاجتماعي على الصحة النفسية، إلا أنه في هذه المرحلة لا يمكن الجزم بأنها آمنةٌ بما يكفي للأطفال والمراهقين. وذكر التقرير أن هناك 95 بالمئة من الشباب تتراوح أعمارهم بين ثلاثة عشر وسبعة عشر عاماً يستخدمون واحدةً على الأقل من منصات التواصل الاجتماعي، ونحو ثلثي المراهقين يستخدمون هذه المنصات يومياً.
أشار التقرير كذلك إلى أن الأطفال والمراهقين الذين يقضون أكثر من ثلاث ساعاتٍ يومياً على هذه المنصات يواجهون خطر الإصابة بمشكلاتٍ نفسيةٍ، بما في ذلك ظهور أعراض الاكتئاب والقلق. ويزداد هذا القلق مع ما أظهره استطلاعٌ حديثٌ، وفقاً للتقرير، أن المراهقين يقضون في المتوسط نحو ثلاث ساعاتٍ ونصفٍ يومياً على وسائل التواصل الاجتماعي. وعند السؤال عن تأثير هذه المنصات على صورة أجسادهم، أفاد 46 بالمئة من الفئة العمرية موضع البحث بأن وسائل التواصل الاجتماعي تغذيهم بشعورٍ سيّئٍ تجاه أنفسهم.
ما تتحدث عنه الدراسات يلمسه الأهالي واقعاً يومياً مع الأبناء. ففي 2017 برزت حركة "ويت أنتيل إيث" (انتظر حتى الصف الثامن). وقد خرجت من ولاية تكساس الأمريكية، وطالب فيها عددٌ من الأهالي بتأخير الانخراط في العالم الرقمي وتأجيل سماح الآباء لأبناءهم باستخدام الهواتف الذكية حتى نهاية الصف الثامن، أي نحو سنّ أربعة عشر عاماً. لذا أسّس أولياء الأمور موقعاً إلكترونياً للمبادرة، وأتيح للآباء توقيع تعهدٍ بعدم منح أبنائهم هواتف ذكيةً قبل الصف الثامن. كذلك يتيح الموقع للأسر التعرف على غيرها من العائلات في نفس المدرسة أو الصف والتي انضمت للمبادرة. وجمعت المبادرة منذ إطلاقها أكثر من خمسين ألف تعهدٍ في الولايات المتحدة.
ومع تطور وسائل التواصل الاجتماعي وظهور أنظمة الذكاء الاصطناعي التي يمكن محاكاتها وإنشاء المحادثات معها، تصاعدت المخاوف من الاعتماد العاطفي على هذه الأدوات بين الأطفال والمراهقين. وهو ما أشارت له دراسةٌ لجامعة "ستانفورد" سنة 2025 بعنوان "واي إي آي كمبينينر آند يونغ بيبل [. . .]" (لماذا يمكن أن يشكل رفقاء الذكاء الاصطناعي والمراهقون مزيجاً خطيراً). ومن بين ما ناقشته الدراسة قضية آليّ محادثةٍ يعمل بالذكاء الاصطناعي أخبرته مستخدمةٌ أنها تفكر في الذهاب إلى الغابة، فردّ عليها بحماسٍ إن الأمر يبدو كأنه مغامرةٌ ممتعة. في الظاهر يبدو هذا التفاعل عادياً، لكن ما لم يدركه الآليّ أن هذه المستخدمة باحثةٌ تتقمص شخصية فتاةٍ مراهقةٍ، وكانت قد أخبرته أيضاً أنها تسمع أصواتاً في رأسها، وهو ما يشير إلى حالةٍ ذهانيةٍ تمرّ بها. ومع ذلك – وفقاً للدراسة – استمر الآليُّ في تشجيع الفكرة دون أن يُظهر أيّ إدراكٍ للخطر أو محاولةٍ للتدخل بما يناسب.
أضافت الدراسة أن الأمر لا يقتصر على هذه الحالة فقط، بل يأتي ضمن سلسلةٍ من النتائج التي توصلت إليها دراسةٌ لباحثين من الجامعة بالتعاون مع منظمة "كومون سينس ميديا"، التي تأسست سنة 2003 وتركز على قضايا الأطفال وعلاقتهم بالإعلام والتقنية. وقبل نشر نتائج الدراسة، ظهرت حالةٌ لشابٍّ يبلغ من العمر ستة عشر عاماً أنهى حياته بعد مدّةٍ من التفاعل المستمر مع برنامج المحادثة "تشات جي بي تي".
بثّ الشابُّ إلى الآليِّ أفكارَه الانتحارية ولم يحاول الآليُّ ردعه، بل أبدى نوعاً من التشجيع لما كان يقوله. وأشار التقرير إلى أن تشات جي بي تي يُستخدم مساعداً تقنياً في أمورٍ دراسيةٍ، ولكنه تحوّل شيئاً فشيئاً إلى مساحةٍ يعتمد عليها المستخدم للتعبير عن مشاعره الشخصية، وهو ما فتح الباب أمام أشكالٍ جديدةٍ من الارتباط العاطفي مع هذه الأنظمة.
في إطار الدراسة أيضاً، تظاهر الباحثون بأنهم مراهقون وبدؤوا محادثاتٍ مع ثلاثةٍ من آليّات المحادثة. وأظهرت النتائج أنه يسهل دفع هذه الأنظمة إلى التفاعل مع موضوعاتٍ حساسةٍ وغير مناسبةٍ، مثل الحديث عن الجنس أو إيذاء النفس أو العنف أو تعاطي المخدرات، أو حتى استخدام قوالب نمطيةٍ عنصرية. وتكمن خطورة هذه الأنظمة في أنها مصممةٌ لمحاكاة الحميمية العاطفية، وتستخدم عباراتٍ توحي بالقرب الشديد مثل "أنا بالقرب منك، أو أنا أحلم بك"، وهو أمرٌ يؤثر على المراهقين لأن أدمغتهم في طور النمو، خاصةً في التحكم بالسلوك واتخاذ القرار وتنظيم المشاعر.
ومع أن الأطفال يدركون أن هذه الكيانات ليست حقيقيةً، لكن طريقة تفاعلها تجعلها تبدو كأنها أصدقاء عندما تحاكي التعاطف والاهتمام بإقناع. ولأن هذه الأنظمة ليس لها فهمٌ اجتماعيٌ فعليٌ، قد لا تستطيع التمييز بين اللحظات التي تحتاج إلى دعمٍ وتلك التي تتطلب تحذيراً أو رفضاً.
أيضاً قد تزداد خطورة هذه الأنظمة على من يعانون من اضطراباتٍ نفسيةٍ، لأنها تقدم شكلاً من الدعم العاطفي دون القدرة على تقديم مساعدةٍ ماديةٍ أو متخصصة. فهي تستجيب أحياناً لمستخدمٍ يعاني من الاكتئاب أو إيذاء النفس بعبارات دعمٍ عامةٍ، بدلاً من توجيهه لطلب مساعدةٍ من متخصص.
ولأن مخاوف المنصات الرقمية باتت مرئيةً، فقد تجاوزت اليوم النقاشات الأكاديمية أو مبادرات أولياء الأمور، لتتحول إلى الحكومات نفسها. إذ اتجهت الحكومات للتفكير في حجم التأثيرات المحتملة لهذه المنصات، والبحث عن سياساتٍ لحماية الأطفال والمراهقين. وبرزت أستراليا مثالاً بيّناً على هذا الجهد.
وفيما يفرض القانون التزاماتٍ على الشركات، فإنه لا يُنزل عقوباتٍ بالأطفال أو أولياء أمورهم. وتعدّ الحكومة الأسترالية هذا التعديل القانوني مشروعاً طويل الأمد، وتخطط لمتابعة أثره ومراجعته مع حلول سنة 2027 بمؤشراتٍ مثل صحة المراهقين النفسية ومستويات تحصيلهم الدراسي.
وللحديث عن هذه القضية، تواصلت الفراتس مع مؤسسة "إي سيفتي" الأسترالية المعنية بالسلامة الرقمية للأطفال والمراهقين، والتي تتولى تحديد المنصات الخاضعة لقيود العمر، ومتابعة التزام الشركات بإزالة حسابات من هم دون السن القانوني.
وفقاً للمؤسسة، فإن وضع قيود العمر على وسائل التواصل الاجتماعي يأتي في إطار تعديلٍ تشريعيٍ على قانونٍ قائمٍ بالفعل، وليس بإصدار قانونٍ جديد. فقانون السلامة على الإنترنت لسنة 2021 قد وضع الأساس لتنظيم الفضاء الرقمي والتعامل مع المخاطر المرتبطة به، قبل أن يضاف إليه في 2024 تعديلٌ يفرض حدّاً أدنى (ستة عشر عاماً) لسنّ استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، والذي أقرته الحكومة في 2025. وأكدت المؤسسة أن التعديل مرّ بسبب التأييد الشعبي الواسع قبل تنفيذه، إلى جانب دعمٍ من الأحزاب السياسية.
وصنفت المؤسسة عدداً من المنصات الرقمية، منها فيسبوك وإنستغرام وسناب تشات وتيك توك وإكس ويوتيوب وريديت، ضمن المنصات الخاضعة لقيود العمر. علاوةً على منصاتٍ أخرى يمكن أن تُضاف أو تُزال لاحقاً وفقاً للتقييم المستمر. وتهدف هذه القيود إلى حماية الأطفال والمراهقين من الضغوط والمخاطر المرتبطة باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي، خاصةً الناتجة عن تصميم المنصات نفسها التي تشجع المستخدمين على قضاء أوقاتٍ أطول أمام الشاشات، وتلقّيهم محتوىً قد يؤثر سلباً على صحتهم النفسية.
وعن قيود العمر، أوضحت المؤسسة أنها ليست واحدةً في كلّ المنصات، وإنما تفرض على المنصات التي تنطبق عليها شروطٌ محددة. وتشمل هذه الشروط أن تكون المنصة قائمةً على التفاعل بين المستخدمين، وتسمح لهم بالتواصل مع بعضهم ونشر المحتوى، بالإضافة إلى احتوائها على خصائص مثل التوصية بالمحتوى أو تسجيل الدخول. في المقابل، لا تشمل هذه القيود بعض الخدمات مثل الألعاب الإلكترونية أو تطبيقات المراسلة العادية. لكن إذا كانت تطبيقات المراسلة تحتوي على خصائص شبيهةٍ بوسائل التواصل الاجتماعي، مثل التفاعل العام أو مشاركة المحتوى، فإنها تُدرج ضمن المنصات الخاضعة للقيود.
لا ترى المؤسسة هذا الإجراء حظراً كاملاً، بل يمكن تعريفه بأنه تأجيلٌ لإمكانية إنشاء الحسابات لحماية الأطفال، ووضع تلك المسؤولية على عاتق المنصات، التي قد تواجه عقوباتٍ إذا لم تتخذ خطواتٍ لمنع هذه الفئة العمرية من امتلاك حسابات.
حظي هذا الحظر بشعبيةٍ كبيرةٍ في أوساط الأستراليين. إذ أظهر استطلاعٌ لمؤسسة "يوغوف" أن 77 بالمئة من الأستراليين أيدوا القانون وقت إقراره. وعالمياً، أظهر استطلاعٌ آخر سنة 2024 لمؤسسة "إبسوس" لرصد الآراء ومقرها باريس، أن 65 بالمئة ممن شملهم الاستطلاع حول العالم يؤيدون حظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للأطفال دون أربعة عشر عاماً. هذا مع وجود أغلبيةٍ داعمةٍ في تسعةٍ وعشرين دولةً من أصل ثلاثين شملها الاستطلاع.
وعلى ما لقيه تعديل القانون في أستراليا من ترحيبٍ من أولياء الأمور والمشرعين، إلا أن طريقه لم تكن معبدةً بالورود. فقد عارضته شركات التقنية لأنه يتعارض مع تحقيق الأرباح، علاوةً عن صعوبة تحقيق الحظر كاملاً لإمكانية تحايل الأطفال على قيود العمر.
هددت بعض المنصات، ومنها "يوتيوب" باتخاذ إجراءاتٍ قانونيةٍ، بينما تأخر تأكيد امتثال منصاتٍ أخرى مثل "إكس". وبدأت التحديات القانونية تظهر مع لجوء منصة "ريديت" إلى المحكمة العليا للطعن في إدراجها ضمن المنصات المشمولة بالحظر، استناداً إلى اعتبارات حرية التعبير السياسي. وفي مارس 2026 اتهمت الحكومةُ الأسترالية عدداً من الشركات بينها "ميتا" و"تيك توك" بالإخلال بالتزامها بالحظر، وحذر مكتب السلامة الإلكترونية الأسترالي من أن كثيراً من الأطفال ما زالوا يمتلكون حساباتٍ بتلك المنصات.
أيضاً، تثير هذه القوانين مخاوف قانونيةً ودستوريةً بحجة انتهاك حرية التعبير وانتهاك حق القاصرين في الوصول إلى المعلومات. وفي القلب من هذا الجدل تبرز قضية الخصوصية، إذ تعتمد هذه القوانين على آليات التحقق من العمر مثل طلب الهوية أو استخدام تقنيات تقدير العمر، وهو ما يثير تساؤلاتٍ عن كيفية جمع البيانات الحساسة وتخزينها وحمايتها، إضافةً إلى مخاطر الاختراق أو سوء الاستخدام أو استبعاد من لا يمتلكون وثائق رسمية.
من هنا يرى المُدافع عن الحقوق الرقمية في مؤسسة "انسم" للحقوق الرقمية، حيدر حمزوز، أن للتجربة الأسترالية أهميةً خاصةً لأنها الأولى من نوعها والأكثر صرامة عالمياً. وأشار إلى ضرورة النظر إليها من زاويتين، قانونيةٍ وتطبيقية. فمن الناحية القانونية يركز التشريع على منع من هم دون السادسة عشرة من إنشاء حساباتٍ على منصات التواصل الاجتماعي، مع تحميل الشركات وليس أولياء الأمور مسؤولية تنفيذ هذا الحظر. وهو ما يعني أن القاصرين قد يمكنهم الوصول إلى هذه المنصات، ولكن دون القدرة على إنشاء حساباتٍ أو التفاعل أو نشر المحتوى. أما تطبيقياً، فيوضح حمزوز في حديثه مع الفراتس أن التحدي الحقيقي يكمن في تغيير السلوكيات الرقمية، معتبراً أن أثر هذا التغيير يظل محدوداً في ظلّ إشكالياتٍ قائمةٍ أبرزها آليات التحقق من العمر، إلى جانب ضعف التزام بعض الشركات التي تعتمد في نماذجها الربحية على تفاعل المراهقين.
يرى حمزوز أن تحقيق تأثيرٍ فعليٍّ يتطلب مساراً تدريجياً يتضمن توفير بدائل وتطوير أنظمةٍ تعليميةٍ تفاعليةٍ داخل المدارس لسدّ الفراغ الذي تملؤه وسائل التواصل الاجتماعي. وشدد على أن المسؤولية مشتركةٌ بين الدولة وأولياء الأمور والشركات بتعزيز التربية الرقمية ودفع الشركات إلى تطوير أدواتٍ تقنيةٍ تقلّل من الإدمان الرقمي.
وعن أيّ مدىً يمكن تحميل الأهل مسؤولية ضبط استخدام الأطفال وسائلَ التواصل مقابل مسؤولية المنصات والحكومات، أوضح حمزوز للفراتس أن جميع الأطراف مسؤولة. فالبيئة الرقمية مصممةٌ بما يتجاوز قدرة الأهل على السيطرة، ولكنهم هم في المقابل خط الدفاع الأول بالتوعية ووضع قواعد للاستخدام ومراقبة السلوك العام. ولكنه أيضاً يرى أن على منصات التواصل الاجتماعي والدولة المسؤولية الأكبر في ضبط الاستخدام وفرض الغرامات لعدم الامتثال.
ولفت إلى أن الخوارزميات الرقمية مصمَّمةٌ على الإدمان وقضاء ساعاتٍ طويلةٍ، وعليه فإن محاولات الحظر أو منع وصول الأطفال أو المراهقين، في تدخلٍ وقائيٍ من الدولة، تشبه إجراءات منع عمالة الأطفال أو قوانين التدخين، لتبقى هذه الفئة العمرية تحت وصاية خط الدفاع الأول وهم أولياء الأمور.
في المقابل، يرى الخبير المتخصص بعلوم البيانات والذكاء الاصطناعي عمرو العراقي، أن تعرض الأطفال المفرط للأجهزة والمنصات الرقمية يسبب أضراراً كبيرة. لكنه في المقابل يحمل بعض الجوانب الإيجابية مثل تعزيز مهاراتهم اللغوية إذا كانوا يشاهدون محتوىً بلغةٍ أجنبيةٍ، ويُبقيهم على اطلاعٍ بتجارب الآخرين.
يقول العراقي للفراتس إنه ينبغي التفكير في خلق حالةٍ من التوازن بين أجهزة الكمبيوتر والهواتف المحمولة لدى تلك الفئة العمرية، وبين الأنشطة الحياتية الأخرى مثل حضور الأنشطة الرياضية والمشاركة في الفعاليات العائلية. فالهدف هو كسر عدد الساعات الطويلة التي يقضيها الطفل أمام الأجهزة الرقمية، وإبدال جزءٍ منها بأنشطةٍ أخرى تخلق هذا التوازن.
من منطلقٍ مشابهٍ، اتبعت دولٌ مثل ألمانيا وفرنسا نهجاً أقل تقييداً، فاتجهت لاشتراط موافقة الوالدين لإنشاء حساباتٍ للأطفال. وفرضت هولندا وكوريا الجنوبية قيوداً على استخدام الهواتف المحمولة داخل الفصول الدراسية. وفي الولايات المتحدة سعت عدة ولاياتٍ إلى معالجة استخدام الأطفال وسائلَ التواصل الاجتماعي بمزيجٍ من آليات التحقق من العمر، وتعزيز حماية الخصوصية وفرض حظرٍ مباشر. فوقّع حاكم فلوريدا رون ديسانتيس على قانونٍ في 2024 يمنع الأطفال دون الرابعة عشرة من استخدام بعض المنصات. لكنه، كما في أستراليا، واجه طعوناً قانونيةً، وسمحت محكمة الاستئناف ببدء تطبيقه أثناء استمرار النظر في القضية.
حاولت ولاياتٌ أخرى مثل يوتا وتكساس وأركنساس ولويزيانا فرض شرط موافقة الأهل لإنشاء حساباتٍ، لكنها جميعاً واجهت تحدياتٍ قانونيةً مشابهةً نظيرتَها الأسترالية. وعلى المستوى الفيدرالي، قدم السيناتور براين شاتز سنة 2025، بدعمٍ من الحزبين الديمقراطي والجمهوري، مشروع قانون إبعاد الأطفال دون الثالثة عشر عن وسائل التواصل الاجتماعي.
هذا الاتجاه العالمي الصاعد نحو إعادة تنظيم استخدام الأطفال المنصاتِ الرقميةَ امتدّ أيضاً إلى دولٍ عربيةٍ بسياقاتها المحلية. فبرزت عدّة مبادراتٍ تشريعيةٍ ومجتمعيةٍ لوضع أطرٍ لحماية الأطفال، دون أن تخلو من تحديات آليات التطبيق والتوازن بين الحماية والحقوق الرقمية، بالإضافة لغياب الأطر القانونية الفاعلة للعمل بموجبها.
وأبرز ما يواجه مثل هذه التشريعات في لبنان، كما في دولٍ عربيةٍ أخرى، هو التحدي القانوني. فلا تملك كثيرٌ من الدول العربية تشريعاتٍ متقدمةً لتنظيم الفضاء الرقمي أو حماية بيانات الأطفال. وتشير رئيسة جمعية "نضال لأجل الإنسان" ريما صليبا، إلى أن القضية المعروفة إعلامياً بقضية "عصابة التيك توكر" التي استدرجت عدداً من الأطفال واعتدت عليهم، هو ما دفع عدداً من منظمات المجتمع المدني اللبناني للبحث عن حلولٍ لحماية الأطفال والمراهقين.
قالت ريما في حديثها مع الفراتس إنه في ظل توسع وسائل التواصل الاجتماعي السريع وتنوع منصاتها ظهرت الحاجة لأدوات ردعٍ فعالةٍ تحدّ من انتهاكات استخدامها، خاصةً بحقّ الأطفال. وتضيف: "من هنا طرحت فكرة تعديل بعض مواد قانون العقوبات لتشديد العقوبات على كل من يثبت تورطه في استغلال الأطفال أو تعريضهم للعنف، سواءً كانوا من أولياء الأمور أو المسؤولين عن رعايتهم في المؤسسات التعليمية. ويشمل ذلك مختلف أشكال الانتهاك، من الابتزاز إلى العنف الجسدي واللفظي والمعنوي، سواءً داخل الفضاء الإلكتروني أو خارجه".
وترى ريما أنه في المقابل لا يمكن تجاهل أن التقنية أصبحت جزءاً لا ينفصل عن الحياة اليومية، وهو ما يجعل الحظر الشامل لوسائل التواصل الاجتماعي خياراً غير عملي. إذ قد يأتي بنتائج عكسيةٍ، خصوصاً مع ميل الأطفال الطبيعي إلى استكشاف ما هو ممنوع. علاوةً على طبيعة الفضاء الرقمي المتغيرة، ما يعني أن إغلاق منصةٍ ما لا يمنع ظهور بدائل أخرى جديدةٍ تحمل المخاطر نفسها.
وهنا تشير المتحدثة إلى أن الحل يأتي بوضع ضوابط واضحةٍ تحدد أُسس الاستخدام الآمن، وتراعي الفروق العمرية وتحمي خصوصية الأطفال من أيّ انتهاك. وتوضح أن "الحل ليس فردياً بل هو تكاملٌ بين القوانين التي تحمي الأطفال من أشكال العنف كافةً وتضع رقابةً دون منعٍ على وسائل التواصل الاجتماعي، بجانب الرقابة المجتمعية من الأسرة وهي بمنظورها الأهم". فهي ترى أنه عند مواجهة الطفل أو المراهق خطراً ما، يمكن تقليل العواقب إذا لجأ مباشرةً للأهل. لكنها تضيف أنه على أرض الواقع فالأسر نفسها مشغولةٌ بالهواتف الذكية وتصفّح مواقع التواصل الاجتماعي، "وهنا قد لا يكون جدوى للتشريعات أو المبادرات دون عملٍ حقيقيٍ من الأهل لدعمها واستكمال دائرة الحماية".
في سياقٍ مشابهٍ، بدأت الحكومة المصرية تنفيذ قرارها حجب منصة "روبلوكس" بعد نقاشاتٍ واسعةٍ في مجلس النواب المصري، للحدّ من مخاطرها العديدة التي تشمل الإدمان الرقمي والتعرض للاستغلال الجنسي. ولأن اللعبة بيئةٌ رقميةٌ مفتوحةٌ تتيح للمستخدمين تصميم ألعابهم الخاصة والتفاعل مع آخرين بالمحادثة النصية والصوتية، فإنها كما أُشير في المناقشات البرلمانية، تخلق مخاطر للأطفال. من بين هذه المخاطر انتشار محتوىً غير ملائمٍ وإمكانية التواصل المباشر مع غرباء دون رقابةٍ كافيةٍ، إلى جانب صعوبة تتبّع المحتوى لاعتماد المنصة الكبير على إنتاج المستخدمين.
بالتوازي، رصدت لجنة التعليم والبحث العلمي في مجلس النواب المصري آثاراً نفسيةً وسلوكيةً مقلقةً على صغار السن من مستخدمي اللعبة. منها الإدمان الرقمي والعزلة الاجتماعية وتراجع الأداء الدراسي واضطرابات النوم، إضافةً إلى التعرض للتنمر والضغط النفسي داخل اللعبة. وتزداد هذه المخاطر مع أنظمة الشراء الداخلي القائمة على عملاتٍ افتراضيةٍ تموّل بأموالٍ حقيقيةٍ، وهو ما يفتح الباب أمام استغلالٍ ماليٍّ غير مباشرٍ واستغلال الأطفال نفسياً.
وتأتي هذه المخاوف في سياقٍ دوليٍ بدأت فيه دولٌ من بينها هولندا تحقيقاتٍ عن مدى التزام المنصة بحماية القُصّر، خاصةً في ظل قاعدة مستخدمين ضخمةٍ تتجاوز عشرات الملايين يومياً، نسبةٌ كبيرةٌ منهم من الأطفال. كذلك سبقت دولٌ أخرى إلى اتخاذ إجراءاتٍ تنظيميةٍ أو تقييديةٍ مثل روسيا والصين وتركيا، في حين فرضت السعودية قيوداً على خصائص التواصل داخل المنصة، ابتغاء الحدّ من مخاطرها.
ولفهم كيفية عمل هذه المنصات والألعاب الرقمية، يوضح للفراتس خبير الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي محمد مغربي، بأن الشركات تعتمد عند تصميم الألعاب أو التطبيقات على ثلاثة عناصر أساسٍ، وهي خوارزميات تحقيق التفاعل، ومحركات التوصية، والتصميم النفسي المدعوم بالذكاء الاصطناعي. وتعتمد هذه الأنظمة على تحليل السلوك في الزمن الحقيقي، إذ تُبنى نسخةٌ نفسيةٌ رقميةٌ من الطفل أو المراهق. فما يراه المستخدم هو أن المنصة تفهم اهتماماته وتستجيب له بسرعةٍ وتقدم له ما يرغب فيه. وهنا يظهر إحساسٌ زائفٌ بالتناغم أو التقارب العاطفي بينه وبين التطبيق.
ويضيف مغربي: "من المؤسف أن أغلب الشركات تركز على زيادة التفاعل أكثر من اهتمامها بالاعتبارات الأخلاقية". فهي على حدّ وصفه "تسعى إلى زيادة عدد مرات التمرير والإعجابات والمشاركات والإشعارات، وإبقاء المستخدمين وخاصةً الأطفال أطول وقتٍ ممكنٍ على التطبيق، لأن ذلك يحقق أرباحاً إعلانية".
ويلفت إلى أن الشركات يمكنها العمل وفق مفهوم السلامة في التصميم بوضع حدودٍ زمنيةٍ للاستخدام وإرسال تنبيهاتٍ ذكيةٍ وفرض ضوابط عمريةٍ، وتحقيق توازنٍ بين التفاعل والأمان. لكنه يستدرك: "على أرض الواقع لا تعطي معظم الشركات أولويةً لذلك، إلا تحت ضغطٍ مجتمعيٍ أو إعلامي".
وعن الدول العربية، يلفت الخبير إلى أن التحدي لا يقتصر على المخاطر التقنية وحسب. إذ يمتد إلى غياب أطرٍ قانونيةٍ واضحةٍ وأولويةٍ سياسيةٍ للتعامل مع هذه القضايا، مقارنةً ببعض التجارب الغربية التي بدأت في تطوير تشريعاتٍ وآلياتٍ تنظيمية.
يقول: "بينما تتجه دولٌ مثل أستراليا وبعض دول أوروبا إلى وضع قواعد للتحقق من العمر وتنظيم المحتوى، لا تزال هذه المسائل في المنطقة أقلّ حضوراً على مستوى السياسات العامة. وفي ظل هذا الفراغ، تصبح الخصوصية منتهكةً بالفعل في الممارسة اليومية عبر الهواتف الذكية ومنصات التواصل، دون وجود ضماناتٍ كافيةٍ لحمايتها". وهو برأيه ما يجعل مسألة التوازن بين الخصوصية وحماية الأطفال أكثر تعقيداً، ويدفع ذلك إلى ترجيح كفّة الحماية. لذا يرى مغربي أنه من الضروري "العمل بالتوازي على بناء أطرٍ قانونيةٍ تقلّل من الانتهاكات ولا تكرّسها".
يتفق مدير برنامج الإعلام في منظمة "سمكس" للدفاع عن الحقوق في العالم الرقمي في غرب آسيا وشمال إفريقيا والخبير في مجال السلامة الرقمية، عبد الله قطايا، أن أبرز التحديات في المنطقة العربية تتمثل في غياب أطرٍ قانونيةٍ واضحةٍ ومتكاملةٍ تنظم الفضاء الرقمي. ففي الحالة اللبنانية على سبيل المثال، وبجانب التحديات التقنية في التحقق من أعمار المستخدمين أو فعالية سياسات الحظر، "يبرز سؤالٌ أكثر جوهريةً حول قدرة الدولة على فرض تنظيماتٍ على شركات التكنولوجيا العالمية في ظل محدودية النفوذ الاقتصادي والسياسي".
وأردف قطايا للفراتس إن القوانين القائمة، مثل قانون المعاملات الإلكترونية والبيانات في لبنان، لا تزال غير مكتملةٍ ولا توفر حمايةً شاملةً للخصوصية الرقمية. وهو ما يستدعي برأيه "تطوير تشريعاتٍ أكثر وضوحاً وتماسكاً، مستلهمةً من تجارب دوليةٍ ولكن ملائمةً للسياق المحلي".
وأوضح أنه "لا يمكن إغفال دور التربية الرقمية ومسؤولية الأهل ومنهم كثيرون يعتمدون على الشاشات وسيلةً لإشغال الأطفال، وهو ما يزيد المشكلة بدلاً من معالجتها". لذلك الحل من وجهة نظره لا يكمن في المنع ولا في تخصيص منصاتٍ للأطفال بديلةٍ قد تخلق مشكلاتٍ جديدة. قد يكون الحل في البدء بالأساس من تطوير قوانين واضحةٍ وتعزيز التربية الرقمية وتحميل المنصات الرقمية مسؤولياتها. وهو الطرح الذي يتفق مع ما أوردته ريما صليبا في حديثها للفراتس.

