تقدّم روايتا "العابرون" المنشورة سنة 2005 و"شيطان الخضر" المنشورة سنة 2021 للروائي المصري محمد إبراهيم طه التصوفَ الشعبي عالماً يتداخل فيه التصوف بالحياة اليومية، وبنيةً اجتماعيةً تتشابك فيها القداسة بالسلطة. فليس الولي الصوفي في هذا العالم مجرد شخصية رمزية، بل محوراً لإعادة توزيع المعنى داخل القرية، ومركزاً تتشكل حوله أنماط الانتماء والعلاقات الاجتماعية. ومن الطقوس والكرامات والذكر والمقامات تكشف الروايتان كيفية تنظيم الجماعة وإعادة إنتاجها. وفي هذا السياق، تظهر الثنائية الكبرى في التصوف، ثنائية الظاهر والباطن، محرّكاً سردياً أساساً. فهناك خطاب علني أمام الجميع، ومعرفة خفية تتداولها دوائر محدودة. لا تقدم الروايتان هذه الثنائية انقساماً أخلاقياً بسيطاً، إذ لا يقدَّم الظاهر خداعاً خالصاً، ولا الباطن صفاءً مطلقاً، بل تقدَّم الثنائية آلية لإنتاج الهيبة والسلطة، ويتداخل المستويان في إنتاج المعنى.
فمن قراءة روايتي "العابرون" و"شيطان الخضر" ثم بالتجربة الميدانية، تتكشَّف قدرة الرواية التخيلية على ترميز الطقس "الظاهر" وربطه بأسئلة "الباطن" والخلود والمعنى. تتكشف كذلك قدرةُ التجربة على تجاوز ثبات النص والتمثيل إلى تشابك الطقس وحركته اجتماعياً. فيبرز تداخل المستويين السردي والميداني في فهم التصوف الشعبي ظاهرة ثقافية واجتماعية وروحية في آن.
تدور أحداث الرواية حول ثلاثة أولياء، يوسف المنعكش وحسن الجوخ – المسمَّى أيضاً "فج النور" و"سيدي وتاج راسي" – والخِضر الصغير أبو طالب، الذي تُروى الأحداث على لسانه. تستند ولاية يوسف المنعكش الذي يدّعي أنه من الصديقين، ويتحدث عن الأنبياء كأنهم أصدقاؤه أو إخوته، إلى حد التماهي وتأويل حياته مع قصة النبي يوسف في القرآن. فله أحد عشر أخاً من أبيه، يقول إنهم سرقوا ميراثه ولم يتركوا له سوى "مسجل باناسونيك بحجارتين طورش". لذلك تصبح سورة يوسف الأقرب إلى قلبه، بل تصبح قصص الأنبياء كلها طريقته في فهم العالم، إذ يرى أن "كل البشر قصص". وحين سُئل عمّا يجمعه بيوسف الصديق، أجاب: "النشأة والتربية والفراسة وتأويل الأحلام"، ثم أضاف بشيء من الزهو: "لم أتزوج ولم تراودني امرأة". وحتى اختلاف القصتين لا ينفيه، بل يؤجله داخل منطق الحكاية نفسها: "لكل حادث حديث". وتتجلى ولاية المنعكش في هذا الامتزاج بين السرد والتأويل والعيش داخل النص القرآني. لذلك يبدو دائماً سارحاً مشتت الانتباه، ولا يبلغ أقصى حضوره إلا حين يتحدث عن الإسراء والمعراج، حتى إنه "لا يشعر بأي شيء خارجي حتى لو شككته بإبرة".
دخل يوسف المنعكش في حالة وجد صوفي بعد أن ظن أنه عثر أخيراً على "آيته". فبينما كان الخِضر الصغير يقرأ عليه من سورة آل عمران، توقّف عند آية "قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزاً"، فقرر الصوم عن الطعام والشراب والكلام ثلاثة أيام. ثم طلب من الخِضر أن ينشد ابتهال "إلهي ما أعظمك" في جامع باب البحر. يقول الخِضر: "لم تكن المرة الأولى في جامع باب البحر التي أنشد فيها إلهي ما أعظمك، لكنني كنت في هذه المرة أكثر اندماجاً واستغراقاً في المناجاة، حين قلد المنعكش بشفتيه إيقاعاً كأننا نسير بالبيارق في موكب إلى شيخ العرب". وفي هذا اليوم نفسه، تسبب المنعكش في طرده هو والخِضر من الجامع على يد سفيان العربي والحسيني أبو راس.
حسن الجوخ، أو فج النور، هو الشيخ الأكبر للخِضر، ومعلمه وحارسه وحامل قدره. أول لقاء يراه القارئ بينهما يقع في التعريشة بعد احتراق منزل الخِضر وفراره من بلدته، وهو أيضاً اللقاء الأخير. إذ يستعد فج النور لمغادرة الدنيا. ويظن في البداية أن الخِضر جاء بعدما فهم الإشارات الثلاث التي أرسلها في طلبه، غير أنه يكتشف أن الخِضر لم يدركها، فيكرر عبارته التي يوبخه بها دائماً: "لأنك تسأل عني من يجهلني". ويطلب فج النور من الخِضر، وهو على أعتاب الموت، أن يبقى معه وأن يمده بالتراب والموسيقى وألا يغادر قبل أن يرى الزهرة.
يظهر التلقي الصوفي في "شيطان الخِضر" معرفةً لا يدركها الجميع، بل تقوم على الإشارة والقدرة على التعرّف. يعتقد الخِضر أن أول لقاء جمعه بفج النور كان في مجلس عزاء، وهو يتلو آية السفينة من سورة الكهف. كانت هذه الآية أول ما تلقاه عن شيخه، الذي رآه بعدها وسأله لمَ لا يعطي الحروف حقها، وعلمه قراءتها الصحيحة. لم يعترف أحدٌ من الموجودين في العزاء بوجود الشيخ، بل اتهموا الخِضر بالجنون حين سألهم. سأل الخضر الجميع إلا المنعكش، الذي أوقف الخِضر بين خليجين وسأله عمّن يبحث، لم يطلب منه اسماً مباشراً، بل وصفاً تتداخل فيه الوجوه والأزمنة. "سألني إن كانت ملامحه من الخلف تقترب من أبو الجواد اللحّاد، ومن الأمام بملامح سيدنا علي بن أبي طالب؟ قلت: مات الأول قبل أن تراه عيني، كما أنني لم أرَ سيدنا علي".
يكشف المنعكش لاحقاً أن علاقة فج النور بالخِضر أقدم بكثير مما يظنه الخِضر نفسه. إذ حضر الشيخ في حياته حارساً وموجهاً قبل أن يتعرف إليه صراحةً. فحين أصيب الخِضر رضيعاً بمرض خطير، وظن أهله أنه سيموت، حمله فج النور إلى المشفى وأنقذه. ثم ظهر له مرةً أخرى في هيئة حارس المدرسة، حين طُرد الخِضر منها أكثر من مرة.
كانت مهمة فج النور إعداد الخِضر لحمل "العلم اللدني"، أي المعرفة التي تُمنح بالكشف والإلهام لا بالتعلّم الظاهر وحده. لذلك لم تقتصر تربيته على تحفيظه القرآن، بل شملت أيضاً تعليمه الموسيقى وتدريبه على قراءة العالم من ثنائية الظاهر والباطن. شرح فج النور للخضر أن لكل شيء وجهاً ظاهراً وآخر باطناً، وأن الباطن هو جوهر الأمر وحقيقته، حتى حين يبدو بعيداً عن ظاهره أو مناقضاً إياه. وكلما تعجب الخِضر ورأى اختلاف معناه الذي فهمه عن الذي شرحه فج النور ردد: "شتان"، فيجيبه فج النور بالعبارة: "لا شتان ولا حاجة".
بطل الرواية الأساس هو الخضر الصغير أبو طالب. فتح الخِضر عينيه على العالم وهو ابن العاشرة في غرة رجب بعد وفاة أبيه الصغير أبو طالب، ثم موت أمه مكة الجمّال ليصبح في رعاية خاله الحسيني أبو راس. وعانى منذ طفولته سقطات مفاجئة تفقده وعيه ويتحجر جسده "كأنه صخرة ألقيت من السماء". وكان يسقط في أي مكان، حتى عند ممر القطار، وينجو في كل مرة في اللحظة الأخيرة قبل أن يدهسه القطار. وحاول خاله علاجه بوسائل كثيرة، فأخذه إلى كبار أطباء المخ والأعصاب في القاهرة، ثم إلى الشيخ عبد العظيم لطرد الجن أو القرين من جسده. فشلت جميع المحاولات، وظلت السقطات تلاحق الخِضر، حتى أصبحت كل سقطة كبرى بدايةَ تحول جديد في حياته، كأن السقوط نفسه هو الطريق الذي يُدخله إلى عالمه الصوفي.
يرى المنعكش سقطات الخِضر لحظات صعود إلى عالم الغيب، لا نوبات مرض أو غياب عن الوعي. ففي هذا العالم قضى الخضر عشريته الأولى يُعَدّ، كأي نبي أو ولي. وحين سأله الخِضر لماذا يشفق عليه الجميع بينما يفرح هو، أجابه بصوته الإذاعي المعتاد: "قُل حضورٌ ولا تقُل غيابٌ، قُل صعودٌ ولا تقُل سقوطٌ، لأن الخِضر يصعد إلى الملأ الأعلى ليُشحن ثم يعود". ومن داخل هذا المنطق نفسه، كرر المنعكش للخِضر أن الحسيني أبو راس ليس خاله الحقيقي، وأن ليس لأحد فضلٌ عليه، لأنه كان ينبغي أن يُربَّى يتيماً مثله. وحتى طرده من مدرسة "الوحدة العربية" لم يره المنعكش فشلاً أو ضياعاً، بل جزءاً من الاصطفاء الإلهي، إذ لم يُخلق الخِضر لعلم المدرسة، وإنما للعلم اللدني.
لم أفهم في البداية إصرار الرواية على يُتم الخِضر. هل كان مجرد ضرورة لإثارة التعاطف، أم أنه يحيل إلى معنى أعمق لا توضحه الرواية مباشرة. اكتسب هذا التفصيل دلالة مختلفة بعد حديثي مع أحد الدراويش، الذي شرح لي أن "اليُتم" عند الصوفية مقام من المقامات، لأن الرسول كان يتيماً. عندها بدا يتم الخِضر جزءاً من إعداده ليصبح ولياً من أولياء الله وحاملاً العلمَ اللدني، لا مجرد تفصيل في سيرته الشخصية. ومن هنا تغيّرت قراءتي للفصل كله حين عدت إلى الرواية مرة أخرى بعد مقابلة الدرويش. إذ فهمت موت أمه في غُرَّة رجب، وهو الشهر الذي تقع فيه ليلة الإسراء والمعراج، المرتبطة في المخيال الصوفي بفكرة المقامات والترقي الروحي. هكذا أعادت الخبرة الميدانية كشف طبقات من المعنى لم تكن ظاهرة في القراءة الأولى للنص.
تبني الرواية شخصية الخِضر امتداداً رمزياً لشخصية سيدنا الخِضر في المخيال الصوفي الإسلامي. إذ يشترك الاثنان في "العلم اللدني"، وفي تجاوز الموت والزمن. فالخضر في الرواية يتزوج صبا قبل موته، فتنجب منه طفلاً تسميه الخِضر، ليواصل الاسم البقاء عبر الأجيال. ويربط المنعكش هذا المعنى ببداية حياة الخِضر، إذ يروي أن الطفل الذي مات ودُفن لم يكن أخا الخِضر كما توهم بعضهم، بل أباه الصغير أبو طالب، وأن أمه اختلط عليها الأمر، فلم يكن سهلاً التمييز بين الاثنين. وتتكرر الصلات بين الخِضر الروائي وسيدنا الخِضر في كراماتهما، كالمشي على الماء وإنبات الأرض واخضرارها حيثما مرّا.
تستند الرواية إلى التصور الصوفي للخِضر المتجاوز الظاهرَ والمألوفَ، حامل العلم الباطن واللدني. ففي التراث الصوفي، يُنظر إلى العبد الصالح الذي رافق موسى في سورة الكهف على أنه سيدنا الخِضر، الذي يكشف لموسى أن حقيقة الأشياء لا تُدرك إلا من بواطنها. بناء على هذا، ارتبط الخِضر في المخيال الصوفي بالعلم اللدني والقدرة على التأويل. ومن داخل هذا التصور الصوفي تحديداً، تبني الرواية شخصية الخِضر كائناً يتجاوز الظاهر والمألوف، ويحيا داخل منطق الكشف والتأويل والاستمرار.
تبني الرواية عالم الخِضر بتناصات صوفية وقرآنية تجعل الماء والبحر علامتين على العلم الباطن والخلود. لذلك تحمل أمكنتها أسماء مثل "جامع باب البحر" و"جامع مجمع البحرين". يرتبط الخِضر في المخيال الصوفي بالماء مكاناً ومصدراً للحياة والاستمرار. فيحكي الطبري، المفسٍّر من القرن الثالث الهجري، ارتباط الخِضر بعين الحياة التي شرب منها فصار معمَّراً لا يموت. ومن هنا تتكرر صورة الخِضر ويحكي ابن عربي عن لقائه بالخِضر في البحر قائلاً: "رأيته [. . .] ويمشي على وجه الماء"، ثم يصف كيف وقف أمامه من غير أن يبتل.
تتداخل شخصيات الرواية تجلياً لتصور صوفي يجعل الذوات المتعددة تجلياتٍ لله الواحد. كأن البشر يشتركون في باطن واحد، وإن اختلفت ظواهرهم وحكاياتهم. في بعض المواضع، يبدو الخِضر امتداداً لموسى، إذ يشرح له حسن الجوخ ثنائية الظاهر والباطن مثلما كشف الخِضر القرآني لموسى بواطن الأفعال التي عجز عن فهمها. وفي مواضع أخرى، يبدو الخِضر ويوسف المنعكش وجهان لعمر واحد، يكبر أحدهما بينما يصغر الآخر، ويموتان معاً. ويمتد هذا التداخل إلى شخصية حسن الجوخ، حين يُشبِّه الخِضر تعريشته بمقصورة حارس معبر سكة الحديد، ثم تظهر زهرة البابونج في الموضعين معاً، كأن الشخصيتين تتبادلان الحضور. ويجد هذا التصور صداه في قراءة ابن عربي لعلاقة موسى والخِضر في "فصوص الحكم"، إذ يرى أن أفعال الشخصيتين تتكرر في صورة واحدة. فإلقاء موسى في اليم ظاهره الهلاك وباطنه الرحمة، وقتله نفساً، وسقايته فتاتين من غير أجر، كخرق الخِضر السفينة وقتله الغلام وأقامته الجدار بلا مقابل.
ثمة خطوط أخرى تتقاطع مع هذا الخط الرئيس للرواية، بأحداث كثيرة وشخوص غريبة ينتظمها جميعاً هذا الدوران، الاقتراب والابتعاد عن الواقع. فتتحطم الحواجز الفاصلة بين المظهر والجوهر، الماضي والحاضر، العقل والجنون، الواقع والأسطورة، التعاليم الشكلية والشطحات الصوفية. إذ يتبدى اهتمام الرواية الأساس بالروحي لا بالمادة وبالباطن لا بالظاهر، فتتداخل الأزمنة وتتقاطع الشخصيات وتتفرع الأحداث، لتشكِّل مع نهاية هذه الرواية، عوالم مكتملة مدهشة تنطلق جميعها من قلب الواقع.
بطل الرواية طبيب نساء وتوليد مشتت. يعيش ما بين حياته اليومية الرتيبة، وكل ما تعلمه في كلية الطب من علم بحت، وبين قصته مع شيخه "عبد العال" والمجاذيب (من غاب عقله أو بعض حواسه في عالم التصوف)، وحراس العوالم الخفية الذين يحرسونه دون أن يراهم. أو بين المريض الذي صرخ في أهله بألا يرسلون في طلبه مرة أخرى لأن مريضهم في كامل الصحة ولا يرى أي سبب في رقدته في سريره، ثم مات بعدها بلحظات، وبين عالم الحقيقة والأحوال.
يصعب تقسيم شخصيات هذه الرواية لأساس وثانوية. فالشخصيات مترابطة، كل منهم يؤدِّي إلى الآخر. وكل منهم معلق بين عالمين، الطبيب بين المشفى وحياته مع أهله وزوجته، وبين مشاهداته مع شيخه. وأروى محمد علي، المرأة الحبلى الموشكة على الولادة، التي لا تعرف أهلها، تعيش بين حياتها التي يعرفها الجميع، وبين الفترة التي غابت فيها وهي صغيرة حين غافل النهرُ أباها فغابت سنة ثم عادت تسأل أين قصرها وأين مهرجها. هكذا يظهر عالمان لكل شخصية من شخصيات الرواية، وتظهر هذه الفكرة على لسان الشيخ عبد العال وهو يسأل الطبيب عن سبب نعته نعمات بالمجنونة. إذ "أوضح لشيخه مستعيناً بيديه أن ثمة حاجزاً بين الوعي واللاوعي، يمنع المعلومات القديمة والمهملة في اللاشعور من الاختلاط بالمعلومات والأحداث الحديثة في الشعور، وأن هذا الحاجز هو الذي يحافظ علينا متزنين، إذ لا يسمح بمرور أحداث من هنا إلى هناك إلا في نطاق بسيط في الأحلام أثناء النوم، أو بدرجة أكبر في بعض مراحل التخدير الكلي ، بينما ينهار تماماً هذا الحاجز في حالات الجنون." ويكمل الطبيب "لكن باعتبار ذلك من العلم، أما بحسب العلم غير المكتوب، وهو الموهوب من لدن علام الغيوب، فإن نعمات ليست سوى مجذوبة تقف في دركها الخاص، الذي غيرته بالأمس، والمجاذيب لا يتركون عادة دركهم الخاص إلا بالموت."
توظِّف الروايةُ المكانَ والزمانَ فضاءاتٍ للعبور الوجودي من الواقع إلى ما وراءه. يتكثف هذا في لحظة الولادة التي يتأملها الطبيب دائماً بحكم عمله، فيمكن للحظة الولادة أن تكون عبور روح للحياة، وقد تكون بوابة عبور لبرزخ الآخرة في أوقات أخرى.
تتجلى في رواية "العابرون" كما في "شيطان الخضر" كل عناصر التراث الثقافي غير المادي، وأهمها المعتقد. والمعتقد جزء أساس من تكوين الناس الفكري وكيفية تشكل أحاسيسهم مع الأشياء، وهو الجزء الأساس الذي عليه تقوم الرواية التي تتناول المعتقد الشعبي. "المعتقدات الشعبية" وفقاً لعبدالحكيم خليل هي "مجموعة التصورات الذهنية التي ترتبط بكل ما هو غيبي أو خبيء داخل صدور الأفراد، وقد يمكن الإفصاح عنها من خلال ممارسات سلوكية أو أقوال شفاهية أو مكتوبة".
وإذا كانت "شيطان الخضر" تقيم تناصها الرئيس مع سورة الكهف بثنائية الظاهر والباطن، فإن "العابرون" توظف الثنائية نفسها لبناء فكرة العبور بين العالمين. ويشير نصر حامد أبو زيد إلى مركزية مفهوم الباطن في التصوف عند ابن عربي، فيقول إنه "يؤسس باطن الشريعة على أساس انعكاس لباطن الوجود، فكما للوجود باطن وظاهر، وكما للإنسان ظاهر وباطن، فالخطاب الإلهي يتضمن بالضرورة هذين الجانبين: الظاهر والباطن، ومن المنطقي أن يكون للشريعة ظاهر وباطن. فالشريعة تظل في النهاية بنية تعبيرية لغوية تاريخية متغيرة من حيث الظاهر، لكنها ثابتة من حيث الباطن".
ومن هنا تأتي فكرة الهواتف والإشارات التي لا يفهمها إلا أهل الله أو أهل الطريق. وهي فكرة متكررة في الروايتين. فالإشارة التي أرسلها حسن الجوخ للخِضر قبل موته وهي الأرنب، تعني القيامة والحياة الجديدة عند قدماء المصريين. والإشارة لليلة الإسراء والمعراج تذكرة بليلة مباركة، يحتفى بمواليدها، إذ نال الرسول فيها كل المقامات، واطلع على السموات السبع. لذا نرى مشهد إنشاد الخِضر في هذه الليلة داخل جامع باب البحر مع تسعة وتسعين شخصاً منهم يوسف المنعكش ومحمد الأخرس. ومع كثرة الذكر ينزل لهم من فتحة السقف حبلٌ، كانوا سيصعدون به إلى السماء لولا أن قاطعهم سفيان العرب وطردهم.
وفي رواية "العابرون"، تتردد فكرة الأسطورة والعوالم المستمدة من الواقع وتتجاوزه. يقول محمد أبو الفضل بدران في دراسته "الخضر في التراث العالمي" المنشورة سنة 2004، "حين تذكر كلمة أسطورة فهي ترتبط بالذهن بما هو خيالي وغير واقعي وبما لا يصدق ... والأسطورة ليست خيالاً كما يظن البعض بل واقع، الخيال عملية إبداع، أما الأسطورة فهي عقيدة تتمثل في الشعائر المعاشة المرتبطة حولها قصص يقوم بعملية توضيح هذه الشعائر وربطها بالاعتقاد".
تؤكد الملاحظات الميدانية هذا الاختلاف بين النصين. ففي بعض الأضرحة، تُمارس الطقوس كما صورتها "العابرون"، بينما تُلاحظ في مواقع أخرى ممارسة أكثر تعقيداً أو توتّراً، مماثلاً لما تعكسه "شيطان الخضر". هذه المقارنة تُبرز أهمية الربط بين النص والميدان، إذ تساعد الباحث على تمييز ما هو رمزي في الرواية وما هو معاش فعلياً، مع الحفاظ على الانسجام بين الواقع والسرد.
من جهة أخرى، تقدم الشخصيات في الروايتين نماذج متباينة للتفاعل مع التصوف الشعبي. ففي "العابرون" تمثل الشخصيات الثانوية التفاعل الإيجابي أو الفضولي مع الطقوس، مما يعكس تجربة متسقة وسلسة. أما في "شيطان الخضر" فتظهر الشخصيات الثانوية توترات داخلية، ورفضاً أحياناً للطقوس، ما يزيد من أبعاد الصراع الرمزي، ويعكس حركية المجتمع مع الموروث الشعبي.
ممارسات الأفراد في الواقع مربوطة بالحياة اليومية والتراث الحي وهوية الأفراد التي تظهر هوية مجتمعات كاملة. في كتابها "الجسد وقوة المكان، طقوس التفاعل الاجتماعي في حي السيدة زينب"، المنشور سنة 2024، تنقل أماني عبد الحافظ تأكيد تشارلز كولي "أن الجماعات الاجتماعية تحقق وحدتها، وتفاعلها من خلال عملية الاتصال". إذ اعتبره الآلية الذي توجِد العلاقات الإنسانية وتنميها. كذلك أكّد أن المكان الحقيقي للمجتمع هو "تخيلات الأفراد". وعليه يذهب إلى ضرورة دراسة الأفراد والمجتمع، في التخيلات. في ذلك يقول كولي "إنني لا أنادي فقط بأن المجتمع ينبغي أن يدرس عن طريق التخيل، ولكني ألح فى أن يكون موضوع الدراسة وبالذات فكرة متخيلة".
يتيح هذا التداخل بين النص والميدان إعادة التفكير في مفهوم "التراث غير المادي" ذاته. فبدل أن يُفهم مادة ثابتة تُحفظ، يمكن النظر إليه عملية إنتاج مستمرة للمعنى. تلتقط الرواية لحظة من هذه العملية، لكنها لا تحيط بها كاملة. والميدان يكشف أن كل طقس هو في الوقت نفسه إعادة تأويل لطقس سابق. حين يُدمج الجمع الميداني في القراءة النقدية، لا يعمل إضافة خارجية، بل منهجاً يعيد ترتيب الأسئلة. فهو لا يسأل فقط عن كيفية تصوير التصوف، بل يسأل عن مالم يُصوَّر وعن سبب هذا، وعن ما يتغير حين ننتقل من السرد إلى المعايشة.
يتضح هذا الجدل بين ثبات السرد وحركية المعايشة عند النظر للموسيقى والتجويد بين الرواية والواقع. توظف الروايتان الموسيقى والتجويد آليتين لفرز من "يفهم" ومن "يحضر" فقط. فالصوت علامة تمايز، لصاحبه القدرة على النفاذ إلى الباطن، لكن العمل الميداني يكشف أن الأداء الصوتي قد لا يكون علامة صفاء روحي، بل قد يكون رأس مال رمزياً ضمن عملية تشكيل سلطة رمزية. إذ يجذب المنشد الجيد الجمهور، ويمنحه الجمهور المكانة، وهنا يتحول الصوت إلى سلطة. هذا لا ينقض الرواية، بل يوسّعها، إذ يتبين أن التوتر بين الروحي والاجتماعي ليس خللاً في التمثيل، بل جزءاً من بنية الظاهرة ذاتها.
يتكرر الأمر ذاته في الموالد. فليست الموالد إعادة إنتاج لطقس قديم، بل إعادة تفاوض دائمة على معنى القداسة. في الرواية، يظهر المولد فضاءً كثيف الرموز، تتداخل فيه الأصوات وتتصاعد فيه الحكايات عن الكرامات. وفي الميدان، يتبدى المشهد أكثر تركيباً، فالاقتصاد حاضر والتنافس حاضر والتفاوض مع السلطة حاضر والقداسة نفسها تُدار وتُنظم. في أحد المقامات، تكرر مشهد الطقوس والأذكار وأجساد تهتز في انسجام ووجوه تغيب في حالة وجد. وخلف هذا المشهد كانت هناك طبقات أخرى, من ينظم ومن يدير ومن يقرر من يتقدم ومن يتراجع. البنية الاجتماعية لم تختفِ داخل الطقس، بل أعادت تشكيل نفسها به. هنا بدأ يتضح أن الجمع الميداني لا يعمل مرآة، بل أداة تفكيك. فهو يكشف ما لا يظهر في النص، لكنه أيضاً يجعل القارئ يعود إلى الرواية بعين مختلفة. لم تعد الشخصيات مجرد تمثيلات، بل احتمالات واقعية يمكن اختبارها.
علاقة القرآن بالموسيقى عنصر أساس في الرواية. نظم الصالون الثقافي بمعرض القاهرة الدولي للكتاب سنة 2022، نقاشاً عن رواية "شيطان الخضر" ركز فيها أحمد رفيع على تجاور القرآن والموسيقى، وأن المقامات المستخدمة في القراءة والتجويد هي نفسها المستخدمة في العزف والغناء. وهذا أيضاً ما قاله حسن الجوخ معلم الخضر حين راوض قلبه الخوف من فكرة حُرمة الموسيقى، فقال له "يحللون الموسيقى والمقامات في التجويد ويحرمونها في الغناء، وسألني أيهما أسبق الموسيقى أم التجويد؟ قلت الموسيقى، فقال إذن لماذا يخبئون رؤوسهم كالنعام؟". بعدها أشار رفيع إلى أن الحروف الأولى للمقامات الثمانية إن جمعت ستنتج جملة "صنع بسحرك" وهذه إشارة إلى أن الله واهب الموسيقى للكون، وأنها وحدها القادرة على ترويض الإنسان.
في الرواية يعزف حسن الجوخ لخِضر معزوفة طويلة على آلة القانون أو نزهة النفوس كما يسميها. يكتشف الخِضر في نهايتها أنها سورة "الرحمن". "تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام"، كانت هي الجملة الموسيقية الأوضح من بين ثمانية وسبعين جملة عزفها، وهي التي لفتت انتباهي إلى قصده. حينها تركت أصابعه الآلة وقال: "إيه رأيك؟" فسألته إن كان ما سمعته سورة الرحمن كاملة، فأومأ برأسه، قلت لكنها موسيقى، فأومأ برأسه مرة أخرى وقال: "الظاهر موسيقى.. الجوهر تجويد، والعبرة بالجوهر".
تمر الأيام بعد حضوري صالون معرض الكتاب. أكمل قراءة الرواية جزءاً صغيراً كل يوم. أجد أن سبب طرد المنعكش والخضر من جامع باب البحر إذاعة المنعكش ابتهالاً بصوت امرأة من مكبرات الجامع. انتشى بسماعها بعدما حرم لأيام من الموسيقى لأنه فقد مولدات الطاقة لجهازه التسجيلي. ومع غضب "الخِضر" عليه، ظل ثابتاً على موقفه، "لعلمك الموسيقى لم تخلق إلا لتسمع في بيوت الله".
وللقارئات والمبتهلات تاريخ كبير في مصر. في مقالة كتبها عصمت النمر بعنوان "دولة التلاوة بين قراء مشهورين وقارئات مجهولات" المنشورة سنة 2014، نقل عن كتاب "ألحان السماء" لمحمود السعدني رصد تاريخ المقرئات المصريات من بداية القراءة في المناسبات والمآتم حين كان الاستماع إليهن مقصوراً على النساء إلى أن وصلن للإذاعة وكن جنباً إلى جنب مع أشهر المقرئين الرجال.
تغيرت نظرة المصرين تدريجياً للدين مما غيّر الصلة بين القرآن والموسيقى وهمَّش القارئات. وقد اتُهم الشيخ أبو العينين شعيشع بالدعوة للحرام والفسق، حين دعا لعودة المقرئات من النساء إلى الإذاعة. مثّلت الروايةُ هذا بشخصية سفيان العربي الذي اتخذ من وظيفته في المسجد سلطةً، واتخذ من عبادته وظيفة، ودارى بمظهره الخارجي جوهره الفاسد. يصفه الكاتب في الرواية بقوله "لم أعرف من أين جاء سفيان بجسده الضخم، ولحيته الكثة السوداء، وصوته الأجش، كأنه آتٍ من صحراء، جلباب أبيض، ووقفة ثابتة".
يكشف هذا أن الثنائية بين الظاهر والباطن ليست موضوعاً في الروايتين فقط، بل منهجاً لقراءتهما كذلك. فكما يخفي الطقسُ طبقاتِه خلفَ الأداء، يخفي النصُ طبقاتِه خلفَ السرد. والجمع الميداني يسمح بفتح هذه الطبقات، لا لإدانة النص، بل لفهم منطقه الداخلي. إذ يمكن القول إن الرواية لا تقدّم وثيقة لوصف الشعوب، ولا تدّعي ذلك، لكنها تخلق فضاءً تخيلياً يسمح بفهم البنية الرمزية للتصوف الشعبي. والميدان لا يلغِي التخييل، بل يوسّعه ويعقّده. حين يتحول الجمع الميداني إلى أداة نقدية، يعيد توزيع السلطة بين النص والواقع. فلا يبقى النص مركزاً وحيداً للمعنى، ولا يصبح الواقع معياراً نهائياً للحقيقة، بل ينشأ بينهما فضاء ثالث، هو فضاء القراءة النقدية التي تعترف بتعقيد الظاهرة. لا يبقى السؤال عن دقة الرواية، بل يصبح السؤال ماذا تتيح لنا الرواية أن نرى، وماذا يتيح لنا الميدان أن نعيد رؤيته.
بهذا الدمج، لا يكون التصوف الشعبي موضوعاً للدراسة فحسب، بل مختبراً لإعادة التفكير في العلاقة بين الأدب وعلم الإناسة وبين السرد والممارسة وبين التمثيل والحضور. وعند هذه النقطة، يتضح أن ما بدأ بسؤال في ليلة مولد، انتهى إلى اقتراح منهجي. فالنص لا يُقرأ وحده، والميدان لا يُفهم وحده، والعبور بينهما ليس حركة جغرافية، بل حركة تأويلية تعيد تشكيل موقع الباحث والقارئ معاً.

