منذ سنة 2023 اشتدّ الصراع بين إسبانيا وأمريكا بسبب حربٍ أخرى تقع في الطرف الآخر من العالم. فرئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز يبدي معارضةً شرسةً للحرب التي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل ضدّ إيران، وقبلها الحرب على غزة، ويُشهر ورقةَ القانون الدولي في وجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
وصلت الأزمة حداً غير مسبوقٍ برفض سانشيز استخدام الولايات المتحدة الأمريكية المجالَ الجوي الإسباني في الحرب. وفعّلت وزيرة الدفاع الإسبانية مارغريتا روبليس بنداً في الاتفاقية الدفاعية الثنائية مع أمريكا يمنح إسبانيا حقّ حظر استخدام القواعد، إذا كانت العمليات تفتقر إلى غطاءٍ قانونيٍ دوليٍ صريحٍ. وهو ما لم يحصل منذ أكثر من سبعة عقودٍ من الوجود العسكري الأمريكي فوق الأراضي الإسبانية.
شكّل الموقع الجغرافي لإسبانيا عند مدخل البحر الأبيض المتوسط الأساس الذي قامت عليه العلاقة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة الأمريكية. وهذه العلاقة لم تكن ثابتة. فقد أعادت التحوّلات الدولية، من الحرب الباردة إلى غزو العراق وصولاً إلى الحرب على غزة والتصعيد مع إيران، تعريف المصالح المشتركة بين إسبانيا وأمريكا في كلّ مرحلة. وبينما حافظت اعتبارات التحالف السياسي على متانة الشراكة بين البلدين، ظلّت المواقف السياسية قابلةً للتباعد كلما اختلفت أولويات الحكومات أو تبدَّل السياق الدولي.
فرضت هشاشة الأوضاع الداخلية على نظام فرانكو تبنّي سياسة عدم التدخل في الحرب العالمية الثانية في الفترة الممتدة بين 1940 و1942. فقد خرجت إسبانيا من الحرب الأهلية منهكةً اقتصادياً ومثقلةً بدمارٍ واسعٍ طالَ بنيتها التحتية، ما دفعها إلى تجنّب الانخراط بجانب ألمانيا وإيطاليا في الحرب ضدّ دول الحلفاء، بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي وفرنسا. ومع هذا الموقف، أرسل فرانكو سنة 1941 كتيبةً عسكريةً للقتال إلى جانب القوات الألمانية ضدّ الاتحاد السوفييتي.
دفع تغيّر موازين الحرب العالمية الثانية، لصالح دول الحلفاء، نظام فرانكو إلى الانتقال من السياسة المنحازة لدول المحور إلى الحياد التام بين سنتَي 1942 و1944. ومع تراجع حظوظ دول المحور، نأت إسبانيا بنفسها عن الصراع تفادياً لتبعات أي هزيمةٍ محتملةٍ لألمانيا وإيطاليا. في المرحلة الأخيرة من الحرب، ضغطت الولايات المتحدة الأمريكية على نظام فرانكو وطالبته بطرد الدبلوماسيين الألمان من الأراضي الإسبانية، وتفكيك شبكات التجسّس النازية التي نشطت داخل البلاد، وهو ما استجاب له فرانكو.
بعد هزيمة دول المحور في الحرب العالمية الثانية، دخل نظام فرانكو واحدةً من أكثر مراحله هشاشةً منذ نهاية الحرب الأهلية الإسبانية. وقد ورد ذلك في دراسةٍ نشرها الباحث والمؤرخ الألماني بأكاديمية مدريد، إيغرت فون بيترسدورف، سنة 1971.
حملت الدراسة عنوان "لاس ريلاسيونيس إنترناسيوناليس دي إسبانيا إن لوس أنيوس دي 1945 آ 1955" (علاقات إسبانيا الدولية من 1945 إلى 1955)، وأشارت إلى أن نظام فرانكو مرّ بأصعب المراحل بعد نهاية الحرب العالمية الثانية. فقد "شرعت المعارضة في رصّ صفوفها بالخارج استعداداً لتسلّم السلطة بعد الإطاحة بفرانكو. والأمر نفسه بالنسبة لدون خوان دي بوربون، وريث عرش آل بوربون الذي كان يعيش بالمنفى".
أعادت التحوّلات الدولية التي أعقبت الحرب العالمية الثانية صياغة الموقف الأمريكي من إسبانيا. فمع تصاعد المواجهة مع الاتحاد السوفييتي، بدأت اعتبارات التحالف السياسية بين أمريكا وإسبانيا تتقدّم على اعتبارات القيم والأفكار. وهو ما مهّد لانتقال العلاقات بين البلدين، من القطيعة إلى التقارب التدريجي.
ولتحقيق الاتساق في القيم والتوجهات، بدأت دول الحلفاء تبحث مستقبل إسبانيا وموقعها داخل النظام الدولي الجديد. منعت الولايات المتحدة الأمريكية استعمال القوة للإطاحة بنظام فرانكو، واكتفت بفرض عزلةٍ دبلوماسيةٍ على إسبانيا. بالتوازي، بدأت أصواتٌ أمريكيةٌ مناهضةٌ الشيوعيةَ تدافع عن الإبقاء على فرانكو. ليس لأنه حليفٌ ديمقراطيٌ، بل لأنه سدٌ محتملٌ في وجه التوسّع السوفييتي. ومع تصاعد المواجهة بين أمريكا والاتحاد السوفييتي، واندلاع الحرب الكورية سنة 1950، صار لهذا المنطق وزنٌ أكبر داخل دوائر القرار الأمريكية. فقد أخذت أولوية احتواء الشيوعية تتقدّم تدريجياً على أولوية معاقبة نظامٍ ارتبط في الحرب العالمية الثانية بدول المحور.
في دراسته "إسبانيا، إستادوس أونيدوس، لا غيرا فريا إي باسيس" (إسبانيا والولايات المتحدة والحرب الأهلية والقواعد) المنشورة سنة 1992، يشرح الباحث في أكاديمية مدريد أرتورو خاركي انيغيث أن أمريكا لم تتردد في انتقاد نظام فرانكو ووضع العراقيل أمام استمراره. لكن المعادلة تغيّرت تماماً بعد تدهور العلاقات بينها وبين الاتحاد السوفييتي.
استفاد نظام فرانكو من تعاطف تكتلات الكنيسة الكاثوليكية المحافظة داخل الولايات المتحدة. إذ نظرت الأوساط الكاثوليكية إلى الحرب الأهلية الإسبانية مواجهةً بين المسيحية والشيوعية، أكثر منها صراعاً بين الديمقراطية والفاشية. وساهمت بالصحافة والهيئات الدينية والثقافية المحافظة في ترويج صورة فرانكو حامياً الحضارةَ المسيحية الغربية في مواجهة المدّ الشيوعي. فوفّر ذلك للنظام الإسباني رصيداً من التعاطف داخل جزءٍ من الرأي العام المحافظ الأمريكي.
أما في الداخل الإسباني، فالمدافعون عن التقارب مع أمريكا تكتلوا فيما عُرف بمجموعة "اللوبي الإسباني". تشكّل هذا اللوبي من دبلوماسيين وعسكريين هدفهم الأسمى دفع إسبانيا للخروج من العزلة الدولية التي دخلتها بعد الحرب العالمية الثانية، وإنقاذ نظام فرانكو من السقوط نتيجة علاقاته بدول المحور المنهزمة في الحرب. وضمن هذه المجموعة، برزت أسماء مثل خوسي فيليكس ليكيريسيا، سفير إسبانيا في الولايات المتحدة، الذي وضع استراتيجيةً للتغلغل وسط النخبة الأمريكية. برز أيضاً أغوستين مونويث غرانديس، وزير الدفاع وأحد الشخصيات الرئيسة ضمن نظام فرانكو الذي دافع عن التقارب مع المؤسسة العسكرية الأمريكية. وكذلك لويس كاريرو بلانكو، الساعد الأيمن للجنرال فرانكو.
أدرجت أمريكا إسبانيا ضمن حسابات أمنها القومي. فمع إعلان مبدأ ترومان سنة 1947 وتصاعد أجواء الحرب الباردة، خلصت المؤسسة العسكرية والكونغرس الأمريكيين إلى ضرورة تبنّي موقفٍ أكثر مرونةً مع نظام فرانكو. وساهمت المخاوف من انهيار الاقتصاد الإسباني تحت وطأة العزلة الدولية، وما قد يترتب على ذلك من صعود قوى مواليةٍ للاتحاد السوفييتي داخل إسبانيا، في تعزيز هذا التوجّه الجديد.
خطت أمريكا خطواتٍ عمليةً مع إسبانيا. ففي 13 أبريل 1949، أبلغ وزيرُ الخارجية الأمريكي دين أتشيسون السلطاتِ الإسبانيةَ بأنه لم يعد هناك ما يمنع منح قروضٍ حكوميةٍ أمريكيةٍ لتمويل مشاريع محددةٍ تدعم التعافي الاقتصادي للبلاد. في الوقت نفسه، دعت المؤسسة العسكرية الأمريكية إلى توثيق العلاقات مع إسبانيا بالنظر إلى موقعها الجغرافي المهم عند مدخل البحر الأبيض المتوسط. وأبدت الخارجية الأمريكية استعدادها دعم انضمام إسبانيا إلى الأمم المتحدة، في حين ضغط عددٌ من أعضاء الكونغرس من أجل تقديم مساعداتٍ اقتصاديةٍ للنظام الإسباني.
تُوِّج التوجّه الجديد للعلاقات بين أمريكا وإسبانيا بتوقيع اتفاقٍ اقتصاديٍّ وعسكريٍّ سنة 1953. وقد أبرمت الحكومتان الإسبانية والأمريكية ثلاث اتفاقياتٍ شملت السماح للولايات المتحدة الأمريكية بإنشاء منشآتٍ عسكريةٍ واستخدامها في إسبانيا. منها قاعدة روتا قرب مدينة قادس بالجنوب الإسباني وقاعدة مورون الجوية قرب إشبيلية. وشمل الاتفاق تقديم مساعداتٍ اقتصاديةٍ وعسكريةٍ للنظام الإسباني. وكان "ميثاق مدريد"، الاسم الذي أُطلق على هذه الاتفاقيات، إعلاناً رسمياً لطيّ سنوات التوتر وبدء مرحلةٍ جديدةٍ من العلاقات الجيّدة بين البلدين.
تباينت ردود الأفعال داخل إسبانيا على ميثاق مدريد. فقد رحّبت النخبة السياسية الموالية لنظام فرانكو بالميثاق، وعدته اعترافاً دولياً بشرعية النظام وكسراً لعقدٍ كاملٍ من العزلة الدبلوماسية والحصار المفروض على إسبانيا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. في المقابل، اعتبرت دوائر عسكرية إسبانية أن بنود الميثاق عاملت إسبانيا على أنها شريكٌ أصغر يحتاج حمايةَ قوة عظمى. وعارضت النخب المناوئة لنظام فرانكو — وجلّها كان خارج البلاد وقتها — هذا الميثاق، واعتبرته خطوةً مؤسفةً تعزز قبضة الاستبداد وتطيل عمر نظام فرانكو.
هذا التقارب مع أمريكا لم ينهِ عزلة إسبانيا. فقد بقيت خارج المؤسسات الرئيسة التي تَشكَّل حولها النظام الغربي بعد الحرب العالمية الثانية. وبقي نظام فرانكو خارج خطة مارشال والمنظمة الأوروبية للتعاون الاقتصادي، وهما المؤسستان المساهمتان في تنظيم المساعدات الأمريكية الموجَّهة إلى أوروبا. استُبعدت إسبانيا من عضوية حلف شمال الأطلسي عند تأسيسه سنة 1949، ولم تنضمّ إلى المجموعة الأوروبية للفحم والصلب سنة 1951. وبالتالي، ظلّت إسبانيا على هامش النظام الاقتصادي والسياسي الدولي الذي تبلوَر بعد الحرب العالمية الثانية في إطار الأمم المتحدة ومؤسساتها الاقتصادية، مثل صندوق النقد الدولي والاتفاقية العامة للتعريفات الجمركية والتجارة.
ازدادت أهمية إسبانيا عند الولايات المتحدة في السنوات التي سبقت وفاة فرانكو، نتيجة تعاقب عددٍ من الأزمات في حوض البحر الأبيض المتوسط وجنوب أوروبا. وقد أدى انقلاب القذافي في ليبيا سنة 1969 إلى حرمان أمريكا من الوصول إلى قاعدة ويلس الجوية. كانت هذه القاعدةُ نقطةَ انطلاقِ عمليات التجسس الأمريكية، ومحطةً مركزيةً لدعم أسطول الغواصات والطائرات الأمريكية في البحر الأبيض المتوسط، وحصناً لحماية نظام الملك إدريس السنوسي في ليبيا والحفاظ على مصالح الحلف الأطلسي.
ازدادت أهمية إسبانيا والقواعد الأمريكية فوق أراضيها مع حرب أكتوبر 1973، التي حوّلت شرق البحر الأبيض المتوسط منطقةً شديدةَ الاضطراب. كذلك، أثارت "ثورة القرنفل" البرتغالية ربيع 1974 قلق الأوساط الأمريكية والغربية من احتمال وصولِ قادةٍ موالين الاتحاد السوفييتي إلى السلطة. وبالتالي، أصبحت قاعدة روتا البحرية المحطة الأساس للغواصات والمدمّرات الأمريكية في البحر الأبيض المتوسط، وكذا كان لقاعدة مورون الجوية دورٌ في إسناد العمليات الجوية ودعمها. استغلّ نظام فرانكو هذه التحوّلات الإقليمية لتقديم نفسه بديلاً آمناً ومستقراً. وسنة 1970، وُقِّعت اتفاقية الصداقة والتعاون بين أمريكا وإسبانيا. وفي السنة نفسها، زار الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون مدريد.
دفعت وفاة الجنرال فرانكو سنة 1975 الإدارة الأمريكية إلى صياغة مقاربةٍ مع إسبانيا تحفظ مصالحها في ظلّ نظامٍ سياسيٍّ جديد. فبعد أن تحوّلت إسبانيا من دولةٍ معزولةٍ بعد الحرب العالمية الثانية إلى أحد أهم حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، اتجهت أمريكا هذه المرّة إلى مساندة الانتقال نحو ملكيةٍ ديمقراطيةٍ قادرةٍ على ترسيخ الاستقرار جنوب أوروبا، دون المساس بالمصالح الأمنية التي نسجها البَلدان في سنوات الحرب الباردة.
في ورقةٍ بحثيةٍ بعنوان "هنري كيسنجر إي إسبانيا: دي لا ديكتادورا آ لا ديموكراسي" (هنري كيسنجر وإسبانيا: من الديكتاتورية إلى الديمقراطية)، نُشرت سنة 2007، قال الكاتب الإسباني شارلز باول إن الإدارة الأمريكية استأنفت — بعد وفاة فرانكو — جهودها للتوصل إلى اتفاقٍ جديدٍ بشأن القواعد العسكرية الأمريكية في إسبانيا. راهن البيت الأبيض على الملك الجديد خوان كارلوس، ووزير خارجيته خوسي ماريا دي أرييلثا، لرفع مستوى الاتفاقية إلى معاهدةٍ رسمية.
نجحت الولايات المتحدة في ضمان استمرار وجودها العسكري في إسبانيا، أثناء زيارة وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر مدريدَ في يناير 1976. فقد توصّل البلَدان إلى معاهدةٍ رسميةٍ جديدةٍ بشأن القواعد الأمريكية سُميت "معاهدة الصداقة والتعاون"، ووُقّعت في السنة نفسها. سمحت المعاهدة للجيش الأمريكي استخدام قواعد بحرية وجوية منها قاعدة روتا البحرية في مقاطعة قادس وقاعدة توريخون دي أردوز الجوية في مدريد، وقاعدة سرقسطة الجوية وقاعدة مورون الجوية في مقاطعة إشبيلية. ومنحَت المعاهدةُ أمريكا حقَ استخدام الأجواء والمياه الإقليمية الإسبانية، مع التأكيد على خضوع جميع المنشآت للسيادة الإسبانية. أسهمت هذه المعاهدة في تعزيز الثقة الدولية في الملك خوان كارلوس الأول، ودعم موقعه في مرحلة الانتقال الديمقراطي.
في يونيو 1976 عزز الملك خوان كارلوس الأول علاقته بالبيت الأبيض بعد زيارته وزوجته الملكة صوفيا واشنطن، في احتفالية الذكرى المئوية الثانية لاستقلال الولايات المتحدة الأمريكية. عن هذه الزيارة، قال كيسنجر: "هدفنا إظهار دعمنا الكامل للملك، باعتباره الأمل الأفضل لتحقيق تطوّرٍ ديمقراطيٍّ يتّسم بالاستقرار ويحمي مصالحنا في إسبانيا".
هذا الدعم لم يكن مجانياً. فقد فسّره الكاتب شارل باولز في كتابه "إل بابيل دي إستادوس أونيدوس إن لا ترانسيسيون ديموكراتيكا إسبانيولا" (دور الولايات المتحدة في الانتقال الديمقراطي الإسباني)، الصادر سنة 2007، دعماً للحفاظ على المصالح الأمريكية في إسبانيا "وعدم تعريضها لأيّ خطرٍ محتمل".
في هذا المناخ، تسارعت خطوات اندماج إسبانيا في المنظومة الدفاعية الغربية. مع وصول الرئيس رونالد ريغن البيت الأبيض سنة 1981، أعلن رئيس الحكومة الإسبانية آنذاك ليوبولدو كالفو سوتيلو في العام نفسه أن بلاده تقدّمت بطلبٍ رسميٍّ للانضمام إلى حلف شمال الأطلسي. رأت أمريكا في هذا الخيار تتويجاً للمسار الذي بدأته بعد وفاة فرانكو، إذ نصّب لها شريكاً مستقراً داخل الجناح الجنوبي للحلف وعزز نفوذها غرب المتوسط. هذا الانضمام فتح الباب أمام تثبيت الوجود العسكري الأمريكي في إسبانيا، ضمن إطار تحالفٍ دفاعيٍّ أوسع.
لم يحظَ قرار انضمام إسبانيا إلى حلف شمال الأطلسي بإجماعِ الطبقة السياسية الإسبانية. أيّدت النخب السياسية اليمينية انضمام البلاد إلى الحلف الأطلسي، واعتبرته خطوةً مكمّلةً لمسار اندماجها اللاحق في المجموعة الاقتصادية الأوروبية. رأت فيه أيضاً وسيلةً للحصول على مظلة دفاعٍ جماعيٍّ بمواجهة التهديدات الخارجية، وفرصةً للاستفادة من برامج التسليح والتدريب المشترك مع الدول الغربية المتقدّمة، بما يرفع الكفاءة القتالية للجيش الإسباني. لذلك كان حزب الوسط الديمقراطي، المحسوب على النخبة السياسية اليمينية وقائد الحكومة تلك الفترة، هو الموقّع على معاهدة الانضمام في مايو 1982. في المقابل، عارضت الأحزاب اليسارية — وفي مقدّمتها الحزب الشيوعي الإسباني — الانضمام إلى الحلف. فقد اعتبرته تبعيةً عسكريةً للولايات المتحدة الأمريكية وتصعيداً لسباق التسلّح النووي في فترة الحرب الباردة، وهو الموقف الذي تبنّاه أيضاً الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني رافعاً شعار "الناتو [. . .] لا".
كان وصول الاشتراكيين، بقيادة فيليبي غونزاليس، إلى السلطة في إسبانيا سنة 1982 حدثاً توقعته أمريكا. فقد حرص الرئيس الأمريكي جيمي كارتر على الاجتماع بفيليبي غونزاليس، أثناء زيارته مدريد في 20 يونيو 1980، عندما كان يتزعم المعارضة. وساعدت التقديرات المبكرة لأجهزة الاستخبارات الأمريكية — التي صنّفته سياسياً معتدلاً — على تبديد بعض المخاوف التي أثارها احتمال استلام الاشتراكيين الحكم. فترسخت قناعةٌ لدى الإدارة الأمريكية بأن حكومة غونزاليس لن تخرج إسبانيا من المعسكر الغربي.
ومع ذلك، أعاد وصول الاشتراكيين إلى السلطة في ديسمبر سنة 1982 طرح مستقبل العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية، وعضوية إسبانيا في حلف شمال الأطلسي، داخل النقاش السياسي. عدّل غونزاليس، الذي كان يرفع شعار "لا للحلف الأطلسي لا للقواعد" وهو في المعارضة، موقفه بعد تولّيه رئاسة الحكومة. فقد عدّ اندماج إسبانيا في البنية الدفاعية الغربية ركيزةً أساس لتحديث القوات المسلحة وتعزيز مكانة البلاد داخل المنظومة الدولية. فطرح مسألة البقاء في الحلف على الاستفتاء الشعبي سنة 1986، فأيّد الإسبان استمرار العضوية بنسبة 52.4 بالمئة. أعقب ذلك توقيع اتفاقٍ جديدٍ للصداقة والدفاع والتعاون، حلّ مكان معاهدة 1976، ونُقحت اتفاقية الدفاع بإدراج فقرة إضافيّة عن الحلف الأطلسي. نظرت أمريكا إلى انضمام إسبانيا للمجموعة الاقتصادية الأوروبية سنة 1986 خطوةً تعزز استقرار أحد أهم حلفائها في جنوب أوروبا.
في التسعينيات، بدأت إسبانيا تجني المكاسب الدبلوماسية المترتبة على اندماجها في المنظومة الدفاعية الغربية. فقد دعمت أمريكا اختيارَ العاصمة الإسبانية لاستضافة مؤتمر مدريد للسلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين سنة 1991. في مذكراته الصادرة سنة 2015، أفصح الملك خوان كارلوس أن وزير الخارجية الأمريكي جيمس بيكر ساهم في تنظيم مؤتمر مدريد بسبب موقعها الجغرافي ما بين الشرق والغرب وعلاقاتها المتوازنة مع العرب واعترافها السابق بإسرائيل. وبعد ست سنوات، استضافت مدريد قمة حلف شمال الأطلسي سنة 1997.
لكن العلاقة بين إسبانيا وأمريكا بلغت مستوىً غير مسبوقٍ من التقارب مطلع الألفية الثالثة، اتّسم بقدرٍ أكبر من الانسجام السياسي.
حمل جورج بوش الابن إلى البيت الأبيض سنة 2000 فريقاً من المحافظين تبنى رؤيةً أكثر تدخلاً في العلاقات الدولية، وقد تجلّت بعد هجمات 11 سبتمبر 2001. ففي ذلك العام، أطلقت أمريكا حربها على أفغانستان وبدأت تستعدّ لتوجيه ضربةٍ عسكريةٍ إلى العراق. رأى رئيس الحكومة الإسبانية خوسي ماريا أثنار في هذه التحوّلات الدولية فرصةً لتعزيز مكانة إسبانيا دولياً. فأبلغ الرئيس الأمريكي رغبته بتجاوُز السياسة الخارجية التي اتّبعتها إسبانيا في العقدين الماضيين، ومنحها دوراً أكثر حضوراً على الساحة الدولية.
لتحقيق هذا الهدف، بنى خوسي ماريا أثنار علاقةً شخصيةً مع جورج بوش لاستعادة الوزن الدولي لإسبانيا. وتعززت العلاقة إلى درجةِ أنّ أثنار خصّص خطاً هاتفياً مباشراً في قصر مونكلوا للتواصل المنتظم مع الرئيس الأمريكي.
أقنع أثنار دوائر القرار الأمريكية بأنه أفضل من يدافع عن المصالح الأمريكية في أوروبا. هذا التقارب وضعه في مسارٍ تصادميٍّ مع القطبين الرئيسَين داخل الاتحاد الأوروبي فرنسا وألمانيا، المعارضين التدخلَ العسكري في العراق. وقد ساهم هذا الاختلاف في تعميق التباعد بين أثنار والرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك، في الأشهر التي سبقت الحرب.
بلغ التقارب بين أثنار وجورج بوش ذروته في قمة الآزور مارس 2003، التي شكّلت مقدمةً لتدخلٍ عسكريٍّ ضدّ العراق. ظهر رئيس الوزراء الإسباني رفقة الرئيس الأمريكي ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير، وكان معهم رئيس الوزراء البرتغالي خوسيه مانويل دوراو باروسو، وهم أبرز الداعمين التدخلَ العسكري في العراق.
هذا الخيار الاستراتيجي لأثنار جرّ عليه غضباً داخلياً. فقد أظهرت نتائج استطلاع رأيٍ، لمعهد الأبحاث الاجتماعية في مدريد سنة 2003، أن 91 بالمئة من الإسبان عارضوا غزو العراق. كذلك، خرج آلاف المتظاهرين في مسيراتٍ حاشدةٍ اجتاحت شوارع المدن الكبرى احتجاجاً على مشاركة بلادهم في الحرب. ومع ذلك، مضى أثنار في دعم غزو العراق.
جاءت تفجيرات مدريد في 11 مارس 2004 لتحوّل حرب العراق من ملفٍ في السياسة الخارجية إلى قضيةٍ داخليةٍ حاسمةٍ في مستقبل حكومة أثنار. فقد أسفرت التفجيرات، التي استهدفت أربعة قطارات في محطة أتوتشا، عن مقتل 192 شخصاً وإصابة نحو ألفين. منذ الساعات الأولى للهجمات، أدرك أثنار أن ثبوت مسؤولية تنظيم القاعدة في التفجيرات سيجعل مشاركة إسبانيا في حرب العراق عاملاً حاسماً في الانتخابات التشريعية، التي كانت مقرَّرة بعد ثلاثة أيام. لذلك، سعت الحكومة إلى ترجيح فرضية وقوف منظمة إيتا الانفصالية وراء التفجيرات. هذا الرهان أثبت أنه أحد أكبر أخطاء أثنار السياسية. هُزم الحزب الشعبي في انتخابات 14 مارس 2004 وفاز خوسيه لويس رودريغيز ثاباتيرو، الذي أعطى إشاراتٍ سياسيةً تعيد موقع إسبانيا داخل الفضاء الأوروبي.
لم تجد الضغوطات الأمريكية نفعاً أمام السياسة الخارجية التي رسمها ثباتيرو لحكومته الجديدة الساعية إلى تقوية موقعها داخل الاتحاد الأوروبي. فعمد إلى إعادة إسبانيا لمدارها الأوروبي وفكّ ارتباطها مع أمريكا، الارتباط الذي بُني أساساً على الحرب على العراق. كذلك سعى ثباتيرو إلى تطوير علاقات إسبانيا مع جيرانها، على رأسهم المغرب، متجاوزاً أزمة جزيرة ليلى. وهو نزاعٌ دبلوماسيٌ استمرّ تسعة أيامٍ بين المغرب وإسبانيا على جزيرة صخرية غير مأهولةٍ قرب مدينة سبتة، كادت أن تتطور لمواجهةٍ عسكريةٍ بين البلدين صيف 2002.
حوَّل ثباتيرو الفضاء المتوسطي إلى أولوية في سياسة إسبانيا الخارجية، وعزز العلاقات مع دول أمريكا الجنوبية بحكم الروابط التاريخية القائمة، وأنهى التشنّج الذي رافق فترة خوسيه ماريا أثنار. فكان التوتر في العلاقة بين إسبانيا وأمريكا.
استعاد البلدان توازن علاقتهما مع وصول باراك أوباما إلى البيت الأبيض. فظهرت بوادر الانفراج بلقاء أوباما ثاباتيرو على هامش قمة الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية في العاصمة التشيكية براغ سنة 2009. تعهّدت إسبانيا بإرسال قواتٍ إضافيةٍ إلى أفغانستان. في السنة نفسها، شكّل اللقاء الذي جمع عائلَتي ثباتيرو وأوباما، على هامش افتتاح متحف المتروبوليتان في نيويورك، إشارةً ترمز لعودة الدفء للعلاقات. تُوِّج مسار التقارب باستقبال أوباما لثباتيرو في البيت الأبيض شهر أكتوبر 2009، الذي قال له: "لقد انتظرتُ طويلاً، لكن الأمر يستحق ذلك".
كذلك، فقد أثبتت أمريكا قدرتها على التأثير في بعض الملفات الداخلية الإسبانية. فقد ضغت الإدارة الأمريكية على إسبانيا لتسريع الإصلاحات الاقتصادية بسبب مخلفات الأزمة المالية التي ضربت البلاد سنة 2008، ما أظهر أن عودة الدفء السياسي لم يُلغِ استمرار المصالح الأمريكية في توجيه بعض الخيارات الاقتصادية الإسبانية.
لم يؤدِ وصول اليمين إلى السلطة الإسبانية سنة 2011 بقيادة ماريانو راخوي إلى تغييرٍ كبير في طبيعة العلاقات بين إسبانيا والولايات المتحدة. ظل الملفُ الاقتصادي الإسباني يحتلّ صدارة الاهتمام الأمريكي، وقد تُوِّج التقارب بزيارة باراك أوباما إلى مدريد سنة 2016، وهي أول زيارة لرئيسٍ أمريكيٍّ إلى إسبانيا منذ خمسة عشر سنة. حملت الزيارة دلالةً على رغبة الطرفين في تجاوز آثار التوتر الذي خلّفته حرب العراق وإعادة العلاقات إلى مسارٍ أكثر استقراراً.
سنة 2017، عادت المصالح الأمنية والاستراتيجية إلى صدارة الأولويات الأمريكية مع وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض. أول اختبارٍ لهذا التوجّه كان أزمة الانفصال التي شهدها إقليم كتالونيا. أعلن ترامب دعمه الوحدة الإسبانية، ورفض أيّ مسعى انفصاليٍّ خارج الإطار الدستوري، وجدد هذا الموقف أثناء استقباله رئيس الحكومة ماريانو راخوي في البيت الأبيض شهر سبتمبر 2017.
تباينت المواقف في الداخل الإسباني عن دعم ترامب الوحدة. أشادت الأحزاب الكبرى التقليدية بالدعم الأمريكي، ورفضه قادة القوميين في كتالونيا الذين اعتبروا أن أمريكا تتجاهل مطالب "تقرير المصير" وتصطف خلف مدريد. حاولت الأحزاب القومية الكتالونية استخدام هذه الورقة لتضخيم الأزمة. اقترح رئيس الحكومة الإقليمية الكتالونية كيم تورا وساطةً دوليةً، يقودها ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين والزعيم الصيني تشي جي بينغ، لحلّ الأزمة بين إقليم كتالونيا وحكومة مدريد المركزية. وهو ما قوبل بالرفض حينها.
عادت الخلافات بين إسبانيا وأمريكا إلى الواجهة مع وصول الاشتراكي بيدرو سانشيز إلى السلطة في يونيو 2018. ضغطت إدارة دونالد ترامب على إسبانيا لرفع إنفاقها الدفاعي إلى 2 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، انسجاماً مع التزامات حلف شمال الأطلسي. لكن حكومة سانشيز تمسّكت برؤيةٍ مغايرةٍ لرؤية ترامب، معتبرةً أن مساهمة إسبانيا في بعثات حفظ السلام والأمن الدوليين تشكل إسهاماً في الأمن الجماعي. أدّى هذا التباين إلى دخول العلاقات الثنائية مرحلةً جديدةً من البرود.
يفسّر تقريرٌ صادرٌ عن المعهد الملكي للدراسات الاستراتيجية "إلكانو"، أعدّه الباحثان في المعهد كارلوتا غارسيا إنسينا وتشارلز باول سنة 2020، جانباً آخر من التوتر. يشير التقرير، وهو بعنوان "ريلاثيونِس إسبانيا – إيستادوس أونيدوس" (العلاقات بين إسبانيا والولايات المتحدة)، إلى أن إدارة ترامب لم تنظر بعين الرضا إلى تشكيل حكومةٍ ائتلافيةٍ في إسبانيا يناير 2020. تشكّلت الحكومةُ من الحزب الاشتراكي العمّالي الإسباني بقيادة بيدرو سانشيز وتحالف أونيداس بوديموس، وهو تحالف سياسي يساري إسباني، تأسس في مايو 2016 لخوض الانتخابات العامة، ويضم حزبي "بوديموس" و"اليسار المتحد" إلى جانب قوى يسارية وبيئية أخرى. وتوجّست أمريكا، حسب التقرير، من حزب بوديموس المعروف بعلاقته القوية مع النظام الفنزويليّ، وبدعمه حملة المقاطعة ضدّ إسرائيل وسحب الاستثمارات والدعوة لفرض عقوباتٍ ضدّها. أما الحكومة الإسبانية فقد أعربت عن قلقها إزاء التداعيات الاقتصادية للرسوم الجمركية التي فرضتها الإدارة الأمريكية، وأبدت تخوّفها من أن يمتد تأثير حالة التباعد السياسي الواضحة إلى التعاون العسكري الثنائي.
استمرت مظاهر البرود حتى وصول الديمقراطي جو بايدن إلى البيت الأبيض. ففي قمة حلف شمال الأطلسي سنة 2021 ببروكسل، رفض بايدن عقد لقاءٍ ثنائيٍّ مع بيدرو سانشيز. ما أثار موجةً من الانتقادات والتعليقات الساخرة في وسائل الإعلام الإسبانية. وقد كان سانشيز سيحاول في هذا اللقاء الملغي إقناع الإدارة الأمريكية بمراجعة موقفها الداعمِ الموقفَ المغربي الذي اقترح مبادرة الحكم الذاتي لإنهاء نزاع الصحراء الغربية. لم يُعقد أي لقاءٍ رسميٍّ بين الرجلين إلا سنة 2023، بعدما عززت إسبانيا تقاربها مع أمريكا بدعمها الموقف الغربي في الحرب الأوكرانية.
مع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض مطلع سنة 2026، دخلت العلاقات بين إسبانيا وأمريكا مرحلةً جديدةً من التوتر. برزت الخلافات بين الطرفين في الحرب الإسرائيلية على غزة، والتصعيد العسكري الأمريكي ضدّ إيران، ومستوى الإنفاق الدفاعي داخل حلف شمال الأطلسي.
ربط سانشيز التدخل الأمريكي في إيران بالتدخل الروسي في أوكرانيا. فقد اعتبر أن كليهما يخرق القانون الدولي، موجّهاً انتقاداتٍ للسياسة الأمريكية، ومعلناً رفض إسبانيا ما وصفه بالتواطؤ مع الحرب. هذا الموقف أغضب ترامب، الذي هدد إسبانيا بفرض عقوباتٍ تجاريةٍ ووصفها بأنها حليفٌ سيّئ للغاية، إلا أن سانشيز تمسّك بموقفه وواصل الدفاع عنه في مختلف المحافل الدولية. وكان سانشيز قد رفض الاستجابة للمطالب الأمريكية برفع الإنفاق الدفاعي إلى 5 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي وكان أيضاً من أكثر القادة الأوروبيين انتقاداً للحرب الإسرائيلية على غزة.
امتد الخلاف إلى أحد أكثر الملفات حساسيةً في العلاقات الثنائية، مستقبل القواعد العسكرية الأمريكية في إسبانيا. أثار الموقف الإسباني نقاشاً داخل بعض الأوساط الأمريكية بشأن جدوى استمرار الوجود العسكري الأمريكي فوق الأراضي الإسبانية. وظهرت دعواتٌ لدراسة نقل جزءٍ من هذه المنشآت إلى دولٍ أخرى. أبرزها دعوة الجنرال الأمريكي المتقاعد روبرت غرين واي، المستشار الأمني السابق لترامب، إلى نقل القواعد العسكرية الأمريكية من جنوب إسبانيا إلى المغرب. وإن ظلّ هذا الطرح أقرب إلى ورقةِ ضغطٍ سياسيةٍ منه إلى خيارٍ عمليٍّ مطروحٍ داخل المؤسسات الأمريكية.
وعلى حدة التصعيد السياسي، ظلّت قدرة إدارة ترامب على ترجمة تهديداتها ضدّ إسبانيا إلى إجراءاتٍ اقتصاديةٍ ملموسةٍ محدودةً بجملةٍ من الاعتبارات السياسية والتجارية. هذه الاعتبارات يفسّرها ماثيو وو، أستاذ قانون التجارة الدولية في كلية الحقوق بجامعة هارفرد، في دراسةٍ نشرها سنة 2005. شرحت الدراسة، وهي بعنوان "استادو دي لاس ريلاسيونيس انتري إسبانيا إي إستادوس أونيدوس" (وضع العلاقات بين إسبانيا والولايات المتحدة)، أن عضوية إسبانيا في الاتحاد الأوروبي طرحت تحدياتٍ أمام المحاولات الأمريكية لمعاقبتها تجارياً منفردةً. ففرضُ رسومٍ جمركيةٍ على إسبانيا من شأنه أن يُعد استهدافاً للاتحاد الأوروبي بأكمله، وهو خيارٌ لن تلجأ إليه أمريكا بعد الاتفاق التجاري الذي وقّعته مع الاتحاد الأوروبي سنة 2024.
عززت مواجهة سانشيز مع ترامب مكانته لدى جزءٍ مهمّ من أنصار اليسار الإسباني والتيارات الرافضة الحربَ داخل شبه الجزيرة الإيبيرية. وأظهرت استطلاعاتٌ للرأي لمركز الأبحاث الاجتماعية في مدريد، نهاية مايو 2026، أن اثنين من كلّ ثلاثة مواطنين إسبان يرفضون الحرب على إيران. هذا الموقف أعطى سانشيز ورقةً سياسيةً مهمةً في وقتٍ واجهت شعبيته ضغوطاً متزايدةً بسبب قضايا فساد مسّت محيطه السياسي والعائلي، وأثرت على صورة حكومته.
تحوّلت الأزمة مع أمريكا عند قطاعٍ من الرأي العام الإسباني دليلاً على استقلالية القرار السياسي الإسباني وقدرته على مقاومة الضغط الأمريكي، ما ساعد سانشيز على استعادة جزءٍ من المبادرة السياسية داخلياً.
كذلك، ساهمت معارضة سانشيز سياساتِ ترامب في تعزيز صورته داخل بعض الأوساط الأوروبية والأمريكية. يقول أستاذ العلوم السياسة في جامعة بارد عمر غ. إنكارناسيون في مقال في نيويورك تايمز في مايو 2026، إن "سانشيز نجح على امتداد سنواتٍ في جعل إسبانيا أحد آخر معاقل الديمقراطية الاجتماعية في أوروبا، محافظاً على موقعه السياسي في ظرفٍ اتّسم بتراجع القوى التقدّمية في عددٍ من الدول الغربية". وحسب إنكارناسيون، فقد جعل سانشيز من معارضته ترامب أحد أبرز عناصر خطابه السياسي، إلى درجة أن عدداً من قادة اليسار في إسبانيا باتوا ينظرون إليه نموذجاً يمكن الاقتداء به.
في المقابل، عمّقت الأزمة الانقسام السياسي داخل إسبانيا بشأن طبيعة العلاقة التي ينبغي أن تربط البلاد بالولايات المتحدة الأمريكية. وواجه سانشيز معارضةً شرسةً من اليمين بشقّيه، الحزب الشعبي وحزب فوكس، اللذين تبنيا مواقف مؤيدة ترامب في الحرب على إيران وبأهمية الحفاظ على الوجود العسكري الأمريكي في جنوب إسبانيا. أساس هذه المعارضة قناعة الحزبين بأن هذا الوجود يضمن استمرار الأدوار السياسية لإسبانيا في الحوضَين المتوسطي والأطلسي.
امتد الانقسام إلى الأحزاب القومية الجهوية. فقد دعا الحزب القومي الباسكي إلى الإبقاء على القواعد العسكرية الأمريكية، بينما طالب الحزب الجمهوري الكتالاني بحصر الوجود العسكري الأمريكي وربطه بالسيادة الوطنية وطبيعة المهام التي تؤديها هذه القواعد. ينسجم هذا الموقف مع التوجّه التاريخي للأحزاب القومية واليسارية الكتالونية، التي ظلّت تنظر بعين الريبة إلى حلف شمال الأطلسي، وتدعو إلى تقليص الإنفاق العسكري وإعطاء الأولوية للإنفاق الاجتماعي.
استغلّ اليمين الإسباني الخلاف القائم بين سانشيز وترامب لمهاجمة الحكومة. ووصل الأمر إلى حدّ استقبال السفير الأمريكي في مدريد بنجامين ليون عدداً من قادة اليمين، على رأسهم زعيم حزب فوكس سنتياغو أبسكال، أحد أبرز المدافعين عن التوجه الأمريكي في إسبانيا. أثار الاستقبال موجة انتقاداتٍ من أحزابٍ يساريةٍ إسبانيةٍ اتهمت أحزاب اليمين بتلقّي التعليمات من الإدارة الأمريكية. أدخل السفير الأمريكي نفسه على خط الجدل الداخلي، منتقداً علناً عدم استقبال رئيسِ الحكومة الإسبانية إياه منذ تعيينه، ومدافعاً في الوقت ذاته عن أهمية القواعد العسكرية الأمريكية الموجودة في إسبانيا.
ويكشف الاصطدام الأخير بين البلدين أن مسار العلاقات الثنائية، مع ما راكمه منذ منتصف القرن العشرين من تعاونٍ ومصالح، لا يحمل صلابة كافية لامتصاص الأزمات وتجاوز التحوّلات الكبرى. فما إن تتغير أولويات الإدارات الأمريكية أو يتبدل الحزب الحاكم في قصر مونكلوا بمدريد، حتى تعيد الحسابات السياسية رسم ملامح العلاقة بين الطرفين، في ظلّ سياقاتٍ دوليةٍ متقلّبة تزيد من هشاشة التوافقات. لذلك، تبدو العلاقات الإسبانية الأمريكية وكأنها لا تعرف سوى موسمين دائمين: ربيع التقارب وخريف التباعد.

