لم تستسلم شيماء للتشخيص، فحملت طفلها إلى إسبانيا بحثاً عن علاج قد يغيّر مصيره، لكنها عادت إلى المغرب بالنتيجة نفسها، بلال لن يستعيد بصره. وعندما بلغ بلال سن الالتحاق بالتعليم الأولي، بدأت والدته رحلة جديدة، لكنها هذه المرة لم تكن بين المستشفيات، بل بين المؤسسات التعليمية. فقد بحثت عن مكان يستقبله في القطاعين العام والخاص، لكنها لم تجد مؤسسة توفر له فرصة الولوج إلى هذه المرحلة التعليمية.
المشكلة ليست ببلال وحده، بل بفئة أوسع من الأطفال المكفوفين دون سن السادسة لا يزالون يجدون أنفسهم خارج مسار التعليم الأولي في المغرب. فالدولة تؤكد في خطاباتها وبرامجها على تعميم هذه المرحلة لفائدة جميع الأطفال أساساً لتنمية القدرات اللغوية والمعرفية والاجتماعية، وتدرج الأطفال ذوي الإعاقة ضمن الفئات المستهدفة من سياسات الإدماج. لكن الواقع يكشف استمرار فجوة بين هذه التوجهات وبين قدرة المنظومة التعليمية على استقبال الأطفال المكفوفين. فالمؤسسات المؤهلة محدودة، والأطر المتخصصة والتجهيزات الملائمة غائبة، ما يحرمهم من مرحلة تعليمية مبكرة يفترض أن تشكل أساس اندماجهم وتعلمهم في المراحل اللاحقة.
ويتبين حجم هذا الإشكال من المؤسسات القليلة التي تستقبل الأطفال المكفوفين. فأعداد الطلبة داخل مؤسسات "المنظمة العلوية لرعاية المكفوفين" المعنية بإدماج المكفوفين وضعاف البصر، تشير إلى حاجة شريحةٍ من الأطفال ذوي الإعاقة البصرية إلى خدمات تعليمية متخصصة منذ سنواتها الأولى. ففي فرعها بمدينة الدار البيضاء وحده، التحق نحو مئة وستين تلميذاً بالموسم الدراسي 2025 و 2026.
لهذا الغرض أنشأت المنظمة، التي تأسست سنة 1967، ثلاثة عشر معهداً لتدريس الأطفال المكفوفين وضعاف البصر من السنة الأولى الابتدائية إلى المرحلة الثانوية. وقد زودتهم بوسائل الدراسة، مثل الكتب المطبوعة وفق طريقة "برايل" التي تعتمد على نقاط بارزة يقرأها المكفوفون باللمس، مستعينةً بمطبعة تملكها المنظمة تحول الكتب المدرسية المقررة إلى هذه الطريقة. يضاف لذلك تزويدها الطلاب بتسجيلات صوتية للمحتوى التعليمي، وكذلك خدمات الإيواء والتغذية المجانية.
لكن هذه المنظمة، على أهميتها وانتشارها، لا تُوفر التعليم الأولي (ما قبل الصف الأول الابتدائي) إلا في مركزين فقط. أحدهما في مدينة سلا شمال غرب المغرب والآخر في مراكش وسط جنوب البلاد. وتظل الاستفادة من هذين المركزين مشروطة بقدرة الأسر على تحمل أعباء إضافية، إذ لا توفر المنظمة النقل أو الإيواء للأطفال دون سن السادسة.
تقول شيماء للفراتس إن المسؤولين في فرع المنظمة في مدينة تطوان اقترحوا عليها تسجيل ابنها في مركز مدينة سلا، البعيد عن تطوان بنحو مئتي كيلومتر. ومع أن المسافة إلى سلا تبقى أقصر من المسافة إلى مراكش، إلا أن الانتقال لم يكن خياراً ممكناً للأسرة. فالأم ستكون مضطرة إما إلى استئجار منزل جديد والاستقرار مع أسرتها في مدينة أخرى، أو التنقل اليومي بين تطوان وسلا، وهو أمر بالغ الصعوبة لطفل في سن التعليم الأولي.
وتؤكد هذا المنحى سعيدة أملال، رئيسة فرع المنظمة العلوية بمدينة تطوان. تقول في حديثها مع الفراتس إن المنظمة لا تستقبل الأطفال دون سن التعليم الابتدائي. وقد بررت ذلك بغياب الإمكانيات المادية من تجهيزات ووسائل، بالإضافة إلى عدم قدرة أقسام المنظمة على استقبال هؤلاء الأطفال.
في المقابل، ترى شيماء أن الدولة نسيت بلالاً وأمثاله وحرمتهم من حقهم في الاستفادة من خدمات التعليم الأولي مثل أقرانهم ممن لا يعانون من الإعاقة البصرية. وتستحضر في هذا السياق تجربتَها أثناء سفرها إلى إسبانيا بحثاً عن تشخيص حالة ابنها، حيث عاينتْ الفرق في مستوى الخدمات الصحية والتعليمية المتاحة للأطفال المكفوفين. تقول للفراتس: "أثناء سفري للبحث عن تشخيص لحالة طفلي، عُرض عليّ الاستقرار في إسبانيا لما تُوفره من رعاية صحية وتأطير تعليمي لكنني رفضت، فابني وُلد في أسرةٍ ميسورةٍ يُمكنها الاستقرار في أي بلد في العالم، لكنه مغربي يبحث عن حلول للاندماج في مجتمعه".
يفسر عبد الرزاق بوغنبور، مدير المعاهد التعليمية ومراكز التكوين بالمنظمة العلوية للمكفوفين، هذا الواقع بوجود فراغٍ مؤسساتي يشمل الأطفال المكفوفين في المغرب. وقد قال للفراتس إن إدماج هؤلاء الأطفال في التعليم الأولي من اختصاص الدولة حصراً، ممثلةً في وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، وهي الجهة الوحيدة المسؤولة عن التدريس إلى حتى المرحلة الثانوية. والجمعيات برأيه لها دورٌ موازٍ لا يمكن أن يُعوض الالتزام العمومي.
ويتجاوز أثرُ هذه الصعوبات الأسرَ التي تعيش قرب المدن التي تتوفر فيها بعض خدمات المنظمة، إذ تواجه عائلات أخرى في مناطق مختلفة من المغرب العوائق نفسها عند البحث عن مؤسسات تستقبل أطفالها. ففي مدينة الراشيدية جنوبي غربي البلاد، تصف فاطمة، وهي أم لطفلين كفيفين تجربة طفلها الأول ضعيف البصر مع التعليم الأولي بالمعاناة.
تحدثت الفراتس مع فاطمة، فأخبرتنا أنها تساهم في إعالة أسرتها من عملها في أحد مراكز التجميل بالمدينة، وقد بحثت عن مؤسسة للتعليم الأولي لطفلها، الذي كان يبلغ حينها أربع سنوات. إذ أرادت أن يحصل على التعلم المبكر، ولتطمئن إلى وجوده في مكان آمن أثناء ساعات عملها.
على هذا، لم تكد الأسرة تستوعب وضع طفلها الأول حتى واجهت تحدياً جديداً بعد ثلاث سنوات مع ولادة طفلها الثاني. إذ اكتشفت فاطمة أنه يعاني كذلك ضعفاً شديداً في البصر، عقب تشخيصه في مستشفى السويسي بالرباط. تقول إنها بدأت تبحث عن مؤسسات تستقبلهما، فقادها البحث إلى مركز المنظمة العلوية بمدينة سلا. عندها قررت الأسرة ترك الرشيدية والانتقال للإقامة في سلا.
تردف فاطمة: "عرفنا أن المدينة تتوفر على فرص عمل أكثر، وبما أن عملنا لم يكن مستقراً، جئنا أنا وزوجي وطفلانا دون تردد، واشترينا منزلاً وبدأنا حياة جديدة".
ففي خطاب ألقاه بمناسبة اليوم الوطني للتعليم الأولي سنة 2018، وصف الملكُ محمدٌ السادس مرحلةَ التعليم الأولي بالبوابة الأساس للاندماج المدرسي والاجتماعي، والقاعدة التي يبدأ منها بناء مهارات الطفل. ودعا إلى تعميم التعليم الأولي مع إيلاء عناية خاصة للأطفال ذوي الإعاقة، وفق مبدأ التمييز الإيجابي، على أن يصبح التعليم الأولي جزءاً من التعليم الإلزامي. وقد دعا إلى تعبئة مختلف الفاعلين العموميين والخواص للمساهمة في تحقيق هذا الهدف.
ضمن هذا الإطار أطلقت وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة سنة 2022 خارطة الطريق 2022 إلى 2026 لإصلاح منظومة التربية والتكوين في المغرب. وجعلت الخارطة تعميم التعليم الأولي أحد أبرز أهدافها، بتوسيع الاستفادة منه تدريجياً لفائدة الأطفال المتراوحة أعمارهم بين أربع سنوات وست سنوات حتى سنة 2028.
ولتحقيق ذلك، أحدثت الوزارة وحدات للتعليم الأولي داخل المدارس الابتدائية العمومية، بشراكة مع جمعيات المجتمع المدني. وأوكلت إلى المؤسسة المغربية للنهوض بالتعليم الأولي - وهي جمعية غير ربحية تعمل في مجال التعليم الأولي - مهمة إحداث آلاف الأقسام وتجهيزها، خصوصاً في القرى والأحياء الهامشية.
ويتقاطع هذا التوجه مع التزامات المغرب القانونية بحقوق ذوي الإعاقة. فقد صادقت الحكومة على اتفاقية حقوق ذوي الإعاقة التي اعتمدتها الأمم المتحدة سنة 2006. وتُلزم الاتفاقيةُ الدولَ الأطراف باتخاذ التدابير اللازمة لضمان تمتع ذوي الإعاقة بحقوقهم على قدم المساواة مع الآخرين، ومن بينها الحق في التعليم. كذلك تدعو إلى اعتماد نظام تعليمي دامج يتيح للأطفال ذوي الإعاقة التعلم داخل المنظومة التعليمية العامة، مع توفير الترتيبات والدعم اللازمين لضمان استفادتهم. وانسجاماً مع مبادئ الاتفاقية، اعتمدت وزارة التربية الوطنية الإطار المرجعي للتربية الدامجة، بهدف ضمان إدماج الأطفال ذوي الإعاقة داخل المنظومة التعليمية.
لاي زال الانتقال من الاعتراف القانوني بحق الأطفال ذوي الإعاقة إلى ضمان استفادتهم من هذا الحق يواجه صعوبات على أرض الواقع. فمع أن الوثائق الرسمية تتحدث عن تعميم التعليم الأولي وإدماج الأطفال ذوي الإعاقة، إلا أن الأسر التي قابلتها الفراتسُ لم تتمكن من تسجيل أطفالها في مؤسسات التعليم الأولي العمومية أو الخاصة.
وتكشف تجربة شيماء كيف يظهر هذا الفراغ التنظيمي. إذ تؤكد أنها طرقت أبواب عدد من المؤسسات الخاصة في مدينة تطوان، وكانت مستعدة لدفع مبالغ شهرية مرتفعة فقط ليحظى طفلها بتجربة التعليم قبل الابتدائي. لكن محاولاتها رُفضت في كل مرة، "ولا مدرسة واحدة لها القدرة المادية والمعنوية للتعامل مع الأطفال المكفوفين".
يُحمّل عبد الرزاق بوغنبور الدولةَ مسؤوليةَ الوضع لأنها الجهة المخولة بتنظيم التعليم والإشراف عليه. ويرى أن مسؤوليتها لا تقتصر على إحداث مؤسسات عمومية، بل تشمل أيضاً تنظيم القطاع الخاص بتضمين شروط الترخيص مقتضياتٍ تُلزم مؤسسات التعليم الأولي باستقبال الأطفال المكفوفين وضعاف البصر، وتوفير الحد الأدنى من شروط إدماجهم. وقد يفسر غياب هذه المقتضيات رفض عدد من المؤسسات استقبالهم حتى عندما تكون الأسر مستعدة لتحمل تكاليف الدراسة.
كذلك يضع بوغنبور هذا الواقع ضمن مسار أوسع عرفته التربية الدامجة في المغرب. فبعد تبني المغرب الاتفاقية الدولية لحقوق ذوي الإعاقة، أوصى المجلس الوطني لحقوق الإنسان سنة 2012 باعتماد التربية الدامجة، بما يتيح للأطفال ذوي الإعاقة الدراسة إلى جانب أقرانهم داخل المؤسسات التعليمية العادية. إلا أن تفعيل هذا التوجه، الذي بدأ ضعيفاً سنة 2019، لم يشمل الأطفال المكفوفين بسبب غياب الإمكانيات والأطر المؤهلة، بحسب المسؤول نفسه.
وحرصاً على تمكين الجهة الحكومية المعنية من توضيح سياستها ومعطياتها، وجهت الفراتس أسئلة إلى وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، عبر البريد الإلكتروني والرقم الهاتفي المخصص للمراسلة، عن ولوج الأطفال المكفوفين إلى التعليم الأولي، وعدد المؤسسات أو الأقسام المخصصة لهم، والإجراءات المعتمدة لضمان استفادتهم من هذه المرحلة. ومع تلقي الفراتس وعداً بالرد، لم يصل أي جواب طوال ثلاثة أشهر حتى تاريخ نشر هذا التقرير.
تدعم هذا المعطى دراسةٌ نشرها زيد لبدوتي من جامعة محمد الأول وآخرون في يناير 2025 بمجلة كراسات تربوية العدد رقم 17، تحت عنوان "لامباكت دو لُونسينيومون بريسكولير [. . .]" (أثر التعليم الأولي على أداء التلاميذ في السنة الأولى من التعليم الابتدائي). وقد أُنجزت الدراسة على عينة ضمت خمسين أستاذاً ومئة تلميذ من المدارس العمومية المغربية، وخلصت إلى أن التعليم الأولي يحدث فرقاً في ثلاثة مجالات أساس. التطور المعرفي والأكاديمي، والتطور الاجتماعي والانفعالي، والمهارات اللغوية والتواصلية.
تضيف الدراسة أن الأطفال الذين استفادوا من التعليم الأولي عندهم استعداد مدرسي أفضل، وقدرة أعلى على التركيز وتقوية الذاكرة وحل المشكلات، ويحققون نتائج أفضل في القراءة والرياضيات. كذلك يكتسبون منذ سنواتهم الأولى مهارات تسهل انتقالهم إلى التعلم النظامي.
اجتماعياً، تظهر الدراسة أن التعليم الأولي يساعد الأطفال على أن يصبحوا أقدر على ضبط مشاعرهم والتفاعل مع زملائهم والاندماج داخل الفصل. وسجلت الدراسةُ تطوراً لغوياً في فهم التعليمات والتعبير الشفهي وتوسيع الرصيد اللغوي، خصوصاً لدى الأطفال غير الناطقين بلغة التدريس. وتخلص إلى أن مدة الاستفادة من التعليم الأولي تؤثر بوضوح في النتائج الدراسية، فكلما طالت مدة الالتحاق به، تحسن الأداء في العربية والفرنسية والرياضيات واليقظة العلمية.
تدعم هذه النتائجَ دراسةٌ أخرى عنوانها "ذا أفيكت أوف أيرلي تشايلدهود إيجيوكيشن [. . .]" (آثار جودة التعليم والرعاية في مرحلة الطفولة المبكرة [. . .]) أعدتها المختصة في علم النفس التربوي، أتيمل راديماخر، وآخرون في سبتمبر 2025. إذ تبين الدراسةُ أن الأطفال الذين استفادوا من تعليم أولي ذي جودة، تحت إشراف أطر مكونة، يحققون أداء أفضل في السنتين الأولى والثانية من التعليم الأساس، خاصة في اللغات والرياضيات.
وعلى نمط مشابه، خلصت دراسة ثالثة بعنوان "إز يونيفرسال أيرلي تشايلدهود إيديوكيشن [. . .]" (هل يُعد التعليم والرعاية في الطفولة المبكرة الشاملان أداة لتحقيق المساواة؟)، نشرها المختص في سياسات التعليم واقتصادياته، إندرياس بيير-نيلسن، وزملاؤه سنة 2024، إلى أن التعليم الأولي يساهم في تقليص الفوارق الاجتماعية. تضيف أن هذا النوع من التعليم يحقق أثراً أكبر لدى الأطفال المنحدرين من الأسر الهشة، إذ يساعدهم على تكوين الصداقات والاندماج الاجتماعي منذ السنوات الأولى.
تكتسب هذه الأدوار أهمية خاصة للأطفال المكفوفين. وترى سعيدة أملال، رئيسة فرع المنظمة العلوية لرعاية المكفوفين بمدينة تطوان، أن الحاجة اليوم ليست في وجود حضانات خاصة بالأطفال المكفوفين ولكن حضانات دامجة. ترى أملال أن عزل الطفل منذ سنواته الأولى يرسخ عنده وعند الأطفال الآخرين فكرة الاختلاف، وهو ما يظهر لاحقاً في أشكال من التنمر والإقصاء.
وعدّت المتحدثة أن الدمج الحقيقي لا يتحقق بمجرد فتح أبواب المؤسسات، بل بتوفير مكونين مؤهلين ووسائل تربوية تسمح للأطفال المكفوفين بالاستفادة من التعليم الأولي، حتى لا يتحول الدمج الشكلي إلى ما تصفه بالإعاقة المزدوجة.
هذا الدمج، وفقاً لبوغنبور، يصطدم بواقع آخر يُعيق استفادة الأطفال المكفوفين من التعليم الأولي، وهو غياب الأساتذة والمربين المتخصصين. إذ يرى المتحدث أن مراكز تكوين الأساتذة لا تفتح شُعباً للراغبين في تدريس الأطفال المكفوفين، ما يجعل عدد الأطر المؤهلة محدوداً. فيضطر عددٌ قليلٌ من المدرسين إلى تحمل هذه المسؤولية بلا تكوين متخصص، فبعض الأساتذة الذين يُدرسون المكفوفَ اليوم، حسب بوغنبور، لا يعرفون حتى التعامل مع طريقة برايل.
وينسجم هذا الطرح مع ما خلصت إليه عدد من الأدبيات التربوية عن تعليم الأطفال ذوي الإعاقة، ومنها دراسة مراجعة نشرها الباحثون آن دي بور، الباحثة في قسم التربية الخاصة بجامعة خرونينغن الهولندية، وزملاؤها سنة 2011 بعنوان "ريغيولَر برايمَري سكول تيتشرز [. . .] (مواقف معلمي المدارس الابتدائية العادية من التعليم الدامج [. . .]). تقول الدراسة إن نقص المعرفة والخبرة عند المدرسين يشكل أحد أبرز العوائق أمام التربية الدامجة، لأن التعامل مع الأطفال ذوي الإعاقة يتطلب قدرة على تكييف الممارسات التعليمية وفق احتياجاتهم الخاصة.
من جانب آخر، فتأخر الطفل الكفيف في مساره التعليمي، قد يُفهم خطأً أنه نتيجة الإعاقة نفسها. وهو المنحى الذي قد يعزز مواقف تمييزية تحد من فرصه في التعليم والاندماج الاجتماعي. ترفض شيماء فكرة أن الإعاقة تؤخر التعلم، مؤكدة أن ابنها بلالاً حفظ حزبين من القرآن وأظهر ذكاءً مقارنة بأقرانه. ولا ترى أن المشكلة في قابلية الطفل للتعلم، وإنما في غياب البيئة التي تستثمر هذه القابلية في الوقت الذي تُتاح فيه للأطفال الآخرين. فالطفل الكفيف لا يدخل المدرسة متأخراً بسبب إعاقته، بل بسبب حرمانه من مرحلة تعليمية تأسيسية.
منظور شيماء يتسق مع الأدبيات المتخصصة في نمو الأطفال ذوي الإعاقة البصرية، التي تشير إلى أن فقدان البصر لا يحدد قدرة الطفل على التعلم، وإنما تتأثر مسارات تطوره بالخبرات التي تتيحها له البيئة المحيطة. فمثلاً أوضح عالم النفس سيسيل وارين في كتابه "بلايندنِس آند تشيلدرِن" (العمى والأطفال: مقاربة الفروق الفردية في النمو) الصادر سنة 1994، أن الأطفال المكفوفين يطورون قدراتهم المعرفية بالتفاعل مع البيئة. وأن نقص الخبرات التعليمية المبكرة قد يفاقم الفجوات التي تظهر لاحقاً في مسارهم الدراسي.
ويمتد أثر هذا التمييز إلى المدرسة نفسها. فالخطاب الرسمي الذي يقدم التعليم الأولي مرحلةً لإعداد الطفل للابتدائي يفترض أن التلميذ القادم إلى الفصل اكتسب قدراً من المهارات اللغوية والاجتماعية والانفعالية. وعندما يصل الطفل الكفيف من دون المرور بهذه المرحلة، فإن المدرسة تستقبل منذ اليوم الأول تفاوتاً لم تصنعه قدرات الأطفال، وإنما صنعه اختلاف فرص الولوج إلى التعليم الأولي. وهكذا تبدأ التفرقة من خط البداية، لا من النتائج الدراسية اللاحقة.
تكشف هذه الفجوة أن التفرقة لا تبدأ داخل الفصل الدراسي، بل قبله بسنوات. فحين يُحرم الطفل الكفيف من أول تجربة تعليمية في حياته، لا يُحرم من التعلم المبكر فحسب، وإنما من فرصة بناء مسار دراسي ينطلق من خط البداية نفسه الذي ينطلق منه أقرانه. وبينما يواصل المغرب توسيع برامج تعميم التعليم الأولي، يبقى السؤال المطروح ليس عدد الأقسام التي أُحدثت، بل ما إذا كان هذا التعميم يشمل جميع الأطفال، بمن فيهم ذوي الإعاقة الذين لهم الحق نفسه بالتعلم.

