تاريخية القرآن بين أبو زيد وعبد الكريم سروش.. فشل التنوير والتعددية الدينية

يصوَّر مشروعا أبو زيد وسروش مشروعاً واحداً بسبب اعتمادهما التاريخية في مقاربة النص القرآني. لكن التدقيق يظهر تباين المشروعين في دوافعهما ومآلاتهما لأسباب تتعلق باختلاف سياقيهما.

Share
تاريخية القرآن بين أبو زيد وعبد الكريم سروش.. فشل التنوير والتعددية الدينية
كل قراءة للقرآن حركة متواصلة بين حدَّين | تصميم خاص بالفراتس

يشكِّل القرآن وتأويله، وعلاقة هذا التأويل بالتراث التفسيري وبالواقع الفكري الحديث، أحد المحاور الرئيسة في الفكر الإسلامي الحديث والمعاصر، سواءً في الشرق العربي أو في إيران وتركيا والهند. إلا أن اختلاف السياقات السياسية والاجتماعية، واختلاف طبيعة الصلة بالحداثة، يترك أثره على طبيعة مقاربة القرآن في كلِّ سياق، إذ تسهم هذه العوامل في تشكيل الأسئلة المطروحة، وضبط مناهج المقاربة، وتحديد أهدافها.

ظلَّت محاولات تجديد قراءة القرآن والتراث في العالم الإسلامي في تفاعل مستمر، تتبادل التأثير والاستفادة عبر الحدود الجغرافية والثقافية. ويظهر ذلك في تأثير المصري محمد عبده في عدد من مفكري الهند مثل شلبي النعماني، وفي تأثير الهندي محمد إقبال في مفكرين عرب وإيرانيين مثل حسن حنفي وعلي شريعتي. وقد ازداد هذا التفاعل في العقود الأخيرة مع تيسر تداول النتاجات الفكرية والتعرف إلى المناقشات الدائرة في مختلف أقطار العالم الإسلامي.

ومع هذا التفاعل بين المشاريع الفكرية، اتجهت دراسات عديدة إلى جمعها ضمن تصنيفات عامة تختزل اختلاف سياقاتها. فظهرت تصنيفات مثل "التقليديين" و"الإيديولوجيين" و"الحداثيين"، وأُدرج تحت كل منها مفكرون ينتمون إلى بيئات فكرية واجتماعية متباينة. ويظهر ذلك مثلاً في تصنيفات أحميدة النيفر، الذي ضمَّ في كتابه "الإنسان والقرآن وجهاً لوجه" الصادر سنة 2000 حركة مجاهدي خلق الإيرانية وأبو القاسم حاج حمد ضمن ما سمَّاه المدرسة الإيديولوجية. ويظهر أيضاً في كتاب محمد حمزة "إسلام المجددين" الصادر سنة 2007، الذي صنَّف نصر أبو زيد وعبد الكريم سروش حداثيين، استناداً إلى توظيفهما مناهج حديثة، وفي مقدمتها التاريخية في قراءة القرآن، أي اعتبروه نصاً مرتبطاً بسياقه التاريخي والاجتماعي. 

لا يعني استدعاء التاريخية تماثل القراءات الحداثية في القرآن والدين. فالتاريخية لا تحضر في هذه القراءات أداةً منهجيةً فحسب، بل وسيلةً ينظم بها كلُّ خطابٍ علاقته بموضوعه وبالحداثة وبالتقليد. لذا تختلف وظيفة التاريخية باختلاف السياق الذي تظهر فيه. فبينما استدعى أبو زيد تاريخية القرآن سعياً إلى تجاوزِ المأزق الذي انتهى إليه مشروع التنوير العربي، وإعادةِ بناء خطاب علمي بالقرآن والتراث والحداثة يكرِّس قيم العقلانية، ويؤسِّس فلسفياً للتحديث الاجتماعي والسياسي والفكري، استدعى سروش التاريخية لتحريرِ الدين من ضيق القراءة الفقهية والتشريعية، وتقديمِ فهمٍ أشمل للتجربة الدينية، وبلورة رؤيةٍ تعددية ومتطورة للروحانية. وقد انعكس هذا الاختلاف في سياقات الاستدعاء على طبيعة توظيف التاريخية داخل كلِّ خطاب، وفي الآفاق التي انتهى إليها كلّ منهما.


تشكلت تاريخية نصر أبو زيد داخل تقليدٍ فكري عربي انشغل منذ القرن التاسع عشر بإعادة بناء العلاقة بين الإسلام والحداثة. بلورت الكتابات النهضوية رؤية للتقدم تقوم على نقد التقليد من جهة، والاستعادة التأويلية للقرآن أساساً للمدنية الحديثة من جهة أخرى. واحتل البعدان الاجتماعي والسياسي موقع الصدارة في هذا المشروع، في حين تمحور جهده الفكري حول مقاومة الخرافة والدعوة إلى العقلانية. وقد انعكست هذه الأولويات على طبيعة التفاعل مع التراث والقرآن والواقع الفكري الحديث. وظلت العقلانية والسعي إلى إعادة تنظيم الواقع الاجتماعي والسياسي وفق مقتضيات المدنية الحديثة من أبرز العناصر في المشاريع التي تشكلت في سياق النهضة، حتى تلك التي نادت بإعادة بناء جذرية للعلاقة بين الحداثة والتقليد، وبإخضاع القرآن نفسه، لا التراث وحده، للقراءة التاريخية، مثل مشروع أبو زيد.

اتخذت الخطابات النهضوية الأولى القرآنَ أساساً للمدنية والعقلانية والتقدم. ويبرز هذا في كتابات محمد عبده وجمال الدين الأفغاني في نهايات القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وعلى رأسها كتاب عبده "الإسلام بين العلم والمدنية" المنشور سنة 1923. وربطت هذه الكتابات حالة التخلف والانحطاط الفكري والاجتماعي بجمود التراث الفقهي والتفسيري، خاصةً في مراحله المتأخرة، بعد اعتبار كثيرين باب الاجتهاد مغلقاً. لذا اتجهت هذه الخطابات إلى إعادة تأويل القرآن واستعادة بعض الموارد التراثية التي رأت فيها سنداً للعقلانية والتقدم.

تجلَّت هذه التوجهات في نتاجات النهضويين التفسيرية والفكرية، وعلى رأسها "تفسير المنار" لمحمد عبده ورشيد رضا، وكتابات قاسم أمين وفريد وجدي. فقد اتجه هؤلاء إلى إعادة تفسير الآيات التي عُدَّت معارضةً المدنيةَ الحديثة أو العقلانيةَ. ومن ذلك تفسير عبده آيات الجنّ بما يجعلها متوافقة مع معطيات العلم الحديث، إذ قال في تفسير آية ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ أن "الأجسام الحية الخفية التي عُرفت في هذا العصر بواسطة النظارات المكبرة وتسمى بالميكروبات يصحّ أن تكون نوعاً من الجنّ". وأعاد تفسير آيات الزواج وتعدد الزوجات بما يضيِّق من مجال التعدد، وعدَّه مناسباً بعض أوضاع صدر الإسلام أكثر من كونه حكماً اجتماعياً لازماً لمختلف العصور. بل عزا كثيراً من صور الفساد الاجتماعي إلى فشوِّ تعدد الزوجات، ورأى أنه "لا سبيل لتربية الأمّة مع فشوّ تعدد الزوجات"، وهي الوجهة التي تابعه فيها قاسم أمين.

وامتد هذا المنزع العقلاني إلى التعاطي مع التراث نفسه. فاستُعيد الاهتمام بالاتجاهات التي عُدَّت أقرب إلى العقلانية، مثل المعتزلة وابن رشد الفيلسوف والفقيه من القرن السادس الهجري، في حين وُجِّه نقد حادّ إلى بعض الاتجاهات الصوفية بسبب ما نُسب إليها من تكريس للاتكالية والجبرية وإضعاف الفعالية الاجتماعية. ويظهر ذلك في كتاب عبد الرحمن الكواكبي "طبائع الاستبداد" المنشور أول مرة سنة 1902.

أدَّت مقاربة القرآن والتراث من منظور أسئلة النهوض الاجتماعي والسياسي إلى نمط من التأويل الانتقائي. فبدلاً من الانشغال بطبيعة النص القرآني أو ببنية التراث الفكرية، انصبَّ الاهتمام على البحث فيهما عمَّا يدعم قيم العقلانية والمدنية والتقدم، وعلى إعادة تأويل ما بدا معارضاً هذه القيم. ويعدّ الأستاذ في قسم الفلسفة بجامعة القاهرة علي مبروك في كتابه "ثورات العرب: خطاب التأسيس" المنشور سنة 2011 هذا النمط من التعاطي مع القرآن والتراث أحد وجوه أزمة التنوير العربي، وعبَّر عنه بمفهوم "السياسوية". فوفقاً له، تعاملت الخطابات النهضوية مع الحداثة من خلال نتائجها الفكرية والاجتماعية الظاهرة، ثم سعت إلى إضفاء المشروعية عليها عبر القرآن أو التراث، من غير فحص الأسس المعرفية والثقافية التي أنتجتها. وأفضى ذلك إلى تركيبٍ تلفيقي بين الحداثة والتقليد ظل عرضةً للتفكك كلما تغيَّرت الظروف أو تبدَّلت الأولويات. ويرى مبروك أن تجاوز هذا المأزق يقتضي الانتقال من استلهام ثمار الحداثة إلى استيعاب منطقها المؤسس، وإعادة فحص القرآن والتراث في ضوء مسلَّماتها العقلانية. وهذا الانتقال هو ما عبَّر عنه بالانتقال من منطق "قطف الثمرة" إلى منطق "غرس البذرة".

في امتداد لمشروع التحديث الذي قاده قسم اللغة العربية منذ طه حسين، يتفق أبو زيد، الذي عمل أستاذاً في كلية الآداب بجامعة القاهرة، مع مبروك في هذا التشخيص، إذ يقرأ تاريخ الفكر العربي الحديث تاريخاً لمحاولات متعاقبة لحل معضلة العلاقة بين الإسلام والحداثة. وفي ضوء هذه القراءة يحدد موقع مشروعه الخاص، لا باعتباره قطيعة مع ما سبقه، بل محاولة لتجاوز المأزق الذي انتهت إليه تلك المحاولات. ففي كتابه "نقد الخطاب الديني" المنشور سنة 1992، يميز بين مراحل مختلفة في هذا المسار. بداية من رفاعة الطهطاوي الذي انشغل في منتصف القرن التاسع عشر باستيراد منجزات الحداثة أكثر من انشغاله بأسسها الفكرية. ثم محمد عبده الذي اشتبك مع بُعد الحداثة الفكري، لكن محاولته ظلت توفيقية، تربط بين قيم الحداثة وبعض الموارد العقلانية في التراث من غير أن تجعل الحداثة نفسها منهجاً لقراءة الدين والتراث. ووصولاً طه حسين وزكي نجيب محمود، اللذين حوَّلا الحداثة من موضوع للتبنِّي إلى منهج للتفكير، وطبَّقا مناهجها على التراث بل على النص الديني. غير أن هذا المسار انتهى بدوره إلى صورة جديدة من التوفيق بين العقل والدين، ضمن تحول الخطاب العربي نحو التوفيقية فيما يسميه البحريني محمد جابر الأنصاري "العلمانية الإسلامية" في كتابه "صراع الأضداد" المنشور سنة 1999، واصفاً التحول البارز في كتابات عباس العقاد ومحمد حسين هيكل وتوفيق الحكيم عن الإسلام. وهذا ما أعجز مشروع التنوير عن إنجاز المهمة التي بدأها.


تشكَّل مشروع نصر أبو زيد استجابةً لما يراه إخفاقاً لمشروع التنوير العربي في إنجاز مهمته. فلم يهدف خطابه إلى القطيعة مع المحاولات السابقة، بقدر ما طمح إلى استعادتها وتجاوز حدودها نحو خطاب علمي بالقرآن والتراث، يتحرر من الانتقائية والتلفيق اللذين وسما معظم مسارات التوفيق بين الإسلام والحداثة. ويرى أن نقطة الانطلاق إلى هذا الانتقال من الوعي التوفيقي إلى الوعي العلمي المنهجي هي "تاريخية القرآن".

لم تكن تاريخية القرآن التي دعا إليها أبو زيد سابقةً بلا جذور في الفكر العربي الحديث. فقد عرف هذا الفكر محاولات متعددة لربط بعض مضامين القرآن وأحكامه بسياقاتها التاريخية. إلا أن تاريخية أبو زيد تتميز بالموقع الذي تشغله داخل مشروعه الفكري وبالوظيفة التي تؤديها فيه. فالتاريخية استُحضرت عند طه حسين في كتابه "في الشعر الجاهلي" المنشور سنة 1926 لمناقشة القيمة التاريخية لبعض القصص القرآني، وعند محمد أحمد خلف الله في كتابه "الفن القصصي في القرآن" المنشور سنة 1947 لفهم طبيعة السرد القرآني وعلاقته بالمخيال العربي السابق للإسلام، ثم امتد استعمالها عند محمد النويهي إلى المجال التشريعي في كتابه "نحو ثورة في الفكر الديني"، الذي نُشر أولاً في مجلة "الآداب" سنة 1970 ثم طُبع في كتابٍ سنة 1983، حيث ناقش تاريخية أحكام الزواج والميراث والسياسة والحدود.

تتميز تاريخية نصر أبو زيد عن سابقاتها بخاصيتين. أولهما الشمول، أي تحولها من أداة لتفسير بعض مواضع القرآن إلى مبدأ عام لفهمه. فبينما استُحضرت التاريخية في المحاولات السابقة لمعالجة قضايا بعينها في القصص القرآني أو في التشريعات، جعلها أبو زيد أساساً للنظر في القصص والشعائر والمعتقدات والتشريعات على السواء، فلم يترك في القرآن مساحة لنص خارج التاريخ. وثانيهما التأسيس المنهجي. فهي لا تقوم على اعتبارات أخلاقية أو اجتماعية معاصرة، ولا على الرغبة في التوفيق بين القرآن والعلم الحديث، بل على تصور لطبيعة اللغة ولنشأة النصوص مستمد من الدراسات اللسانية والنصية الحديثة. وبذلك تغدو التاريخية عنده أساساً منهجياً لفهم القرآن كله، لا مجرد أداة لحل بعض الإشكالات التفسيرية.

يربط أبو زيد تاريخية القرآن بطبيعة اللغة، وبالكيفية التي تتشكل بها النصوص داخل التاريخ. لذا لا ينطلق في تأسيس تاريخيته من اعتبارات اجتماعية أو أخلاقية، بل من تصور نظري للغة والنص استمد عناصره الرئيسة من اللسانيات الحديثة ومن نظريات التأويل. ففي كتابه "مفهوم النص" المنشور سنة 1990، يستند إلى تصور اللساني السويسري فرديناند دي سوسير اللغةَ نظاماً اجتماعياً من الدوالّ والمدلولات، لا مرآةً شفافةً للواقع. فاللغة لا تنقل الواقع كما هو، وإنما تصوغه بالبنى الدلالية التي تتيح للمتكلمين التعبير عنه وفهمه.

ويمتد هذا التصور إلى فهم النصوص. فاستناداً إلى كتابات الفيلسوف الألماني فريدريك شلايرماخر، يرى أبو زيد أن النص يمرّ في تشكله بمرحلتين. يكون في الأولى نصاً منتَجاً، أي حصيلةً للبنية اللغوية والثقافية التي أنتجته. ثم يغدو نصاً منتِجاً، حين يعيد تشكيل تلك البنية عبر تحويراتها الدلالية الخاصة. وبهذا المعنى لا يظهر النص خارج التاريخ أو متعالياً عليه، بل يتشكل داخله ويتفاعل مع معطياته في الوقت نفسه.

يقود هذا التصور أبو زيد إلى اعتبار القرآن نصاً تاريخياً. فالقرآن حين يخاطب العرب بلغتهم يدخل في شبكة المعاني والتصورات التي تتيحها هذه اللغة، فيكون في لحظة أولى نصاً منتَجاً من سياقه التاريخي والثقافي. لكنه لا يكتفي بإعادة إنتاج هذا السياق، بل يعيد تشكيله عبر التحويرات الدلالية التي يحدثها في مفاهيمه وقيمه، فيغدو نصاً منتِجاً. ولا تمثل هذه العملية مرحلةً منتهية في الماضي، بل تستمر مع كل قراءةٍ جديدة للنص. ومن هذا المنطلق لا يرى أبو زيد تجاوز القرآن بعض التصورات الجاهلية، مثل الإيمان بالكائنات الوسيطة وعدم توريث المرأة، منتهى النص بل لحظةً تاريخية في مسارٍ دلالي أوسع. فالمعاني التي أنتجها النص في سياقه الأول تظل مفتوحة على إعادة القراءة وإعادة الإنتاج في سياقات لاحقة. لذلك لا تنحصر تاريخية القرآن في إعادة تفسير بعض الآيات لتوافق الواقع الحديث، بل تؤسس لفهمٍ يرى أن استحضار السياق التاريخي شرط لفهم النص نفسه. وبهذا المعنى لا تُسقَط الحداثة على القرآن من الخارج، بل تتولد من العملية التأويلية المنسجمة مع طبيعته نصاً تاريخياً.

كانت تاريخية القرآن عند أبو زيد أكثر من مبدأ منهجي يتعلق بآليات القراءة، إذ اتخذها مدخلاً إلى إنجاز مشروع التنوير العربي. فقد رأى أن مأزق هذا المشروع لا يرجع إلى ضعف أهدافه، بل إلى آليات التفكير التي حكمته، وعلى رأسها "سلطة النص" أي التفكير بالنص خارج سياقه التاريخي والاجتماعي. ويؤدي هذا النمط من التفكير إلى التوفيق بين نماذج فكرية متباينة من غير مساءلة شروط نشأتها أو منطقها الداخلي، فيصبح الجمع بين الحداثة والتراث مجرد تركيبٍ تلفيقي. لذلك رأى أبو زيد أن استحضار التاريخ في قراءة القرآن، وهو المجال الذي تتكثف فيه سلطة النص أكثر من غيره، يمثل مدخلاً إلى تجاوز هذا المأزق وإلى ترسيخ التفكير التاريخي في سائر مجالات المعرفة. ويرتبط بهذا التحول ترسيخ العقلانية نفسها. فالنظر إلى القرآن نصاً تشكَّل داخل التاريخ يرسِّخ الإيمان بالقوانين التاريخية والطبيعية، ويواجه أنماط التفكير التي تفسر الظواهر مباشرة بالإرادة الإلهية من غير اعتبار للأسباب والعلل. ومن هنا لا تظهر العقلانية قيمةً تُسقط على النص من الخارج، بل نتيجةً للتعامل معه من منظورٍ تاريخي. ولهذا رأى أن إخفاق مشروع النهضة يعود، في جانبٍ أساسٍ منه، إلى عجزه عن تبنِّي تاريخية القرآن.

سعى أبو زيد إلى تجاوز النزعة التلفيقية والتأويل الانتقائي اللذين طبعا كثيراً من الخطابات النهضوية، عبر نقل الاهتمام من النتائج الاجتماعية والسياسية المباشرة إلى طبيعة النص ومناهج قراءته. إلا أن مشروعه ظل محتفظاً ببعض السمات الأساس التي ميزت خطاب النهضة، وفي مقدمتها مركزية العقلانية، واستمرار الانشغال بقضايا التحديث الاجتماعي والتشريعي. ويظهر ذلك في التطبيقات الرئيسة لتاريخية القرآن عنده. ففي كتابه "نقد الخطاب الديني" المنشور سنة 1992، أعاد قراءة حديث القرآن عن الجن والشياطين تفاعلاً مع بنية المجتمع الجاهلي الأسطورية، هدفه دفعها في اتجاهٍ أكثر عقلانية. وأعاد النظر في آيات الميراث والزواج والحكم، وعدَّ كثيراً من أحكامها تعبيراً عن شروطها الاجتماعية التاريخية، لا عن المقاصد النهائية للنص. ومن هذا المنطلق رأى أن توريث المرأة نصفَ نصيب الرجل يمثل استجابة لسياق اجتماعي محدد، وأن المساواة الكاملة أقرب إلى المقصد القرآني العام. واستمرت هذه القضايا في احتلال موقع مركزي في كتاباته اللاحقة. ففي كتابه "التجديد والتحريم والتأويل" المنشور سنة 2010، عاد إلى مسألة الزواج من الكتابيات، وقرأها تعبيراً عن منطق التعايش المدني، داعياً إلى تطوير هذا المنطق على أساس المساواة بين المرأة والرجل. وأفرد لمسألة المرأة كتاباً مستقلاً هو "دوائر الخوف" الصادر سنة 1999. وتكشف هذه الموضوعات عن استمرار انشغال مشروعه بالرهانات الاجتماعية والتشريعية نفسها التي شغلت الخطابات النهضوية السابقة، وإن اختلفت الأسس النظرية التي انطلق منها في معالجتها.

امتدت مركزية العقلانية هذه إلى منهج أبو زيد في قراءة النصوص. فمع انفتاحه على اللسانيات ونظريات التأويل الحديثة، ظل أقرب إلى التأويلية المنهجية عند الناقد الأمريكي إدموند هيرش منه إلى التأويلية الفلسفية عند الألماني هانز غادمر أو الفرنسي بول ريكور. ويعكس هذا الاختيار تمسكاً بإمكانية الوصول إلى معنى تاريخي منضبط للنص، وبقدرة العقل على استعادته من خلال أدوات القراءة العلمية. فوفق ما يلاحظ تيري إيجلتون في كتابه "نظرية الأدب" المترجم للعربية سنة 1995، تقوم تأويلية هيرش على الثقة في استقرار المعنى وإمكان التمييز بين مقصد النص الأصلي وبين المعاني التي يضيفها القراء اللاحقون إليه. غير أن أبو زيد لم يكتفِ باستعارة هذا التصور، بل أعاد توظيفه داخل مشروعه الخاص. فبينما فصل هيرش بين "المعنى" و"المغزى"، وجعل الثاني نتاجاً لتغير السياقات التاريخية للقراءة، منح أبو زيد للمغزى موقعاً أكثر مركزية. إذ أصبح عنده التعبيرَ الأشمل عن حركة النص التاريخية، والهدفَ الرئيس الذي تسعى القراءة إلى استعادته بتتبع التحولات الدلالية التي أحدثها النص في سياقه الثقافي. ومن هنا ظل مشروعه، مع انفتاحه على المناهج التأويلية الحديثة، مشدوداً إلى أفقٍ عقلاني يبحث عن منطق النص واتجاهه الكلِّي أكثر من انشغاله بتعدد معانيه المفتوحة.

استمر هذا التوجه في تعاطي أبو زيد مع التراث الإسلامي. فعلى اهتمامه بخطابات لا تنتمي إلى التقليد العقلاني الذي استعادته النهضة، لم يكن استدعاؤه لها خروجاً من أفق النهضة الفكري بقدر ما كان جزءاً من مشروعه في تفكيك الخطاب التراثي السائد. فقد استعاد خطاب المعتزلة، واهتم بابن رشد، ثم اتجه لاحقاً إلى محيي الدين ابن عربي وغيره من الأصوات المهمشة في التاريخ الفكري الإسلامي. ويرتبط هذا الاهتمام بما يسميه في كتابه "الخطاب والتأويل" المنشور سنة 2008 "زحزحة الخطاب المركزي". فوفقاً له، ثم لعلي مبروك، يمثل الخطاب الأشعري مركز الثقل في التراث الإسلامي، وأحد المصادر الرئيسة لأنماط اللاعقلانية التي تتجلى في كثير من الخطابات الإسلامية المعاصرة، من خطاب الأسلمة إلى خطاب الإعجاز العلمي. لذا يحاول استعادة الخطابات المغايرة لتفكيك هذه المركزية وإبراز ما أخفته من إمكانات فكرية بديلة. أما على مستوى تأسيس تاريخية القرآن، فقد وجد في فكرة خلق القرآن الاعتزالية مورداً يتيح النظر إلى الكلام الإلهي صفةَ فعلٍ مرتبطةً بالتاريخ لا صفةَ ذاتٍ متعاليةً عليه. وهو ما يفتح المجال لفهم المعنى القرآني حادثاً ومتشكلاً في الزمن. ومع ذلك ظل أبو زيد حريصاً على التمييز بين مشروعه وبين هذه الخطابات التراثية نفسها، انسجاماً مع تصوره التاريخي الذي يربط كل خطاب بسياقه الاجتماعي والثقافي الخاص.

ظلَّت تاريخية أبو زيد محكومة بالأسئلة التي ورثها عن السياق النهضوي العربي، مع اتساع أدواته النظرية وانفتاحه على مناهج حديثة تجاوزت دراسة النصوص إلى دراسة الدين واللغة الدينية وطبيعة التجربة الدينية نفسها. لذا انصبَّ اهتمامه أساساً على قضايا العقلانية والتشريع والتحديث الاجتماعي والسياسي، في حين بقيت أسئلة النبوة والوحي والتجربة الدينية خارج المركز الذي شغلته في مشروعه. ويكشف هذا عن حدود تاريخيته بقدر ما يكشف عن طموحها، إذ ظل مشروعه يتحرك داخل الأفق الذي تشكَّلت فيه أزمة التنوير العربي، حتى وهو يسعى إلى تجاوزها. وقد ارتبط ذلك أيضاً بالطابع النضالي والسياسي لخطابه، وهو ما يلفت إليه تركي الربيعو في كتابه "الحركات الإسلامية في منظور الخطاب العربي المعاصر" المنشور سنة 2006.


يفضي اختلاف موقع الحداثة داخل المجال الفكري الإيراني إلى تاريخية تختلف في أسئلتها ووظائفها عن تاريخية أبو زيد. فمع تشابه مسارات التحديث عبر الدولة في العالم العربي وإيران، لم تنحصر العلاقة الإيرانية بالحداثة في استيراد منجزاتها الفكرية والاجتماعية أو في التوفيق بينها وبين الإسلام، بل اتخذت منذ وقت مبكر طابعاً فلسفياً انشغل بأسئلة الوجود والمعرفة والأخلاق. وقد انعكس هذا السياق على القراءات الإيرانية في القرآن والدين، ومنها قراءة عبد الكريم سروش، التي استدعت التاريخية لتحقيق غاياتٍ تختلف عن تلك التي استدعتها من أجلها القراءات العربية.

ساعد عاملان رئيسان في تشكيل هذا النمط من العلاقة بين الحداثة والتقليد في إيران. أولهما غياب خطاب استشراقي مؤثر يربط الإسلام بالتخلف، على نحو ما عرفه السياقان العربي والهندي مع كتابات المستشرق الفرنسي إرنست رينان والدبلوماسي الفرنسي غابرييل هانوتو والضابط الاستعماري البريطاني اللورد كرومر. فقد دفع حضور هذا الخطاب النهضويين العرب إلى الدفاع عن الإسلام بتحميل التقليد مسؤولية الانحطاط، وتقديم القرآن أساساً للمدنية الحديثة. أما في إيران، فلَم يواجه التقليد الشيعي ضغطاً مماثلاً، ما أتاح قدراً أكبر من المرونة في التعامل معه، وفتح المجال أمام مساءلة الحداثة نفسها مساءلةً فلسفية.

أما العامل الثاني فبرز في استمرارية التقليد الفلسفي الشيعي وحيويته. فقد شهد هذا التقليد منذ المنعطف الذي مثَّلته فلسفة ملا صدر الدين الشيرازي في القرن الحادي عشر الهجري تطوراً لفلسفة قادرة على الجمع بين الفقه والعرفان والكلام والفلسفة في رؤية متكاملة عن الوجود والزمن والوحي. وأتاح هذا الإرث للمفكرين الإيرانيين التعامل مع الحداثة نسقاً فلسفياً يحتاج إلى الحوار والنقد، لا مجرد مصدر للتقنيات أو للقيم الاجتماعية والسياسية.

تعمَّق هذا المسار الفلسفي في التعامل مع الحداثة خلال النصف الثاني من القرن العشرين. أسهم في ذلك استعادة فلسفة ملا صدرا داخل "حلقة التأويل" التي قادها المفسر محمد حسين الطبطبائي في قم منذ خمسينيات القرن العشرين، في ظل خلاف التيارات الإصلاحية مع مشروع التحديث الذي قاده الشاه. حضر هذه الحلقة مفكرون مثل هنري كوربان وسيد حسين نصر. وأسهمت في هذا المسار أيضاً التيارات المتأثرة بالفيلسوفين الألماني مارتن هيدغر والفرنسي رينيه غينون، والتي يمثلها أحمد فرديد وداريوش شايغان وسيد حسين نصر. ومن منظور هذه التيارات لم تكن الحداثة مجرد منظومة سياسية أو اجتماعية قابلة للأخذ والرد، بل رؤية شاملة للعالم تُقابَل برؤية فلسفية بديلة مستمدة من التراث الإسلامي.

وفي هذا السياق بدا الخلاف بين الإسلام والحداثة خلافاً بين تصورين متباينين للوجود والمعرفة ومعايير الجمال، لا محض خلاف حول بعض القيم أو المؤسسات. فالحداثة، وفق هذا المنظور، تمثل انقطاعاً عن المرتكزات الميتافيزيقية التي قامت عليها الحضارات التقليدية. لذا وصفها داريوش شايغان في كتابه "الأصنام الذهنية والذاكرة الأزلية" المترجم سنة 2000 بأنها نسيان للذاكرة الحضارية العميقة وللأمانة، في حين رأى سيد حسين نصر في كتابه "المعرفة والمقدس"المترجم سنة 2025 أنها أفرزت إنساناً منقطعاً عن السماء، في مقابل الإنسان الذي تشكل داخل التقاليد الدينية الكبرى.

لم يؤدِّ هذا الانفتاح على التقليد إلى غياب نقده. فقد نشأ عشية الثورة الإيرانية وفي أعقابها تيار آخر سعى إلى إعادة بناء الذات الدينية عبر تنقية التقليد من العناصر التي عُدَّت مسؤولة عن الانحطاط والاستبداد. وتمثل هذا الاتجاه خصوصاً في كتابات علي شريعتي، خاصة الذي ربط كثيراً من الممارسات والعقائد السائدة بما سمَّاه "التشيع الصفوي"، ودعا في المقابل إلى استعادة "التشيع العلوي" تعبيراً أصيلاً عن الرسالة الإسلامية.

اختلف هذا النقد للتقليد عن نظيره في الخطابات النهضوية العربية. فلم ينطلق من الرغبة في التوفيق بين الإسلام والحداثة أو في تبرئة الإسلام من تهمة التخلف، بل من السعي إلى تأسيس فهم جديد للدين رسالةً اجتماعيةً وقوة تاريخية فاعلة. ومن ثم جاءت دعوة شريعتي إلى "دين ضد الدين"، وهو عنوان أحد كتبه المترجم للعربية سنة 2007، حيث واجه الدين الحيَّ المتصل بقضايا التحرر والعدالة بالدين الذي تحول إلى أداة لإنتاج الخضوع والاستبداد. كذلك استفاد هذا التيار من النقد الفلسفي للحداثة الذي بلورته الاتجاهات السابقة. فمع رفضه كثيراً من عناصر التقليد القائم، لم يتبنَّ الحداثة بديلاً جاهزاً، بل نظر إليها هي الأخرى منظومة حضارية ومعرفية تحتاج إلى المراجعة والنقد. لذلك رفض شريعتي وشايغان وغيرهما محاولات التوفيق السهلة بين الإسلام والحداثة، وعَدُّوا كثيراً منها شكلاً من أشكال "الاستلاب" أو الوعي الزائف بالذات والتاريخ.

أفضى التفاعل بين هذين المسارين إلى ظهور نمط جديد من التفكير الديني في إيران، هو تيار القراءات الحداثية في القرآن والدين. خرج هذا التيار من رحم التقليد الديني، لكنه لم يكتفِ بإصلاح بعض جوانبه أو بإعادة ترتيب أولوياته، بل اتجه إلى إعادة النظر في الأسس التي يقوم عليها فهم الدين نفسه. ومن ثمَّ تجاوز موضوعه الفقه أو الإصلاح الاجتماعي أو نقد الحداثة، ليمتد إلى القرآن والنبوة والوحي وطبيعة التجربة الدينية. ويلاحظ منصور مير أحمدي في كتابه "العلمانية الإسلامية" المنشور سنة 2014 أن كثيراً من مفكري هذا الاتجاه لم يجدوا في مشروعات الإصلاح الديني السابقة ما يكفي لتجاوز أزمات التقليد. لذا اتجهوا إلى توظيف المناهج الفلسفية والمعرفية الحديثة توظيفاً أعمق، مستعينين بالفلسفات اللغوية والتأويلية وفلسفة الدين، من أجل إعادة بناء فهم الدين على أسس جديدة. وارتبط هذا المسعى بجملة من الرهانات الفكرية التي جمعت بين بعض عناصر التيارات السابقة وتجاوزتها، مثل الدفاع عن روحانية الدين، وإبراز مركزية التجربة الدينية، وتطوير تصورات جديدة للتعددية الدينية.

عبد الكريم سروش هو أحد أبرز تجليات هذا التحول في الفكر الديني الإيراني. مع أنه درس العلوم الطبيعية بجامعة لندن، ترك سروش هذه العلوم ليهتم بفلسفة العلوم ونظرية المعرفة وعلاقتها بالدين. وشارك في مؤسسات الثورة الإيرانية في سنواتها الأولى، إذ شغل عضوية المجلس الأعلى للثورة الثقافية منذ سنة 1979، مما وضعه في قلب الجدل الدائر حول الدين والمعرفة والسلطة. غير أن تطور أفكاره قاده تدريجياً إلى موقع أكثر نقدية تجاه الخطاب الديني السائد، فلقي هجمات متزايدة انتهت بمغادرته إيران إلى الولايات المتحدة سنة 2000. وفي هذا السياق تبلورت الملامح الرئيسة لمشروعه الفكري. فقد انفتح على الفلسفات الحديثة، وخاصة فلسفة الألماني إيمانويل كانط والكانطيين الجدد وفلسفة الإنجليزي كارل بوبر، وأعاد دمجها في أفق فكري يستحضر ملا صدرا وجلال الدين الرومي ومحمد إقبال. ومن تفاعل هذه الموارد المختلفة تشكلت الأسس الفلسفية والمعرفية التي بنى عليها قراءته للدين والقرآن.


يقوم مشروع سروش على التمييز بين الدين والفهوم البشرية التاريخية للدين. ومن هذا التمييز تنطلق قراءته القرآنَ والمعرفةَ الدينية معاً. فالدين حقيقة متعالية لا تُدرك مباشرة، ولا يملك البشر سوى الوصول إلى فهمها عبر معارفهم ولغاتهم وخبراتهم التاريخية المتغيرة. لذا لا يكون موضوع الدراسة هو الدين في ذاته، بل صورته المتجلية في الفهوم البشرية التي تتشكل حوله. 

ويستند هذا التصور إلى جملة من الموارد الفلسفية الحديثة. فمثلما يميز كانط بين "الشيء في ذاته" و"الظاهر"، ويميز بوبر بين الواقع والعلم الذي ينتجه البشر عنه، ويفرق غادمر بين النص وقرائه، في حين يميز سروش بين الدين وبين المعرفة الدينية. ومن ثم تصبح المعرفة الدينية تاريخية ومتغيرة، لا لأنها تتعلق بدين متغير، بل لأنها نتاج بشر متغيرين.

ويتعزز هذا البعد التاريخي بالاستناد إلى مفهوم "الحركة الجوهرية" في فلسفة ملا صدرا، الذي يجعل الوجود في حركة وتجدد مستمرين. فإذا كان الإنسان والعالم في تغير دائم، فإن فهم الدين يخضع للحركة نفسها. ومن هذا المنطلق صاغ سروش ثنائيته الشهيرة بين "القبض" و"البسط". فالدين يمثل القبض في صورته الثابتة، بينما تمثل التجربة التاريخية للمسلمين بسطاً متواصلاً لهذا القبض عبر معارفهم المتجددة وتحولاتهم التاريخية. ولا يبقى ثابتاً في هذا المسار سوى النواة الأخلاقية والروحية للدين، المتمثلة في الصلة بالله والقيم الأخلاقية الأساسية.

امتدت تاريخية سروش من المعرفة الدينية إلى الدين والقرآن. فإذا كانت نظرية "القبض والبسط" في كتابه "القبض والبسط في الشريعة" المترجم سنة 2003 تتعلق بتاريخية الفهوم البشرية للدين، فإنها اتخذت في كتابه "بسط التجربة النبوية" المترجم سنة 2006 مدى أوسع. إذ لم يعد التغير مقتصراً على فهم الوحي، بل شمل الوحي في ظهوره التاريخي نفسه. فوفق سروش، لا يمثل القرآن نقلاً مباشراً لكلامٍ إلهيٍ متعالٍ عن التاريخ، بل تعبيراً لغوياً بشرياً عن التجربة التي عاشها النبيّ في علاقته بالله. ومن ثم فإن لغة القرآن وصوره ومفاهيمه تتشكل داخل الأفق المعرفي والثقافي الذي عاش فيه النبيّ، وتعبِّر عنه. ولهذا كان يمكن أن يختلف القرآن لو تشكلت التجربة النبوية في سياق تاريخي وثقافي مختلف. ويترتب على ذلك أن الوحي لا يظهر حدثاً مغلقاً اكتمل بانتهاء حياة النبيّ، وإنما مساراً مفتوحاً تتواصل آثاره في التاريخ. فالتجارب الروحية والعرفانية اللاحقة لا تكرر التجربة النبوية، لكنها تمثل امتدادات لها وإثراءً لمعانيها. وبهذا المعنى يتعدَّى "بسط" الوحي النصَّ القرآني، ليستمر عبر الخبرات الدينية المتجددة التي يعيشها المؤمنون في التاريخ.

يقود هذا التمييز سروش إلى إعادة النظر في مركز الدين نفسه. فبدلاً من تعريفه انطلاقاً من العقائد أو التشريعات، يجعل التجربة الدينية أساسه الأول. ويستند في ذلك إلى شلايرماخر، أحد أوائل الفلاسفة الذين عدَّوا التجربة الدينية جوهر الدين، وعدَّوا التعاليم والتشريعات تعبيرات تاريخية عنها لا أساسها الحقيقي. ويترتب على هذا انتقال مركز الثقل من النص أو العقيدة إلى الإنسان صاحب التجربة. فالتشريعات والعقائد ليست في هذا التصور جوهر الدين، بل صيغاً تاريخية تتشكل بها التجربة الدينية في سياقات مختلفة. ومن هنا يميز سروش بين "تدين المصلحة" و"تدين الحقيقة" و"تدين التجربة"، ويجعل الأخير الصورة الأعمق للدين، لأنه يتعلق بالتجربة الروحية نفسها لا بصيغها التاريخية المتغيرة.

يفتح هذا التصور المجال أمام التعددية الدينية. فإذا كانت التجربة الدينية هي الأصل، فإن الأديان المختلفة تمثل طرائق متعددة للتعبير عنها وفق اللغات والثقافات والخبرات التاريخية المتباينة. لذلك يتحدث سروش عن "الصراطات المستقيمة" بصيغة الجمع، ويرى أن الوحي لا يختلف في جوهره عن تجارب العرفاء والمتصوفة في سائر الأديان، وإنما يتميز عنها بدرجة الكثافة والعمق لا بطبيعته المغايرة لها.

بهذا تختلف الوظيفة التي تؤديها التاريخية عند سروش عن الوظيفة التي أدتها عند أبو زيد. فبينما استُدعيت التاريخية عند أبو زيد أساساً لتجاوز المأزق التوفيقي للتنوير العربي وترسيخ العقلانية وإعادة النظر في التشريعات والمعتقدات التي بدت معارضةً الحداثةَ، اتخذت عند سروش أفقاً أوسع يتعلق بإعادة تعريف الدين نفسه. وهكذا لم تعُد التاريخية وسيلة لإعادة تأويل بعض أحكام الدين أو معتقداته، بل مدخلاً إلى إعادة الاعتبار للتجربة البشرية في التعاطي مع المقدس، وجعلها مركز الدين وأساسه. وأتاحت الدفاع عن التعددية الدينية، وإنقاذ البعد الروحي للدين من هيمنة الفقه والكلام التقليديين. ولهذا لم تنتهِ تاريخية سروش إلى مشروع للتحديث الاجتماعي بقدر ما انتهت إلى مشروع لإعادة بناء فهم الدين والتجربة الدينية معاً.

يكثِّف مشروع سروش كثيراً من الاتجاهات التي تشكلت في المجال الفكري الإيراني قبل الثورة وبعدها، ويمنحها اتساقاً نظرياً جديداً عبر مفهوم التاريخية. فالتاريخية عنده لا تُستدعى لتبرير التحديث الاجتماعي أو لإعادة تأويل بعض الأحكام فحسب، بل لإعادة التفكير في الدين والتجربة الدينية من أساسهما. ومن ثم ينفتح على موارد فلسفية لا لكونها تعبيراً عن الحداثة، بل باعتبارها لحظات نقدية داخلها. فالاستناد إلى حدود العقل عند كانط، وإلى تاريخية الفهم عند غادمر، يبتعد عن التصورات الحداثية التي ترى العقل أداة شاملة قادرة على الإحاطة الكاملة بالواقع والنصوص. ويختلف استدعاؤه لشلايرماخر عن كثير من القراءات الحداثية للدين. فالتجربة الدينية لا تُختزل عنده في ظاهرة اجتماعية أو نفسية أو عقلية، بل تظل أساس الدين وجوهره، فيما تغدو العقائد والتشريعات تعبيرات تاريخية عنها. وعلى مركزية الإنسان في هذا التصور، فإنه عند سروش ليس الذات العارفة المستقلة التي قامت عليها الفلسفة الحديثة منذ ديكارت، بل كائناً تاريخياً وروحياً يتشكل باستمرار في حركته نحو الله، وهو تصور يقترب من إرث ملا صدرا الحاضر في الفكر الإيراني المعاصر.

ومن ثم لا تنتهي تاريخية سروش إلى تجاوز بعض عناصر التقليد الشيعي أو إصلاحها، بل إلى نقد مبدأ الانغلاق الديني. فبدلاً من قصر مصدر الجمود على مضمونٍ بعينه، تُثبت تجربة تاريخية محددة وتمنح صفة الإطلاق. لذلك يضع التاريخَ في صميم التجربة الدينية، بما في ذلك تجربة الوحي، لتكون العلاقة بالمقدس فعلاً مفتوحاً على التجدد المستمر بدلاً من إغلاق التجربة في صورة تاريخية واحدة.

أفضت هذه الحمولة الفلسفية والمعرفية إلى جعل خطاب سروش أكثر نخبوية من كثير من خطابات الإصلاح الديني في العالم الإسلامي. فبينما انشغلت هذه الخطابات بقضايا التشريع والإصلاح الاجتماعي والسياسي، اتجه سروش إلى أسئلة الوحي والتجربة الدينية وطبيعة الدين، وهي أسئلة أبعد عن الاهتمامات المباشرة للجمهور الواسع. والنتائج التي انتهى إليها، وخاصة في ما يتعلق بتاريخية المعرفة الدينية والتعددية الدينية وطبيعة الوحي، تمسّ بعض أكثر التصورات رسوخاً في الوعي الديني الإسلامي. 


لا يكفي اشتراك نصر أبو زيد وعبد الكريم سروش في تبني قراءة تاريخية للقرآن والدين لفهم طبيعة مشروعيهما. فمع إمكان جمعهما، ومعهما مفكرون آخرون مثل محمد أركون ومحمد عابد الجابري ويوسف الصديق، تحت هذا العنوان العام، فإن هذا التصنيف يقصر عن تفسير الفروق الجوهرية بين هذه المشاريع. فبدلاً من ظهور التاريخية أداةً منهجيةً واحدة تؤدي الوظيفة نفسها في كل سياق، فإنها تتشكل وفق الأسئلة التي تحرك كل مشروع، والرهانات التي يسعى إلى تحقيقها، والسياقات الفكرية والاجتماعية التي يعمل داخلها.

وتُظهر المقارنة بين هذه المشاريع أن اختلاف السياقات يفسر تباينها كما يكشف حدود كلٍّ منها. فالخطاب المخلص للأسئلة الاجتماعية والسياسية، مثل خطاب أبوزيد، يكشف حاجةً إلى انفتاح أوسع على الأسئلة القصوى المتعلقة بطبيعة الدين والوحي والتجربة الدينية، بما يحقق انسجاماً أكبر مع طموحه إلى إعادة بناء العلاقة بين الإسلام والحداثة. وفي المقابل، يكشف الخطاب المخلص لهذه الأسئلة الشاملة، مثل خطاب سروش، حاجةً إلى انخراط أعمق في القضايا الاجتماعية والسياسية والتشريعية التي تتجسد فيها رهانات الدين التاريخية. ومن ثم تكشف المقارنة بين هذه المشاريع عن اختلاف مساراتها كما تكشف ما يمكن أن يتعلمه كلاهما من الآخر.

ولعل هذا التفاعل بين الأسئلة الكبرى والأسئلة الصغرى ليس نتاجاً لخيارات القراء وحدها، بل يفرضه القرآن على قارئه. فالقرآن يتناول أسئلة قصوى تتعلق بالمقدس والموت والجنس والكلمة، لكنه يفعل ذلك عبر لغة بشرية، ومن خلال وقائع تاريخية واجتماعية شديدة الظرفية. لذا ستبدو كل قراءة للقرآن حركةً متواصلةً بين هذين الحدين، أو قبضاً وبسطاً لا يتوقف بين المعنى الكلي المجرد وتجلياته التاريخية المتعينة.

اشترك في نشرتنا البريدية