نازحةٌ بقرارٍ إسرائيلي.. حكايتي مع أوامر الإخلاء في لبنان

تستخدم إسرائيل إنذارات الإخلاء أداةً ممنهجةً لشرعنة هجومها في الحرب الراهنة في لبنان، وسط تساؤلات قانونية وحقوقية بشأن فعاليتها ومدى التزامها بحماية المدنيين.

Share
 نازحةٌ بقرارٍ إسرائيلي.. حكايتي مع أوامر الإخلاء في لبنان
تغيَّرت أساليب الإنذارات الإسرائيلية لكن اعتداءاتها لم تنقطع | تصميم خاص بالفراتس

كانوا يسارعون لِلملمة المناشير التي ترميها الطائرات الإسرائيلية، ويتسابقون لجمع العدد الأكبر منها. أولاد حيِّنا المشاغبون في جنوب لبنان لم يدركوا حينئذ أنها الحرب إلا بعد صراخ أمَّهاتهم ودعوتهنَّ لهم للاختباء. كان الملجأ مستودعاً صغيراً في عليَّة لا ينفذ إليها شمسٌ أو هواء. صمدوا فيه نحو عشرين يوماً، لكن القصف بالقذائف لم يُشبع إسرائيل، فعمدت إلى سلاح الجو مدمرة المباني فوق رؤوس ساكنيها، ليصبح النزوح شراً لا بد منه.

هكذا كان أسلوب التحذيرات الإسرائيلية في حرب سنة 2006، فملايين المناشير التي طارت فوق مناطق جنوب لبنان ومنطقة البقاع تلوَّن السماء بمنظرٍ بديعٍ يغري الأطفال، لم تكن سوى إنذاراتٍ باقتراب الموت. في تلك الأيام، كان الراديو الصغير الذي يحمله جدي ويجتمع حوله أهالي البلدة مصدراً وحيداً لمعرفة الأخبار عن أحداث الحرب. غير أن ذلك الجهاز سرعان ما كان يتحوَّل – كالمناشير التي تتساقط من السماء – إلى نذير شؤمٍ عندما تخترق إسرائيل شبكات الإذاعات المحلية وتبثَّ رسائل تأمر السكان بالابتعاد عن مناطق تواجد من سمتهم إسرائيل "المخربين".

بعد انسحاب إسرائيل من معظم أراضي لبنان عقب حرب 2006، صار ما احتفظت به من تلك المناشير شاهداً على بقايا ذاكرة أحفظها خشية الضياع. كنت أستعدّ لدخول الجامعة بعد أن أنهيت دراستي الثانوية. كنت ألملم أحلامي واستعد لغدٍ لم أكن أعلم أنه سيعيد تمثيل فصوله القاسية مراراً وتكراراً، وأني سأخسر معه ذكرياتي مثلما خسرت كثيراً مما احتفظت به من مناشير.

مع توالي الصور والفيديوهات التي يوثقها ضحايا القصف والنزوح القسري في لبنان على منصات التواصل الاجتماعي منذ نوفمبر 2023، أرادت إسرائيل تغيير صورتها المتراجعة أمام الرأي العام العالمي، فاستبدلت المناشير الورقية التي اعتمدتها في حرب 2006 بخرائط رقمية موسومة باللون الأحمر. والأطفال الذين كانوا يتسابقون لجمع المناشير الملونة، أصبحوا كباراً يترقبون بخشية ما ينشره الناطق باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي عبر منصة إكس.

تلك الإنذارات التي تتلقفها المواقع الإخبارية اللبنانية وتضجّ بها مجموعات واتساب المحلية، لا تمهل متلقيها وقتاً للهرب الجماعي من الموت. لكنها أضحت شرارة سباق محموم مع الوقت للنجاة، ووسيلة إسرائيلية للتحايل على القانون الدولي وقواعده في حماية المدنيين أوقات الحروب، وخصوصاً الاتفاقات التي رفضت توقيعها والتي تفرض عليها حماية المدنيين في عملياتها العسكرية الهجومية.


أنا ابنة الجنوب التي لم تعرف طعم الحرية. ولدتُ في ظلِّ الاحتلال، وكبرتُ في كنف الملاجئ، واختبأت تحت طاولات الصف كي لا تصيب رأسي شظايا زجاج النوافذ المتناثرة بسبب القصف. كانت رحلتي الأولى مع النزوح في أغسطس سنة 1993، حين أجبرتنا الحرب التي أطلقت عليها إسرائيل "تصفية الحساب" على مغادرة الديار.

أتذكَّر العدوسية وهي إحدى القرى المسيحية في ساحل الزهراني في صيدا التي لجأنا إلى مدرستها الرسمية. في تلك الفترة لم تكن هناك وسيلة لإنذار السكان. قصفت إسرائيل حينها محطات الكهرباء وقطعت أواصل الطرقات الرئيسية ودمرت الجسور وأُكرهنا على الرحيل. بعد أسبوع انتهت الحرب بتفاهم شفهي بوساطة أمريكية، سمحت إسرائيل بموجبه بعودة السكَّان بشرط إبقاء عملياتها العسكرية محصورة في منطقة جنوب الليطاني الخاضعة وقتئذ لاحتلالها. وهكذا رجعت إلى بلدتي وهي زوطر الشرقية.

نزوحي الثاني كان في حرب أبريل سنة 1996، التي سمَّتها إسرائيل عملية "عناقيد الغضب"، وارتكبت خلالها جريمة قصف قانا، التي صنفتها الأمم المتحدة مذبحة بعدما قُتل فيها أكثر من مئة مدني كانوا يحتمون في مركز اليونيفيل (قوات الأمم المتحدة المنتشرة في جنوب لبنان). أتذكَّر كيف كنا في السنوات اللاحقة نعلِّق شارات الحداد المذكرة بالمذبحة على صدورنا، ونملأ الساحات إحياءً لذكرى ضحاياها. 

لم تتوقَّف فصول المعاناة مع تكرار النزوح والعودة تحت القصف حتى تحرير سنة 2000، حينما انسحبت إسرائيل من جنوب لبنان بدون قيد أو شرط. ورغم أن دموع الفرح غلبت الغصَّة التي اعتدنا عيشها في ظل الاحتلال، بقيت مواجع النزوح المتكرِّر عالقة في ذاكرتي. ومع عودة الأهالي إلى جذورهم في مطلع الألفية، انبعثت في ربوع الجنوب اللبناني حياة جديدة صبغتها ملامح الرخاء، فارتفعت القصور والمباني الفاخرة شواهد معمارية تعوِّض الحرمان، وكأنما أراد أبناء الأرض ترميم حياتهم بفيضٍ من البذخ والترف. وبدأت عجلة الاستثمار بالدوران، فازدهرت المشاريع وتحرَّكت الأسواق وتحولت الساحات في المساءات إلى ملتقيات سمر وسهر تحت سماءٍ استعادت طمأنينتها. لكن وكما عرفنا في السنوات التالية، فإن الطمأنينة في الجنوب دائماً مؤقتة.

في حرب تموز (يوليو) 2006 التي استمرت 33 يوماً، خيّمَ كابوس الحرب على الجنوب مجدداً، بعد أسر حزب الله جنديَّين إسرائيليين بهدف تحرير الأسرى اللبنانيين لدى قوات الاحتلال. وردَّت إسرائيل بحملة عسكرية عنيفة. ووفقاً لتقرير منظمة "هيومن رايتس ووتش" عن تلك الحرب، فقد قضى خلالها 1109 في لبنان، معظمهم من المدنيين، فضلاً عن 4399 جريحاً. وشرد القصف والنزوح القسري نحو مليون لبناني، خلَّفوا بيوتهم وقراهم جراء سبعة آلاف غارة جوية وجولات غير محصاة من القصف المدفعي والبحري الإسرائيليين، هدمت آلاف البيوت اللبنانية بحسب تقدير المراقبين الحقوقيين.

في ذلك الوقت قاومنا الخوف طويلاً تحت سماءٍ لا تهدأ وأصررنا على البقاء، حتى اشتدت الغارات وصار البقاء في وجه الموت أشبه بالانتحار. حزَمنا أمتعتنا بعد أن امتلأت الشوارع بالمناشير الملوَّنة التي ألقتها الطائرات الإسرائيلية ونزحنا من جديد. كنا نعبر الطرقات المنهكة والجسور المبتورة ضمن قافلة من السيارات المنذورة للقلق. وفي حجري، كان المصحف مشرَّعاً، أقرأ آياته بلهفة وتلعثم أواسي بها خفقات قلبي وأستجلب الطمأنينة بأن الله معنا وأنه وحده المنجِّي.

يُصرّ أهل الجنوب على وصف رحيلهم القسري بأنه "تهجير". يقولون تهجَّرنا، وقلة منهم يصفون حالهم بنازحين. فالفعل "هـجر" وإن كان يعني الترك، إلا أن تضعيف وسطه بالتشديد يحوِّله إلى فعلِ إكراهٍ يدفع الإنسان مرغماً إلى ترك أرضه وبيت طفولته وحكايات أجداده. يرتبط "التهجير" في الذاكرة الجمعية لأهل الجنوب بالمنفى وقطع سبل العودة، وقد تماهوا مع اللاجئين الفلسطينيين إلى لبنان خلال نكبة 1948، الذين يبقى حلمهم بالعودة معلّقاً حتى اليوم. أما "النزوح" – على دلالته الموحشة – فأجد فيه مساحة أكبر للأمل. فهو حالة مؤقتة يفرضها ظرف قاهر، مُبقياً خيطاً رفيعاً ومقدساً للعودة إلى الأرض. لذا، أختار أن أعرّف نفسي بأني "نازحة"، لا تهرّباً من ألم الفعل، بل تمسكاً بحق العودة بمجرد زوال المسبِّب.

في ليلتنا الأولى من نزوح 2006، لم نجد سقفاً يأوينا سوى مرآب للسيارات في شحيم، إحدى بلدات إقليم الخروب في جبل لبنان، في تلالها الممتدة بين بيروت وصيدا. فقد ضاقت مراكز الإيواء بساكنيها النازحين إلى البلدة الصغيرة، واكتظت البيوت والشقق حتى ثقلت بما حملت. في اليوم التالي، قادنا القدر إلى بيتٍ مهجور، اتخذت منه العناكب وطناً وغطَّت جدرانه بشباكها الكثيفة. ورغم الوحشة التي سكنت زواياه، لم يكن لنا بديل، فاستسلمنا لضيافته المُرَّة، وصمدنا بين جدرانه المتهالكة حتى وضعت الحرب أوزارها في الرابع عشر من أغسطس 2006 بصدور قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701 الذي أقر وقفاً للأعمال العدائية، وعدنا أخيراً إلى ديارنا.

عودة الكاتبة إلى زوطر جنوب لبنان وتفقّد أضرار المنزل | خاص الفراتس

منذ ذلك الحين، كانت الحياة في جنوب لبنان أجمل من أن توصف، استقرار وأمان. ورغم انتهاك إسرائيل السماء اللبنانية مرات كثيرة، إلاّ أنه لم يخطر على بالنا أننا سنعيش النزوح مرَّة أخرى حتى حل يوم 22 سبتمبر 2024.

في أعقاب العملية الإسرائيلية لتفجير أجهزة النداء (البيجر) في 17 سبتمبر 2024، اضطر سكَّان جنوب نهر الليطاني – وأنا منهم – إلى النزوح نحو بيروت، بعدما توسعت الهجمات الإسرائيلية لتشمل كل أنحاء الجنوب. إذ بدأت الإنذارات الإسرائيلية تهطل فوق رؤوسنا مع حلول مطلع شهر أكتوبر. وشملت وقتئذ كل مناطق الجنوب حتى ضاحية بيروت الجنوبية، بعد إعلان الجيش الإسرائيلي انطلاق عمليته البرية. 

وجدتُ نفسي في دوامة النزوح مرة أخرى. حزمتُ ما خفَّ وزنه وغلت قيمته، وفررتُ مع عائلتي إلى فندق في وسط بيروت. تكدسنا في غرفة صغيرة ضاقت بنا، ولم تتسع حركة أطفالي ومشاغباتهم. وبعد انقضاء شهر، قرَّر صاحب الفندق رفع تكلفة الإقامة، فلم يكن أمامي إلا أن أحمل حقائبي وأمضي بعيداً، هذه المرة نحو تركيا لأبتعد عن الجنوب ولبنان كله.

ينصّ القانون الدولي الإنساني على حظر تهجير المدنيين قسراً إلا لأسباب عسكرية قاهرة، وهي استثناءات ضيقة ومقيّدة بشروط صارمة. وحتى في حالات الإخلاء المبررة، يجب أن يكون الإجراء مؤقتاً وأن يُسمح للمدنيين بالعودة إلى منازلهم فور انتهاء الأعمال العدائية. ويؤكد القانون الدولي الإنساني أيضاً أن المدنيين الذين يختارون البقاء في أماكنهم بعد صدور تحذيرات بالإخلاء، لا يفقدون صفتهم المدنية ولا الحماية التي يضمنها لهم القانون، ولا يجوز استهدافهم بسبب بقائهم. لكن هذه القواعد لا تعني شيئاً لإسرائيل التي دأبت على إكراه أهل الجنوب على النزوح المتكرر، ولا يخفي مسؤولوها نيتهم في جعل نزوحنا أبدياً، بل يجاهرون بها في تصريحاتهم ووعودهم الانتخابية بالاحتلال الدائم واستيطان الجنوب.

في أنقرة، عشت وأسرتي الصغيرة على وقع الأخبار على شاشة التلفزيون. كنا نراقب هواتفنا بانتظار خبر وقف إطلاق النار. وبعد فرحتنا بإعلان اتفاق لوقف إطلاق النار في 27 ديسمبر 2024 والذي نص على انسحاب إسرائيل من المناطق التي احتلتها وبقائها في خمسة تلال فقط، عادت الروح إلينا والأمل من جديد، ولكن كما كل مرة، كانت المفاجآت تنتظرنا. في الساعات الأخيرة التي سبقت دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، انهالت رسائل الأصدقاء والأقارب تحدثني عن أوامر إخلاء جديدة. لم تفاجئني أوامر النزوح التي تلقيها علينا طائرات الاحتلال رغم وقف إطلاق النار المعلن، وتذكرت ما تعرضت له شقيقتي في "وقف إطلاق نار" سابق.


في ليل 21 يناير 2025، خلال فترة وقف إطلاق النار على لبنان، حضَّرت شقيقتي ميساء التي تسكن بلدة الكفور في قضاء النبطية في جنوب لبنان أولادها للنوم. كانت ليلة عاصفة شديدة البرودة. وبعد أن غسلت أجسادهم الصغيرة وألبستهم ثياب النوم الدافئة، دخلت إلى الحمام لتغسل عن جسدها أعباء يومٍ شاقٍ وطويل، باحثةً عن لحظة سكينةٍ وسط الضجيج. غير أن طَرقاً عنيفاً ومفاجئاً على الباب بدَّد ذلك الهدوء. كانت شقيقة زوجها تهرع بالأطفال إلى الخارج وهم في حالة ذعر، بعد سماع صراخ الجيران بضرورة الخروج لأن أمراً إسرائيلياً بالإخلاء شمل بيتها وبيوت آخرين في حيِّها. كان ذلك خلال فترة وقف إطلاق النار المعلنة سنة 2025.

لم تدرِ ميساء في تلك اللحظة ماذا تفعل. لم تملك وقتاً حتى لتجفيف شعرها، فاكتفت بوضع منشفةٍ بيضاء فوق رأسها، واندفعت تجري في العراء محاولةً اللحاق بأطفالها. كانت الأمطار تنهمر بغزارة، بينما سادت الفوضى في الشوارع. مشهدٌ يختصر نكبةً جديدة: هذا يحاول يائساً إنقاذ أوراقه الثبوتية، وذاك يستغيث لمساعدة أمه العجوز على الحركة، وجارةٌ أخرى حملت رضيعها وركضت حافية القدمين. وسط هذا الزحام المجنون، شقَّ الجميع طريقهم نحو مقبرة البلدة، حيث تجمَّعوا هناك وكأنهم يلوذون بسكينة الموتى من صوت الطائرات الحربية. جاء الإنذار خلال "اتفاق وقف إطلاق النار"، ليغتال ما تبقَّى لهم من ثقة في مواثيق دولية أو حماية مزعومة، ويحوِّل الهدنة إلى مجرد فجوة زمنية لتنظيم عمليات الهدم الممنهج.

ما تعرضت له شقيقتي، صار نهجاً ثابتاً لتلك الإنذارات الإسرائيلية التي تُبدي في ظاهرها التزاماً بقواعد القانون الدولي، التي تفرض عليها وعلى كل قوة محاربة في وضع الهجوم أن تحترم حياة المدنيين وتلتزم بحفظها بكل السبل. لكن القوة المهاجمة في هذه الحالة تصدر إنذارات شكلية فتهاجم منشآت مدنية يمنع القانون الدولي التعرض لها، وتنذر سكانها ومرتاديها قبل دقائق معدودة من القصف لا تكفي للملمة شتات أنفسهم والهرب بعيداً إلى مكان آمن، في مخالفة صريحة للمبادئ الثلاثة الرئيسة الحاكمة التي يشتمل عليها الملحق الأول من اتفاقية جنيف لحماية المدنيين لسنة 1949.  

تستند قواعد حماية المدنيين في مناطق الصراع إلى القانون الدولي الإنساني (اتفاقيات جنيف وملاحقها) الذي يولي الأهمية الرئيسة لحماية الأشخاص غير المقاتلين والمنشآت غير العسكرية. ولوضع حدود واضحة تضمن ألا تعتدي الأطراف المتحاربة على حياة وسلامة المدنيين، تقوم المعاهدات المنظمة للقانون الدولي على ثلاثة مبادئ أساسية هي، التمييز بين المدنيين والمقاتلين وبين المنشآت والمساحات المدنية وسواها المستخدمة في الأعمال العسكرية، والتأكيد على عدم المساس بالمدنيين ومنشآتهم. والمبدأ الثاني هو التناسُب، ويعني أنه حتى الأهداف العسكرية لا بد من تقييم حجم أضرار استهدافها المحتملة على المدنيين، فإن كان الثمن من حياة المدنيين عظيماً، فيعد المضي في استهداف تلك الأهداف جريمة حرب. والمبدأ الثالث هو التحوط في الهجوم، ويفرض هذا المبدأ على القائم بالعمليات العسكرية الهجومية أن يتخذ كافة الاحتياطات التي تضمن ألا يصيب المدنيين ضرر على أنفسهم وسلامتهم وممتلكاتهم جراء عمليته العسكرية، بما في ذلك توجيه "الإنذارات الفعالة" قبل تنفيذ العمليات العسكرية.  

ما يشهده الجنوب اللبناني وشهده من قبله قطاع غزة، يثبت تجاوز إسرائيل للمبادئ الثلاثة بلا استثناء، فالمستشفيات والمدارس ودور العبادة والجامعات، وجميعها منشآت مدنية يحميها القانون الدولي الإنساني ويعد الهجوم عليها جريمة حرب، لا زالت تتعرض للاستهداف والتدمير. وجدت إسرائيل ذريعةً سهلة لتدمير بيوت وبلدات مدنية في الجنوب، بادعاء أنها جميعاً "بنية تحتية عسكرية لحزب الله". وبموجب هذه الحجة، جرت تسوية أحياء كاملة بالأرض. ذلك الانتهاك امتد إلى بيوت وممتلكات أهل الجنوب وبعض مناطق بيروت ونواح أخرى في لبنان، بعد ادعاء أنها مستخدمة في الأعمال العسكرية لحزب الله أو أنها مخصصة لسكنى مُنتميه. 

تطلق إسرائيل التهمة وتصدر الحكم وتنفذه بدون حاجة لتقديم دليل أو برهان. وفي ظل هذا الاستفراد، غاب دور اللجنة الدولية التي أُنشئت لمراقبة وتنفيذ اتفاق وقف الأعمال القتالية بين لبنان وإسرائيل اعتباراً من 27 نوفمبر 2024، وتلاشت أدوار فرنسا والولايات المتحدة وقوات اليونيفيل تاركين لبنان وحيداً أمام قذائف لا تعترف بالوسطاء. ويبدو أن هذا الصمت شجع إسرائيل على التخلي حتى عن تلك الإنذارات الشكلية في بعض الأحايين. وهو ما استقبلتني به قوات الاحتلال بعد عودتي الملهوفة من أنقرة إلى بيروت لأسكن ضاحيتها الجنوبية، بعدما بُشرنا خيراً بإعلان اتفاق وقف إطلاق النار.


في ليلة ظلماء في الثاني من مارس سنة 2026، بعد شهرين من عودتنا من تركيا للاستقرار في لبنان، استفقنا دون أي إنذار مسبق على سلسلة غارات عنيفة هزَّت ضاحية بيروت الجنوبية. حدث ذلك قبل قليل من موعد المنبِّه الذي أنتظره لتحضير السحور لعائلتي. تدافع الناس من المباني في فوضى جنون الخوف، وزحمة سير خنقت شوارع بيروت ودفعتني للانتظار حتى لا نموت في سيارتنا بل بين جدران المنزل. من جديد ومع بزوغ الفجر نزحت إلى بلدة "متنية" في قضاء بعبدا في محافظة جبل لبنان. عشتُ غربةً وألماً مضاعفين وأنا أرى أطفالي يعيدون تمثيل فصول حكايتي. لم يبرحوا سن المراهقة بعد، لكنهم صاروا نازحين للمرة الثانية في أقل من ستة أشهر.

دقائق قليلة فصلتنا عن الموت في ذلك اليوم الذي لم نتلق فيه إنذاراً، وهو ما بات متكرراً في ممارسات الجيش الإسرائيلي في لبنان في مخالفة للبروتوكول الإضافي الأول لمعاهدة جنيف لحماية المدنيين، التي تلزم القوات المعتدية صراحة بالإنذار المسبق "بوسائل مُجدية" للمدنيين قبل قصف مناطق يحتمل تعرضهم فيها للتهديد. ويضع البرتوكول شروطاً واضحة للإنذار كي يُعد مجدياً، أبرزها أن يصل إلى المستهدفين به قبل القصف بمدة كافية تضمن لهم فرصة الجلاء عن منطقة الخطر، وأن يجري الإبلاغ بوسائل فعالة يمكن لجميع المدنيين على اختلاف قدراتهم الوصول إليها وتلقي الوارد فيها. وهي الشروط التي تغيب تماماً عن الإنذارات الإسرائيلية إن وجهتها إسرائيل لسكان المناطق المستهدفة من الأساس.

تُبيِّن التحليلات التي أجرتها فرق الرصد التابعة للجنة القانون الدولي الإنساني في الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان في لبنان، المنشورة في تقريرها المؤرَّخ 20 مارس 2026 "أن التحذيرات الصادرة عن القوات الإسرائيلية لم تقتصر على تضمين خرائط غير دقيقة، بل شابها أيضاً قصور واضح من حيث التوقيت والوسيلة. فقد صدرت هذه التحذيرات في فترات زمنية شديدة القِصر لا تتيح فعلياً للسكان المدنيين اتخاذ تدابير وقائية فعّالة. إذ لم تتجاوز المهلة، في حالات مرصودة، أقل من خمس عشرة دقيقة قبل بدء الضربات. ونشرت بعض تلك التحذيرات في أوقات متأخرة من الليل عبر منصات التواصل الاجتماعي، في ظروف يُرجَّح فيها أن يكون عدد كبير من المدنيين نائمين أو غير متصلين بالإنترنت أو غير مطّلعين على التغطيات الإعلامية. الأمر الذي يُقوّض من فعالية هذه التحذيرات ويحدّ من قدرتها على تحقيق الغاية القانونية المرجوّة منها".

اعتبرت منظمة العفو الدولية في بيان لها في 10 أكتوبر 2024، أن تحذيرات الإخلاء الإسرائيلية مضللة وتشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني، حيث كشف تحليل المنظمة أن الخرائط المنشورة للضاحية الجنوبية حددت مناطق خطر أصغر بكثير من مسافة الخمسمئة متر المفروضة حدّاً أدنى للابتعاد عن المباني المستهدفة بالقصف وفق تقدير المنظمة. وأضافت المنظمة أن شمول التحذيرات لأكثر من مئة بلدة جنوبية أدى لتهجير جماعي يثير شكوكاً حول نية خلق ظروف نزوح قسري دائم. يأتي ذلك تزامناً مع قيود مشددة على حركة المركبات جنوب نهر الليطاني تسببت في نقص حاد في الإمدادات الأساسية من غذاء ودواء للمدنيين الذين لم يتمكنوا من المغادرة.

واستنكرت كريستين بيكرلي، نائبة المديرة الإقليمية في منظمة العفو الدولية في تصريحاتها المنشورة في السادس من مارس 2026، توسع الجيش الإسرائيلي في إصدار أوامر إخلاء "شمولية وغير مسبوقة". مؤكدةً أن هذه التحذيرات المفرطة "لا توفر حماية فعالة بل تزرع الذعر وتؤجج كارثة إنسانية لمئات الآلاف من النازحين والمدنيين العالقين". وشددت بيكرلي على أن هذه الأوامر "لا تمنح الجيش الحق في تحويل المناطق المدنية إلى 'مناطق إطلاق نار مفتوحة' أو إعفائه من التزاماته الدولية".

وفقاً لتحليل الباحث في منظمة "هيومن رايتس ووتش" رمزي قيس في الرابع من مارس 2026، فإن أوامر الإخلاء الإسرائيلية الفورية تطرح تساؤلات حقوقية عميقة حول زيف الادعاءات بالحرص على السلامة في غياب آليات الإخلاء الآمن، حوّل هذه "التحذيرات" إلى أداة لتعريض حياة المدنيين للخطر بدلاً من حمايتهم.

ولا يمكن لإسرائيل التذرع بأنها لم توقع البروتوكولين الإضافيين الأول والثاني من اتفاقية جنيف الرابعة المختصة بحماية المدنيين، إذ أن المادة 20 من القانون الإنساني العرفي – وهو جزء من القانون الدولي الإنساني مكون من مجموعة قواعد غير مدوَّنة في معاهدات رسمية لكنها مستمدة من ممارسة عامة مقبولة دولياً – تجعل توجيه الإنذار المسبق الفعال ملزماً لجميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، بما فيها تلك غير الموقعة على اتفاقات جنيف وملاحقها، كلها أو بعضها كما في حالة إسرائيل.

بعد انقضاء أكثر من شهرٍ على الرحيل، وفي ظل أنباءٍ تواترت عن دمارٍ أتى على البناء المقابل لمنزلنا، قررتُ العودة لتفقُّد ما تبقى من أثر، مستغلةً سويعات من هدوءٍ حذر خيَّم على ضاحية بيروت الجنوبية المثقلة بالدمار. مضيتُ برفقة ابني نلملم شتات حياةٍ تبعثرت، مشيتُ بقلبٍ مثقلٍ فوق حطام الزجاج الذي غطى أرضية البيت، وشرعتُ أجمع ما تيسر من كتب الأولاد وبعض ملابسهم الضرورية. وبينما كنتُ أحشو الحقائب والصناديق في عجلةٍ من أمري، كان ابني يوثق ملامح الفاجعة بعدسة هاتفه، قبل أن يهمس لي بصوتٍ خنقه الأنين: "أمي، أشعر أن الهواء يضيق في صدري". أصدرت إسرائيل إنذاراً جديداً، فتركنا البيت نسابق الموت إلى الحياة.

منزل الكاتبة في الضاحية | خاص الفراتس

منذ تلك اللحظة، وما يزال الحنين لتفاصيل حياتنا المفقودة يراودني، لكنه اصطدم بواقع مرير لا يرحم. فذكرياتي من الحرب الماضية سنة 2024 لا زالت حاضرة. عندما استيقظت العاصمة على غارةٍ مزلزلة باغتت حي "البسطة الفوقا" التاريخي والذي يعتبر من المناطق الآمنة في بيروت. صبَّت إسرائيل حمم قنابلها الخارقة للحصون فوق مبنىً سكنيٍّ من ثماني طبقات. لم تكن هناك فسحة للنجاة، بل دمارٌ مطبق أحال ملاذ النازحين والآمنين إلى ركامٍ في ثوانٍ معدودات. تجاوزت حصيلة الضحايا أربعمائة شخص بين قتيل وجريح، في مشهدٍ صبغه الغبار بدموع الثكالى وأنين العالقين تحت الأنقاض. وقعت المأساة في ذروة ازدحام الشوارع، وصفها الناجون بأنها "جحيمٌ أرضي" اهتزَّت له أركان بيروت قاطبة، وارتفعت سحب الدخان لتغطي وجه المدينة.

لم نعد نستطيع إحصاء المآسي التي تسببت بها إسرائيل متَّخذةً وجود عناصر من "حزب الله" ذريعةً ومبرراً لإزهاق أرواح مئات المدنيين. ولكن تظل هجمة "عين الدلب" في منطقة شرق صيدا، في محافظة الجنوب التي راح ضحيتها ثلاثة وسبعون شخصاً في 28 يوليو 2024، شاهداً حياً على هذا النهج. إذ كشف وثائقي "المستهدفون: الهجوم الأكثر دموية في لبنان" الذي أنتجته وحدة "بي بي سي عربي" في يناير 2025 عقب تحليل دقيق للأدلة الجنائية، زيف الادعاءات العسكرية. مؤكداً عدم وجود أي دليل على استخدام المبنى المقصوف لأغراض قتالية. ووثق التحقيق استخدام قنابل ثقيلة محت المبنى تماماً بمن فيه من نازحين.

تجسد هذه السلسلة من الفواجع نهجاً لا يقيم وزناً للملاذات الآمنة، حيث تتساقط الأرواح في مجازر مروعة تُنفَّذ أحياناً بلا سابق إنذار. من بلدة "أيطو" في قضاء زغرتا في محافظة الشمال والتي شهدت محو واحد وعشرين شخصاً يعتقد أنهم جميعاً من عائلة واحدة، لجأوا في منزل ظنوه بعيداً عن نيران الحرب، إلى قلب النبطية في الجنوب حيث استُهدف رئيس بلديتها وفريق إغاثي أثناء تنسيق المساعدات للمنكوبين. ولم تكن بلدة علمات الجبلية في جبيل بمنأى عن هذا الموت المتربص، إذ تحولت بيوت النازحين فيها إلى ركام فوق رؤوس أكثر من عشرين شخصاً، أغلبهم من الأطفال الذين فروا من جحيم البقاع والجنوب ليجدوه ينتظرهم في سكون الجبل. تكشف هذه الوقائع أن خارطة الألم لم تستثنِ شبراً واحداً من الجغرافيا اللبنانية.

وفيما لم تختم إسرائيل عملياتها حتى تاريخ نشر المقال، ولاسيما الهجمة الأكبر التي وقعت في الثامن من أبريل 2026، بعدما شنَّت هجوماً مدمِّراً على لبنان اتسم بالسرعة والانتشار. فقد ألقت خمسون طائرة مقاتلة مئة وستون قنبلة على مئة موقع خلال عشر دقائق فقط، ولم تحاول حتى مداراة عمليتها تلك وراء الإنذارات التي لم تأت. توزعت الضربات بين بيروت والبقاع والجنوب. وبحسب أحدث حصيلة معلنة وغير نهائية، خلَّف الهجوم 357 ضحية فقدوا حيواتهم، وثلاثة وثلاثين مفقوداً، و1223 جريحاً. عُرِفَ اليوم لاحقاً في الإعلام اللبناني باسم "الأربعاء الأسود".

اليوم، يتملكني شعور بالانكسار وفقدان الثقة بكل شيء. بعد أن صار الموت يباغتنا بلا إنذار، لم يعد هناك وسيلة للنجاة، بل غدا رحيلنا عن هذه البلاد قدراً محتوماً يتربص بنا خلف كل زاوية وفي كل حين.


على مر عقود من اعتداءاتها المتكررة على لبنان، تغيَّرت أساليب الإنذارات الإسرائيلية وغابت في كثير من المرات. لكن اعتداءاتها لم تنقطع، ولا تزال شاهدة على عجز القوانين الدولية التي تهاوت أمام صرخات الآلاف من المفجوعين. يكتشف الضحايا، يوماً بعد يوم، أن المواثيق التي وُضعت لحماية الإنسان تقف عاجزة أمام بطش لا يعرف حدوداً.

اليوم ألملم بين أصابعي بقايا الزجاج المتناثر في زوايا بيتي، كمن يجمع شتات عمرٍ يحاول المضي إلى الأمام، عدنا إلى حيث الأمان، لكننا ننام بدون نوافذ أو أبواب، تعصف رياح الطقس بما تبقى من ستائر عالقة، مزقّتها الصواريخ الإسرائيلية وتركتها تلوح في الفراغ أشرطة حداد. في هذا الركام الذي صار هو أفقنا، أُسكت قلبي قبل عقلي عن كل المشاعر المتضاربة التي نعيش، أزيح عن نفسي هموم مستقبل نخشى تأويله، وأكتب هذه الكلمات لتبقى محفورة في ذاكرة أطفالي. هم الذين حرمتهم إسرائيل من طفولة هادئة بلا خوف، وأحفظها لهم لتبقى شاهداً على أننا باقون.

اشترك في نشرتنا البريدية