من كعب بن زهير إلى شوقي: كيف حولت الأمة قصيدة البردة إلى نصٍّ حيٍّ متجدد

لم تصل "البردة" إلينا نصاً ثابتاً. فقد شرحتها أجيال متعاقبة وعدلوا ألفاظها وأضافوا إليها وأعادوا قراءتها، فأصبحت نسبتها لمؤلفها رمزية غير تامة.

Share
من كعب بن زهير إلى شوقي: كيف حولت الأمة قصيدة البردة إلى نصٍّ حيٍّ متجدد
التراث يحيا بعمل جماعي متجدد | تصميمات خاصة بالفراتس

في ليالي الاحتفال بالمولد النبوي كل سنة، تتزين ساحات الاحتفال بالأنوار والألوان الزاهية، وتعلو أصوات المنشدين بقصائد المديح. ينشدون بلغة أهل البلد، ويرددون قصائد نظمها أولياؤه يحفظها أكثر الحاضرين. لكن قصيدةً واحدةً تجمع تلك الليالي على اختلاف ألسنتها وبلدانها. فلا يكاد احتفال في المشرق أو المغرب يخلو من أبيات "بردة البوصيري". 

يصغي المحتفلون إلى المنشدين، ويتمايلون مع الإيقاع، وتغرورق عيون بعضهم بالدموع، ويردد آخرون مع المنشد ما يحفظونه من الأبيات. وبعد كل بضعة أبيات يعود المنشد إلى أشهر أبيات القصيدة: "مولاي صلِّ وسلم دائماً أبداً على حبيبك خير الخلق كلهم"، فتلحق به أصوات الحاضرين، وتضيع الفواصل بين المنشد والجمهور. يصير المجلس جماعةً واحدةً، أو جسداً واحداً ينشد بصوت واحد بيتاً من المديح يعرفه الجميع.

وليس هذا المشهد غريباً. فمنذ أن نظم محمد بن سعيد البوصيري قصيدته في القرن الثالث عشر، حفظها الناس وأنشدوها في الأقطار المختلفة. وقد جزم الشاعر المصري زكي مبارك في كتابه "المدائح النبوية في الأدب العربي"، المنشور سنة 1935 بأن "الجماهير في الأقطار الإسلامية لم تحفظ قصيدةً مطولةً مثلما حفظت البردة". وكذا دخلت أبياتها في الأوراد الصوفية والاحتفالات ومجالس الذكر والجنائز، ونسب الناس إليها كرامات مثل علاج الأمراض، ورؤية النبي في المنام، وإصلاح السلوك. وحفظ العامة أبياتاً يختمون بها "مجالس البردة" تؤكد اعتقادهم في القصيدة، يقولون فيها: 

وهذه بردة المختار قد خُتمتْ

والحمد لله في بدء وفي خَتَمِ

أبياتها قد أتت ستين مع مئةٍ

فرّج بها كربنا يا واسع الكرمِ

وعلى هذا الانتشار، فثمة اضطراب في اسم القصيدة ونصها وتاريخها. فأشهر أبياتها التي ينشدها الناس جماعةً ليس من نظم البوصيري. وكذلك الأبيات المشهورة التي ينشدونها في المناسبات ترضياً عن الصحابة والتابعين أضيفت إلى القصيدة بعد وفاته، وتغيرت ألفاظ بعض أبياتها في بعض الروايات مراعاة لاعتراضات فقهية وعقدية. وحتى اسم "البردة" لم يختره البوصيري الذي سمى القصيدة "الكواكب الدرية في مدح خير البرية". وأبكر مصدر وجدتُه يسميها "البردة" كُتب بعد وفاة البوصيري بنحو سبعة عقود، بالتزامن مع تدوين الحكاية التي تفسر هذا الاسم.

ارتبط هذا الاضطراب بسمو مكانة البردة في التراث الإسلامي، وإن بدا مناقضاً للعناية التي حظيت بها القصيدة في أمة اشتهرت بعلوم الحديث وتدقيق الأخبار. إذ ساهمت مكانتها في إخراجها من يد مؤلفها، وحوّلتها إلى متن جماعي حيّ أضاف كلُ جيل إلى صورته المتداولة. فأضاف المنشدون لازمة "مولاي صلِّ وسلم". وأكثر الشعراء تأليف التخميسات، التي يضيف فيها الشاعر ثلاثة أشطر إلى كل بيت فيصير خمسة، والتسبيعات، التي يضيف فيها خمسة أشطر فيصير سبعة. فتداخلت أبياتهم مع أبيات المؤلف وصعُب مع الزمن تمييزها. وألحقها المتلقون بقصيدة الصحابي كعب بن زهير بن أبي سُلمى "بانت سعاد"، وخلعوا عليها اسمها وحكايات قريبة من حكاياتها، ثم اتخذها أحمد شوقي في مطلع القرن العشرين أصلاً أعاد به نظم رجاء الأمة في قصيدته "نهج البردة".

شاركت الأمة الإسلامية بأجيالها المتعاقبة في صناعة البردة عن طريق "التلقي بالقبول". نشأ المصطلح في علوم الحديث، ليصف ظاهرة قبول أحاديث تقصر أسانيدها عن درجة الصحة. ثم صار وصفاً لعملية تاريخية ممتدة تترسخ بها منزلة كتب كاملة عبر قرون من الرواية والشرح والنقد والاستعمال. والتلقي بهذا المعنى ليس استقبالاً سلبياً لنص اكتملت صورته، ولا موافقةً على كل لفظ فيه، بل عملية تمنح النص فرصة الاستمرار وتتيح للمتلقين إعادة صوغه. وتتكون الجماعة الكبرى — وربما الأمة — من حصيلة التفاوض بين جماعات متعددة على النص المتلقَّى. ويبين تاريخ البردة بذلك أن الأمة لا ترث نصوصها مكتملة، بل تشارك في صنع الصورة، أو الصور، التي تسلّمها إلى من بعدها.


تدعي كل بردة نسبة مباشرة أو غير مباشرة إلى القصيدة التي نظمها كعب بن زهير. وكان النبي محمد أهدر دم كعب بسبب كثرة هجائه المسلمين وتحريضه عليهم. فلمَّا يئس من الفرار، قدم المدينة متنكراً، ودخل إلى مجلس النبي واستأمنه، ثم أنشد قصيدته التي قال فيها: "نُبّئتُ أنّ رسولَ الله أوعدني والعفوُ عند رسولِ الله مأمولُ". فعفا النبي عن كعب بعد إنشاده القصيدة، وتحول هذا العفو رمزاً على قبول المديح يقصده كل شاعر لاحق.

نظم كعبٌ لاميّتَه قصيدة تامة على نسق الشعر العربي. فجعلها بضعاً وخمسين بيتاً من البحر البسيط. بدأها بنسيب يُفتتح بالبكاءِ على سعاد، وأتبع ذلك بوصف مطوَّل لناقته والرحلة والسفر إلى النبي. ثم تحول في ثلث القصيدة الأخير إلى الحديث عن تحذير الناس له "إنك يابن أبي سُلمى لمقتول" بعد أن أهدر الرسول دمه، وعزوفهم عنه بقول كل واحد منهم "إني عنك مشغول". وهو ما دفعه إلى مواجهة مصيره، عارفاً أن "كل ما قدَّر الرحمن مفعول. كل ابن أنثى وإن طالت سلامته يوماً على آلة حدباء محمول". فذهب إلى النبي يمدحه ويطلب عفوه.

استلهم البوصيري من قصيدة كعب من غير أن تتداخل قصيدتاهما. فنظم قصيدته من نحو مئة وستين بيتاً على البحر البسيط، لكنه خالف كعباً في اختياره روي الميم بدل اللام (الحرف الأخير في أبيات القصيدة). ووافقه في مراعاة سنن الشعر العربي فافتتح قصيدته بالنسيب قبل الدخول في المقصود. لكنه جعل قصيدته بعد ذلك تسعة أقسام، تبدأ بالتحذير من هوى النفس ثم مدح النبي، ثم أقسام كأنها سيرة نبوية مصغرة تتناول مولد النبي ومعجزاته والقرآن والإسراء والجهاد، واختتمها بالتوسل بالنبي ومناجاته. ووافق البوصيريُ كعباً في الاستنجاد بالنبي، لكنه لم يطلب نجاة من حكم بالقتل في الدنيا، بل طلب النجاة في الآخرة: "خدمته بمديح أستقيل به ذنوب عمر مضى في الشعر والخدم". 

تتشارك القصيدتان في خلع الأمة عليهما اسم البردة ونسبة قبولهما للرسول. وتثبت المصادر المتقدمة، مثل "السيرة النبوية" التي ألّفها محمد ابن إسحاق المدني في القرن الثامن الميلادي، عفو النبي عن كعب بعد إنشاده القصيدة. أما المؤرخ ابن الأثير الجزري، المتوفى سنة 1233، في كتابه "الكامل في التاريخ"، فيضيف أن الرسول كسا كعباً "بردةً كانت عليه"، فاحتفظ بها إلى أن توفي. وقد اشتراها معاوية بن أبي سفيان من ولده وتوارثها بعده الحكام، واعتادوا لبسها في الأعياد. 

أما البوصيري فلم يُنقَل عنه تسمية القصيدة البردة. وبعد نحو سبعة عقود من وفاته، نسب إليه المؤرخ والأديب المملوكي صلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي، المتوفى سنة 1363، في كتابه "الوافي بالوفيات"، قوله إنّه أصابه فالج أبطل نصفه، "ففكرت فِي عمل قصيدتي [. . .] فعملتها واستشفعت بِهِ إِلَى الله عز وَجل فِي أَن يعافيني وكررت إنشادها وبكيت ودعوت وتوسلت بِهِ ونمت فرأَيْت النَّبي صلى الله عليْه وسلم فَمسح على وجْهي بيده الكريمة وألقى عليّ بردة". ولم يذكر الصفدي سند هذه النسبة.

سنة 1909، نسب أحمد شوقي نفسه إلى نفس السلسلة حين نظم قصيدته "نهج البردة"، فحاول بذلك إكسابها شرعية، وفرض عليها معمار من سبقوه. فعارض البوصيري بنظمها على البحر البسيط وروي الميم، وجعلها نحو مئة وتسعين بيتاً، وافتتحها بالنسيب ثم انتقل إلى محاسبة النفس ومدح النبي ونظم سيرته، واختتمها بالتوسل به. وأدخل فيها قضايا لم تتناولها البرد السابقة. وبهذا شارك في التلقي بالقبول باتخاذه البردة أصلاً وإعادة صوغها لعصره.


يفسر مفهوم "التلقي بالقبول" اعتماد الأجيال نصاً سابقاً أصلاً ومعياراً تنظم على منواله نصوصاً جديدة وتقومها. ويبين اكتساب النصوص منزلتها من أعمال متراكمة حولها، لا من خصائصها الذاتية وحدها. وقد تبلور هذا المفهوم تدريجياً بعد أن ظهر المصطلح في علوم الحديث.

قصد المصطلح في استعمالاته الأولى إلى تقوية أخبار قصرت أسانيدها عن بلوغ أعلى درجات الصحة، بينما عضدها اشتهارها وعمل العلماء بها. مثلاً، قوّى الإمام الشافعي، المتوفى سنة 820، في كتابه "الرسالة" حديث "لا وصية لوارث" مع ضعف أسانيده المنفردة لأن أهل الفتيا تلقوه بالقبول، واعتبر هذا القبول العام "أقوى في بعض الأمر من نقل واحد عن واحد". واتسع المفهوم بعد ذلك من تقوية خبر مفرد إلى كتاب كامل. إذ كتب المحدث والفقيه الشافعي يحيى بن شرف النووي، المتوفى سنة 1277، في مقدمة شرحه صحيحَ مسلم أن منزلة الصحيحين لا تنبع من مادتهما العلمية وحدها، إنما من تلقي الأمة لهما بالقبول.

وقد حوّل هذا التوسع مفهوم التلقي بالقبول إلى عملية تاريخية تتجاوز سؤال الثبوت - أي التحقق من صحة الخبر - وتضفي الشرعية على النصوص. ففي كتابه "ذا كانونايزيشن أوف بخاري آند مسلم  [. . .]" (تحويل صحيحَي البخاري ومسلم إلى مرجعية معيارية [. . .]) المنشور سنة 2007، يبين جوناثان براون، أستاذ الدراسات الإسلامية في جامعة جورجتاون، أن منزلة الصحيحين ترسخت خلال قرون من الرواية والسماع وفحص الرواة والنسخ، ثم الشرح والنقد والاستدراك والاحتجاج بهما في علوم أخرى. 

يرى براون كذلك أنّ هذه الأعمال جعلتْ الكتابين أرضاً مشتركةً لا يستطيع المتكلم في السنة تجاهلها، من غير أن تمنع نقد أحاديث بعينها أو الاستدراك عليهما. ثم انتقلت بهما من دوائر المتخصصين إلى المجال العام، فقُرئا في المجالس واستُعملا في الدعاء والتبرك. وتعززت منزلتهما استجابة لحاجة الجماعة السنية، بين القرنين التاسع والثاني عشر، إلى مرجع مشترك. وقد أسهم الاشتراك في تداولهما والاحتجاج بهما في رسم حدود هذه الجماعة. بهذا فالتلقي لا يفترض وجود جماعة مكتملة تسبقه، بل يسهم النص المشترك في صنع الجماعة التي تتلقاه.

وتستند شرعية هذا التلقي إلى بناء معرفي جعل الأمة شاهداً وناقداً مؤهلاً، لا ناقلاً محايداً. فتمنح الآية 143 من سورة البقرة  "وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس"، والأحاديث التي تنص على  عدم اجتماع الأمة على الضلالة، القبولَ المتراكم قيمة معيارية لا يمنحها الانتشار وحده. ويعبّر عن ذلك الصحابي عبد الله بن مسعود بقوله "ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن". 

هذا القبول المتراكم هو ما يؤسس التراث الجمعي للأمة، ويرسخ دور كل جيل فيه. ويفترق التلقي عن الإجماع في أن الأخير اتفاق على حكم في لحظة معينة يُلزم اللاحقين اتباع السابقين، أما التلقي فسلوك ممتد يظهر في الرواية والشرح والتدريس والاقتباس والعمل، وتتفاوت درجة اتساعه ولا يبطله وجود مخالف. ويترتب على هذا أن التلقي لا يصدر حكماً قطعياً يتساوى فيه النص كله، بل يمنحه منزلةً عامةً قابلةً للتدرج والمراجعة. فقد تتلقى الجماعة كتاباً في جملته بالقبول، ثم تنقد بعض أخباره، أو تختلف في ألفاظه وتأويله ووجوه العمل به. 

ولا يتوقف القبول على اكتمال اتفاق الأمة في لحظة يمكن تعيينها، وإنما يتكوّن من اختيارات أجيال متعاقبة، يسلّم كل منها النص إلى الجيل التالي بعد أن يعيد فحصه واستعماله. ووفق هذا البناء، لم تعد منزلة النص مستمدةً من إسناده أو مادته وحدهما، بل من دليليْن. الأول قدرته على اجتياز النقد المتكرر، وهو دليل الصحة، والثاني الدخول في عمل الجماعة التي يصنعها عبر الزمن، وهو دليل الصلاحية.

ضمن هذا السياق، يكشف تاريخ البردة كيف يصنع التلقي منزلة النص وصورته المتداولة. فقد أخرج قبول النبي قصيدة كعب النص من يد مؤلفه، وحوّل طلبه الفردي للعفو إلى مثال متداول يربط المديح بالرجاء والنجاة. وتراكمت حول القصيدة بعد ذلك أعمال الرواية والشرح والنقد والأداء، حتى اكتسبت منزلةً لا تفسرها خصائص نسختها الأولى وحدها. 

ألحق المتلقون قصيدة البوصيري بالمثال الذي صنعه هذا التلقي، فأكسبوها الشرعية. ثم أعادت أعمالهم حول قصيدته صوغ نصها ومعانيها وطرق أدائها، حتى صارت لغةً مشتركةً للمديح والرجاء والذاكرة. ولم تستجب البردة بذلك إلى حاجة جماعة مكتملة سبقتها، بل أسهم الاشتراك في روايتها وشرحها وأدائها في تشكيل الجماعة التي انتسبت إليها، قبل أن تصبح هي نفسها أصلاً تعيد الأجيال اللاحقة صوغه.


بدأ مسار إنشاء البُردات بقبول النبي قصيدةَ كعب، بعدما أمنه قبل إنشادها وعفا عنه بعدها. وصار خلع البردة، على تأخر تدوينه واشتهاره، التذكرة المادية المتجددة بهذا القبول. إذ لبس الخلفاء البردة في الأعياد يلتمسون بذلك الشرعية من كساء النبي. وبهذا تجددت المعرفة بقبوله قصيدة كعب، التي صارت بإقراره "قول صاحب الشريعة"، بعبارة الفقيه الشافعي أبي المعالي الجويني، المتوفى سنة 1085، في كتابِه "الورقات في أصول الفقه". وصارت بردة كعب معياراً لما يمكن أن يكون مديحاً نبوياً مقبولاً.

انتقلت القصيدة بذلك من قول فرد إلى عمل تتوارث الأمة مسؤولية تفسيره. وكان علماء اللغة والنحو أول المقبلين على القصيدة بالشرح، بداية من أبي سعيد السُّكَّري الذي شرحها في القرن التاسع. ثم انتشرت الشروح في القرن الثالث عشر وما بعده، والتفت إليها علماء الفقه والأصول والكلام بداية من القرن الخامس عشر. فشرحها جلال الدين السيوطي وابن حجر الهيتمي والملا محمد القاري، ثم شيخ الأزهر إبراهيم الباجوري في القرن التاسع عشر. وهكذا وضع القبول النبوي القصيدة في مجال اهتمام العلماء، فألفوا عليها الشروح التي ساعدت في بقائها حية متداوَلة معروفة النص.

فرضت هذه الشروح على العلماء أيضاً إخضاع نصوص أدبية للتمحيص الشرعي. فلم يفتتح كعب قصيدته بالتوبة ولا بالثناء على النبي، بل بدأها بفراق سعاد ووصف جسدها "هيفاء مقبلة، عجزاء مدبرة لا يُشتكى قصر منها ولا طول". 

لم يستشكل الشراح الأوائل هذا النسيب وما فيه من وصف وغزل، لكن الحكم الفقهي في القرون اللاحقة ميز بين نسيبٍ لا يعيّن امرأة فلا يقدح في عدالة قائله، وتشبيبٍ بامرأة معينة لا تحل للشاعر فيعرّض بعرضها وترد به شهادته، كما نص أبو بكر البيهقي، المتوفى سنة 1066، في كتابه "السنن الكبرى". ومع استقرار هذا التمييز الفقهي، نشأ تعارض ظاهري بين هذا الحكم وبين قبول النبي تعيين كعب امرأة بالغزل. حل إسماعيل بن كثير، المتوفى سنة 1373، هذا الإشكال في كتابه "البداية والنهاية"، بنقل رواية لم يذكر سندها تجعل سعاد زوجة كعب.

وساهم قبول النبي القصيدة في إضفاء الشرعية على بنيتها. تصنف سوزان ستيتكيفيتش، أستاذة الدراسات العربية والإسلامية في جامعة جورجتاون، البردة "قصيدة مدحية استعطافية". وفي دراستها "فروم تكست تو تاليسمان [. . .]" (من النص إلى الطلسم)، المنشورة سنة 2006، تحدد أربعة عناصر أساس تميز البنية العميقة لهذا الجنس من القصائد: نسيب، وتنقيص الشاعر من نفسه واعترافه بالتقصير، ومدحه من يتوجه إليه بالطلب، والاستعطاف وطلب العفو أو العطاء. 

من هنا، يحول هذا البناء المدح إلى طقس اجتماعي يُنشئ التزاماً متبادلاً. ويقدم الشاعر القصيدة هبةً للممدوح، فيُلزمه أخلاقياً بتقديم الجائزة هبةً مقابلة. وترصد أمثلةٌ سابقة لهذه البنية، أهمها في الجاهلية اعتذاريةُ النابغة الذبياني للنعمان بن المنذر ملك الحيرة في القرن السادس، التي عفا عنه بسببها وأعاده إلى مجلسه. 

أسس كعب صورةَ النبي المناسبة لهذا الجنس الأدبي. فجمع في وصفه في القصيدة بين أوصاف الهيبة والمحبة، إذ قال: "إن الرسول لنور يستضاء به مهند من سيوف الله مسلول". واجتماع هذين الوصفين، وما يلزم من الأول من قوة ونفوذ وما ينتجه الثاني من رجاء، هو ما يجعل طلب النجاة بالمديح ممكناً. وفي بعض الروايات أن كعباً قال: "من سيوف الهند" فعدلها النبي إلى "من سيوف الله"، أو أنه قال: "إن الرسول لسيف يستضاء به"، وهي روايات – على اضطرابها – تشهد على مشاركة المتلقي في صوغ القصيدة منذ اللحظة الأولى. ومع تلقي هذه الصورة بالقبول، أعاد الصحابي علي بن أبي طالب صياغتها في حديث محمد بن عيسى الترمذي، المتوفى سنة 892، في "الشمائل المحمدية" الذي قال فيه في وصف النبي: "من رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبه".


أخذ البوصيري من كعب شرعية استنجاد النبي بالمديح، ثم أعاد تأويلها لعصر لم يعد فيه الرسول حاضراً يتلقى ويقبل. ويدل انتشار شروح لاميَّة كعب قبيل نظم البوصيري بردته، وتدوين روايات خلع النبي بردته على كعب، إلى اكتسابها مكانة مرموقة تؤهلها لأن تكون معياراً للمديح المقبول. 

وأهم ما ميز قصيدة كعب عن سائر قصائد المديح، مثل قصائد الصحابي حسان بن ثابت، تحويلها المديح إلى وسيلة لطلب النجاة. التقط البوصيري هذه العلاقة في قصيدة أخرى له قال في مطلعها:

أمدائح لي فيك أم تسبيح

لولاك ما غفر الذنوبَ مديح

حدثت أن مدائحي في المصطفى

كفارة لي والحديث صحيح.

وينبع الخطر الذي يخشاه البوصيري من نفسه التي يعجز عن رياضتها فيتسلط عليه الهوى، ويهدد آخرته، ويعبر عنه بقوله في البردة: 

فإن أمارتي بالسوء ما اتعظت

من جهلها بنذير الشيب والهرم

فاصرف هواها وحاذر أن تولّيه

إن الهوى ما تولَّى يُصْم أو يَصِم.

هذه البنية المدحية الاستعطافية هي أقوى ما ربط قصيدتي البوصيري وكعب، وإن لم يكن انتساب الجديد إلى السابق بدهياً. فالبوصيري لم يعارض بقصيدته قصيدة كعب، إنّما قصيدة عمر بن الفارض على نفس البحر والروي، التي يقول في مطلعها: "هل نار ليلى بدت ليلاً بذي سلم، أم بارق لاح في الزوراء فالعلم". إضافة لذلك، فقد عارض البوصيريُ قصيدةَ كعب بقصيدة أخرى من نفس الوزن والقافية، قال في مطلعها "إلى متى أنت باللذات مشغول، وأنت عن كل ما قدمت مسؤول". 

لكن ميمية البوصيري أُلحقت بلامية كعب بداية من شرح ابن حجر الهيتمي، ربما بسبب اشتراكهما في البنية. فالبوصيري أصرح من كعب في جعله القصيدة عقداً يضع هبة المديح مقابل هبة الجائزة، كما يظهر في قوله: "ومنذ ألزمت أفكاري مدائحه، وجدته لخلاصي خير ملتزم". وهو يعيد إنتاج صورة النبي الجامعة بين الهيبة والمحبة بافتتاحه كلامه عن النبي بالتعظيم بقوله: "محمد سيد الكونين والثقلين". ثم إضافته النسبة في البيت التالي بقوله: "نبينا الآمر الناهي". ويكمل البوصيري هذا الانتقال إلى المعرفة التي يجعلها علي بن أبي طالب سبب المحبة. فيقول في البيت التالي: "هو الحبيب الذي تُرجي شفاعته". وهو أيضاً ينتقل من رصد المعاناة مع هوى النفس إلى المديح، مقارناً تقصيره بكمال النبي بقوله: "ولم أُصلِّ سوى فرض ولم أصم. ظلمتُ سنةَ من أحيا الظلام إلى، أن اشتكت قدماه الضر من ورم". 

لكن محافظة البوصيري على البنية الاستعطافية لم تمنعه من تغيير بعض بناء القصيدة لتوافق مقاصده. فكعب طلب من الرسول عفواً لا يشك حاضر في قدرته عليه، ويخشى أن يتأخر فيُقتل. لذلك بدأ بطلب العفو، ثم طلب من الرسول التمهل قبل إنفاذ الحكم "مهلاً هداك الذي أعطاك نافلة القرآن"، ونفى الواقعة عن نفسه "لا تأخذني بأقوال الوشاة ولم، أذنب ولو كثرت عني الأقاويل"، قبل أن يلج إلى المديح. ورأى الحاضرون ومن جاء بعدهم قبول هذا الطلب بعد أن انتهى كعب من إنشاد القصيدة.

أما البوصيري فطلب الشفاعة في الآخرة. فهو يقول: "يا أكرم الرسل ما لي من ألوذ به، سواك عند حلول الحادث العمم". وهنا فقدرة الرسول عليها ليست ظاهرة لكل أحد ظهور قدرته الدنيوية الناجزة على إنفاذ أمر بالإعدام أو إلغائه وهو الحاكم. واستجابته للطلب كذلك لا تُعرف في الحاضر. فأسس البوصيري بناء قصيدته ليؤكد قدرة النبي على الشفاعة المترتبة على سمو مكانته، ويقف في موقف يؤهله لاستقبال هذه الشفاعة. 

لذا رتب البوصيري قصيدته على نحو يُستدَل به على عظم قدر النبي، وأهليته للجائزة. فبعد إشارته إلى طلبه الشفاعة في الفصل الثالث من القصيدة، مد إلى هذا الطلب في الفصول اللاحقة مديحاً يمر فوق خمسة جسور، المولد والمعجزات والقرآن والإسراء والجهاد. وفي دراستها "فروم سيرة تو كسيدة [. . .]" (من السيرة إلى القصيدة: الشعرية والسجال في قصيدة البردة للبوصيري)، المنشورة سنة 2007، تفسر سوزان ستيتكيفيتش إضافة البوصيري هذه الأقسام برغبته في خوض سجالات عقدية تمهد لتوسله. فهو يحول النصوص المتناثرة في كتب الشمائل والسير، التي يحاول كُتَّابها إثبات وقوع هذه الحوادث في التاريخ، إلى علامات كونية متضافرة تثبت صدق نبوة الممدوح وتفوقه على سائر الأنبياء واستمرار فاعلية رسالته. وينزع الوقائع من ترتيبها الزمني ليمنحها دلالةً عابرةً التاريخَ. وبهذا تظهر قدرة النبي التي تؤهله للشفاعة.

ويضع البوصيري نفسه أمام هذه الأهلية في موقف المستحق الشفاعةَ، من غير أن يخل ببنية القصيدة الاستعطافية. فيهوّن شأن ذنبه أمام سعة جاه الرسول: "ولن يضيق رسول الله جاهك بي". كذلك يعلّق رجاءه بكرم شفيع لا يحرم قاصده ولا يرد من استجار به، فيقول: 

 حاشاه أن يحرم الراجي مكارمه

أو يرجع الجار منه غير محترم.


استعار البوصيري بناء بردة كعب ونسج عليه قصيدته. وكان يمكن لهذه القصيدة أن تُطوى في التاريخ كغيرها. لكن الأجيال اللاحقة أبقتها حية، فمرت بنقد وتمحيص انتهى لتلقيها بالقبول، ومساهمتها في ترسيم الحدود بين الاتجاهات الدينية. 

وقد بدأ تداول القصيدة بعد إنشائها بوقت وجيز، على النحو الذي يكشف عنه الصفدي في كتابه "الوافي بالوفيات" باعتباره القصيدة "مشهورة". وأضفى المتلقون عليها مكانة دينية لم يكن البوصيري يستطيع أن يمنحها لقصيدته. فنقل الصفدي قصة شفاء البوصيري من الفالج بسببها، وانتشر خبر رؤيته الرسول في المنام حتى بلغ الوزير المملوكي بهاء الدين، فطلب القصيدة واعتاد سماعها مع أهل بيته. 

ساهم انتشار هذه الروايات أيضاً في إطلاق اسم "البردة" على القصيدة، قبل إطلاقه على قصيدة كعب التي أشار الصفدي إليها بقصيدة "بانت سعاد". بل سرعان ما صار البوصيري نفسه ينتسب إلى القصيدة. ففي القرن الخامس عشر عرّفه تقي الدين المقريزي في كتابه "المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار" بأنه "صاحب البردة".

انتقلت البردة سريعاً من ديوان الشعر إلى قلب الحياة العلمية، وساعد اشتمالها "سيرة مصغرة" على تصورها متناً دينياً. فأضيف إلى مطلعها بيت فيه الحمد والصلاة على النبي لتنضبط على متون العلوم الشرعية. ورواها العلماء بالأسانيد، فذكر ابن حجر الهيتمي أنه تلقاها عن زكريا الأنصاري بسند ينتهي إلى ناظمها. وأفرد لها علماء اللغة والبلاغة والعقيدة والفقه شروحاً، فشرحها بدر الدين الزركشي في القرن الرابع عشر، ثم خالد الأزهري وزكريا الأنصاري وبدر الدين الغزي وابن حجر الهيتمي وملا علي القاري في القرنين التاليين. وتكوّن حولها حقل من المعارضات والتخميسات والتسبيعات، حتى أحصى كوتشو سوراهمان، الأستاذ في جامعة إندونيسيا للتعليم، في دراسته "كولاتنغ كصيدة بردة [. . .]" (مقابلة نسخ قصيدة البردة للبوصيري [...]) المنشورة سنة 2020، أكثر من ثلاثين شرحاً لها. 

دخلت القصيدة بذلك معترك النقد الدال على تلقيها بالقبول. لم يوافق المتلقون بالضرورة على كل بيت فيها، ولم يعتمدوا جميع الممارسات التي نشأت حولها، وإنما أقروا القصيدة في جملتها نصاً جديراً بالحفظ والدرس والاستعمال. لذلك لم يقتصر الاشتغال بها على الاحتفاء، بل شمل الاعتراض والتأويل والتصحيح. فأوَّل الباجوري قول البوصيري "فإن من جودك الدنيا وضرتها" بتقدير مضاف محذوف، فجعل المقصود "خير" الدنيا، أي الهداية، و"خير" الآخرة، أي الشفاعة. وتحفظ بعض النسخ الأقل انتشاراً آثاراً أبلغ لهذا التقويم، فتقرأ "وفي كتابك علم اللوح والقلم" بدلاً من "ومن علومك علم اللوح والقلم"، ومثل هذا كثير.

وتبقى دلالة هذا التقويم بحاجة إلى احتراز. إذ لا تسمح مقابلة النسخ المتاحة بتأريخ هذه الصيغ أو الجزم بنشأتها اعتراضاً على غلو متصوَّر. لكنها تكشف انفتاح نص البردة للتعديل بحكم مركزيته في الحياة الدينية، وأن تلقيه بالقبول لم يمنح ألفاظه حصانةً. فالتلقي لا يلغي النقد، بل يمنح المتلقين منفذاً إلى النص، فيشرحونه ويقيّدون معانيه، وقد يعيد بعضهم صياغة ما لا يطمئن إليه، وتنقل الأمة للجيل اللاحق ما اتفقت عليه من ذلك.

ولم يقتصر هذا التلقي على الدوائر العلمية. إذ خرجت القصيدة في الوقت نفسه من مجالس العلماء إلى فضاءات العبادة والاحتفال والحياة اليومية. وقد لا يمكن تحديد أول مرة أنشدت فيها في المولد، لكن الكاتب المغربي الزبير مهداد يوثق في دراسته "الاحتفاء بالفنون الشعبية في عيد المولد النبوي في المغرب" المنشورة سنة 2011، أن الزاوية الدلائية في المغرب أحيت ليلة المولد بإنشاد بردة البوصيري وهمزيته في القرن السابع عشر. كذلك ترصد نهى أبو خطوة، أستاذة الفن الإسلامي والعمارة في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، في دراستها "آن أود تو ريممبر [. . .]" (قصيدة للتذكر: بردة البوصيري في البيوت القاهرية العثمانية) المنشورة سنة 2009، نقش أبيات القصيدة على جدران المنازل، ومنها بيت السحيمي بالقاهرة الذي بُنيَ في مرحلتين بين سنتي 1648 و1796. 

تجلى تلقي القصيدة بالقبول أيضاً في ظاهرتين متعارضتين. أولاهما تحولها إلى مستودع للتمائم. فنشأ فرع من الكتابة في "خواص البردة" يحدد لأبياتها منافع علاجية وروحية، ويصف طرائق تكرارها طلباً للشفاء والحماية ورؤية النبي في المنام. وقد جمع الباجوري هذه الممارسات في شرحه. 

أما الظاهرة الثانية فتحول الموقف من القصيدة علامةً على الانتماء لجماعة دينية وسياسية. ظهر ذلك في نجد في القرن التاسع عشر، إذ ألّف عبد الله أبا بطين، مفتي الدولة السعودية الثانية، كتاب "الرد على البردة"، وجه فيه نقداً عقدياً لأبياتها. تزامن هذا مع الصراع على تعريف الجماعة. فقد عيّن الإمام تركي بن عبد الله آل سعود أبا بطين قاضياً في عنيزة سنة 1832، وأسهم في تثبيت الدعوة الوهابية وسلطة الدولة السعودية في بلدة عرفت علماء خالفوا هذه الدعوة. وفي الوسط نفسه دافع الفقيه الأشعري داود بن سليمان النقشبندي عن أبيات البردة التي عدّها الوهابيون شركاً. لذلك يصح وضع الرد في سياق تشكّل جماعة دينية وسياسية سعودية تميّز نفسها من التدين الصوفي الشائع في البلاد العثمانية. 

بهذا صارت الأمة شريكاً في إنتاج البردة التي ظلت منسوبة للبوصيري. فأضافت اللازمة "مولاي صلّ وسلم"، ومعها المفتتح في الإنشاد وفي الكتب المنسوخة. وقسمت القصيدة فصولاً مستقلة، ورجحت ألفاظاً، وألحقت صلوات، وربطت القصيدة بحكايات الشفاء، وحددت أوقات قراءتها وهيئات سماعها. حفظت اسم البوصيري، لكنها جعلت عمله أكبر من قصده الفردي، وربطته بما سبقه وبما جاء بعده. 


وجد أحمد شوقي في البردة جنساً أدبياً متميزاً، فأسهم فيه بقصيدته نهج البردة. ونظمها على البحر البسيط وروي الميم، وتبع البوصيري في البدء بالنسيب ومحاسبة النفس، ثم الانتقال إلى المديح والسيرة والتوسل. وربط المديح بالمكافأة بقوله: "علقت من مدحه حبلاً أعز به، في يوم لا عز بالأنساب واللحم"، وأعاد إنتاج صورة النبي التي تناسب قصائد المديح الاسترضائي مهاباً محبوباً، بقولِه: "محبة الله ألقاها وهيبته، على ابن آمنة في كلّ مصطدم".

وإذا كان الأديب المصري علي الجارم قد عرّف المعارضة الشعرية في مقاله "المعارضاتِ في الشعر العربي" المنشور سنة 1946، بأنها مبارزة بين شاعرين يتحدان في اختيار البحر والقافية، فقد حوّلها شوقي إلى إقرار بالأولية والشرعية اللتين ينتجهما التلقي بالقبول. فهو يقول في قصيدته: "المادحون وأصحاب الهوى تبع، لصاحب البردة الفيحاء ذي القدم"، ثم نفى أن يكون بصدد منافسته: "الله يشهد أني لا أعارضه، من ذا يعارض صوب العارض العرم".

مع ذلك، لم يمنع الإقرارُ شوقي من الخروج عن بناء قصيدة البوصيري استجابةً لزمنه. فقد نظم نهج البردة ومصر تحت الاحتلال البريطاني، حين صار الإسلام موضوعاً للمقارنة الحضارية والجدل الإصلاحي والدفاع أمام الاتهامات الاستعمارية، وصار ضعف المسلمين سؤالاً يطغى على الكتابة الدينية والسياسية. 

يظهر أثر ذلك في أربعة مواطن على الأقل من القصيدة. أولها عقد شوقي فصلاً لامتداح الشريعة المحمدية. فبينما امتدح البوصيري القرآن، قدّم شوقي الشريعة نظاماً يولّد العقل والعلم: "شريعة لك فجرت العقول بها، عن زاخر بصنوف العلم ملتطم". وثانيها إدخاله مفهوم "الحضارة" في المديح، ومقارنة المنجز الإسلامي بميراث اليونان والرومان والفرس: "دع عنك روما وآثينا وما حوتا، كل اليواقيت في بغداد والتؤم". وثالثها سلوكه مسلك الجدل الحديث في الدفاع عن جهاد النبي أمام تهمة انتشار الإسلام بالسيف، فصاغ الاعتراض بقوله: "قالوا غزوتَ ورسل الله ما بُعثوا، لقتل نفس ولا جاؤوا لسفك دم"، ثم رد عليه: "جهل وتضليل أحلام وسفسطة، فتحتَ بالسيف بعد الفتح بالقلم". وأما الموطن الأخير، فهو انتقاله من طلب النجاة الفردية الذي قصده كعب والبوصيري إلى طلب النجاة لأمة تواجه الاستعمار والتراجع، فقال: 

 فالطف لأجل رسول العالمين بنا

ولا تزد قومه خسفاً ولا تسم 

يا رب أحسنت بدء المسلمين به

فتمم الفضل وامنح حسن مختتم

تغيّرت آليات التلقّي بالقبول التي استندت إليها قصيدة شوقي بتغيّر وسائط تداولها. فقد دخلت القصيدة أولاً في مسار مألوف من الشرح، إذ وضع شيخ الأزهر سليم البشري شرحاً لها في سنة نظمها، وطُبع الشرح في السنة التالية. لكن الطباعة غيّرت معنى البقاء نفسه. ويبيّن أستاذ الفكر الإسلامي في جامعة شيكاغو أحمد الشامسي في كتابه "ريديسكوفرنغ ذا إسلاميك كلاسيكس" (إعادة اكتشاف التراث الإسلامي)، المنشور سنة 2020، أن الكتاب المخطوط لم يكن يُنسخ غالباً إلا استجابةً لطلب قائم، ولذلك دلّ توالي نسخه على تجدّد اختياره واستمرار تداوله، أي تلقيه بالقبول. أما المطبعة فاستطاعت أن تُنشئ التداول ابتداءً، فتطرح مئات النسخ قبل تحقق الحاجة إليها، فلم يعد تداول الكتاب دليلاً على تلقيه بالقبول، بل صار اقتصاد الطباعة عنصراً مؤثراً فيما يمكن تلقيه ونقله. 

ثم جاء المذياع ليعيد تشكيل التلقّي مرةً أخرى. ففي سنة 1946 غنّت أم كلثوم نهج البردة لشوقي من ألحان رياض السنباطي، في صيغة انتقت أبياتاً من القصيدة وأعادت ترتيبها بما يلائم الأداء. وتكرّر بذلك ما جرى لبردة البوصيري، فلم تعد صيغة المؤلف أشدَّ صيغ القصيدة حضوراً، بل غلبت عليها الصيغة التي اختارها المؤدّون وتناقلها الجمهور. 

وهكذا لم يختفِ التلقّي بالقبول في عصر الطباعة والبث، وإنما تبدّلت آلياته. فانتقل من تجدّد النسخ والإنشاد الجماعي في الموالد ومجالس الذكر إلى اختيارات المحرر والناشر والمطرب والملحن، ومن جماعات تجتمع في مجلس واحد إلى أمة متفرقة تتلقى القصيدة في وقت واحد داخل بيوتها.


تكشف دراسة تاريخ تلقي البردات الثلاث أن التلقي بالقبول لا يحبس الأمة في اختيارات من مضوا. تلقّى البوصيري مثال كعب، فحوّل طلب النجاة من الخوف على الحياة إلى الخوف على المصير. ثم تلقّاه شوقي، فنقل الرجاء من خلاص الشاعر إلى خلاص أمة تواجه أزمتها الحديثة. وتجعل وظيفة التلقي شرعية النص المنقول رهناً بأعمال متراكمة لا بأمر منفرد، وإن ظلت الدولة والمؤسسة والناشر والمذياع قادرةً على توسيع بعض الاختيارات وتهميش غيرها. 

وبذا يصبح التراث حياً بعمل جماعي يتجدد في كل جيل، بالحفظ والشرح والنقد والاستعمال وإعادة الإنتاج. وما تهمله الأمة قد يبقى محفوظاً بفعل الطباعة بعد أن كان قبلها يختفي. لكنه يفقد حياته في تراثها. وما تقبله في الجملة لا يحظى بحصانة مطلقة، فقد تحفظ بناءه وتعترض على لفظه، أو تقيد معناه وتغير أداءه. لهذا يمثل التلقي بالقبول وظيفةً أخلاقية تصل الأمة بتاريخها من غير أن تُخضع حاضرها له، وتحملها مسؤولية التمييز المتجدد بين ما يصح وما يصلح. وبممارسة هذه المسؤولية لا تحفظ الأمة تراثاً مشتركاً فحسب، بل تصنع نفسها جماعةً، فتختار النصوص التي تنتسب إليها، وتتفاوض على معانيها، وتضيف إليها، ثم تسلمها إلى من بعدها. بهذا ظلت البردة لأن أجيالاً متعاقبة وجدت فيها ميراثاً لا قيداً، وحقاً في إعادة نسجه لا إذناً بهدمه، ومسؤوليةً عن أن تورثه صالحاً للحياة.

اشترك في نشرتنا البريدية