من الهامش إلى قلب الدولة.. فوزي لقجع مسار جديد لصناعة النخبة

دخل فوزي لقجع حزب الأصالة والمعاصرة بعدما راكم ثلاثة عقود داخل الإدارة والحكومة وكرة القدم.

Share
من الهامش إلى قلب الدولة.. فوزي لقجع مسار جديد لصناعة النخبة
اختبار الرصيد الإداري والكروي انتخابياً | خدمة غيتي للصور

صباح 25 يوليو 2026 حضر فوزي لقجع، وقد بلغ السادسة والخمسين، إلى قصر المؤتمرات في مدينة سلا شمالي العاصمة الرباط على متن سيارةٍ كهربائيةٍ تكلف بسياقتها وزير الشباب والثقافة والتواصل محمد المهدي بنسعيد. دخل إلى القاعة التي تحتضن اجتماع المجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة، تترقبه الكاميرات. وقبل أن يجلس أشار إلى فاطمة الزهراء المنصوري، منسقة القيادة الجماعية للحزب، التي انحنت للسلام عليه. ثم اقترب من سمير كودار، رئيس قطب التنظيم، وهمس في أذنه مشيراً بسبابته كمن يوجه أمراً أو يصدر تعليمات.

كان مشهد الوافد الجديد إعلاناً عن انتقال رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، وأحد الوجوه الحاضرة في مؤسسات القرار الكروي الإفريقي والدولي، من ملعب الكرة إلى ملعب الانتخابات.

قبل مجيئ لقجع إلى قصر المؤتمرات خلت سيرته من تجربةٍ في فرعٍ محليٍ أو شبيبةٍ حزبيةٍ أو تدافعٍ في المؤتمرات. بدأت مسيرته المهنية في الإدارة قبل ثلاثة عقود تقريباً، وقادته إلى إدارة ميزانية الدولة ثم إلى الحكومة، فيما قَيّض له مسارٌ موازٍ في كرة القدم شهرةً تجاوزت ما يتيحه عادةً منصبٌ إداريٌ رفيع. لهذا حين أعلنت المنصوري في اليوم نفسه عن التحاقه بحزب الأصالة والمعاصرة وعضويته في مكتبه السياسي دون تدرجٍ، كان القادم الجديد يجلس منذ لحظة وصوله في الصفوف التي يحتاج السياسي عادةً إلى رصيد أعوامٍ حتى يبلغها. وذلك قبل أسابيع من الانتخابات التشريعية المقررة في 23 سبتمبر 2026.

 بتوسيع منظور صعود لقجع المهني الفردي تكشف سيرته عن تحولٍ أوسع في طرق إنتاج النخبة المغربية. فمنذ الاستقلال، تغيرت المسالك التي تقود إلى مواقع القرار، من العائلة والشبكات الاجتماعية الموروثة، إلى المدرسة والإدارة والكفاءة التقنية، ثم إلى شرعية الإنجاز والشهرة الجماهيرية. والجديد في هذا التحول انتقال لقجع إلى حزب الأصالة والمعاصرة، بعدما صقلت مؤسسات الدولة مساره، ومنحته كرة القدم شرعية الإنجاز والشهرة، قبل أن يصبح الحزب آخر فضاءات ترجمة هذا الرصيد إلى موقعٍ سياسيٍ، في اتجاهٍ معاكسٍ للمسار الحزبي التقليدي، الذي يبدأ عادةً من التنظيم ثم يتجه إلى مؤسسات الدولة.


قبل أن يصبح فوزي لقجع مديراً للميزانية بنحو أربعة عقودٍ، وصل عالم السياسة الأمريكي جون واتربوري إلى المغرب باحثاً عن الرجال الذين يحكمونه. ونشر سنة 1970 كتابه "ذا كوماندر أوف ذا فيثفل [. . .]" (أمير المؤمنين: الملكية والنخبة السياسية المغربية)، الذي سبر فيه المؤسسات الرسمية بحثاً عن شبكةٍ من الأسر والجماعات والأعيان والفاعلين الحزبيين المتنافسين على الاقتراب من مركز السلطة. وقد رأى في تركيب النخبة مفتاحاً لفهم جانبٍ من طريقة اشتغال النظام السياسي المغربي.

حضرت مدينة فاس بقوةٍ في الخريطة التي رسمها واتربوري لهذه النخبة. فقد دخلت بعض أسرها القرن العشرين وهي تحمل رصيداً راكمته عبر أجيالٍ من التجارة والتعليم والوظيفة المخزنية والمصاهرة. وحين حصل المغرب على استقلاله سنة 1956 لم تبدأ المنافسة بين الجميع على مواقع الدولة من نقطةٍ واحدة. إذ كانت هناك أسرٌ تعرف الإدارة، وأسرٌ تملك المال، وأخرى سبقت إلى تعليم أبنائها في المؤسسات الفرنسية الحديثة، فيما ربطت شبكات المصالح بين التجارة والسياسة والوظيفة العمومية.

وتمنح دراسة "ريبودوكسيون سوسيال دي زيليت ماروكان [. . .]" (إعادة الإنتاج الاجتماعي للنخب المغربية والحركة الباطرونية) لعالم الاجتماع المغربي علال بنحدو، المنشورة سنة 1993، صورةً أكثر تحديداً لهذا المسار. انتقى بنحدو النخب الفاسية عينةً لدراسة الطبقة المهيمنة اجتماعياً، فوجد داخلها تجاراً قدامى وورثتهم، إلى جانب خبراء يحملون شهادات مدارس الهندسة والتجارة والإدارة الفرنسية الكبرى. كانت العائلة، حسب الدراسة، قادرةً على أن تنقل إلى أبنائها أكثر من الثروة: من شبكة علاقات وذاكرة في التعامل مع الدولة، إلى استعدادٍ مبكرٍ للولوج إلى المؤسسات التي تفتح أبواب المناصب العليا.

ومع اتساع الإدارة بعد الاستقلال، ظهرت حاجةٌ لم يكن الاسم العائلي قادراً وحده على تلبيتها. إذ احتاجت الوزارات الجديدة إلى المهندس والطبيب والمفتش والاقتصادي والمخطط والقانوني. كذلك احتاجت المؤسسات العمومية إلى مديرين يتقنون لغة الإدارة الحديثة، فيما توسعت الدولة في التعليم والتجهيز والصناعة والفلاحة وتدبير المالية العمومية. وهكذا أخذت المدرسة مكاناً أكثر تقدماً في المسالك التي تقود إلى مواقع السلطة.

تتبع المؤرخ بيير فيرميرين هذا التحول على امتداد القرن العشرين في كتابه "لافورماسيون دي إليت ماروتين [. . .]" (تكوين النخب المغربية والتونسية [. . .]). وقد قسَّم في الكتاب تاريخ النخب المغربية المتعلمة إلى أجيالٍ، ووقف عند سنوات ما بعد الاستقلال حين أتيحت فرصٌ أوسع للتعليم العالي أمام أبناء الطبقات الوسطى. إلا أن هذه النافذة ضاقت تدريجياً مع تشبع الوظيفة العمومية. وفي الوقت ذاته، أصبح النظام التعليمي أكثر تفاوتاً، فظهرت فيه مساراتٌ تقود إلى مواقع النخبة، وأخرى تنتهي إلى جامعاتٍ جماهيريةٍ محدودة القدرة على الترقي الاجتماعي. وبهذا أضافت المدرسة إلى هذه الآليات معياراً جديداً يمنح صاحبه شرعية القول إنه وصل إلى موقعه بفضل تكوينه وكفاءته، لكنها لم تلغِ ما كان للعائلة والمال والعلاقات من أثر.

داخل هذا التحول، تكتسب سيرة فوزي لقجع جزءاً بيّناً من معناها. فهي لا تقدم مثالاً على اختفاء النخب القديمة، بقدر ما تكشف كيف لابن أسرةٍ من الطبقة الوسطى، قادمٍ من مدينةٍ بعيدةٍ عن المراكز التقليدية للنفوذ بالمملكة كالرباط والدار البيضاء أو حتى فاس، أن يدخل إلى مؤسسات الانتقاء والتكوين، ليبني مساراً داخل الدولة لم يكن الاسم العائلي وحده هو الذي يفتحه. 

ولد فوزي لقجع سنة 1970 في مدينة بركان، شمال شرق المغرب، التي ارتبطت تاريخياً بإنتاج البرتقال وبنشاطها الفلاحي. فقد استفادت منذ النصف الأول من القرن العشرين من سياسة الريّ التي نهجها الاستعمار الفرنسي، مستفيدةً من موقعها في سهل تريفة، أحد أغنى السهول الزراعية بالمغرب. ومع ذلك، برز من هذه الجغرافيا الشرقية عدد محدود من الشخصيات التي تجاوز حضورها الإطار المحلي، من أبرزها البكاي بن مبارك الهبيل، المنحدر من اتحادية قبائل بني يزناسن والذي كلّفه السلطان محمد الخامس، في السابع من ديسمبر 1955، بتشكيل أول حكومةٍ بعد عودة الملك من المنفى. أما أسرة لقجع، فلم تكن من الأسر النافذة في المجال السياسي أو الاقتصادي. وقد عمل والده في التعليم.

كان خروج لقجع من مسقط رأسه إلى الرباط أول انتقالٍ جغرافيٍ حمل في داخله إمكانية انتقالٍ اجتماعيٍ أيضاً. فبعد إنهاء دراسته الثانوية، التحق بمعهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة، إحدى المؤسسات التي أنشأتها الدولة لتكوين أطرها العليا في مجالات الفلاحة والهندسة والبيطرة. 

ويساعد عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو، في كتابه "نوبليس ديتا [. . .]" (نبلاء  الدولة [. . .]) الصادر سنة 1989، على فهم ما تفعله المؤسسات الانتقائية بخريجيها. فقد درس المدارس الفرنسية العليا، ووجد أن المؤسسة التعليمية تمنح خريجيها معرفةً وشهادةً واعترافاً اجتماعياً في الوقت نفسه. يحمل الخريج معه بعد مغادرة المدرسة اسماً مؤسسياً يرافقه في سوق العمل وفي الإدارة، فتتحول الكفاءة المصدقة بالشهادة إلى موردٍ من موارد المكانة.

وفي المغرب الذي تكوّن فيه لقجع، أصبحت الهندسة واحدةً من المسالك التي تقود إلى مواقع متقدمةٍ داخل جهاز الدولة. وقد أشار فيرميرين، في دراسته عن تكوين الأطر المغربية والتونسية، إلى المكانة التي تبوّأها المهندسون المغاربة، وهم أقليةٌ من خريجي التكوينات الأرفع، وكيف استطاعوا الوصول إلى مواقع مؤثرةٍ داخل الوزارات والمؤسسات العمومية والاقتصاد.

ضمن هذا التطور، لم تُلغِ المسالك الجديدة حضور النخب القديمة، وإنما أضافت إليها طبقةً أخرى. ولو عاد جون واتربوري إلى المغرب الذي وصف نخبَه في نهاية الستينيات، لوجد ألقاباً عائليةً قديمةً ما تزال حاضرةً في الاقتصاد والسياسة، وأبناء أسرٍ نافذةٍ يحتفظون بمواقعهم، لكنه سيجد إلى جوارهم كبار الموظفين ومهندسين ومديرين صنعت مساراتِهم مدارس ومعاهد وإداراتٌ وفتحت لهم مدخلاً للدولة. 

ومع اتساع حضور هذه النخبة التقنية، صار الحد الفاصل بين صفّي الخبراء والسياسيين أقل وضوحاً. فالمسؤول الذي يقرر في الميزانية أو يدير مؤسسةً عموميةً يمارس سلطةً ذات آثارٍ سياسيةٍ مباشرةٍ، حتى حين يصدر قراره بلغةٍ تقنيةٍ، فيما يحتاج السياسي الذي يصل إلى الوزارة إلى الإدارة وخبرائها لتحويل اختياراته إلى سياساتٍ عامة.

كان لقجع مثالاً على هذا الاتجاه. فبعد تخرجه مهندساً زراعياً من معهد الحسن الثاني، دخل مساراً سيبعده تدريجياً عن الهندسة الزراعية. ففي سبتمبر 1997 التحق بالمفتشية العامة للمالية مفتشاً للمالية، وهي واحدةٌ من المؤسسات التي تشغّل أطر الدولة وتتيح لهم التعرف من الداخل إلى كيفية عمل الإدارة وتسيير مواردها. 

وقد تزامن دخول لقجع إلى الإدارة مع صعود نموذجٍ آخر من المسؤولين التقنيين داخل الدولة المغربية مثّله عبد العزيز مزيان بلفقيه. وكان المستشار الراحل للملكين الحسن الثاني ومحمد السادس، المنحدر من الجهة الشرقية، خريج المدرسة الوطنية للقناطر والطرق في فرنسا، ومهندساً تكوّن على ثقافة المشروع والإنجاز والقياس. ومعه أخذت تتبلور داخل الدولة طريقةٌ في انتقاء المسؤولين تقوم على الجمع بين الحزم التقني والقدرة على الإنجاز والحضور الميداني. وبمرور الوقت، تجاوز دوره حدود موقعه الرسمي، فصار ينتقي الكفاءات ويختبرها ويواكب صعودها ويدفع ببعضها إلى مسؤولياتٍ أوسع، حتى اقترن اسمه بجيلٍ من كبار الموظفين والمهندسين الذين انتقلوا من الإدارات التقنية إلى دوائر القرار السياسي. 

لكن لا يبدو أن مسار لقجع إلى دوائر القرار ارتبط بشبكة بلفقيه مباشرةً، أو بها وحدها على الأقل. فعلى الرغم من اشتراك الرجلين في التكوين الهندسي والانتماء إلى الجهة الشرقية، فإن إلياس العماري، المقرب آنذاك من فؤاد عالي الهمة، كان من الذين أسهموا في تقريب فوزي لقجع من دوائر القرار. وهي روايةٌ تحتاج في هذا الموضع إلى أن تُقرأ تفسيراً لمسار الصعود لا حقيقةً باتةً، خصوصاً أن انتقال لقجع من موقعٍ تقنيٍ داخل الإدارة إلى فضاءاتٍ أوسع من النفوذ لا يفسره عاملٌ وحيد.


خلف الصورة التي تكوّنت لاحقاً عن لقجع رجلَ دولةٍ، تمتد أعوامٌ طويلةٌ قضاها داخل الإدارة بعيداً عن الأضواء. وكانت بدايته هناك في موقعٍ لا يصنع الشهرة. وربما يفسر هذا المسار صعوبة العثور على صورٍ كثيرةٍ لفوزي لقجع في سنواته الأولى بالمفتشية العامة للمالية. فالمفتش يعمل بين الوثائق والحسابات والتقارير، ويعبر بين الإدارات والمؤسسات العمومية بعيداً عن المنابر التي تصنع الوجوه المعروفة. 

ومن المفتشية، أخذ مساره الوظيفي يتدرج على امتداد السنوات التالية في وزارة المالية. انتقل سنة 2001 إلى مديرية الميزانية رئيساً لشعبة القطاعات الإدارية. وفي يوليو 2003 تولى شعبة القطاع الفلاحي والمقاصة، وبقي فيها قرابة سبعة أعوامٍ، قبل أن يصبح في يونيو 2010 نائباً لمدير الميزانية. وفي الخامس من يناير 2011، عيّنه الملك محمد السادس مديراً للميزانية. وتوثق وزارة الاقتصاد والمالية هذا التعيين، فيما تتيح سيرةٌ مهنيةٌ محفوظةٌ لدى منظمة الأغذية والزراعة تتبع درجات المسار منذ دخوله المفتشية سنة 1997 حتى وصوله إلى رأس المديرية. 

وخلال أربعة عشر عاماً فصلت بين دخول المفتش الشاب إلى وزارة المالية وجلوسه على رأس واحدةٍ من أكثر مديرياتها حساسيةً، تغير اختصاص لقجع أكثر مما تغير مكان عمله. فقد دخل الإدارة مهندساً زراعياً، ثم تعلم داخلها مراقبة المال العام، وقضى بعد ذلك أعواماً في ملفات الفلاحة والمقاصة، قبل أن يصبح معنياً بميزانيات الوزارات والقطاعات كلها. ويختصر هذا التحولَ زميلٌ له رافقه في مكاتب الوزارة أعواماً، إذ قال للفراتس: "كانت الإدارة توسع مجال رؤيته في كل ترقية". 

فمديرية الميزانية تحتفظ بموقعٍ يجعلها معبراً شبه إلزاميٍ للسياسات العمومية. إذ إن كل مشروع تقريباً يصل إليها في لحظةٍ من حياته. يريد وزيرٌ بناء مستشفىً أو طريقٍ، وتطلب إدارةٌ إحداث مناصب ماليةٍ، وتقترح وزارةٌ برنامج دعمٍ، وتحتاج مؤسسةٌ عموميةٌ إلى استثمارٍ جديد. وفي نهاية هذا المسار، كان لقجع يشارك الوزراء والقطاعات في ترتيب الأولويات، ويبحث للرغبات السياسية عن مكانٍ داخل موارد محدودة. ومن يعمل طويلاً في مديرية الميزانية يراكم معرفةً لا تظهر في الشهادة التي دخل بها إلى الوظيفة. ولذلك سيعرف كيف تتفاوض الوزارات، وكيف تدافع القطاعات عن اعتماداتها، وكيف تُصاغ قوانين المالية، وأين توجد هوامش الحركة حين تضيق الموارد.

يسمي بورديو جانباً من هذه الموارد المتراكمة داخل الإدارة "الرأسمال البيروقراطي". إذ قد يظل الموظف أعواماً داخل الدولة حتى تصبح لديه معرفةٌ بمسالك لا يمتلكها القادم إليها من الخارج، ويصبح اسمه مألوفاً لدى الذين يتخذون القرارات، وتنمو من خلال ذلك شبكةٌ من العلاقات تجعل صاحبها أكثر حضوراً في موقعه. وقد تمنحه المسؤوليات المتعاقبة مقداراً متزايداً من الثقة يسمح بتكليفه بملفاتٍ أكبر وأكثر حساسية. 

ومن هذه الزاوية، تبدو الثقة عنصراً في تفسير المسافة الزمنية القصيرة نسبياً بين انتقال لقجع من موظفٍ كبيرٍ إلى مسؤولٍ سياسيٍ، دون مسارٍ حزبي. فقد حافظ على موقعه مديراً للميزانية عبر حكوماتٍ متعاقبةٍ ورؤساء حكومةٍ ينتمون إلى اتجاهاتٍ سياسيةٍ مختلفةٍ، قبل أن يعيّنه الملك في أكتوبر 2021 وزيراً منتدباً لدى وزيرة الاقتصاد والمالية مكلفاً بالميزانية. 

ويُتيح كتاب الإناسي المغربي عبد الله حمودي "الشيخ والمريد" الصادر سنة 1997، فهم جانبٍ من هذا النمط. إذ يلفت إلى أن جزءاً من السلطة يتشكل عبر علاقات الثقة والتدرج والقرب، وهي موارد لا تمنحها الشهادة وحدها، وإنما تتراكم مع أداء المسؤوليات واختبار صاحبها داخل الجهاز. فقد انطلق حمودي – في تفسيره بنية التدرج في السلطة – من العلاقة بين الشيخ والمريد داخل الزاوية ليتتبع نسقاً أوسع يقوم على التدرج والولاء والقرب من صاحب السلطة. ثم بحث في قدرة بعض هذه البنى على الاستمرار بأشكالٍ متجددةٍ داخل مؤسساتٍ حديثةٍ تحكمها، في ظاهرها، الشهادة والاختصاص والقواعد الإدارية.

وهكذا اجتمعت في النموذج الذي يمثله لقجع صورتان من صور رجل الدولة المغربي المعاصر: فهو تكنوقراطي حديثٌ يستمد مكانته من الشهادة والخبرة والإنجاز، ومسؤولٌ يتحرك داخل ثقافةٍ سياسيةٍ راسخةٍ ما زالت تمنح للولاء ونيل الثقة والرضا والقرب من المؤسسة الملكية وزناً لا تقيسه مباريات التوظيف ولا تسجله السيرة الإدارية. وفي خلفية هذه الصورة، مثلما أظهر فيرميرين، أتاح انفتاح التعليم بعد الاستقلال فرصاً أوسع للصعود، قبل أن يتشعب النظام التعليمي إلى مسالك متفاوتة القيمة، تقود بعضها إلى مواقع النخبة والترقي الاجتماعي.


قد تفسر الشهادة دخول لقجع الأول إلى الإدارة، وتساعد الكفاءة والثقة على فهم جانبٍ من ترقّيه من المفتشية العامة للمالية إلى مديرية الميزانية، لكن مساره لم يبقَ طويلاً محصوراً في الجهاز الإداري للدولة. ففي مارس 2009، فتحت كرة القدم أمام فوزي لقجع مساراً موازياً. يومئذٍ تولّى رئاسة نادي نهضة بركان، فعادت المدينة التي غادرها للدراسة قبل أعوامٍ لتستعيد ابنها في موقعٍ جديد.

منحته الكرة أول مرةٍ مجالاً يختبر فيه خبرته الإدارية أمام جمهورٍ يستطيع رؤية النتائج والحكم عليها. فقد نقل إلى النادي شيئاً من اللغة التي تعلمها في تدبير مالية الدولة من التنظيم والموارد والبنية والاستمرار. تحسنت على الأثر أوضاع نهضة بركان تدريجياً، وصعد الفريق إلى القسم الأول، ثم أخذ يبني موقعاً جعله لاحقاً واحداً من أكثر الأندية المغربية حضوراً في المنافسات الإفريقية.

ثمة مسائل شابت هذا الصعود، فقد أثارت هوية بعض الداعمين والممولين الماليين للنادي نقاشاً لدى الجمهور والإعلام، خصوصاً بعد أن أظهر تقريرٌ ماليٌ قُدم في أحد الجموع العامة أن نسبةً كبيرةً من ميزانية الفريق جاءت في صورة هِباتٍ مجهولة المصدر. وأثار ذلك انتقاداتٍ بشأن مستوى الشفافية في التقارير المالية للأندية المغربية.

لم يبقَ لقجع طويلاً في حدود إدارة النادي المحلي. ففي أبريل 2014، انتخب رئيساً للجامعة الملكية المغربية لكرة القدم خلفاً لعلي الفاسي الفهري، أحد أبناء الأسر الفاسية التي ارتبطت أسماؤها بمؤسسات الدولة ومواقع المسؤولية العليا. وقد كان الانتقال من نهضة بركان إلى الجامعة أوسع من مجرد انتقال بين مؤسستين رياضيتين، لأنه وضع لقجع أمام جمهورٍ وطنيٍ، وجعله مسؤولاً عن مجالٍ يستطيع، في أيام الانتصار والهزيمة، أن يشغل بلداً كاملاً. 

ومن موقعه الجديد، دخلت الكرة المغربية مرحلة توسعٍ في الاستثمار وإعادة بناء البنية الرياضية. توسعت في الأعوام اللاحقة مراكز التكوين، وزاد الاهتمام بالفئات الصغرى وكرة القدم النسوية والبنية التحتية. كذلك افتتح مُركَّب محمد السادس لكرة القدم بالمعمورة، إحدى مناطق مدينة سلا، سنة 2019. حينئذٍ أخذ حضور المغرب داخل مؤسسات الكرة الإفريقية يتسع. 

ثم جاءت النتائج الرياضية لتمنح هذا المشروع وجهاً يستطيع الجمهور التعرف إليه. بلغ المنتخب المغربي نصف نهائي كأس العالم في قطر سنة 2022، ليصبح أول منتخبٍ إفريقيٍ وعربيٍ يصل إلى هذا الدور. وحصل المنتخب الأولمبي على الميدالية البرونزية في أولمبياد باريس 2024، قبل أن يتوج منتخب أقلّ من عشرين عاماً بكأس العالم للشباب في تشيلي سنة 2025. وبين مباراةٍ وأخرى، كانت عدسات النقل التلفزيوني تلتقط لقجع مشدوداً إلى كرسيه أو ينفث الدخان من سيجارته وحالة الانفعال باديةٌ على محيّاه، حتى صار وجه رئيس الجامعة نفسه جزءاً من المشهد الكروي الذي يتابعه الجمهور. 

لكن سجل هذه المرحلة، على ارتباطها الوثيق بلقجع، لا يُختزل بالضرورة في شخص رئيس الجامعة. فقد كانت أيضاً ثمرة عمل لاعبين ومدربين وأنديةٍ وأطرٍ تقنيةٍ، إلى جانب الإنفاق العمومي وخطةٍ للدولة امتدت إلى البنية التحتية والتكوين. 

فتحت كرة القدم للقجع أبواب الشهرة خارج المغرب أيضاً، فقد وَصَلَته بشبكةٍ جديدةٍ من العلاقات دولياً. دخل أجهزة الاتحاد الإفريقي لكرة القدم، ثم انتخب في مارس 2021 عضواً في مجلس الاتحاد الدولي لكرة القدم، قبل أن يصبح في أبريل 2025 النائب الأول لرئيس الاتحاد الإفريقي لكرة القدم، باتريس موتسيبي. فصار التفاوض وبناء التحالفات وإدارة الملفات ومعرفة موازين القوى داخل مؤسسةٍ تضم عشرات الاتحادات الوطنية جزءاً آخر يضاف إلى أدواته. 

ليس هذا فحسب. فقد تقاطعت حركة لقجع داخل الكرة الإفريقية مع تحولٍ أوسع في سياسة المغرب تجاه القارة. إذ عاد المغرب إلى الاتحاد الإفريقي في يناير 2017، بعد أن قدم طلب الانضمام في السنة السابقة، واتسعت خلال المرحلة نفسها استثمارات المملكة وشراكاتها جنوب الصحراء. في المجال الرياضي، وقَّعت الجامعة المغربية اتفاقيات تعاونٍ مع اتحاداتٍ إفريقيةٍ، واستضاف المغرب منتخباتٍ لم تكن ملاعب بلدانها تستوفي شروط المباريات الدولية، فتحولت البنية التحتية والتكوين بدورهما إلى جزءٍ من شبكة العلاقات التي ينسجها المغرب داخل القارة. 

ومع هذا التداخل، أخذ موقع لقجع الكروي يؤدي وظيفةً تتجاوز إدارة اللعبة نفسها. لاسيما بعدما قدمت الصحافة حضوره داخل الاتحاد الإفريقي لكرة القدم باعتباره تمثيلاً للمغرب وجزءاً من اتساع نفوذه داخل المؤسسات القارية، بما جعل موقعه هناك يتقاطع مع أبعادٍ تتجاوز الرياضة إلى الدبلوماسية وبناء النفوذ.

وحين اختير المغرب، إلى جانب إسبانيا والبرتغال، لتنظيم كأس العالم 2030، أضحى الرجلُ الذي يجمع رئاسة الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ومسؤولية الميزانية عند تقاطع ملفٍ رياضيٍ ومشروعٍ استثماريٍ وسياسيٍ سيطبع أعواماً من عمل الدولة. فقد صار جزءٌ من النقاش العامّ يضع هذه المشاريع في مواجهة حاجاتٍ اجتماعيةٍ عُدّت أكثر إلحاحاً. وظهرت هذه المفاضلة في شعاراتٍ احتجاجيةٍ طالبت بإعطاء الأولوية للإنفاق على الصحة والتعليم، في حين واصلت الدولة استثماراتها الرياضية.


وضعت المفارقة بين رئاسة الجامعة والمسؤولية عن الميزانية لقجع في موقعٍ يتقاطع فيه المجال الرياضي مع المجال العامّ على نحوٍ أوسع من حدود الوظيفة نفسها. وفي هذه المرحلة، برز تحولٌ آخر في مساره: العمل الحزبي.

فقبل دخول لقجع إلى حزب الأصالة والمعاصرة، كانت صورته العامة قد تشكلت في فضاءٍ مختلفٍ عن الفضاء الذي تُصنع فيه عادةً صورة السياسي المغربي. لم يخطب في مهرجانٍ انتخابيٍّ كي يعرفه الناس، ولم تبنِ له آلةٌ حزبيةٌ اسماً على امتداد أعوام. جاءت شهرته من مجالٍ تستطيع نتائجه أن تدخل البيوت بلا وساطةٍ، وتمنح صاحبها حضوراً عاماً لا يحتاج إلى المرور أولاً عبر التنظيمات والحملات الانتخابية، وهو المسار الذي يمكن تسميته "شرعية الإنجاز". بمعنىً آخر، قدمت كرة القدم للقجع جسراً بين عالمي الإدارة والمجال العام، وصار الإنجاز الذي كان يقرؤه داخل الوزارة عددٌ محدودٌ من المسؤولين قابلاً للرؤية على شاشةٍ يشاهدها الملايين. 

وهنا قد يبدو انتقاله إلى العمل الحزبي مفهوماً في إطار حركة بعض النخب في المغرب، إلا أنه في الوقت نفسه يكشف عن جانبٍ من أزمة الأحزاب المغربية. فهي لم تعد قادرةً دائماً على إنتاج شخصياتٍ تحظى بحضورٍ واسعٍ لدى الجمهور، في حين اتسعت المسافة بين المواطنين والمؤسسات الحزبية. 

في هذا السياق، يشرح محمد ظريف، الباحث وأستاذ القانون الدستوري، في كتابه "الأحزاب السياسية المغربية من سياق المواجهة إلى سياق التوافق" الصادر سنة 1996، جانباً من الأزمات التنظيمية التي عرفتها الأحزاب المغربية ومحدودية استقلاليتها داخل نسقٍ سياسيٍ أثّرت به الدولةُ في تشكيل المجال الحزبي. ومن هذه الزاوية، لا يبدو استقدام شخصياتٍ من خارج التنظيم مجرد اختيارٍ لأسماء ذات حضورٍ، بل استجابةً أيضاً لمشكلةٍ أعمق تتصل بقدرة الحزب نفسه على إنتاج قياداته.

ويتضح هذا المسار أكثر حين يوضع مقابل الطريق التقليدي إلى السياسة الحزبية، الذي يبدأ من داخل التنظيم. إذ يدخل الشاب فرعاً أو شبيبةً، ويصعد عبر المؤتمرات، ويخوض الانتخابات، ثم يصل، إذا سمحت له موازين الحزب والاقتراع، إلى البرلمان أو الوزارة أو أيّ قاعدةٍ أخرى داخل بنية الدولة. 

وصل فوزي لقجع إلى هذه المحطات بترتيبٍ معكوسٍ، من المالية لكرة القدم، قبل أن يصبح عضواً في حزبٍ سياسيٍ ويلتحق مباشرةً بالمكتب السياسي له، أي بعدما اكتمل قدرٌ كبيرٌ من صورته العامة خارجه، إذ صقلته الإدارة ووسعت المسؤوليات مجال خبرته وشبكاته، ومنحته كرة القدم شهرةً جماهيرية. إلا أن هوية الحزب الذي استقبله تعيد المسألة من سيرة الرجل وحده إلى سؤالٍ أقدم عن العلاقة بين الدولة والحقل الحزبي. 

فقد ظهر حزب الأصالة والمعاصرة سنة 2008 بعد تجربة "حركة لكل الديمقراطيين"، وارتبط تأسيسه بفؤاد عالي الهمة، الذي كان قد غادر منصبه وزيراً منتدباً في الداخلية وخاض الانتخابات، قبل أن يعود لاحقاً إلى القصر مستشاراً للملك. 

ومنذ سنواته الأولى، أثار الصعود السريع للحزب نقاشاً حول علاقته بالإدارة وموقعه داخل إعادة ترتيب الحقل الحزبي، فوصفه خصومه بحزب الدولة، فيما قدمه مؤسسوه وقادته مشروعاً لتجديد النخب والممارسة السياسية. وبعد ثمانية عشر عاماً من تأسيسه، يستقبل الحزب فوزي لقجع في لحظةٍ انتخابيةٍ دقيقةٍ، حاملاً معه معنىً خاصاً لشعار استقطاب الكفاءات الذي رافق الحزب منذ نشأته، ورصيداً صُنع خارج التنظيم، قبل أن يتحول هذا الرصيد إلى تجربةٍ سياسيةٍ قابلةٍ للاختبار الانتخابي.

لكن الشهرة التي بنتها كرة القدم قد لا تتحول تلقائياً إلى أصواتٍ انتخابية. إذ يستطيع حزب الأصالة والمعاصرة أن يضع اسم فوزي لقجع على لائحةٍ انتخابيةٍ، وتستطيع صور المنتخب أن تمنحه شهرةً لا يمتلكها كثيرٌ من المرشحين، ويستطيع مساره الإداري أن يقدم مادةً جاهزةً لخطاب الكفاءة. غير أن الانتخابات ملعبٌ تحكمه قواعد مختلفة. وهناك تحديداً ستُختبر قدرة الرجل على تحويل المكانة التي بناها داخل الدولة والكرة إلى شرعيةٍ يمنحها الناخبون بأنفسهم.

ومن هنا أيضاً يمكن فهم التكهنات التي صاحبت التحاقه بالأصالة والمعاصرة حول إمكان وصوله إلى رئاسة الحكومة. فالفصل السابع والأربعون من الدستور ينصّ على أن يعيّن الملكُ رئيسَ الحكومة من الحزب السياسي الذي يتصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها، دون اشتراط أن يكون المعيَّن أميناً عاماً للحزب. لذلك كان دخول شخصيةٍ تجمع الخبرة الحكومية والحضور الجماهيري إلى حزبٍ ينافس على المرتبة الأولى كافياً لفتح باب الاحتمالات. 


حين تجمّع الصحفيون حول فوزي لقجع داخل قصر المؤتمرات، مازحت فاطمة الزهراء المنصوري الحاضرين بأن الوافد الجديد خطف منها الأضواء. تحمل المزحة قدراً من الدلالة يفوق معناها العابر، إذ كانت المنصوري تقود حزباً يستعد لخوض الانتخابات، ومع ذلك اتجه قسمٌ كبيرٌ من عدسات الصحافيين إلى رجلٍ دخل التنظيم يومئذٍ بعدما أمضى أعواماً يصنع اسمه خارجه.

قبل مشهد حزب الأصالة والمعاصرة، بدأت رحلة فوزي لقجع من بيت مدرِّسٍ في بركان، ومرّت بمعهدٍ في الرباط، ثم بالمفتشية العامة للمالية ومكاتب مديرية الميزانية التي لا يهتم الجمهور عادةً بأسماء من يجلس فيها. ثم أضافت نهضة بركان إلى الموظف تجربة إدارة مؤسسةٍ يراقبها جمهور. ومنحته الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم جمهوراً بحجم بلدٍ، وفتح أمامه الاتحادان الدولي والإفريقي لكرة القدم شبكة علاقاتٍ تتجاوز حدود بلاده، قبل أن تأتي الحكومة فتجمع في صورته بين المسؤول التقني والمسؤول السياسي. أما ما لم تختبره هذه الرحلة بعدُ، فهو قدرة الرصيد الذي صنعته الإدارة والكرة على التحول إلى شرعيةٍ انتخابية.

اشترك في نشرتنا البريدية