بدا حديثه هادئاً وكأنه يصف يوماً عادياً، إلى أن انتقل الحديث إلى المستقبل. سألته إن كان لا يزال يخطط لحياته كما كان يفعل من قبل. طال الصمت لثوانٍ، قبل أن يجيب بجملة اختزلت ما لم تقله بقية الإجابات: "زمان كنت راسم حياتي لخمس سنين قدام. بعد ما اتخرجت بقيت بخطط للشهر الجاي. وفي الآخر مبقتش بخطط خالص، بقيت بعيش اليوم بيومه".
لم يكن محمد وحده من وصف هذا التحول. ففي مقابلاتي مع خريجين جامعيين مصريين، ظهرت الفكرة نفسها في صور مختلفة، مع اختلاف الظروف والاختيارات. فقد أعادت الضغوط الاقتصادية المتراكمة تشكيل علاقة خريجي الجامعات بالمستقبل، بعدما تقلص أفق التخطيط لدى كثير منهم من سنوات مقبلة إلى أشهر، وربما أسابيع يمكن توقعها أو تدبيرها. لم تعد قرارات العمل أو الدراسة أو الزواج أو تأسيس المشروعات تُبنى على الطموح وحده، وإنما على مقدار ما عند الفرد من يقين عن الغد. وكلما أصبح المستقبل أقل قابلية للتنبؤ، تراجعت القدرة على تأجيل العائد القريب من أجل مكسب أكبر بعد سنوات، مثل قبول وظيفة منخفضة الأجر تمنح خبرة أفضل، أو استكمال الدراسات العليا، أو بدء مشروع يحتاج إلى وقت قبل تحقيق الأرباح. وهكذا ينتقل السؤال الذي يحكم اختيارات الشباب تدريجياً مما يمكن تحقيقه بعد خمس سنوات، إلى كيفية عبور الشهر المقبل.
وتوضح بعض البيانات الاقتصادية والدراسات، لاسيما في علم الاقتصاد السلوكي، كيف يدفع عدم اليقين نحو إعادة ترتيب الأولويات وتفضيل الخيارات قصيرة الأجل. ففي كتاب "سكارسيتي [. . .]" (الندرة: العلم الجديد لامتلاك القليل [. . .])، الصادر سنة 2013، يرى الباحث الاقتصادي سيندهيل موليناثان وعالم النفس إلدار شافير أن الندرة ليست مجرد نقص في المال أو الوقت، وإنما حالة تؤثر في طريقة التفكير نفسها. فعندما يشعر الإنسان بأن موارده لا تكفي، أو تزداد ضغوط الوفاء بالالتزامات المالية، تستحوذ الاحتياجات الأكثر إلحاحاً على جانب كبير من انتباهه، وتتراجع المساحة الذهنية المتاحة للتخطيط بعيد المدى.
يصف الكاتبان هذه الحالة بمفهوم "الحيز الذهني"، أي القدرة الذهنية المتاحة للتفكير والتخطيط واتخاذ القرارات. لذلك لا يتوقف الأفراد عن التخطيط، وإنما يعيدون تعريفه. فبدلاً من التفكير في المكان الذي يريدون الوصول إليه بعد سنوات، يصبح التركيز منصباً على كيفية تجاوز الأسابيع أو الأشهر المقبلة بأقل قدر ممكن من الخسائر.
يتقاطع ذلك مع مفهوم "تكلفة الفرصة البديلة"، الذي صاغه الاقتصادي النمساوي فريدريش فون فيزر في كتابه "ثيوري دير جيزيلشافتليشن فيرتشافت" (نظرية الاقتصاد الاجتماعي) الصادر بالألمانية سنة 1914. ويقصد به قيمة الفرصة التي يتخلى عنها الفرد عند اختيار بديل معين. ففي الظروف المستقرة، قد يكون تأجيل الدخل الحالي مقابل اكتساب خبرة أو دراسة إضافية قراراً عقلانياً لأن العائد المتوقع في المستقبل يفوق التكلفة الحالية. أما عندما ترتفع تكلفة المعيشة، تصبح التضحية بالدخل الحالي أكثر كلفة، وقد تفوق منفعة العائد المتوقع في المستقبل. فلا تتراجع الطموحات، وإنما ترتفع تكلفة السعي إليها.
ولا تتحدد تكلفة الفرصة البديلة في ظروف عدم اليقين بحساب العائد المتوقع وحده، وإنما تتأثر أيضاً بالطريقة التي يدرك بها الأفرادُ المخاطرَ والبدائل المتاحة. ويشير الباحث الاقتصادي إرهان تشيليك في مقال "أَجِنِرَل أَسِسْمِنت أون ذا رول أُف أوبَرتيونِتي كوست [. . .]" (تقييم عام لدور تكلفة الفرصة البديلة في اتخاذ القرار [. . .])، المنشور سنة 2022، إلى أن إدراك الأفراد تكلفةَ الفرصة البديلة يتأثر بالتحيزات النفسية مثل تأثير طريقة العرض وتأثير التملك.
فطريقة عرض القرار قد تجعل الناس أكثر نفوراً من المخاطرة في المكاسب وأكثر ميلاً للمخاطرة في الخسائر. وتغيِّر مشاعرُ التملك والخوف من الخسارة تقييمهم البدائلَ وتجعلهم يبالغون في تقدير ما يمتلكونه مقارنةً بما لا يمتلكونه. فتصبح مثلاً الوظيفة ذات الراتب الثابت أكثر جاذبية من وظيفة تمنح خبرة أكبر لكنها أقل استقراراً. قد تُؤجل الدراسات العليا أو المشروعات الخاصة ليس لأنها فقدت قيمتها، وإنما لأن كلفتها أصبحت أعلى من قدرة البعض على تحملها في الوقت الراهن.
كذلك لا تتشكل القرارات الفردية استجابةً لهذه الضغوط بمعزل عن البيئة الاقتصادية والمؤسساتية التي تُتخذ داخلها. وفي هذا السياق، يرى عالم الاقتصاد الأمريكي دوغلاس نورث في كتابه "إنستيتيوشنز، إنستيتيوشنال تشينج [. . .]" (المؤسسات والتغير المؤسسي والأداء الاقتصادي) الصادر سنة 2012، أن المؤسسات بما تفرضه من قواعد وحوافز هي التي تعيد تشكيل البيئة التي تُتخذ داخلها القرارات الفردية. فمستويات الأجور وتكلفة السكن وإتاحة الائتمان وشروط الحصول عليه تحدد القدرة على التخطيط والأفق الزمني الذي تُبنى عليه الاختيارات.
وإذا كانت بعض نظريات الاقتصاد السياسي تفسر الكيفية التي تُنتج بها السياساتُ الاقتصادية هذه البيئةَ، فإن قراءة المؤشرات الاقتصادية في مصر في السنوات الخمس الأخيرة تساعد على فهم ملامحها وانعكاساتها على الحياة اليومية للأفراد.
وفقاً لبيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، فقد بلغ معدل التضخم السنوي العام للمدن 5.9 بالمئة في ديسمبر 2021، قبل أن يرتفع إلى 21.3 بالمئة في ديسمبر 2022، ثم إلى 33.7 بالمئة في ديسمبر العام التالي. ومع تراجع المعدل إلى 24.1 بالمئة في ديسمبر 2024، ثم انخفاضه ليصل إلى 12.3 بالمئة في ديسمبر 2025، لم يتبلور ذلك انخفاضاً في الأسعار نفسها، بل تباطأت وتيرة ارتفاعها مقارنة بالسنوات السابقة. فقد جاءت هذه التراجعات بعد فترة شهدت ارتفاعاً حاداً في معدلات التضخم، وهو ما يعني أن مستويات الأسعار تراكمياً أصبحت أعلى مما كانت عليه قبل موجة الارتفاع.
كذلك تشير بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء سنة 2026 إلى أن التضخم في مصر يتحرك في مستويات مرتفعة، مع تباين بين مكوناته. ففي يوليو 2026 ارتفع معدله العام إلى 14.9 بالمئة مقارنةً بنسبة 14.3 بالمئة في يونيو من نفس العام، وهو أعلى مستوى منذ ثلاثة أشهر. هذا الارتفاع جاء متزامناً مع زيادة أسعار الأغذية والمشروبات، التي قفزت من 5.4 بالمئة في يونيو إلى 8 بالمئة في يوليو. وفي المقابل، ظل بند الإسكان والمرافق عند مستوى مرتفع بلغ 41.2 بالمئة مع استمرار أزمة تكاليف الكهرباء والخدمات. وظل تضخم النقل قريباً من 24.5 بالمئة متأثراً بزيادات أسعار الوقود في مارس من نفس العام بين 14 و17 بالمئة. أما بنود الملابس والأحذية والصحة فقد سجلت زيادات طفيفة مقارنةً بالغذاء والسكن.
بهذا، مع ارتفاع الأسعار أو زيادة تقلبها تتراجع القدرة على التنبؤ بها، وترتفع تكلفة الخطأ ويصبح الأفراد أميل إلى اتخاذ قرارات تمنحهم قدراً أكبر من اليقين في الأجل القصير. ويظهر هذا في سوق العمل. فالكثير من خريجي الجامعات يواجهون تحديات جودة الوظائف واستقرارها ومستوى الأجور وفرص الترقي المهني. لذلك، لا يصبح السؤال: هل سأجد عملاً، وإنما: هل يوفر هذا العمل إمكانية بناء حياة مستقرة والتخطيط لما هو أبعد من نهاية الشهر. وتتضح هذه الضغوط بصورة أكبر عند النظر إلى تطور الحد الأدنى للأجور والسياسة النقدية.
ارتفع الحد الأدنى لأجور العاملين في القطاع الخاص في مصر من ألفين وأربعمئة جنيه شهرياً في يناير 2022 إلى ألفين وسبعمئة جنيه في يناير العام التالي. ثم بلغ ثلاثة آلاف وخمسمئة جنيه في يناير 2024 قبل أن يقفز إلى ستة آلاف جنيه في مايو 2024، ثم سبعة آلاف جنيه في مارس من العام اللاحق. أما العاملون بالقطاع العام فقد ارتفع الحد الأدنى لدخلهم من سبعة آلاف جنيه في يوليو 2025 إلى ثمانية آلاف جنيه في يوليو 2026. لكن الزيادة في الحد الأدنى من الأجور لا تعني بالضرورة تحسن القوة الشرائية مع تراجع قيمته تحت ضغط التضخم.
في الوقت نفسه، اتبع البنك المركزي المصري سياسة نقدية انكماشية لمواجهة التضخم، فحافظ على مستويات مرتفعة لأسعار الفائدة، قبل أن يبدأ خفضها تدريجياً مع انحسار الضغوط التضخمية، وفقاً لبيانات موقع "تريدينغ إيكونوميكس" المنشورة سنة 2026.
وتتصل هذه التحولات الاقتصادية الأوسع مع ما توضحه المتخصصة في علم الاجتماع، منى زيادة، في دراستها سنة 2024، التي تناولت مقولات عالم الاجتماع الألماني أولريش بيك عن مجتمع المخاطر. إذ تشير إلى أن المجتمعات الحديثة أصبحت تواجه مخاطر متزايدة تتجاوز قدرة الأفراد على التنبؤ والسيطرة الكاملة عليها، وأن اتساع نطاق هذه المخاطر يعيد تشكيل الطريقة التي يتعامل بها الأفراد والمؤسسات مع المستقبل. وضمن هذا المنظور، يمكن قراءة قرارات العمل أو الزواج أو الاقتراض أو الاستثمار في الهجرة استجاباتٍ مختلفةً لمحاولة إدارة مستقبل أقل قابلية للتنبؤ.
وللاقتراض في هذا الإطار معنى يتجاوز كونه وسيلة لشراء سلعة أو خدمة. فالقرض يعيد توزيع المستقبل، وحين يلتزم الفرد بسداد أقساط تمتد سنواتٍ، يصبح جزء من دخله المستقبلي مرتبطاً بالتزامات حاضرة. وهو ما قد يقلص قدرته على تغيير عمله أو تحمل مخاطرة مهنية أو الاستثمار في مشروع يحتاج سنوات قبل أن يحقق عائداً. وبذلك تصبح المحافظة على دخل منتظم وسيلة لإدارة المخاطر المرتبطة بالمستقبل، لا مجرد تفضيل للاستقرار الوظيفي. وتعيد أنظمة التقسيط والتمويل الاستهلاكي تنظيم الزمن الاقتصادي للأفراد بربط جزء من دخولهم المستقبلية بقرارات اتُّخذت في الحاضر.
نشأ محمد في أسرة محدودة الدخل بمنطقة الطالبية في محافظة الجيزة، وكان لوالده مخبزٌ صغيرٌ. ومثل غيره من زملائه كان يستعد لبداية حياته المهنية بوظيفة مستقرة تتيح له لاحقاً التفكير في الزواج وتكوين أسرة. وعلى مدار سنة ونصف تنقل بين مقابلات العمل وأرسل سيرته الذاتية إلى شركات مختلفة، لكنه واجه، وفق حديثه مع الفراتس، إما اشتراط خبرة سابقة، أو عروضاً برواتب منخفضة لا يراها كافية لبناء حياته. في النهاية، ذهب للعمل مع والده في مخبز الأسرة، ليشعر بأن السنوات التي قضاها في الجامعة لم تعد تقوده إلى المستقبل الذي رسمه لنفسه.
أخبرنا أن العمل في المخبز وفر له دخلاً يومياً، لكنه لم يكن بداية المسار الذي تخيله بعد التخرج. كان يحصل على نحو مئة جنيه في اليوم، والأهم أن وجوده في مخبز والده لم يشعره بأنه دخل فعلاً إلى سوق العمل. يقول إنه ظل عالقاً في المرحلة نفسها التي كان يفترض أن يتجاوزها بعد الجامعة: "كنت حاسس إن أبويا بيديني مصروفي في شكل مرتب علشان ميزعلنيش". ومع الوقت لم يعد يقيس الزمن بالطريقة نفسها قبل التخرج.
لم تكن الهجرة حلماً قديماً لمحمد، ولا مشروعاً استعد له على مدى سنوات. ظهرت الفكرة تدريجياً بعد الفترة الطويلة التي قضاها في البحث عن عمل بلا جدوى، ومع شعوره بأن العمل في مخبز والده لا يمنحه المسار الذي توقعه بعد التخرج. لم يكن قد تعلم لغة أجنبية أو تابع فرص العمل في الخارج، لكنه بدأ يسمع من أصدقائه عن السفر عبر البحر تهريباً، فتحول الأمر مع الوقت من مجرد حديث إلى احتمال عملي للخروج من وضعه الحالي. وبدلاً من أن يسأل نفسه عما سيفعله بعد خمس سنوات، أصبح يفكر في تكلفة الرحلة وكيفية تدبيرها.
استدان مبالغ متفرقة من معارفه وأصدقائه حتى جمع المال اللازم، لكنه يتذكر أن أصعب ما واجهه لم يكن البحر، بل اللحظة التي وقف فيها أمام والدته قبل السفر. يقول: "كانت أمي عايزة تمنعني بأي طريقة، وأنا لأول مرة أتمنى أسمع كلامها ومش قادر". وبعد رحلة البحر المحفوفة بالمخاطر وصل محمد إلى إيطاليا، ليواجه بعد ذلك إجراءات معقدة للحصول على وضع قانوني، وما يرافقها من انتظار وعدم يقين. انصب تركيزه بعد ذلك على إيجاد عمل وتأمين احتياجاته وسداد الديون التي اقترضها لتمويل سفره، بدلاً من التفكير في الوظيفة والترقي والزواج والسكن، وهي الأسئلة التي كانت تشغله قبل التخرج.
قد تبدو قصة محمد في ظاهرها قصة هجرة غير نظامية، لكنها في جوهرها قصة عن تقلص الأفق الزمني. فعندما يفقد الإنسان ثقته في أن السنوات المقبلة يمكن أن تحمل تحسناً تدريجياً، يصبح اتخاذ قرار شديد الخطورة أقل غرابة مما يبدو. لم يبحث محمد عن مغامرة، بل عن نقطة جديدة يستطيع أن يبدأ منها مرة أخرى.
لا يدفع ضيقُ الأفقِ الجميعَ إلى مغادرة البلاد، لكن قد يتخذ شكلاً آخر. هذا ما حدث مع نيرة إبراهيم، التي تنتمي إلى أسرة متوسطة الدخل في مدينة المنصورة. إذ بعد تخرجها من كلية التمريض سنة 2024 انتقلت إلى القاهرة والتحقت بالعمل في معمل تحاليل، وهناك تعرّفت إلى أحمد الذي يعمل في المكان نفسه وقررا الزواج. لم تكن أسرتها قادرة على تمويل بداية حياتها الزوجية بالكامل، لذلك اعتمدت خطتهما على دخليهما وما يمكنهما ادخاره بنفسيهما.
على محدودية دخليهما، اعتقدا بدايةً أن عامين من الادخار المنتظم سيكونان كافيين للزواج. تقول للفراتس: "إحنا اتخطبنا وقلنا سنتين بالكتير ونبقى جاهزين". كانت نيرة تعمل فترات عمل طويلة، ويعمل أحمد بنظام الفترات المتناوبة، لكن راتبيهما لم يكونا مخصصين لهذا الهدف وحده. إذ كانت نيرة ترسل جزءاً من دخلها إلى أسرتها في المنصورة، بينما حاول أحمد شراء دراجة نارية تساعده على زيادة دخله وتغطية بعض التزاماتهما. وهكذا، كان ما يتمكنان من توفيره يتوزع بين احتياجات الحاضر والاستعداد للمستقبل.
بمرور الوقت، اكتشفت نيرة أن المشكلة ليست بحجم مدخراتهما وحسب، وإنما بارتفاع الأسعار بوتيرة أسرع من قدرتهما على جمع المال. فكلما اقتربا من شراء أحد احتياجات البيت، وجدا أن تكلفته ارتفعت وأن عليهما البدء في الادخار من جديد. تقول: "فضلنا نحوش علشان نجيب غسالة، ولما جمعنا الفلوس لقينا سعرها بقى أضعاف. ساعتها حسيت إننا مش بنجري ناحية الجواز إحنا بنجري ورا الأسعار".
الغسالة تمثل جزءاً صغيراً من تكاليف الزواج والسكن، لكنها كانت اللحظة التي أدركت فيها نيرة أن شراء الاحتياجات واحدة تلو الأخرى لم يعد ممكناً وفق حسابات ثابتة. فبدلاً من مناقشة موعد الزفاف أو شكل البيت، انشغلا بما يمكن الاستغناء عنه ومدة الانتظار الإضافية. وتأجل الزواج مرتين بعدما تبين أن المبلغ الذي جمعاه لم يعد كافياً، فتحولت خطة العامين إلى مدة مفتوحة بلا موعد واضح للبداية. تضيف: "نفسي بعد خمس سنين أكون متجوزة. مش طالبة أكتر من كده".
مع اختلاف مسارهما، انتهى محمد ونيرة إلى نتيجة مشابهة. لم يعد أيّ منهما قادراً على بناء قراراته على مستقبل يمكن توقعه. أما أدهم رامي فبدا للوهلة الأولى في حديثه مع الفراتس مختلفاً. إذ ظل يخطط للسنوات الخمس المقبلة، لكنه لم يعد يرى إمكانية تنفيذ خطته في مصر، وفكر في بلد آخر يستطيع أن يبني حياته فيه. تخرج أدهم من كلية الطب بالقصر العيني سنة 2023، وأنهى سنة الامتياز ثم خدمته العسكرية، قبل أن يدخل سوق العمل طبيباً دون أن يمر بتجربة البطالة التي عاشها محمد.
يعيش أدهم مع أسرته التي تنتمي إلى طبقة غنية بمنطقة مصر الجديدة في القاهرة، ما وفر له قدراً من الأمان المادي والاجتماعي. لذلك بدا مساره واضحاً في البداية، الاستقرار في العمل، وزيادة دخله تدريجياً والادخار لشراء شقة وسيارة، ثم الزواج وتكوين أسرة. لكن دخوله الحياة العملية دفعه إلى مراجعة هذه الخطة من أساسها. وجد أن دخله حتى مع زيادته مستقبلاً لن يتيح له مستوى الحياة الذي يتطلع إليه، وأن شراء شقة أو الارتباط بأقساط طويلة الأجل قد يحبسه في مسار لا يثق أنه سيقوده إلى ما يريد. يقول للفراتس: "أنا خايف أصحى بعد عشر سنين ألاقي نفسي لسه واقف في نفس المكان".
لذلك غيّر أدهم وجهته. فبدلاً من تخصيص مدخراته لمقدم شقة أو سيارة، بدأ يبحث عن فرص تتيح للأطباء المصريين استكمال مسارهم المهني في الخارج. وقاده بحثه إلى ألمانيا، ويتطلب العمل طبيباً هناك تعلم اللغة الألمانية، واستكمال إجراءات الاعتراف بالمؤهل الطبي واجتياز الاختبارات اللازمة. أصبح هذا الطريق جزءاً من حياته اليومية فبعد انتهاء عمله في المستشفى، يدرس اللغة ويستعد لامتحانات المعادلة ويترجم أوراقاً، ويتابع إجراءات السفر وفرص العمل في المستشفيات الألمانية. كذلك يخصص جزءاً من دخله لدورات التدريب والاختبارات وتجهيز المستندات.
يقول: "صحابي بيجمعوا مقدم شقق بتزيد كل شوية [. . .] أنا كل فلوسي بتروح على كورسات [دورات تدريب] اللغة والمعادلة. أنا لو هحط مقدم شقة هربط نفسي بمكان أنا أصلاً مش شايف مستقبلي فيه". ويتابع: "أنا الوحيد تقريباً في صحابي اللي بيخطط لسنين كتير قدام [. . .] بس السنين دي مش في مصر".
وتبدو تجارب الشخصيات الثلاث أقرب إلى النوع الثاني. فمحمد لا يستطيع تقدير فرص نجاح رحلته، ونيرة لا تعرف متى تستقر الأسعار، وأدهم لا يضمن أن إنفاقه على اللغة والمعادلة سينتهي بفرصة عمل في ألمانيا. لذلك يتخذ كل منهم قراره دون أساس واضح لمقارنة العائد المتوقع بالتكلفة المحتملة. وتختلف قدرة كل واحد منهم على التعامل مع عدم اليقين باختلاف مواردهم. احتاج محمد إلى دخل فوري حتى لو جاء على حساب مساره المهني على المدى البعيد، بينما أتاح الدعم المادي والاجتماعي لأدهم استثمار الوقت والمال في تعلم اللغة والبحث عن بديل قبل حسم قراره. ووجدت نيرة نفسها بينهما، فلم تسمح لها مواردها بتحمل مخاطرة السفر، ولم تمنحها ظروفها فرصة تغيير مسارها كاملاً، فاختارت تأجيل الزواج مع التمسك به.
لكن اختلاف الطرق التي سلكها كل منهم لا يلغي أن القلق من المستقبل غير كذلك القواعد التي كان الناس يبنون عليها حياتهم، والطريقة التي يفهمون بها مسؤوليتهم. وضمن هذا السياق، تلتقي القصص الثلاث مع ما طرحه عالم الاجتماع الألماني أولريش بيك في كتابه "ريسك سوسايتي [. . .]" (مجتمع المخاطر: نحو حداثة جديدة)، الصادر بالإنجليزية سنة 1992. إذ يوضح كيف أدى تراجع المسارات التقليدية والضمانات الجماعية المرتبطة بالعمل والأسرة والطبقة إلى تحمّل الأفراد مسؤولية بناء سيرهم الشخصية وإدارة مخاطر قراراتهم. ولا يقتصر أثر هذا التحول على قرارات أفراد بعينهم، وإنما يظهر في خيارات جيل أوسع يمنح اليقين أولوية متزايدة، بعدما وجد نفسه أمام تراجع المسارات التي كانت تبدو، في أجيال سابقة، أكثر وضوحاً واستقراراً.
ومع استمرار هذا المسار، يصعب الجزم فيما إذا كان ذلك استجابة مؤقتة لأزمة اقتصادية أم تغيراً جذرياً في نظرة هذا الجيل إلى مستقبله. فقد يؤدي استقرار الأسعار والدخول وفرص العمل إلى استعادة القدرة على وضع خطط أطول. ومع ذلك، يمكن لتكرار الصدمات أن يرسخ عادات جديدة، فيصبح تعديل الأهداف أو تأجيلها أو نقلها إلى الخارج جزءاً معتاداً من التخطيط.

