هذا التشخيص لم يكن نتاج ترف فكري، إنما جاء نتيجة صدمة الوعي بالذات أمام الآخر. فقد أخذ الفكر العربي يسأل إبّان الحملة الفرنسية وما حملته من مواجهة مع الحداثة الغربية، لماذا تخلّفنا وتقدّم الغرب. وكانت النتيجة أن حملَ إصلاحيون عرب، من جيل رفاعة الطهطاوي وجمال الدين الأفغاني، على عاتقهم مَهمّة يقظة الأمة في مواجهة "الانحطاط". ثم ظهرت مشاريع نقد العقل العربي بطيفها الواسع والكبير، وتناوب كثير من المفكرين العرب في هذه المراحل على إعادة صياغة السؤال ذاته بأدوات متجددة.
وعلى اختلاف الإجابات، ظل افتراض حاضر في جانب واسع من هذه المشاريع، يجمع أجيالاً مستمرة ومختلفة من المفكرين، وهو أنّ الإسلام يحتاج مزيداً من العقلانية، وبأن علة المسلمين مردها قصور في العقل وتضخم في النقل والخرافة. وقد عملت هذه "المسلّمة المفترضة" نموذجاً معرفياً يوجّه كتابات الفكر العربي والإسلامي الحديث، حتى غدا الخروج عليه صعباً.
كانت النتيجة أن حاولت معظم مشاريع الإصلاح الإسلامي، سواء في نسختها الإصلاحية أو الحركية أو القطعية مع التراث، إخضاعَ الإسلام لعملية عقلنة قاسية، انتُزعت فيها آفاقه الغيبية والوجودية لصالح عقلانية أداتية. بدت هناك حاجة إلى "كبش فداء" يُحمّل وزر الانحطاط التاريخي ويُستبعد لتطهير النسق، ولم يكن هذا الكبش سوى التراث العرفاني والتصوف الفلسفي والمخيال الغيبيّ. حتى الحركات السلفية كالوهّابية اشتركت في خلق كبش الفداء هذا متمثلاً في التصوف والخرافة. وبالتضحية بهذا المكون واستبعاده العنيف، تخيّلت الحركات الإصلاحية والفكرية أنها تعيد اكتشاف جوهر نقي يسهل تسنينه وتقنينه في معركة التحديث.
لكن، ماذا لو كانت المعضلة العميقة للإسلام المعاصر تقبع في النقيض من هذا التشخيص المألوف. أي ماذا لو كانت المشاريع الإصلاحية في الإسلام المعاصر تعاني "فائض عقلنة" لا نقصاً فيها. لعلّ التخلص من العرفان، أي التقاليد الإسلامية العرفانية، وإغلاق باب التأويل المفتوح وتضييق مساحة التعدد، كانت بمثابة إضعاف روح الإسلام وحيويّته التاريخيّة. فقد أنتجت محاولاتُ العقلنة هذه قدرةً على صياغة الهويات السياسية وإدارة المنظومات الفقهية بصرامة، ولكنها تبدو عاجزة أمام سؤال المعنى في العالم الحديث. لذا قد تستدعي مشاريع عقلنة الدين والتراث المتعاقبة مراجعةً جذرية تسائل الأسس التي قامت عليها. فثنائية العقلاني المستنير مقابل النقلي الظلامي ليست مسلّمة حتمية. وفي مقابل هذه العقلنة المستمرة، لعلّ ثمة حاجة إلى "نزع عقلنة" معرفيّة تستعيد البعد العرفاني والغيبي عله ينقذ المسلم المعاصر من جفاف العقلانية المفرطة.
كان رفاعة الطهطاوي من أوائل أولئك الذي واجهوا هذا السؤال في صيغة المقارنة المباشرة مع أوروبا. وصف الإصلاحي المصري في كتابه "تخليص الإبريز في تلخيص باريز" المنشور سنة 1834، الذي كتبه إثر بعثته إلى باريس مطلع القرن التاسع عشر، ما رآه هناك من نظام إداري وعقلانية مؤسسية ومنجزات علمية. وقد أسّس الطهطاوي بذلك تساؤلاً تردد صداه على مدى قرنين كاملين. ما الذي يجعل هذا النظام ممكناً هناك، فيما نظيره الإسلامي عاجزٌ عن إنتاج ما يشبهه؟
ولم يكن الطهطاوي نفسه من صاغ إجابةً حاسمةً عن هذا السؤال، فكتابه كان أقرب إلى السجل المُعجَب بما رآه منه إلى أطروحةٍ تشخيصية. كانت صيغة السؤال ذاتها، بمجرّد أن طُرحت على هذا النحو المقارن، تحمل في بنيتها الداخلية ميلاً نحو الإجابة التي شاعت لاحقاً على ألسنة من جاءوا بعده. إن ما يميز الغرب هو عقلانيته، وأن ما يُقيّد عالَم المسلمين هيمنة اللاعقلانية.
في هذا السياق، يقول المؤرخ البريطاني اللبناني ألبرت حوراني، في كتابه "أرابيك ثوت إن ذا ليبرال إيج" (الفكر العربي في العصر الليبرالي) المنشور سنة 1962، إن تلك الحقبة كانت بداية عصر ليبراليّة العقل العربي وانعتاقه من ربقة التقليد. ولكن برأيه فهذا "العصر الليبرالي" المزعوم يمكن قراءته حقبةً من إجابة أسئلة صيغت بلغة الآخر، حين كان هذا الآخر في أشدّ لحظاته استعماريّة وعنفاً. ومن رحم قراءة حوراني هذه وغيره من المؤرخين، شاع لاحقاً مصطلح "رجال النهضة" عن هؤلاء الرواد المصلحين، مع أنهم أنفسهم لم يصفوا ذواتهم بذلك. فالتصنيف تشكّل مفاهيميّ لاحق أُسقط على تجارب متباينة ومتنازعة، بُغية إنتاج خط زمني متماسك يشبه في منطقه الداخلي التاريخية الغربية التي نشأ في ظلها.
وإذا كانت هذه القراءة قد أعادت تأطير تاريخ الفكر العربي الحديث ضمن رواية "العصر الليبرالي"، فإن المؤرخ المغربي عبد الله العروي ذهب أبعد بقراءته. ففي كتابه "مفهوم العقل" المنشور سنة 1996، قدم نقداً يطعن في هذا "العصر" من زاويةٍ تاريخية. فالعقل الذي تبنّاه النهضويون لم يكن عندهم سوى تقنيةٍ قابلةٍ للنقل والاستعارة، مبتورةٍ عن صيرورتها التاريخية التي أنتجتها في سياقها الأوروبي. أي أن خطأهم لم يكن في طلب العقلنة ذاتها، بل في تعاملهم معها أداةً جاهزةً، دون أن يلتفتوا بالضرورة إلى التاريخ والظروف التي أنتجتها في أوروبا. وهو ما يسمّيه العروي في موضعٍ آخر "التلفيقية".
أما محمد عابد الجابري، أستاذ الفلسفة المغربي، في كتابه "الخطاب العربي المعاصر" المنشور سنة 1982، فقد وجّه في هذا الإطار نقده إلى طبيعة الخطاب العربي الحديث. وشمل بالنقد أطيافه كلها، السلفي والليبرالي والماركسي على السواء. إذ عدّها خطاباً فكرياً موجهاً لا معرفياً، يعيد إنتاج مواقف تكوّنت في القرن التاسع عشر لأغراض الدفاع، لا خطاباً ينتج معرفةً علميةً حقيقيةً بتاريخ الفكر العربي ومشكلاته.
وجاءت المراجعة الأحدث والأوسع نطاقاً لهذا التصنيف، في كتاب"أرابيك ثوت بيوند ذا ليبرال إيج [. . .]" (الفكر العربي بعد العصر الليبرالي)، المنشور سنة 2016 وحرره المؤرخان جين هانسن وماكس وايس بمشاركة عدد من المتخصصين في التاريخ والفكر العربي الحديث. طعنت هذه المراجعة لا في مضمون الفكر النهضوي، بل في التصنيف التاريخي ذاته الذي أُسقط عليه. وقد بيّنت أن مفردة "النهضة" لم يطلقها روّادها الأوائل على أنفسهم.
بمعنى آخر، احتاج الفكر الإصلاحيّ الناشئ إلى إطار مستعار من المرجعية الغربية ذاتها التي صنعت وعيه بالأزمة، كي يفسر الأزمة الإسلامية، فاستعمل مفرداتها ومنطقها عن العقلانية والتحديث. وفي كتابه "ثقافتنا في ضوء التاريخ" المنشور سنة 1983، يصف عبد الله العروي هذه المفارقة بقسوة، ويضرب أمثلة على ذلك ببعض رموز الفكر العربي الحديث. يقول إن محمد عبده يجيب على أسئلة طرحتها الكنيسة الغربية وساجلَها مفكّرو الغرب، والزعيم السياسي المصري لطفي السيد يردد آراء جون لوك ومونتسكيو الفلسفية، وداعية التقنية الصحفي المصري سلامة موسى يردد مواعظ الفلاسفة الفرنسي أوغست كونت و الإنجليزي هربرت سبنسر.
ولم تكن استعارة هذه المفاهيم منفصلةً عن ميزان القوة الذي أحاط بالفكر العربي في تلك المرحلة، إذ باتت الذات العربية المُسلمة مهمومة بإثبات الجدارة أمام محكمة الحداثة الغربية. وأثناء محاولتها إثبات مقروءيّة ثقافتها مقارنة بالثقافة المُهيمنة ومعاييرها، شذّبت من ثقافتها ما لا تصعب قراءته أو قبوله. ومن هنا وقع الفكر الإصلاحيّ في هذه الحقبة فيما يسمّيه عالم الإناسة الفرنسي رينيه جيرار "الرغبة المحاكاتيّة" في كتابه "كبش الفداء" المنشور بترجمته العربية سنة 1998، إذ تخلق الذات الجمعية "كبش فداء" يُنقذها من شعور الإثم بالتأخر.
ووفق جيرار، حين يكون النموذج الذي نحاكي رغبته قريباً منّا، يتحوّل إلى غريمٍ ننافسه، فتنقلب المحاكاة إلى تنافسٍ، والتنافس إلى أزمةٍ تتصاعد كلما ازداد التشابه بين المتنافسَين. وقد وجد العقل النهضوي العربي نفسه أمام مفاهيم جديدة عن "الحضارة" و"العقلانية" و"التقدم" تُقدَّم قيماً كونيّة، فرغبها لأن الغرب المهيمِن نصب نفسه نموذجاً لها. دخل بذلك محاكاةً جعلت من الغرب وسيطاً لرغبته ومقياساً، ودخل معه في منافسةٍ لا يملك أن يكسبها على أرض النموذج ذاته.
وحين تبلغ المحاكاة التنافسية ذروتها وتهدّد الجماعةَ بالتفكك، تجد الجماعةُ مخرجَها في تحويل عنفها المتبادَل إلى ضحيةٍ واحدة تُحمَّل وزر الأزمة كلها. ويتوحّد الجميع على إدانتها والتضحية بها، ليُنتج هذا التوحُّد إحساساً بالتطهُّر يعيد إلى الجماعة تماسكها المفقود. ومن هذا المنظور، لربما كان "كبش الفداء" في لحظة النهضة هو التراث الغرفاني، مجموع التراث الإسلامي العرفاني والتأويلي الذي يمثّل مساءلة دائمة للمعنى، وبالتالي إنتاجه في العالم.
يظهر هذا الاتجاه بوضوح في مشروع جمال الدين الأفغاني، الذي طبع هذا التشخيص بطابع برامجيّ منظم. فقد عد علة المسلمين ليست في الإسلام ذاته، وإنما في ابتعادهم عن إسلام "حقيقي" يتّسع للعقل ويصالحه، وأن استعادة هذا الإسلام المُعقلَن هي طريق الخروج من الانحطاط.
وكذلك سعى محمد عبده إلى بناء دعوته الإسلاميّة بخطاب عقلانيّ، سواء في إعادة صياغته التوحيد الإسلاميّ في كتابه "رسالة التوحيد" المنشور سنة 1897، أو في ردوده على المستشرق الفرنسي آرنست رينان في كتابه "الإسلام والنصرانية" المنشور سنة 1902. تحدّث عبده بخطابين متوازيين، الأول داخلي موجه لأهل الملة يحاول لملمة شتاتهم بردّهم إلى "إسلام جوهرانيّ" نقيّ وصحيح، ومشّذب من شوائب الالتباس والغموض والعرفان والتصوف. والثاني خارجي اعتذاري موجه للغرب، يسعى لإثبات أن جوهر الرسالة الإسلامية عقلاني خالص يتوافق مع العقل الحديث.
وهذا التوفيق بين الإسلام والعقل عند عبده شكّل أساساً لمشروعه الفكري، الذي قام على محاولة تثبيت انسجام مفترض بين العقل والوحي، والفطرة الأخلاقية والقانون الطبيعي. فحين يبدو أن ثمة تعارضاً بين العقل والنص، يُردّ إلى سوء فهم أحد الطرفين، لا إلى تعارض حقيقي بينهما. وبهذا يصبح المطلوب إعادة فهم النص بما ينسجم مع العقل الحديث.
ومع أنّ ابن تيميّة استقرّ، قبل عبده بقرون، إلى أنّ "صحيح المنقول يوافق صريح المعقول" مواجهاً تقاليد كلامية داخليّة للمعتزلة، إلّا أن عبده طرح ذلك في سياق الضغط الحداثيّ. وبهذا دشّن عبده، الذي يمكن عدّه المهندس الأول لعقلنة الإسلام، "كبش الفداء" مبكراً. فعادى أشكال التدين العرفانية، وحاول تأويل الغيبيات حسياً ليُرضي النزعة العلموية الحديثة، مستلهماً كما يبدو من تراث المعتزلة دون أن ينتسب إليهم.
وما بدأه عبده تنظيراً فكرياً، حوله تلميذه الشاميّ رشيد رضا إلى اتجاه أوضح عبر مجلة "المنار". عملت المجلة آلة دؤوبة لفرز الصحيح "العقلاني" من الفاسد "الخرافي"، فوجّهت نيرانها نحو التصوف الشعبي والفلسفي، وحمّلته المسؤولية الكاملة لسقوط الأمة والانحدار الحضاري. وخاصة في مرحلة انقلاب رشيد رضا على نشأته التصوفيّة واتباعه منحى سلفيّاً. وخلافاً للتأريخ التقليديّ لألبرت حوراني، الذي حصر وقيَّم أعمال رشيد رضا على أنّها ليست سوى "نتائج جانبيّة لعمله الأساسي، أي كقيّم على أفكار محمد عبده"، لم يكن هذا المسار حكراً على عبده ورضا. فقد كانت معظم أفكار النهضويين والإصلاحيين العرب، نهاية القرن التاسع عشر ومطلع العشرين، تسعى حثيثاً للبحث عن إسلام "أصيل" مُجتّث من ممارساته التاريخيّة. وحين أُلغيت الخلافة العثمانيّة، ظهرت تعريفات جديدة مسيّسة للإسلام. فخلقت حالةُ البحث عن إسلام نقيّ لإثبات البراءة، ضرباً من ضروب "أسلمة الإسلام". إذ لم يعد الإسلام، بتقاليده الحيّة والمركّبة والمختلفة، كافياً، بل بما عُد عائقاً. وما كان يُعد هروباً من الأفكار الموجهة تحت مسمّى المسعى إلى الإسلام في ذاته، أصبح هو نفسه أفكاراً موجهة أعادت تعريف الإسلام "ديناً ودولة"، كما فعل مؤسّس جماعة الإخوان المسلمين حسن البنّا.
صارت النقاشات بعد ذلك عن سؤال الدولة في الإسلام، كما فعل كتاب القاضي المصريّ علي عبد الرازق "الإسلام وأصول الحكم" المنشور سنة 1925، حين جادل في أن الخلافة ليست أصلاً من أصول الإسلام. وقد انتهى الأمر بمحاكمته أمام هيئة كبار العلماء وإخراجه من زمرة العلماء وفصله من القضاء الشرعي.
ما يبدو بارزاً ضمن هذا المنحى، الظنُّ بأن العقل الإصلاحي بتخلّصه من حمولة الالتباس والتأويل العرفاني سيهبه القوة الحضارية والمنعة. لكن هذا التوجّه العقلاني المحض مهّدَ أرضية للاعتذاريات، أكثر من خلقه أساساً حقيقياً للإصلاح والانبعاث الثقافي. فقد أحالَ تحويلُ الوحي إلى "قانون طبيعي"، ومحاصرةُ الشريعة في حسابات "النفعية"، الدينَ إلى مدونة إدارية حاسمة تحدد الصواب والخطأ بطريقة آلية. وفي هذا المختبر القاسي، حيث ذُبح "الالتباس العرفاني" على مذبح العقلنة، وُضعت البذرة الأولى للإسلام الموجّه المعاصر الذي سيطر على القرن العشرين.
هذا "العنف المعرفي"، على الإسلام باسم العقل، لم يمر دون مقاومة من داخل النسق نفسه. إذ حاولت أصوات أخرى الدفاع عن ضروب أخرى من التقليد، رفضاً لتحويل الدين إلى مجرد آلة وضعية. طرحت هذه الأصوات حداثة ممكنة، وفق تعبير الكاتبة المصرية رضوى عاشور في كتابها "الحداثة الممكنة" المنشور سنة 2009، ومتصالحة مع هذا البعد العرفاني في الإسلام.
وفي الكتاب الذي حرره هانسن ووايس، تدرس أستاذة التاريخ أمل غزال فكر القاضي الصوفي يوسف النبهاني الذي عاصر عبده ورشيد رضا. إذ توضّح أن النبهاني أدرك مبكراً خطورة هذا التوجه، فاعتبر أن حركة "الإصلاح" التي قادها عبده ورضا هي المرض الحقيقي الذي يهدد بتفكيك البنية العقدية والروحية للمجتمع. لم يواجه النبهاني خصومه العقلانيين بأدواتهم المنطقية، بل استلّ سلاحاً من صميم "الالتباس العرفاني" المستبعد، هو "قصص الأحلام". استدعى المخيال الصوفي في مواجهة عقلانية أداتية أرادت أن تصادر الحق في الحيرة والتعددية، وأن تغلق باب التأويل المفتوح لصالح إسلام وظيفي أحادي البعد.
وثمة نموذج ثانٍ حاول طرح حداثة ممكنة تتجاوز محاكاة الغرب السطحية، مثّلها اللغوي والصحفي اللبناني أحمد فارس الشدياق. فقد تساءلت عاشور في كتابها عن إقصاء روايته - الأولى عربياً في القرن التاسع عشر والمعنونة "الساق على الساق في ما هو الفارياق" نُشرت سنة 1855 - من تاريخ الرواية العربية، وعن إمكان قراءة هذا النص نموذجاً لحداثة ممكنة.
ففي دراسته المنشورة في الكتاب الذي حرّره هانسن وويس، درس المؤرخ اللبناني فواز طرابلسي كيف سعى الشدياق إلى تأسيس حداثة لا تكتفي باستنساخ القشور المؤسسية الأوروبية. إذ سخر الشدياق بمرارة من نخب النهضة التي اختزلت التقدم والحداثة في مجرد التحدث باللغات الأجنبية أو تقليد أنماط العيش المديني، محذراً من أن "التعليم بلا عمل كشجرة بلا ثمار أو نهر بلا ماء". ولكن رؤيته الساخرة ونقده التمايز الطبقي، وتلاعبه باللغة العربية خارج القوالب الصحفية الجاهزة، تركه يغرد خارج السرب. وأيضاً لأن مشروعه البديل بدا مهدداً "السلم الزائف" الذي حاولت النخب الليبرالية إرساءه للتصالح مع السلطة والدولة الحديثة.
ابتعد السؤال عن تفسير الحدث إلى الحفر عن "ماهية ثابتة" للهزيمة تكمن في العقل العربيّ نفسه، وبات الانكسار العسكري في لحظةٍ تاريخيةٍ بعينها برهاناً قطعياً على خللٍ بنيويٍّ أزليٍّ في "العقل" الذي أنتج المهزومين. وفي أتون هذا المعترك، اتّجه المشتغلون بالفلسفة في العالم العربي إلى قرّاء التراث وناقديه، إثر جرح صورة الذات العربية عن نفسها وقدرتها على الفعل والتاريخ، وفق كتاب أستاذ الفلسفة التونسي فتحي المسكيني، المنشور سنة 2013.
ومع أنّ مشاريع قراءة التراث تباينت منهجياً، إلّا أنها كرّرت الفرضية الاستشراقية عن وجود "عقلٍ عربيٍّ" أو "ذهنيةٍ شرقيةٍ" ثابتة يمكن تشريحها وتصنيفها وإدانتها. ومن تلك المشاريع قراءة ماركسيّة للمؤرخ اللبناني حسين مروّة، وأخرى بنيويّة مع أعمال محمد عابد الجابري، أو أخرى ظاهراتيّة لأستاذ الفلسفة المصري حسن حنفي، أو قراءات إناسية للمؤرخ الجزائري الفرنسي محمد أركون.
وعلى تنوع القراءات، قد يمثّل مشروع الجابري النموذج الأبرز ضمن مشاريع نقد العقل العربي. فالمشروع ضخم وذو أثر فكريّ، وقد استعانت موادّه وطريقة عرضه بمنهجيات كثيرة لغويّة ونقديّة، وصدر في أربعة كتب بين سنتي 1948 و2001. قسم الجابريّ البنية المعرفية العربية إلى ثلاثة أنظمة متمايزة، البيان والعرفان والبرهان. وقدّم هذا التقسيم تشريحاً بنيوياً محايداً. فالبيان مجموع علوم اللغة والنصّ والتفسير. والعرفان دخيلٌ تسلّل إلى بنية العقل العربي من مصادر فارسيةٍ وباطنيةٍ وعرفانيةةٍ ليُفسده من داخله ويشلّ قدرته على الإنتاج. أما البرهان، في صيغته الرشدية المغاربية تحديداً، فهو طريق الخلاص الذي يجب إحياؤه وتخليصه من ركام العرفان المشرقي.
هذا التقسيم لم يبقَ عند الجابري في حدود التمييز بين أنظمة معرفية مختلفة، إذ أخذت هذه الأنظمة في تحليله تتوزع تاريخياً وجغرافياً على نحوٍ يمنح الفكر المغربي والأندلسي موقعاً مغايراً للمسار الذي اتخذه الفكر المشرقي. ويمكن القول، انتظم مشروع الجابري كله على ثنائيةٍ جغرافية حضارية مضمرة: مغربٌ عقلانيٌّ برهانيٌّ صحّي (ابن رشد، وابن حزم، والشاطبي)، في مواجهة مشرقٍ عرفانيٍّ مريض (ابن سينا، والغزالي، وابن عربي)، أو هو شرقٌ في أحسن أحواله "بياني".
بذلك أعاد الجابري إنتاج آلية إقصاء العرفان التي بدأت الطور النهضوي، ولكن هذه المرة بلبوسٍ بنيويٍّ صارمٍ يمنح الإقصاء شرعيةً علمية لم تكن متاحة لمن سَلفه. فما كان عند رضا فرزاً فكرياً موجهاً بين صحيحٍ عقلانيٍّ وفاسدٍ خرافي، صار عند الجابري فرزاً معرفيّاً مدقّقاً بين نظامٍ برهانيٍّ نقيٍّ ونظامٍ عرفانيٍّ ملوّث، مسنوداً بجهازٍ مفاهيميٍّ حديثٍ يخفي طبيعته الإقصائية تحت مظهر التحليل الموضوعي. والضحية واحدة في الحالتين، التقليد العرفاني التأويلي. وكأن العرفان قُدّر له أن يظل كبش الفداء الدائم الذي يتوارثه الخصوم على اختلاف راياتهم.
وفي هذا السياق، نصّب الجابريُ ابنَ رشد بطلاً للعقلانية العربية المنشودة. ومن المفارقات أنّ ابن رشد، من بين كل فلاسفة الإسلام، الأكثر قراءةً وتكريماً في الغرب، وقد اختارته الحداثة الأوروبية وجهاً مقبولاً ومفهوماً للفلسفة الإسلامية. أي أن الجابري، وهو يظنّ أنه يعود إلى العقل العربي في أصفى تجلياته، كان في الحقيقة يعود إلى الفيلسوف العربي الأكثر مقروئيةً عند الغرب، والأكثر قابليةً للاندراج في الرواية العقلانية الأوروبية عن تاريخ الفلسفة. فصار البحث عن الذات بحثاً عن صورة الذات كما يراها الآخر ويرتضيها. لذا كان مشروع الجابري أكثر تجليات الرغبة المحاكاتية تنكّراً، يتنكّر في زيّ العودة إلى الأصل، بينما يعيد إنتاج معايير الوسيط في اختيار ذلك الأصل ذاته.
تتضح هذه المفارقة أكثر عند خصم الجابري، الناقد السوري جورج طرابيشي، الذي أمضى قرابة ثلاثة عقود في كتابة خمسة مجلدات في "نقد نقد العقل العربي" بين سنتي 1996 و2010، لتفكيك مشروع الجابري وكشف تحيزاته المنهجية وأخطائه المعرفية ونزعته الجهوية المغاربية. وعلى ما في براعة نقد طرابيشي وصبره الطويل في تتبع تناقضات بيّنة للجابري، ظلّ واقفاً على الأرض ذاتها التي وقف عليها الجابري.
ففي كتابه "المثقفون العرب والتراث: التحليل النفسي لعصاب جماعي" المنشور سنة 1991، رأى طرابيشي أن ثمة عصاباً جماعياً لدى المثقفين العرب، مستعيناً في تشخيصه بأدوات التحليل النفسي الفرويدي. ولكن طرابيشي كان يُعيد إنتاج ما أُنتِج بالفعل، أي الإصلاح بمزيد من العقلنة الصارمة وتجفيف الإسلام مما أسماه ذات مرّة "العقل المستقيل في الإسلام". وهكذا غدا مشروع طرابيشي أسير أفق العقلنة ذاته الذي حكم الجابري وحكم النهضويين قبلهما. ويتكشف ضمن هذا أن الخصمين كانا يتنازعان بضراوةٍ على أرضٍ واحدةٍ لا يخطر لأيٍّ منهما أن يغادرها أو يسائل صلاحيتها. أرض السؤال عن عطبٍ أزليٍّ يسكن العقل العربي ماهيةً قابلةً للتشريح والإدانة.
امتدّ هذا الاستئصال العقلاني إلى المشاريع التي استعانت بعلم الإناسة والتاريخ، مثل مشروع محمد أركون في كتابه "بور أُن كريتيك دو لا ريزون إسلاميك" (نحو نقد العقل الإسلامي) المنشور سنة 1984. سعى أركون، مستعيناً بأحدث أدوات العلوم الإنسانية الغربية، إلى تفكيك مفهوم "اللامفكر فيه" (الأفكار والأسئلة التي يستبعدها الفكر الديني من مجال التفكير والنقاش) في الوعي الإسلامي، محاولاً إخضاع النص المقدس والتجربة الروحية لمبضع التاريخية الإناسية الصارمة. إلا أن مشروع أركون ظلّ مسكوناً بالهاجس الحداثي ذاته، أي عقلنة الظاهرة الدينية.
دفع أركون باتجاه نزع أي قداسة غامضة أو سحر مفارق، وكرَّس عقلانية تفكيكية بدت متعالية، وتتعاطى مع التجربة الدينية موضوعاً جامداً للتشريح المختبري والإناسي. وقد تجاهل بذلك الحاجة الوجودية إلى الالتباس الغيبي آليةً ضرورية لإنتاج المعنى، وليس مجرد عائق معرفي بدائي يجب تفكيكه وإزاحته عن طريق العقل الحديث. ومثال ذلك بحثه في القرآن والوحي، إذ لم يتعامل مع النص المقدس معطىً نهائياً مغلقاً، بل سأل عن الشروط التاريخية واللغوية والاجتماعية التي تشكّل فيها الخطاب القرآني، وعن الأسباب التي جعلت بعض الأسئلة حوله خارج حدود التفكير المشروع في التراث.
لكن هذا المسار لم يكن الطريق الوحيد إلى نقد سؤال العقل العربي. فقد رفض الأكاديمي اللبناني مهدي عامل نقل أسباب الأزمة إلى بنية ثقافية أو عقلية ثابتة، وأعاد السؤال إلى شروطها الاجتماعية والمادية. جاء ذلك في كتابه "أزمة الحضارة العربية أم أزمة البرجوازيات العربية؟" سنة 1974. كان جوهر حجته أن الحديث عن "أزمة حضارةٍ" أو "أزمة عقلٍ" إنما هو تعميةٌ فكرية موجهة تُحوّل مشكلة سياسية طبقية محددة المعالم إلى جوهرٍ مثاليٍّ مبهمٍ عابرٍ التاريخَ.
فما يُسمّى تخلفاً حضارياً، في نظره، ليس عطباً في عقلٍ جماعيٍّ يتوارثه العرب جيلاً عن جيل، ولكنه نتاج هيمنة البرجوازيات الاستعمارية التابعة التي تُعيد إنتاج التبعية والتخلف باستمرارٍ. وهذا لأن في إعادة إنتاجهما شرطَ بقائها ومصدرَ سلطتها.
رأى عامل أن صياغة السؤال على هيئة "ما خطب العقل العربي؟" هو فعلٌ فكري موجه في ذاته قبل أن يكون سؤالاً معرفياً. لأنه سؤال ينقل المسؤولية من الفاعلين التاريخيين الملموسين، أي الطبقات والقوى السياسية والمصالح المادية، إلى شبحٍ غيبيّ لا يُحاسَب أو يُقاوَم اسمه "العقل" أو "الحضارة" أو "الذهنية". وبهذا أصبح العقل العربي في تلك القراءات كبش الفداء، فهو الضحية المثالية التي تُحمَّل وزر إخفاقٍ تاريخيٍّ ماديٍّ ملموسٍ له فاعلوه ومستفيدوه، بينما تنجو القوى التي تسبّبت فيه من كل مساءلة، محتميةً وراء خطابٍ يشخّص المرض في الروح العربية ليصرف النظر عن بنيتها المادية.
لذلك، فإن استعادة الأبعاد الروحيّة والصوفيّة المركّبة يمكن عدّها رفضاً لبقاء التقليد التأويلي والصوفيّ للإسلام كبش فداءٍ يُذبح كي يُبرَّأ الحاضر من مسؤوليته.
ويتجلى هذا الانغلاق في الطريقة التي تتعامل بها العقلانية الأداتية مع ما يستعصي على القياس والتصنيف. إذ ترى الغموضَ نقصاً في المعرفة يجب سدّه، والالتباسَ خللاً منطقياً يجب تصحيحه، والتعدد فوضى يجب ضبطها. وحين تُسلَّط هذه العقلانية على تقليدٍ دينيٍّ كان يعيش وفرة المعنى وتعدد القراءة وخصوبة الالتباس مثل التقليد الإسلامي، فإنها تشرع في عملية تشذيبٍ منهجيٍّ لا تتوقف. إذ تُثبّت المتحرك، أي تحوّل المسائل القابلة للتأويل إلى إجابات محددة. وتُوحّد المتعدد، أي تختزل تعدد القراءات في قراءة واحدة. وتُغلق المفتوح، أي تحسم الأسئلة التي ظلّت موضع اجتهاد وحيرة.
بهذا يغدو الدين منظومةً مكتملةً مغلقةً على ذاتها عندها جوابٌ جاهزٌ لكل سؤالٍ ولا تحتمل سؤالاً واحداً حقيقياً. وعند هذه اللحظة يتحول الدين إلى فكر موجَّه، أي إلى نسق مغلق يفسّر كل شيءٍ من داخله ويرفض ما يتجاوزه. وهكذا ترك المشروع الإصلاحي، ربما دون أن يدري، انفتاح التقليد الديني على المجهول لصالح انغلاق النسق على اليقين، وظنّ أنه بذلك يقوّي الدين بينما كان ينزع عنه ما يجعله ديناً.
ويمكن وضع هذه العملية وفق الإطار الأوسع الذي عرَّفه عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر بمفهوم "نزع السحر عن العالم". ويعني به مسار العقلنة الحديثة في الغرب، الذي كان مسار تجريد العالم من طبقة المعنى والحضور المقدس. إذ تجعل الكون مأهولاً بالدلالة لا مجرد آليةٍ صمّاء تخضع للحساب. ما حدث للإسلام يحمل مفارقةً تزيد الأمر سوءاً، ففي الغرب صاحب نزعَ السحر انسحابُ الدين إلى المجال الخاص وقيامُ العلمانية، فصار العالمُ منزوعُ السحر عالماً دنيوياً صريحاً. أما في حالة المشاريع الإصلاحية الإسلامية فقد نُزع السحر عن الدين ذاته مع الإبقاء عليه ديناً. فقد نتج دينٌ منزوع السحر، يحتفظ بكل سلطة الدين وإلزامه، ولكن دون قدرته على الإلهام الروحي وإنتاج المعنى. منظومةٌ تطلب الطاعة باسم المقدس، بعدما أفرغت المقدس من مضمونه.
في منحى مشابه، في مقالته "ذا آيديَز أُف آن أنثروبولوجي أُفْ إسلام" (فكرة علم إناسة الإسلام) المنشورة سنة 1986، يقدّم عالم الإناسة طلال أسد مفهومه عن الإسلام "تقليداً خطابياً". فهو ليس محض نصٍّ مغلقٍ أو جوهرٍ ثابت، ولا هو مجرد ما يفعله المسلمون كيفما اتفق. بل هو تقليدٌ من الخطاب والممارسة يتوجّه إلى النصوص المؤسِّسة من قرآنٍ وحديثٍ ويعيد تأويلها باستمرار في ضوء الحاضر. فيمضي في سلسلةٍ حيةٍ من الحِجاج المتصل، يحتل فيها الخلاف والتنازع حول التأويل موقعاً مركزياً. ومن ثم لا تكون الأصولية هنا مضموناً ثابتاً محدّداً سلفاً، بقدر ما تكون علاقة قوةٍ وسلطةٍ تتحدد بالصراع على التأويل الصحيح. لم يكن المعنى في الإسلام مخزوناً في نصٍّ يُستخرج منه آلياً، بقدر ما كان يُنتَج في فعل الاشتباك المتجدد مع النص عبر الأجيال.
عاش الإسلام قروناً في هذا الثراء الخطابي. ووفق كتاب الأكاديمي الألماني توماس باور "ثقافة الالتباس" المترجم للعربية سنة 2017، فإن الحضارة الإسلامية امتلكت قدرةً استثنائيةً على احتمال الالتباس والتعايش معه حدّ الاحتفاء به. تعايشت القراءات القرآنية المتعددة دون أن يسعى أحدٌ إلى توحيدها في قراءةٍ واحدة، وتعايشت المذاهب الفقهية الأربعة - وأكثر - دون أن يُطلب حسمها في مذهبٍ أوحد. وتجاورت العلوم العقلية والنقلية في توترٍ خلّاقٍ لا في صراعٍ إقصائي. لم يكن هذا التعدد في نظر باور علامة تخلفٍ أو فوضى، إنما مثّل تحديداً مصدر حيوية تلك الحضارة وقدرتها على إنتاج المعنى في مساحاتٍ واسعةٍ من الغموض المثمر. القطيعة الحقيقية التي أحدثتها الحداثة كانت في تقليص هذه القدرة على احتمال الالتباس. أي أن ما افتقدته مشاريع عقلنة الإسلام المعاصر، لم يكن معرفةً بعينها، وإنما قدرة نسختها من الإسلام على أن تكون فضاءً يتّسع للمتناقضات دون اشتراط حلّها.
كان تعدد المعنى واحتمال الالتباس واضحاً في نماذج بعينها ضمن التقليد الإسلامي. فحين بنى محيي الدين ابن عربي منظومته التأويلية، لم يكن يقدّم تفسيراً نهائياً للنص يُغلق باب القراءة. بل جعل من النص مرآةً تُضاعف المعنى إلى ما لا نهاية، ليصبح كل تجلٍّ للحقيقة باباً إلى تجلٍّ آخر، ويظل المعنى في حركةٍ دائمةٍ لا تستقر على حدٍّ نهائي. ولم يكن هذا عبثاً تأويلياً أو استهتاراً بالنص كما يتّهمه كثيرون - ومنهم ابن تيمية والشافعي وبرهان الدين البقاعي - وإنما إدراكاً عميقاً بأن النص المقدس لا يمكن أن يُحاط به في قراءةٍ واحدة.
أمّا عالم الفقه والكلام أبو حامد الغزّالي، فقد رفض اختزال تجربة الإيمان في منظومةٍ فقهيةٍ مغلقة. إذ ميّز بين علم المعاملة وعلم المكاشفة، وأبقى للتجربة الروحية باباً لا يُغلقه المنطق ولا يحيطه الحكم الفقهي. اشتغل التقليد الإسلامي في لحظاته الأكثر إبداعاً بآليةٍ تناقض آلية العقلنة الحديثة. فبدل أن يسعى إلى تثبيت المعنى وحسمه، حرص على إبقائه مفتوحاً متجدداً.
ليست الدعوة إلى استعادة "الالتباس العرفاني" حنيناً إلى ماضٍ ذهبيٍّ متخيَّل، أو تكراراً لما فعله النهضويون حين حاولوا استعادة "الإسلام الحقيقي". ولكنها دعوة إلى استعادة نمطٍ من العلاقة بالنص والعالم، تقبل الالتباس والحيرة والانفتاح على التأويل والتعدد. وقد نبّه الألماني مارتن هايدغر إلى أن التفكير التقني، أو بتعبيره التفكير الحاسِب، الذي يرى في كل موجودٍ مادةً قابلةً للاستخدام والقياس، يطرد التفكير القائم على الكينونة الذي ينفتح على معنى الوجود وسرّه. وحين يُسقَط هذا النمط من العقلنة على الدين، فإنه يحوّله من ملاذٍ وجودي يواجه فيه الإنسان تناهيه وقلقه أمام المجهول، إلى مدوّنةٍ إداريةٍ تحدّد الصواب والخطأ آلياً.
وتأخذ هذه الفكرة شكلاً أكثر تحديداً في محاولة الباحث في الدراسات الإسلامية الباكستاني الأميركي، شهاب أحمد، إعادة توسيع مفهوم الإسلام ليشمل أنماطاً من التجربة والتأويل استبعدتها القراءات الحديثة الضيقة. ففي كتابه "وَت إز إسلام؟ [. . .]" (ما هو الإسلام؟ مغزى أن تكون مسلماً) المنشور سنة 2015، دافع عن تعريفٍ للإسلام واسعٍ بما يكفي ليستوعب الفلسفة والتصوف وشعر الخمر والتصوير والتأويل الباطني. أي كل ما استبعدته التعريفات الحديثة الضيقة التي حصرت الإسلام في الشريعة والحكم.
يقوم تصوّر أحمد على أن الانخراط في الإسلام إنما هو انخراطٌ تأويليٌّ مع ثلاثة مستويات متضافرة، "ما قبل النص" و"النص" و"السياق". ولا يمكن، حسب أحمد، الاقتصار على حلقة واحدة من الحلقات الثلاث لتفسير ظاهرة ما على أنها "إسلامية". ويفسّر بهذا التقسيم كيف استطاع الفيلسوف والمتصوف والشاعر أن ينتجوا معنىً إسلامياً أصيلاً دون أن يمرّوا بالضرورة بحرفية النص وأحكامه. إذ كانوا ينفذون إلى تلك الحقيقة التي يشير إليها الوحي من طرقٍ أخرى، غير طريق الفقه والتفسير الحرفي.
ومع ذلك، فإن سعي أحمد إلى تعريفٍ يتّسع لكل شيءٍ، ويحتضن كل تناقضٍ، يدفعه أحياناً إلى حدٍّ يفقد فيه التعريف الواسع قدرته على تحديد الظاهرة. وهو إذ يهرب مما يسميه "الأصولية"، فهو يقترب من تعريفٍ بالسلب أشبه بالعقيدة السلبية، وهو تقليد يعرّف الله بما لا يمكن أن يكونه، لأنّه يتجاوز قدرة الإنسان على وصفه وتحديده. فيعرّف الإسلام بما ليس هو، أو بما يتجاوز كل تحديد.
وقد اتفق على هذا التحويل أفكار الإسلام السياسي والحركي وتوجهاته مع نماذج الدولة الوطنية التي كرّست "إسلام الدولة" المنضبط والمنظم والمعترف به. فحصرت الفتوى في جهاز إداري حكومي، وألغت تعقيد الشريعة وتركيبها الأخلاقيّ والحيويّ. وهكذا، تحول الفقه من محاولة مستمرة وقلقة وغير مكتملة لبلوغ مراد الله، إلى قانون إداري يُراد له أن يُسير الدولة أو يشرعن الإسلامويّة الحديثة، ولا يعترف بالظرف الوجودي للفرد.

