بين الحاجز والجسد والذاكرة.. كيف صورت السينما معنى الزمن الفلسطيني

تعكس أفلام "عمر" و"أميرة" و"فالس مع بشير" كيف يصبح الزمن جزءاً من الصراع على الأرض في فلسطين.

Share
بين الحاجز والجسد والذاكرة.. كيف صورت السينما معنى الزمن الفلسطيني
اتجاهاتٌ متصلةٌ للسيطرة على الزمن | تصميم خاص بالفراتس

يفتتح فيلم "عمر" بمشهد كتلةٍ خرسانيةٍ شاهقةٍ تمتد حتى تكاد تتوارى في الأفق، تعلوها أبراج المراقبة وتغطيها رسوم الغرافيتي. يتحرك عندها شابٌ يستعد للقفز، وآخر ينتظر، وثالثٌ يسير بمحاذاتها. يثبت الجدار في موضعه وتتبدل الشخصيات من حوله، كأنه أول شخصيةٍ يقدّمها المخرج الفلسطيني هاني أبو أسعد. ومع توالي المشاهد، يتطور الجدار من خلفية الأحداث إلى شرطٍ سابقٍ لكلّ حركةٍ وموعدٍ وعلاقة.

منذ شيدت الحكومة الإسرائيلية الجدار العازل في مطلع القرن الحادي والعشرين وهو شاهدٌ على تقطيع الأرض وعزل المدن وإعادة رسم الجغرافيا الفلسطينية. وسوى أثره المكاني ينتج الجدار أثراً زمنياً أيضاً. فطريق عمر مجسوسةٌ بأعين مراقبة الجدار، وتستطيل رحلته ساعاتٍ مُضافةً قسراً، وليس له حسبانها مسبقاً. قد يمنع الجدار من الوصول أحياناً، لكنه يحدد وقت الوصول دائماً. 

تكشف هذه المفارقة عن وجهٍ مواربٍ من وجوه السيطرة الإسرائيلية. فالاحتلال الذي يتحكم في الأرض والموارد والحركة، يسعى لارتهان الزمن أيضاً. فهو الطرف الذي يحدد موعد العبور والإفراج، وأن يمنح المهلة أو يمددها، وأن يؤجل مواجهة الماضي ثم يختار كيف يستعيده. أما الطرف الآخر، فيرتب يومه ومستقبله وعلاقاته على مواعيد عصيّةٍ واحتمالاتٍ لا يستطيع حسابها.

تقدّم أفلام "عمر" المنتَج سنة 2013، و"أميرة" المنتَج سنة 2021، و"فالس مع بشير"، المنتَج سنة 2008، ثلاثة أوجهٍ مختلفةٍ لهذا التفاوت. يضع "عمر" المستقبل تحت سلطة الحاجز والسجن والابتزاز، ويمدّ "أميرة" زمن الأسر إلى الجسد والنسب والأسرة، أما "فالس مع بشير" فيتتبع جندياً إسرائيلياً تعيده ذاكرته إلى ماضيه، بعد أكثر من عشرين عاماً على مجزرة صبرا وشاتيلا، ليبين قدرة الطرف الأقوى على تأجيل مواجهة العنف وإعادة سرده من داخل ذاكرته. ترسم الأفلام معاً قوساً يمتد من المستقبل إلى الماضي، لكنها تقف في مواقع مختلفةٍ من الصراع. 


تلتقي الأفلام الثلاثة عند ثلاثة أبعادٍ زمنيةٍ في الصراع. مستقبلٌ يصعب بلوغه، ومستقبلٌ أسريٌ يُحاول الفلسطيني انتزاعه من سجنٍ يعلّق حياة الأسير ويحاصره داخل حاضرٍ ممتدٍّ، وماضٍ يملك الطرف الأقوى أدوات استحضاره وتنظيمه. وتتيح قراءتها معاً رؤية أثر السيطرة على الزمن في الحركة والعلاقات والذاكرة، إذ يحوّل كلّ فيلمٍ فكرةً مجردةً إلى تجربةٍ يعيشها أبطاله في تفاصيل يومهم.

يروي فيلم "عمر" حكاية خبازٍ فلسطينيٍ يتسلق الجدار ليصل إلى حبيبته ناديا وصديقيه طارق وأمجد. وبعد عمليةٍ يقتل فيها أمجد جندياً إسرائيلياً، تعتقل القوات الإسرائيلية عمر وتنتزع منه عبارةً تدينه، ثم يساومه المحقق رامي على الإفراج عنه مقابل التعاون للوصول إلى طارق. منذ تلك اللحظة، تتحول المواعيد والرسائل والمُهَل التي يمنحها رامي إلى أدواتٍ للهيمنة، فكلّ تأخيرٍ يفتح باباً للشبهة، وكلّ وعدٍ بالمستقبل يظل مشروطاً بإرادة المحقق.

أما فيلم "أميرة"، الذي أخرجه محمد دياب، فيروي حكاية أسرةٍ تحاول مواصلة حياتها خارج زمن السجن. وُلدت أميرة من نطفةٍ هرّبها أبوها الأسير نوار من سجنه حسبما تعتقد الأسرة. ثم يقترح نوار تكرار المحاولة لإنجاب طفلٍ ثان. يخضع القرار لنافذةٍ تسمح بها إجراءات السجن قد تُغلق يوماً ما، فتحاول الأسرة انتزاع حقّها في صنع المستقبل من مؤسسةٍ تتحكم في الزيارة واللقاء والإنجاب. ويقلب اكتشاف عقم نوار عن قصة نسب أميرة، وينقل الفيلم في جزئه الأخير إلى أزمة الهوية والانتماء.

في الجانب الإسرائيلي يختلف مفهوم الزمن. يبدأ فيلم الرسوم المتحركة الإسرائيلي "فالس مع بشير"، الذي أخرجه آري فولمان، من فجوةٍ في ذاكرة جنديٍ شارك في حرب لبنان سنة 1982. يستعيد فولمان ذكرياته عبر أحلامٍ ومقابلاتٍ مع رفاقه، حتى يصل إلى مجزرة صبرا وشاتيلا. يضع الفيلم الرحلة النفسية للجندي الذي نفذ المجازر في مركز الحكاية، ويؤجل ظهور الضحايا إلى نهايتها. فالجندي يؤجل مواجهته أكثر من عشرين عاماً، ثم يعود إلى الحدث من داخل تجربته النفسية حين تسمح ذاكرته.

ترسم الأفلام قوساً زمنياً يمتد من المستقبل إلى الماضي. يضع "عمر" الحياة اليومية تحت سلطة موعدٍ يحدده الاحتلال، وينقل "أميرة" هذا التحكم إلى زمن الأسرة والهوية، ثم يكشف "فالس مع بشير" عن امتياز الفاعل في اختيار لحظة العودة إلى التاريخ وطريقة روايته. ومن خلال هذه المستويات الثلاثة، يظهر الزمن أداةً للهيمنة تؤثر في الحركة والعلاقات والذاكرة.


تمنح الحواجز الجنود سلطة تحديد وقت الوصول والانصراف. فالفلسطيني يخطط لرحلةٍ يعلم مسافتها لكنه لا يعلم مدّتها بسبب احتمالات التفتيش والإغلاق والانتظار، ومن ثم تتحول السيطرة على المعبر إلى سيطرةٍ على ترتيب يوم الفلسطيني كلّه. فمثلاً، في تقريرٍ لوكالة أسوشيتد برس بعنوان "إن ذا وست بانك: مور إزرايلي تشيكبوينتس" (في الضفة الغربية: مزيد من الحواجز الإسرائيلية) نُشر سنة 2025 يقول المصرفي النابلسي عبد الله فوزي أن مدة الطريق إلى رام الله زادت من ساعةٍ إلى أربع ساعاتٍ بسبب الحواجز. 

ويقيد هذا التأجيل زمن الفلسطينيين جماعاتٍ ووحداناً. ففي شهادةٍ نشرها مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة "بتسيلم" سنة 2011 بعنوان "تيتشر فروم جوردان فالي تيلز أوف ديلي ديلايز" (مدرس من الأغوار يروي التأخير اليومي)، وصف المدرس خيري تعطيل الحاجز طريقه إلى مدرسةٍ في شمال الضفة الغربية. زحزح تأخر المدرس بداية الحصة واقتطع من زمنها المخصص. فتحولت دقائق الانتظار من زمنٍ ضائعٍ من عمر المدرس إلى زمنٍ ضائعٍ من تعليم الصف كلّه. 

ترتفع تكلفة احتلال الزمن على المرضى. فقد نقلت منظمة هيومن رايتس ووتش، في تقريرها "وومان دايز أفتر تشيكبوينت ديلاي" (وفاة امرأة بعد تأخير عند حاجز) المنشور سنة 2015 رواية نجلي فلسطينيةٍ في الخامسة والستين عانت مشكلاتٍ في التنفس. وقالا إن حاجزاً للشرطة أخّر السيارة التي أقلّتها فتوفيت قبل الوصول للمستشفى. ويبين تقرير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "موفمنت آند أكسس إن ذا وست بانك" (الحركة والوصول في الضفة الغربية) الصادر في أغسطس 2023 أن 93 بالمئة من عمليات نقل المرضى بسيارات الإسعاف إلى القدس الشرقية خلال سنة 2022 تأخرت بسبب إجراء "باك-تو-باك"، أي نقل المريض عند الحاجز من سيارة إسعافٍ فلسطينيةٍ إلى أخرى تحمل ترخيصاً إسرائيلياً. 

ربطت دراسات السلطة الحديثة بين ضبط الزمن وضبط الجسد. ففي كتاب الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو "سورفييه إيه بوني" (المراقبة والمعاقبة) الصادر سنة 1975، تعمل الجداول والمراقبة وتقسيم اليوم على إنتاج أجسادٍ منضبطة. ويأخذ ضبط الزمن عند الحاجز صورةً قائمةً على عدم اليقين، إذ يحتفظ الطرف المسيطر بسلطة فتح الطريق وإغلاقه وتحديد وقت العبور، فيما يرتب الفلسطيني يومه وفقاً لاحتمالات الانتظار والتأخير. يفرض الحاجز بذلك انضباطاً قوامه الاستعداد الدائم لموعدٍ مجهول.

تمنح هذه السياقات المشهد الافتتاحي في "عمر" معناه الأوسع. يفصل الجدار بين البيت والمخبز وبين عمر وناديا، ويجعل كل حركةٍ مرهونةٍ بفرصةٍ للعبور. وتنتقل سيطرته على لحظة الوصول، في بقية الفيلم، إلى سلطة المحقق على موعد الحرية وعلى الشروط التي تتيح لعمر استعادة حياته.


تقوم السيطرة الزمنية في "عمر" على مستقبلٍ مشروط. تبدو حياة عمر مليئةً بالحركة، فهو يتسلق الجدار، ويجري هرباً من الجنود، ويلتقي ناديا سرّاً. وتظل هذه الحركة محكومةً بمُهَلٍ يحددها طرفٌ آخر، فتقوده كل خطوةٍ إلى موعد عبورٍ، أو إفراجٍ مشروطٍ، أو مهلةٍ لتسليم صديقٍ، أو حقيقةٍ تصل بعد فوات وقتها.

يقدّم الفيلم تسلق الجدار عبوراً يومياً صار مألوفاً من تكراره. طارق يسأل عمر كيف وصل، فيجيب ساخراً: "على طيارة الظهر، بزنس كلاس طبعاً.. أكيد على الجدار". تكشف الدعابة عن اعتياد الاستثنائي. فالوصول إلى الأصدقاء يتطلب فعلاً خطراً يختصره عمر كأنه وسيلة نقلٍ مألوفة. وتظهر بنية الانتظار أيضاً في علاقته بناديا. إذ كلما سألته عن مستقبلهما، يجيب بوعدٍ "عن قريب"، ويظل معنى القريب مرهوناً بظروف العبور والملاحقة والاعتقال.

يدخل المحقق رامي من هذه الفجوة في حياة عمر. فبعد اعتقال عمر وتعذيبه، يهدده بحكمٍ قد يبلغ تسعين عاماً، ثم يعرض الإفراج عنه إذا ساعد في الوصول إلى طارق. يصوغ الفيلم الاعتقال صفقةً على مستقبل عمر، إذ يمنحه رامي وقتاً محدوداً، ثم يبدل الشروط ويستدعيه من جديد. تتحول الحرية إلى موعدٍ مؤقتٍ يقرره المحقق، ويجعل التعاون شرطاً للخروج من زمن السجن.

يبيّن الاعتقال الإداري وجهاً مؤسسياً للتحكم في الزمن. يتيح هذا الإجراء احتجاز شخصٍ من دون توجيه تهمةٍ أو عقد محاكمةٍ، وتجديد أمر احتجازه مراراً. ووفق صفحة "إحصاءات الاعتقال الإداري" لدى بتسيلم، المحدثة سنة 2026، كان جهاز السجون الإسرائيلي يحتجز 3329 فلسطينياً رهن الاعتقال الإداري في نهاية ديسمبر 2025، من بين 9128 فلسطينياً محتجزين أو مسجونين على خلفياتٍ تصفها إسرائيل بالأمنيّة. يمدّد كلّ تجديدٍ لأمر الاحتجاز غموض موعد الإفراج في حياة المعتقل وأسرته، فتؤجل الأسرة قراراتها وتراقب تاريخاً قد يحمل الإفراج أو تمديد الغياب.

يقترب انتظار أسر المعتقلين إدارياً مما سمّته الباحثة الأمريكية في شؤون الأسرة بولين بوس "الفقد الغامض". ففي دراستها "أمبيغيوس لوس ثيوري" (نظرية الفقد الغامض) المنشورة سنة 2007 يصف المفهوم غياباً جسدياً يظل صاحبه حاضراً نفسياً وعائلياً. وينشأ الغموض في حالة الاعتقال الإداري من تجدد أمر الاحتجاز وغياب موعدٍ ثابتٍ للإفراج، فتظل عودة الأسير احتمالاً يحكم قرارات الأسرة من دون تاريخٍ يمكن اعتباره. يساعد المفهوم بذلك على تفسير الأثر النفسي والزمني للانتظار المفتوح الذي تفرضه منظومة الاعتقال.

يظهر أثر تأخر الحقيقة في علاقة عمر بناديا، بعدما صنعت الملاحقة والاعتقال والشك مسافةً بينهما. يكذب أمجد على عمر بأنه تغشّى ناديا فحملت منه، فيصدّقه عمر ويبتعد عنها. ثم يحجب أمجد رسالةً كتبتها ناديا إلى عمر قبل زواجها. وبعد عامين، يكتشف عمر الكذبة وقد تزوجت ناديا من أمجد وأنجبت طفلين. تصل الحقيقة بعدما تحولت الرواية الكاذبة إلى حياةٍ أسريةٍ قائمةٍ، وصار الرجوع إلى المسار السابق أقرب إلى المستحيل.


ينقل "أميرة" زمن السجن إلى الأسرة والجسد. تبدأ الحكاية خارج زنزانة نوّار، مع ابنةٍ وُلدت في غيابه، وأمٍّ وقفت حياتها على الزيارات والمكالمات، وبيتٍ يحفظ للأب مكانه. يمتد السجن إلى شكل الزواج وتوقيت الإنجاب، ثم يعيد تشكيل معنى النَسَب حين تنكشف حقيقة ولادة أميرة.

يظهر نوّار في حياة أسرته عبر ما تسمح به مؤسسة السجن بزيارةٍ من خلف الزجاج، ومكالمةٍ قصيرةٍ، ورسائل نصية. وفي تسجيلٍ قديمٍ لحفل زفافه، تحمل وردة، زوجتُه، صورته عوضاً عن وقوفه إلى جانبها. يلخص عمّ أميرة أثر ذلك الغياب بقوله إن أمها "عايشة نص عيشة"، فتجيبه أميرة بأن أباها لا يعيش أصلاً. تجمع الجملتان زمنين صنعهما السجن معاً. الأولى رجلٌ غائبٌ داخل أسوار السجن، والثانية زوجةٌ تبني حياتها حول استمرار ذلك الغياب.

حين يقترح نوّار تهريب نطفةٍ أخرى لإنجاب طفلٍ ثانٍ، ترى أميرة فرصةً لإدخال أبيها إلى مستقبل الأسرة، فيما تواجه وردة حملاً وانتظاراً وطفلاً آخر سيعرف أباه فقط عبر الزجاج. يقول نوّار إن تخفيف الإجراءات فتح "فرصة موجودة هلّا [الآن]، ممكن ما تتكرر"، فقرار الإنجاب يخضع لنافذةٍ زمنيةٍ تقررها إدارة السجن، وتصبح الأسرة مطالبةً بحسم مستقبلها داخل فرصةٍ قد تغلق حيناً ما.

تكشف زيارات العوائل الفلسطينية عن مقدار ما يتسرب من زمن السجن إلى البيت. فقد أفادت اللجنة الدولية للصليب الأحمر في تقرير "إزرايل آند ذي أوكيوبايد تيريتوريز: فاكتس آند فيغرز" (إسرائيل والأراضي المحتلة: حقائق وأرقام)، المنشور سنة 2023، بأنها ساعدت في استخراج تصاريح لأكثر من 54 ألف فردٍ من عائلات الأسرى ونقلهم إلى السجون، وأتاحت لأكثر من خمسة آلاف معتقلٍ رؤية ذويهم عبر برنامج الزيارات المنتظمة. يكشف الرقمان عن حجم منظومة المواعيد والتصاريح والحافلات والتفتيش التي تمرّ بها الأسرة كي تحافظ على تواصلٍ قصيرٍ مع الأسير. تبدأ الزيارة قبل حينٍ من الوصول إلى السجن وتطول الإجراءات اللازمة لإتمامها.

وصفت عالمة الاجتماع الأمريكية ميغان كومفورت هذا الامتداد بمفهوم "السجننة الثانوية" في دراستها "إن ذا تيوب أت سان كوينتن" (في الأنبوب في سان كوينتن) المنشورة سنة 2003. يشير المفهوم إلى تسرب قواعد السجن وقيوده إلى النساء اللواتي يزُرن السجناء ويعِشْن قانونياً خارج الأسوار. وفي "أميرة" تتجسد السجننة الثانوية في وردة، إذ تصون علاقتها بزوجها في ظل غيابه، وتحول المكالمة إلى مساحةٍ للحميمية، والزيارة إلى بديلٍ عن البيت، وتهريب النطفة إلى بديلٍ عن اللقاء الجسدي.

يحاول تهريب النطف استعادة زمنٍ حَرَمَ السجنُ الأسيرَ منه. ففي دراسة محمد حمدان "إفري سبيرم إز سيكرد" (كل نطفة مقدسة) المنشورة سنة 2019 بلغ عدد الأطفال الذين وُلدوا بهذه الطريقة 96 طفلاً حتى صيف 2018. يقرأ حمدان الممارسة بوصفها مقاومةً حيوية. فالمؤسسة تستخدم الفصل المكاني وحرمان الزيارة الزوجية لقطع الصلة بين الأسير ومستقبله الأسري، وتعيد النطفة فتح إمكان حياةٍ يتجاوز زمن الزنزانة وحدودها.

يبني الفيلم تحوله الدرامي على فرضيةٍ متخيلةٍ أثارت جدلاً بعد عرضه. يكشف الفحص عن عقم نوّار، ثم تعلم أميرة أن حارساً إسرائيلياً استبدل النطفة وأنه أبوها الفعلي. تمنح الحبكة مؤسسة السجن قدرةً رمزيةً على بلوغ الجسد والتأثير في النَسَب، وتجعل لحظة اكتشافٍ واحدةً تنقض ترتيب أعوامٍ من حياة وردة وأميرة. يعيد الخبر تفسير صورة الأب المقاوم التي صاغت هوية العائلة، وحمل الأم، ونظرة المجتمع إلى أميرة بوصفها "ابنة أسير".

تقول أميرة لحبيبها: "أنت حبيتني وأنا بنت أسير، هلّا أنا ولا إشي"، فيجيبها بأن اسمها سيبقى أميرة. يحمل هذا الاسم في وجدانها تاريخاً كاملاً، من طفولةٍ بُنيت على قصة أصلٍ واحدةٍ، ومكانةٍ داخل أسرتها ومجتمعها، وصورةٍ صاغتها عن نفسها. يبلغ التحكم في الزمن هنا مستواه الأعمق، فهو يدفع أميرة إلى مراجعة الماضي الذي كوّن هويتها، ويبدّل معنى الأعوام التي عاشتها قبل اكتشاف الحقيقة. فخبرٌ واحدٌ قد يعيد كتابة هذا التاريخ في لحظة.


يغيّر "فالس مع بشير" موقع النظر إلى الزمن، وينتقل من الفلسطيني الذي ينتظر الحاجز أو يرتب أسرته حول السجن إلى جنديٍ إسرائيليٍ عنده فرصةٌ لتأجيل مواجهة الماضي. يعرف آري فولمان أنه شارك في حرب لبنان سنة 1982، وتنقطع ذكرياته عند مشاهد صبرا وشاتيلا. وبعد أكثر من عشرين عاماً، يبدأ استعادة الصور عبر أحلامه، ومقابلاته مع رفاقه، حتى يصل إلى لحظة اكتشاف ما جرى في المخيمين ودوره في المجزرة.

يكشف هذا التأخير عن تفاوتٍ بين زمن الضحية وزمن الفاعل. فقد استقرت المجزرة في ذاكرة الناجين منذ وقوعها، وامتدت آثارها إلى أجسادهم وعائلاتهم وحياة المخيم. ويعود الجندي إليها حين تسمح له ذاكرته وسرديته النفسية بذلك. تضع صيغة الاستعادة اضطرابه في مركز الحكاية، وتقدّم الحرب زمناً استثنائياً انفصلت فيه الأفعال عن قواعد الحياة اليومية. وحين يروي صاحبُ القوةِ المجزرةَ، تنتقل بؤرة السرد من حياة الضحايا إلى رحلة الجندي في فهم ذاته.

يساعد مفهوم الذاكرة الجمعية على فهم هذا الانتقال. يرى عالم الاجتماع الفرنسي موريس هالبفاكس في كتابه "أون كولكتف ميموري" (في الذاكرة الجمعية)، الصادر سنة 1992، أن الذاكرة تعمل داخل أطرٍ اجتماعيةٍ، فالجماعة تنتقي من الماضي وتعيد تنظيمه من موقعها في الحاضر. تحدد اللغة والصور والمصالح شكل الحدث حين يعود إلى الحاضر. وفي فيلم فولمان، تتشكل الذاكرة عبر رفاق الجيش والمعالجين والمشاهد المعاد بناؤها، ثم تصطدم في النهاية بصور الضحايا الأرشيفية.

دخلت الدولة الإسرائيلية هذا المعترك على المعنى قبل الفيلم بأعوام. فقد خلص تقرير لجنة كاهان، "ريبورت أوف ذا كوميشن أوف إنكوايري إنتو ذي إيفنتس أت ذا ريفيوجي كامبس إن بيروت" (تقرير لجنة التحقيق في أحداث مخيمات اللاجئين في بيروت) الصادر سنة 1983 إلى أن الكتائب اللبنانية تتحمل المسؤولية المباشرة عن المجزرة، وأن إسرائيل تتحمل مسؤوليةً غير مباشرة. وحمّل وزير الدفاع أرييل شارون مسؤوليةً شخصيةً بسبب تجاهله خطر إراقة الدم والانتقام، وأوصى بإبعاده عن وزارة الدفاع.

ترسم هذه الصياغة الرسمية حدود المسؤولية عن المجزرة. فقد قسمت الحدث بين فاعلٍ مباشرٍ ومسؤولٍ غير مباشرٍ، وحولت السيطرة على محيط المخيمين وإدخال المسلحين والإخفاق في منع القتل إلى درجاتٍ قانونيةٍ متفاوتة. تؤثر هذه الحدود في طريقة تذكر الحدث وتحديد موقع إسرائيل داخله. ويكرر "فالس مع بشير" انتقال المركز على مستوى السرد، إذ يبدأ من اضطراب الجندي، ويتقدم عبر ذاكرته، ثم يترك للصور الحقيقية من المخيم في خاتمته أن تقطع الرسوم المتحركة وتعيد الضحايا إلى الواجهة.

يتجسد هذا الصراع أيضاً في كتابة تاريخ النكبة، حين منح فتح أجزاءٍ من الأرشيف الإسرائيلي في ثمانينيات القرن العشرين مؤرخين إسرائيليين فرصةً لمراجعة رواية سنة 1948. وثّق بني موريس في كتابه "ذا بيرث أوف ذا بالستينيان ريفيوجي بروبلم، 1947-1949" (نشأة مشكلة اللاجئين الفلسطينيين، 1947-1949) الصادر سنة 1988 وقائع طردٍ وفرارٍ حجبتها رواياتٌ رسميةٌ، ووضعها في إطار الحرب وقيام الدولة. وذهب إيلان بابيه في كتابه "ذي إثنيك كلينزنغ أوف بالستاين" (التطهير العرقي في فلسطين) الصادر سنة 2006 إلى قراءة النكبة بوصفها مشروعَ تطهيرٍ عرقيٍ مخططاً له. يبيّن الخلاف التفسيري أثر السرد في ربط الوقائع، فقد تظهر حوادث حربٍ متفرقةٌ، وقد تنتظم داخل بنيةٍ سياسيةٍ ممتدة.

في مقابل سلطة الأرشيف الرسمي، تبني مبادراتٌ مختلفةٌ ذاكرةً مضادةً من الوثائق والشهادات. يتيح "الأرشيف الرقمي للمتحف الفلسطيني" مئات الآلاف من الصور والتسجيلات والوثائق التي جمعتها عائلاتٌ ومؤسساتٌ داخل فلسطين وفي الشتات. ويعرض موقع "بالستاين ريمِمبرد" (فلسطين في الذاكرة) أكثر من سبعمئة مقابلةٍ في مشروعه لتاريخ النكبة الشفوي، فيما تجمع منظمة "زوخروت" الإسرائيلية شهادات ناجين فلسطينيين وجنودٍ إسرائيليين وموادّ عن القرى المهجرة. يمنح اختلافُ مواقع هذه المبادرات ومناهجها الماضيَ أكثر من طريقٍ إلى الحاضر، ويضع رواياتٍ متعددةً في مواجهة احتكار أرشيف الذاكرة الرسمي.


تكشف الأفلام الثلاثة عن اتجاهاتٍ متصلةٍ للسيطرة على الزمن. في "عمر"، للاحتلال سلطةٌ في تحديد موعد العبور والإفراج والكشف عن الحقيقة، فيتحول المستقبل إلى وعدٍ مشروط. وفي "أميرة"، تمتد قواعد السجن إلى الأسرة والجسد، ثم تعيد لحظةٌ واحدةٌ كتابة أعوامٍ من الهوية. وفي "فالس مع بشير"، يحظى الجندي والدولة بوقتٍ أطول قبل مواجهة الماضي، ثم يعيدان إدخاله في الحاضر عبر الذاكرة والسرد. تتجاوز السيطرة في هذه الصور منع الفلسطيني من الوصول إلى مكانٍ، فهي تضيّق قدرته على امتلاك يومه وغَدِه وتاريخه.

لهذا يبدو الجدار في المشهد الأول أكثر من كتلةٍ تفصل بين جهتين. يحمل في خرسانته زمناً متراكماً من الانتظار والقفز والغياب، وتشهد رسومه على من مرّوا به. تثبت الكتابة أثر هذا الزمن في المكان، وتعيد الذاكرة ما وقع إلى الحاضر. تبقى الأرض ساحة الصراع الأوضح، ويعمل الزمن داخلها على تنظيم الحركة والعلاقات والذاكرة. وفي مواجهة هذا التنظيم، يحافظ الفلسطيني على حكايته وعلى قدرته على مواصلة العيش.

اشترك في نشرتنا البريدية