ياسمينا إيطالية من أب فلسطيني مسيحي مهاجر من إحدى قرى الضفة الغربية، وأم من مواليد نابولي تنحدر من أصول لبنانية. يغلب على عربيتها الضعيفة اللهجة القروية الفلسطينية، فتقلب القاف أحياناً كافاً والكاف "تشا"، فتقول: "نكعد" بدل "نقعد"، و"أتشل" بدل "أكل". وفي حديثها عن "الأتشل" تناولت قائمة الطعام، وسرعان ما تحول نظرها لرأس القائمة، ولم تبرح سبابتها تتبع عيناها. سَأَلتْ: "شو يعني برزخ؟"، وكان هذا اسم المقهى.
قلتُ،"البرزخ هو الفاصل بين مكانين [...]". فطلبت أن أواصل فواصلت، "قد تكون المنطقة الفاصلة بين الموت والبعث، هكذا على الأقل يؤمن المسلمون". توقعت لهذه "الفرقعة الدينية" أن تعود بنا للحديث عن قائمة الطعام، لولا أن بادرت ياسمينا بالقول: "يعني مثل البورغوتيري عنا". و"البورغيتوري" في الكاثوليكية، أي التطهر، أو الحالة التي تمر فيها أرواح المؤمنين، فتُطهَّر قبل دخول ملكوت السماء. فهو مثل البرزخ، حياة بين حياتين. ومن هنا نظرت ياسمينا عبر فراغ القاعة لوهلة ولا تزال سبابتها على قائمة الطعام، ثم ألقت على أذني ما بدا حملاً عزم أن يخرج: "أنا رحت على البرزخ …".
صمتُ برهةً، ولربما فَهِمَتْ صمتي رغبةً بالتفاصيل، فبدأت تروي لي كيف أنها مرت بتجربة ولادة متعسرة نزفت أثناءها حتى بدأت تغيب عن الوعي. وفي طرفة عين، كما تقول، وجدت نفسها تنظر من أعلى لجسدها المسجى على سرير المستشفى، فيما انشغل الأطباء محاولين إنقاذها والجنين. قالت إن الجدران بدت وكأنها تلاشت، فشاهدت زوجها يجلس في غرفة الاستقبال وقد غلبه النعاس، وشُحذ بصرها فرأت ابنها، وكان في الخامسة، جالساً مع جدته في البيت على بعد أميال من المشفى.
وفي فضاء بدا أن الزمن فيه قد تلاشى وغمره سكون وشعور غامر بالمحبة، ترقب جلبة غرفة العمليات، بدأت شاشات المراقبة تصفر مؤذنة بعودة النبض لها. فشعرت حينها بأنها "تُشفط" لجسدها مرة أخرى، ليتلاشى كل شيء وتفيق من غيبوبتها وقد غمرها ألم شديد، ولينقذ الأطباءُ الجنينَ. ثم ربما استباقاً لشكوكٍ ظنت أني سألقيها عليها، كررت بأن ما خبرته لم يكن حلماً، بل "حقيقة أنصع من الحقيقة".
ما بدا حكاية عابرة في مقهى وسط بيروت لم يكن سوى الشفَق الأول لرحلة بحث امتدت عامين ونيفاً. وجدتني أبتعد فيها عن الحكاية الأولى وأدنو من أسئلة أكبر اتسعت مساحتها لتصير أكثر تعقيداً. كانت الخطوة الأولى محاولة فهم كينونة الموت نفسه، لا نهايةً بديهيةً يمكن اختزالها بكلمة، إنما الحد الذي تتقاطع عنده أجسادنا ووعينا ومعتقداتنا. ومن هناك، انفتح أمامي أفق رحب قادني إلى ظاهرة ما بات يُسمى بتجارب الاقتراب من الموت. غصتُ في كثير من تفاصيلها وما حُلل ونوقش حولها، لأفهم ربما ما حل بياسمينا وما تبين أنه حدث لملايين غيرها، كلٌ بظروفه. منحني ذلك الفضاء أحياناً طرفاً من الخيط، قبل أن أفقده من جديد أمام معطيات جديدة. وبعدما ضاقت بي الإجابات، لذت ببابَي الدين وعلم النفس، الأول لأني استشعره وجداناً والثاني لأني آلفه تخصصاً. وفي كليهما ظلت التفاسير على وسعها أقل من التجربة نفسها، وظل ما يحدث بعد الموت سؤالاً كلما اقتربت من إجابته، تصبح هذه الإجابة سؤالاً آخر.
أذكر أن الاستنكار وضع ياسمينا في موقف حرج، فأدارت رأسها لترقب المارة في الشارع هذه المرة. رمقها صاحب الاستنكار بنظرة سريعة بدت لي لامبالية، ثم عاد إلي بذات الاستنكار ولكن مع شيء التفصيل، "هناك حياة وهناك موت، ولم يُسجل أن مات أحد حقاً وعاد ليحكي قصته". أضاف، وقد عاد ونظر لياسمينا وكأنه تدارك صلافة استنكاره الأول، "مع احترامي لياسمينا طبعاً [. . .] ما رأته تهيئات. لا أقول أنها اختلقت القصة، وقد يكون ما ترويه هو فعلاً ما رأته [. . .] ولكن كل شيء حصل في عقلها".
أشاحت وجهها عن الشارع تجاهنا، ثم قالت: "لازاروس…". وقبل السؤال عن كنه الاسم، أوضحت أن هذه إجابة على تعليق فلان بأنه لم يمت أحد وعاد ليروي ما شاهد. ولازاروس، أو "لعازر"، كان من بني إسرائيل أقامه المسيح من الموت بعد دفنه بأربعة أيام، وفق الإصحاح الحادي عشر من إنجيل يوحنا. أما عن حياة لازاروس بعد قيامته فلا نعرف عنها الكثير، وليس ثمة أثرٌ يخبرنا عما رآه أثناء موته.
عندي أن قصة لازاروس لا تختلف جوهراً عن قيامة المسيح نفسه، وليست بعيدة عن قصص إحياء الموتى في العهد القديم، مثل إحياء النبي إيليا ابنَ أرملة بعدما مات من وقع المجاعة. والقرآن يتحدث عن الرجل التقي الذي أماته الله مئة عام ثم أحياه، ويذكر أيضاً قتيل بني إسرائيل الذي أحياه الله ليخبر عن قاتله. ولكن اتفقتُ مع فلان بأن الكتب السماوية لا تُفصِّل فيما عاينه هؤلاء في مماتهم. وكأن الإخبار هنا مقصده فكرة الحياة الآخرة غيباً إيمانياً، دون الإحالة لشكل هذه الحياة أو مضمونها.
من هذه الزاوية، بدا أن فلاناً قد أصاب صيداً، ليعلق بأن الفاصل بين الموت والحياة مطلق ولا يمكن لأي تجربة أن تعبره. اقتبس هذه المرة من الفيلسوف الإغريقي أبيقور قوله "إذا كنا، لا يكون الموت، وإذا كان الموت لا نكون". والمعنى، في أحد وجوهه، أننا إما أحياء وإما أموات. وأن نعيش موتنا ثم نعود منه لنرويه، فذلك يبدو تناقضاً في ذاته. فنحن لا نستطيع أن نجرب موتنا، وكيف لنا والتاريخ كله، وفق الطبيب المصري مصطفى محمود - في كتابه "لغز الموت" 1959- "لا يروي قصة واحدة عن موت الـ .. أنا".
صمتَ فلانٌ هنيهةً، ثم باشر يستكمل طرحه مشككاً بفكرة إحياء لازاروس، "لازاروس ليس سوى قصة محرفة، وأهميتها فقط رمزية". وبالقياس، فإن تجربة ياسمينا بمعايشة الموت والعودة للإخبار به "ليست سوى تغير في الإفرازات الكيميائية في الدماغ"، ولم يعقِّب عن ماهية هذه الإفرازات. حاجَّ أنه لو ماتت فعلياً، لما كانت بيننا اليوم تحدث أخبارها. لوح بيده في الهواء ثقةً في محاجته، ثم انطلق يقتبس من القرآن "وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ". ومغزى الاقتباس أن عبور الإنسان عالمَ الأموات (البرزخ) هو نهاية المسار، ويظل الفاصل بينه وعالم الموتى قائماً ليوم القيامة.
طفقت ياسمينا تقول بأن ما فهمته من الأطباء أنها فارقت الحياة لدقائق طوال بعد تداعي وظائفها الحيوية. تقول إنها في تحويمها فوق جسدها، رأت خط نبضات القلب على الشاشة بجانب سريرها وقد تسطح، وراقبت الأطباء يركضون حولها محاولين إنعاشها. رأت وسمعت إحدى الممرضات وهي تقول "لقد فقدناها […]". في تلك اللحظة، على حد وصفها، عرفت أنها ميتة. تردف: "قلبي تعطل تماماً وبتُ جثةً هامدةً، ولكني كنت أراقب وأسمع كل شيء من سقف الغرفة […]".
هنا تساءل فلان وشاركتُه التساؤل في جواز تعريف الموت بتوقف القلب عن العمل فقط. تخبط كلانا في استدعاء إجابة شافية. وهنا استعنت من تطبيق واتساب بالطبيب نضال المقيم في بلجيكا. أعلمنا باختصار أن القلب قد يتوقف بسبب اضطرابات في نظامه الكهربائي فيتعطل على إثرها ضخ الدم للجسم أو أجزاء منه. قال إنه قد تستمر عملية الإنعاش خمساً وعشرين دقيقة عند البالغين، طالما توفرت وسائل الإنعاش القلبي المناسبة.
لهذا السبب، على حد قوله، توصي الدراسات الطبية عادةً بعدم الإعلان عن الوفاة رسمياً بعد التوقف عن الإنعاش إلا بعد متابعة العلامات الحياتية عند المريض على الأقل خمس دقائق بعد توقف القلب والدورة الدموية. والمفارقة أن هذه الممارسة الطبية مردها جزئياً ما يُسمى "تأثير لازاروس"، وهو المصطلح الذي دخل القاموس الطبي بداية الثمانينيات، ويعني عودة الجسد للعمل تلقائياً بعد فشل محاولات الإنعاش. وكأنها عودة من موت.
تطور الإنعاش القلبي منذ الستينيات صيّر هذه الحدود أكثر التباساً. فما كان يُعد في زمن خلا علامةً كافية على الموت، ولاسيما توقف القلب والتنفس، أصبح قابلاً للعكس في بعض الحالات. وقبل ذلك، كانت أمارات الموت تُفحص مثلاً بوضع مرآة جافة أمام وجه الميت لفحص التنفس، أو بالاعتماد فقط على جس نبضات القلب. وحسب كتاب "ديث" (الموت)، لعالمي الروحانيات الأمريكيين هيوراد كارينغتون وجون ميدير الصادر سنة 1912، أدى ذلك أحياناً لسوء التشخيص، وأبقى احتمال الدفن حياً قائماً. حتى إن الكتاب يستشهد بأطباء عثروا عند فتحهم بعضَ المقابر على جثث وقد تحركت من مكانها، أو ارتفعت أيديها كما لو كانت في وضعية الصلاة. ومن الطريف أيضاً أن بعض قدماء المسلمين فسروا حركة الميت في لحده دليلاً على سوء إسلامه، مثلما يورد ابن قيم الجوزية في كتاب "الروح" المكتوب في القرن الرابع عشر.
وحتى مع التقنية الحديثة، لا زالت تتردد حوادث يُظن فيها سوء تشخيص الموت. ففي لبنان وثق الصحفي مالك مكتبي في برنامجه الحواري الذي يحمل اسمه على قناة "إل بي سي" اللبنانية سنة 2020 حالتين من هذا النوع. الأولى لشخص اسمه محمود خضر، عاد للحياة بعد وضعه في ثلاجة الموتى ثلاثة أيام. والثانية لعماد حسن، الذي أُخرج من ثلاجة الموتى بعد أربعة أيام ليُدفن، فوجدوه وقد دبت فيه الحياة.
مساحة الالتباس هذه بين توقف وظائف الجسد وانتهاء الحياة، ألقت على الطب عبئاً تعريفياً: أن يحدد "يقيناً" اللحظة التي تنطفئ فيها جذوة الحياة ولا يعود بعدها ثمة مجال للرجوع. وهو ما يسميه الأكاديمي المتخصص في فلسفة الموت، الهولندي فلوريس تومسيني "الحالة المطلقة"، في كتابه "رمِمبرينغ آند ديسرمِمبرينغ ذا ديد" (تذكر الموتى ونسيانهم) الصادر سنة 2017.
وتُرسم إطلاقية هذه الحالة طبياً عند النقطة التي تتوقف فيها "نهائياً" وظائف الدورة الدموية والتنفس، أو تزول بلا عودة وظائف الدماغ. يتضمن ذلك الغياب التام لأي استجابات عضلية أو عصبية للمؤثرات الخارجية، وفق المعايير التي أقرتها اللجنة المختصة بتعريف موت الدماغ التابعة لكلية الطب في جامعة هارفارد الأمريكية سنة 1968. وفي المملكة المتحدة لا يوجد سند قانوني تشريعي موحد لتعريف الموت. وإن كان الشائع طبياً، وفقاً لما اعتمدته لجنة مشتركة تابعة للكلية الملكية للأطباء منذ سنة 1976، ألا يُعد الشخص ميتاً طالما بقيت علامات حياة في جذع الدماغ المسؤول (نظرياً) عن الوعي والتنفس.
النموذج الغالب في دول أمريكا الوسطى والجنوبية يتقارب مع المنهج الأمريكي في تعريف الموت بموت الدماغ كلاً واحداً، وإن اختلفت هذه الدول في بعض التفاصيل التشخيصية والقانونية. وتتبع أغلب الدول الأوروبية وبلدان الشرق الأوسط نهجاً مشابهاً، لكن لكل بلد طريقته في رسم تلك النهاية وإثبات بلوغها درجة اليقين فيها. في السعودية، مثلاً، لا يكفي الفحص السريري وحده لإثبات ذلك، إنما يُشترط اختبار مساعد لتأكيد التشخيص يعتمد على استخدام تقنيات قياس نشاط الدماغ. فيما ليس لبعض دول المنطقة حزمة إجراءات معتمدة (بروتوكول) وطنية واضحة لتحديد الموت، ولا إرشادات موحدة في جميع المستشفيات لما يترتب على هذا التشخيص.
لكن حتى مع اعتبار موت الدماغ قدس أقداس الموت الفيزيائي، فالإجماع في المسألة ما يزال غايةً تُرجى، ويصبح مع غيابه سؤال الموت نفسه أكثر تعقيداً. في دراسته "ذا برين آند سوماتِك انتغريشن [...]" (الدماغ والتكامل الجسدي [...]) في 2001، يجادل طبيب الأعصاب ألان شومَن أن فشل الدماغ لا يعني بالضرورة نهاية الحياة. ولتأكيد وجهة نظره، جمّع 175 تقريراً لمرضى نجوا بعد أن أُعتبرت أدمغتهم ميتة، وعاشوا بعدها فترات متفرقة وإن بإعاقات وبعضهم مع قصور في وظائفهم الذهنية، أو بقوا في غيبوبة مع عودة وظائفهم الحيوية للعمل. وقد فرّق شومن بين ما يراه "فشل الدماغ" وبين تفسير هذا الفشل موتاً فعلياً لكتلة الدماغ العصبية.
في كتابه "ذا لازاروس إفِكت" (تأثير لازاروس) الصادر في 2013، يقترب الطبيب البريطاني سام بارنيا، متخصص إنعاش القلب والرئة، من منحى شومن، وإن من زاوية أخرى. فالموت بتقييمه ليس لحظة واحدة في الزمن تنهار مع حلولها كل وظائف الجسم وخلاياه بغتةً، بل عملية ذات مراحل، ما يعني إمكانية اعتراضه قبل بلوغ الجسد "النهاية المطلقة".
وليس المقصود هنا الموت نتيحة حادث أو قتل عنيف تسبب في تدمير الجسد، إنما اختلال في الوظائف العضوية بسبب مرض أو علة، نتج عنه مثلاً سكتة قلبية. فعند توقف القلب ينقطع إمداد الأنسجة بالأكسجين، وتبدأ الخلايا، كلٌّ بحسب قدرتها على الاحتمال، في مسار الاحتضار. ووِفق بارنيا، فإن خلايا الكبد والعضلات والدماغ تستمر بالعمل ساعات بعد توقف القلب. ويتيح التداعي البطيء للخلايا مساحة زمنية تُعترض أثناءها عملية الاحتضار ويُسترجع المريض حياً من غير ضرر مستدام في جسده أو عافيته الذهنية.
ويستشهد بارنيا بعشرات الحالات التي انخرط في علاجها بعد خروج المريض من الغيبوبة أو اطلع على سجلاتها، وقد سبقها استرجاع نبضات قلبه بعد فترات طويلة من غيابها. وصلت المدة في إحدى الحالات، لمريض يسمى "أرون باسين" في مستشفى لندن المركزي سنة 2011، لثلاث ساعات ونصف، حتى بعد أن تسطح الخط البياني لدماغه لساعات معلناً تلاشي الأنشطة الكهربائية فيه. ويُنسب الفضل جزئياً لتبريد الأطباء الجسد لثمانية عشرة درجة مئوية، ما أبطأ تلف الخلايا واحتضارها، فأمكن استرجاع المريض.
لمست في تعليق فلان شيئاً من الحقيقة. فليس لياسمينا حظ بإقامتها في بلد طبه متقدم فحسب، إنما وجودها بمشفى مجهز أيضاً. علمت أنها لوضع وليدها أُودعت مشفىً "ذي سمعة طيبة" في مدينة نابولي. لكن ما يؤسف له أنه حتى في دول تُصنف متقدمةً طبياً، لا تملك كل المشافي فرق إنعاش محترفة ولا تحوي غرف عملياتها نفس أجهزة إحياء الجسم وتبريده فائقة التعقيد. تساءلتْ عن عدد من كان يمكن استرجاعهم بعد توقف قلوبهم لو توفرت التقنية والظروف المواتية حيث أودعوا، وكم مرة سُمح للاحتضار استكمال غايته فيما كان متاحاً اعتراضه.
يبقى أنه على تداخل التعريفات، فالإجماع الطبي لا يساوى بين توقف القلب أو الدماغ مؤقتاً وبين بلوغ المريض الحالة المطلقة. كذا يصبح الأمر أكثر تعقيداً عند النظر لحالات أصيب فيها الدماغ بحادث فتداعى بينما بقي الجسد حياً. وفي هذه الحالات النادرة ظلت قلوب المصابين ورئاتهم في غيبوبتهم تعمل بمعونة أجهزة التنفس الاصطناعي، فيما تفككت تدريجياً أدمغتهم وسالت، حتى لم تعد إلا بقايا نسيج متحلل.
وفي ضوء هذا، يصعب الجزم أن ياسمينا بلغت الحالة المطلقة، فقد توقف قلبها لدقائق، وربما كان قصر المدة كفيلاً بأن ينقذ حياة جنينها أيضاً. ولو أخذتُ برأي فلان أيضاً وارتكنت لشكوكه، فالأمر قد يكون حُسم: ياسمينا دخلت في غيبوبة مؤقتة ولم تمُت، وكل ما نتج عن هذا لم يك سوى تهيؤات وهلاوس، مجرد تفاعلات كيميائية في الدماغ.
فتحت إشارة ياسمينا إلى "الاختزال" جانباً آخر من الجدل. فالمعضلة ليست كلها في موتها من عدمه، بل فيما خبرته أثناء تداعي جسدها. بدا التعريف الطبي يقف على جزء من التجربة فقط. وظهرت نظرية الإفرازات الدماغية لفلان مسؤولةً عن التجربة، وكأن النظرية تتأرجح على قدم واحدة. ليس لأن الهلاوس أثناء الإنعاش مستبعدة وأن لا دور للعقاقير وعوز الأكسجين في اضطراب كيمياء الدماغ، ولكن لما تضمنته تجربة ياسمينا من أمور تجاوزت المتعارف عليه هلوسةً أو ما شابه. إذ سجلتْ أثناء غيابها جسداً وحضورها روحاً، حسبما تصف، أحداثاً يستحيل معرفتها أو إدراكها لمن هو في حالتها. وهنا كان موضع الفضول وبداية الرحلة عندي.
وجدت ويستراند أن بعض النساء تدخل أثناء الولادة حالاتٍ من التغير في الوعي. 60 بالمئة من النساء موضع الدراسة أبلغن عن رؤيتهن ضوءاً ساطعاً أثناء المخاض، أو شعرن بتخاطر هذا الضوء معهن وطمأنهن. وتحاج بأن بعض هذه التجارب لا تتوافق مع تأثير التخدير أو العقاقير، وأنها تقع في مساحة التجارب فيما وراء الشخصية، بمعنى خارج إطار الجسد المادي. ودليلها في هذا أن هذه التجربة يظل تأثيرها حاضراً على شخصية كثيرات ممن عايشنها.
وبمزيد من التقصي تبين لي أنه سنة 1975 نشرت القابلة الأمريكية إينا مي غاسكِن كتاباً عنونته "سبِريتشوُل ميدويفيري" (القِبالة الروحية)، وفيه تناولت حكايات التوليد البيتي ومساعدة النساء الحوامل خارج الطرق الطبية التقليدية في المشافي. لا تتحدث غاسكن عن الظاهرة تحليلياً ولا تؤطرها ضمن مسميات معينة، ولكنها تنقل شهادات نساء عايشن شعوراً بالنشوة الغامرة أثناء الوضع ودخلن حالة من الوعي الحاد، ومن ثم رأين أنفسهن يحلقنَّ فوق أجسادهن وكأن وعيهن انفصل عن تلك الأجساد وصار كياناً مستقلاً.
في الفترة نفسها تقريباً في مقاطعة لانكشير، شمال غرب المملكة المتحدة، وعلى هامش البحث النظري، كنت بدأت أتحدث عبر الهاتف مع "سامانثا" (اسم مستعار وفق طلبها)، وروت لي قصة مشابهة حدثت معها سنة 2021. وبتنسيق من صديق مشترك بيننا، توجهتُ بعد عدة أيام من المكالمة لمكان سكناها لاستنطاق باقي القصة. كان ذلك منتصف ديسمبر 2023، في الوقت الذي بدأت فيه بلدات الشمال البريطاني تتزين لاستقبال أعياد الميلاد وسط موجة صقيع بدت لي غير مسبوقة، على النقيض من حر بيروت ورطوبتها والنقاش الأحر الذي جرى فيها قبل ستة أشهر تقريباً.
كانت سامانثا حبلى في الشهر السادس في طفلها الثاني، قبل أن يصيبها نزيف تبعه نزول الماء قبل أوانه. انطلقت مع زوجها "نيكولاس" للمستشفى، وتبين بعد الفحص أنها فقدت السائل السلوي (الأمنيوسي) الذي يحيط بالجنين في الرحم. تباطأت نبضات قلب الجنين واحتضر بعدها بسويعات، ولم يكن بوسع الطاقم الطبي فعل الكثير. حاولت الممرضاتُ توليدَ الجنين المتوفى ما أغرق الأم بآلام حادة غابت على إثرها عن الوعي. وفجأة وجدت سامانثا نفسها تقف على رأس سريرها بجانب جسدها، بلا ألم تنظر للممرضات وهن يحاولن توليدها.
وصفت كل حديث دار بين الممرضات ورسمت صورة دقيقة، قلدتها بحركات جسدها، لحال زوجها الذي كان مرافقاً لها في الغرفة حين غيابها عن الوعي. تقول إن الغرفة بدت مضيئة وكأن كل شيء فيها يشع، وصارت الجدران شفافة، وقد رأت من خلالها ممرات قسم الولادة في المستشفى وقد غلفها هي أيضاً ضوء أبيض ساطع ولكنه مريح.
في وسط أحد هذه الممرات، كما حكت لي، كان هناك طبيب مصري يهرع لغرفتها، عرفت تاريخه واسمه ولم تره قبلاً. نظرته عبر "الحائط الشفاف" وهو يطلب من إحدى الممرضات تحضير غرفة العمليات في حال احتاجت سامانثا جراحة قيصيرية طارئة. تلاشى كل شيء وعادت سامانثا للوعي وما زالت في المخاض، ثم ما لبثت أن ولدت طفلةً ميتةً سلمها لها الطبيب المصري، فشكرته باسمه.
أخبرتني أن اسم الطبيب كان "إيماد"، وأغلب الظن أنها تعني "عماد". وكانت هذه المرة الأولى التي رأته فيها واقعاً. تضيف مازحةً، "لربما اعتقد الطبيب أني علمت اسمه من شارته المعلقة على صدره، فكل العاملين بالمشفى يحملونها، لذا لم يعلق ولم يبدُ متعجباً [. . .] لكني كنت قد عرفته واسمه قبل أن أقابله أو أراه، وقررت أن لا أخبره خشية أن أبدو مخبولة [. . .]".
أسمت سامانثا فقيدتها "صوفيا"، وتقول لأنه أحيل إليها أثناء غياب وعيها أن هذا اسمها، ولم تعرف من أوحى لها بذلك. فسامانثا لطالما عرفت نفسها "لاأدرية" وهو مذهب فلسفي يعتقد أن حقيقة بعض الأشياء غير معروفة أو لا يمكن للبشر إدراكها، واختارت أن تصف "المُوحِي" بأنه "الكون" وأنه قد حمّلها رسالة وفتح مداركها عن نفسها ومحيطها، ولم تُفصّل في هذا كثيراً. على هذا، تقول إن تعليمها، وهي التي تحمل ماجستيراً في علم الاجتماع اللغوي، فرض عليها منطقاً علمياً في تفسير الأمور، لذا اختارت أن لا تنسب التجربة لإله وأن لا تغلفها بغلافٍ روحي. ولكنها كانت تعود فتستدرك أن تفسيرها يبقى قاصراً، ولا إجابة علمية لديها عما حدث. وعلى شكها، فهي التي اختارت أن تكتب على قبر ابنتها عبارة "حتى نلتقي في العالم الآخر يا حبيبتي".
لكن عند زوجها نيكولاس، فالتجربة الروحية أمر وارد، وهو الذي يعمل مهندساً كهربائياً ويُعرف نفسه مسيحياً بروتستانتياً غير متدين ولم يدخل الكنيسة منذ سنوات، ويعترف أنه نسي كثيراً من الطقوس التعبدية التي تعلمها في طفولته. ناقشته بدايةً لوحده سعياً لمقارنة شهادته مع ما أوردته سامانثا، فطفق يصف لي حاله أثناء وضع زوجته، وهو ما جاء مشابهاً لوصف سامانثا.
كلا الزوجين قالا إن نيكولاس كان "مرتكزاً على إطار الباب، يقترب من سرير سامانثا هنيهةً ثم ما يفتأ يعود حيث الباب". غير أن سامانثا أضافت أن زوجها "كان يقبض بيسراه على جانب رقبته من فيض التوتر والخوف [. . .] شعرت به خائفاً جداً، يفكر فيما سيفعله أباً بمفرده مع طفلنا الآخر لو أصابني مكروه".
أوقفتها لأسأل: "شعرتِ به، كيف؟". أجابت: "كنت أنظر إليه، ولكني كنت أيضاً داخله أسمع مناجاة نفسه". سألت: "ولكنك كنت غائبة عن الوعي في سرير الولادة"، فردت: "نعم، كنت أرى جسدي ممداً على السرير، وأنظر لزوجي وقد اعتراه خوف شديد وشعرت بكل مخاوفه وكأننا صرنا نفساً واحدةً [. . .] وكأنه كشف عني الستار".
ليس مستبعداً أن مشاركة التجربة بين الزوجين بعد نحو عامين - حينئذ - من حدوثها قرَّب بينهما تفاصيل الرواية، عبر آلية تُعرف بمصطلح "خطأ تحديد مصدر الذاكرة"، إذ قد تختلط المعلومات المكتسبة من الآخرين مع الذكريات الشخصية الأصلية. أفضيت بشكي إلى نيكولاس، لكنه اعترض قائلاً إنه لم يكن واعياً لقبضه على رقبته، مضيفاً أنه لم يعرف كذلك أن زوجته قرأت أفكاره وهي غائبة عن الوعي. يقول: "نعم، اعتقد هذا ما كنت أفكر فيه لحظتها [. . .] لكنه ليس كل شيء. بعض ما تقوله [سامانثا] أسمعه لأول مرة". ثم التفت لزوجته قائلاً: "لماذا لم تخبريني بهذا وقتها؟" فردت بأنها لا تعلم.
بعد هذا الحديث، غادرتُ منزل الزوجين متوجهاً إلى محطة القطار القريبة وما زال في فمي بعض بقايا من طعم الشاي الإنجليزي المحلى بالحليب وحلوى الشوكولاتة. لكن حلاوة المضياف عكرتها مرارة التساؤل. كان هذا آخر عهدي بسامنثا وزوجها، جئتهم عطشاً لإجابات، وخرجت من ضيافتهم وقد أصابني فوق الظمأ اثنين.
لذا عكفت في الأسابيع التي تلت على مراجعة مزيدٍ من الأدبيات المتاحة عن تجارب الاقتراب من الموت في سياق الولادة. وقد بت أكثر تصميماً على سبر غور السؤال. وتعزز انطباعي الأول، وهو أن حجم الدراسات المتخصصة في هذا المجال محدود، سواء في عدد العينات أو عمق المعالجة السريرية والإناسيّة.
أكثر ما وجدته، وهو قليل للغاية، كان تصريحات ومشاركات حكائية متفرقة. منها مثلاً ما صرحت به الممثلة المصرية زينب وهبي سنة 2016 في برنامج "حصلت قبل كدة" الذي قدمه المذيع اللبناني طوني خليفة.
تقول إنها سنة 1982 غادرت جسدها أثناء ولادتها ابنها الثاني، وبقيت في سقف الغرفة لفترة تراقب هلع الأطباء، قبل أن تخترق السقف وتطير لأعلى فترى كل مصر. رأت في تلك اللحظة ابنها "كريم" في حي الزمالك في القاهرة، وقد وصفت ما كان يرتديه. كذلك رأت زوجها، المخرج الراحل حمادة عبد الوهاب، وهو يصور فيلم "الريال الفضة". تبع ذلك مشاهدتها شريط حياتها يمر أمامها مذ كان عمرها ثلاث سنوات، لتدخل بعدها نفقاً مظلماً ظلت تصعد فيه دون خوف. تقول إنها قابلت أمها المتوفاة في نهايته وقد سطع نور من ورائها. لكن الأم دفعتها لتعود عبر النفق، وقد سمعتها تقول بصوت يبتعد "لسة بدري يا زينب…". عادت زينب لجسدها على سرير الولادة بعنف، "كأن حد شالني هبدني [ألقاني بعنف]".
وبمقارنة المعطيات المتاحة، بما في ذلك دراسة سنة 1983 للطبيب النفسي الأمريكي بروس غرايسون، وأخرى سنة 2001 قادها جراح القلب الهولندي بِم فان لوميل عن مرضى توقّف القلب وما أفادوا به من خبرات وعي بعد النجاة، بدا أن ضعف توثيق تجارب الاقتراب من الموت أثناء الولادة ربما لا يرتبط بندرة الظاهرة بقدر ما هو ناتج عن قيود منهجية واجتماعية. ولعل السبب الأبرز أن حالات الولادة الحرجة التي تحدث نزفاً شديداً أو وتتطلب تدخلاً طبياً طارئاً لا تتجاوز 6 بالمئة من مجموع الولادات. وأن أقل من نصف بالمئة من هذه الحالات فقط يتطور لانهيار دموي شديد أو توقف القلب.
وما قد يفسر عامل الندرة أيضاً ما يمكن تسميته "تحيز النشر". إذ إن الحالات المثيرة والمبالغ فيها هي بالمعدل أكثر ما يُسجل أو يُشارك، فيما تمتنع بعض النساء عن مشاركة تجربتهن خوفاً من الوصم بالجنون أو الافتقار للمنطق والتفكير العلمي في أوساطهن الاجتماعية. وهو ما لمسته في حديثي مع سامانثا وياسمينا، اللواتي بدينَ أكثر انفتاحاً لسرد ما حدث معهن عندما استشعرن انفتاحاً من الطرف المحاور. كذلك يربط كثيرٌ من الأطباء ما ترويه النساء أثناء الوضع بحالة الإرهاق الحاد والألم والتخدير، واضطراب الهرمونات الذي يرافق الولادة، بل وحتى بالاكتئاب أو الذهان التاليين لها. وهو المعنى الذي أحاله لي الطبيب نضال.
هذا التوسع كان مربكاً، ومعه بدأت تساؤلات أكبر تطرق رأسي. طفقت أتتبع ما كُتب ونُشر عن الظاهرة بإطارها الأوسع، وكأني بدأت من الخلف. وكانت البداية مع عدد من الكتب والدراسات باللغة الإنجليزية، وقد كان عددها في مراحل البحث الأولى بالعشرات. انتقلت بعيد ذلك إلى ما كتب عنها عربياً ، وكان ذلك نحو منتصف 2024. وما لاحظته أن الكتب العربية المتداولة عن الظاهرة، وهي قليلة، ظلت في معظمها تدور على ترجمة الشهادات أو تقديمها ضمن أطر دينية وروحية، أو تتناول جزءاً من التجربة دون تسميتها تجارب اقتراب. منها مثلاً كتاب "الخروج من الجسد" للكاتب المصري المختص في الكتابة عن الغيبيات راجي عنايت المنشور سنة 1987، و"أسرار ما بعد الموت بين الدين والعقل" لكاتبه الباحث الجزائري المتخصص بالدراسات الإسلامية، نور الدين أبو لحية، وصدر سنة 2018.
الكم الأكبر من المحتوى العربي عن تجارب الاقتراب من الموت تتركز في قنوات يوتيوب وصفحات التواصل الاجتماعي المهتمة بالظاهرة، وصولاً إلى بعض المقالات التي جمعت منها القدر الوفير وألقت في روعي الكثير من خيبة الأمل. فقد بدا أن كثيراً من هذا المحتوى يتعامل مع هذه التجارب ظاهرةً مستجدة، أو موضوعاً رائجاً ظهر في السنوات الأخيرة مع انتشار المنصات الرقمية وسهولة تداول القصص الشخصية. وكذا ظهرت هذه القصص، على ما تحمله من فضول، وكأنها اُستهلت من منتصف الطريق أو ربما ثلثها الأخير.
وبما أن الظاهرة تجربة إنسانية مشتركة في أصلها، جوهرها أسئلة وجودية عن الموت والحياة والوعي، لم يبدُ منطقياً أن تكون ابنة العصر الحديث وحده، لاسيما أن قصصاً مشابهة تتكرر في التاريخ البعيد والقريب. ولعل من أقدم الأمثلة المسجلة على ذلك قصة الجندي "إر بن أرمنيوس" التي يوردها أفلاطون في الكتاب العاشر من "الجمهورية" المترجم للعربية أول مرة سنة 1929. إذ يعود إر إلى الحياة بعد مقتله في المعركة باثني عشر يوماً ليروي مشاهداته في العالم الآخر. وبصرف النظر عن قيمتها الفلسفية أو مصداقيتها التاريخية، فإن القصة تبقى مرآة لفكرة العودة من حافة الموت سبقت الطب الحديث بقرون طوال.
الفارق الذي أحدثته التقنية الطبية لم يكن أنها أوجدت هذه الحكايات، بل غيرت شروط ظهورها ووضعت إطاراً أقرب إلى المنهجية البحثية في رصدها ودراستها. فمع تطور وسائل الإنعاش في القرن العشرين، ازداد عدد الأشخاص الذين نجوا من حالات كانت تُعد سابقاً نهاية مؤكدة للحياة. وأصبح بالإمكان جمع شهاداتهم ومقارنتها، والبحث عن أنماط متكررة بينها، دون افتراض مسبق بأنها تثبت تفسيراً بعينه.
في السبعينيات، بدأ الطبيب الأمريكي ريموند مودي يسمع شهادات أشخاص مروا بتجارب غير مألوفة بعد نجاتهم من حالات صحية حرجة. ويذكر أنه هو نفسه مرّ بتجربة شخصية فترة شبابه دفعته إلى إعادة التفكير في العلاقة بين الوعي والجسد، وإن لم يعتبرها دليلاً على أي تفسير غيبي. غير أن إسهامه الأساس كان في جمع هذه الروايات في نمط واحد ومحاولة وصف العناصر المشتركة بينها، وهو ما تبلور كتاباً نشره سنة 1975 بعنوان "لايف أفتر لايف" (حياة ما بعد الحياة).
لم يدّعِ مودي في كتابه أنه اكتشف ما يحدث للإنسان بعد مفارقته الحياةَ، لكنه اقترح أن هناك تجربة متكررة عند بعض الناجين من الاقتراب من الموت تستحق الدراسة. ومن هنا انتشر المصطلح نفسه: "نير ديث إكسبيرينس" (تجارب الاقتراب من الموت) والمعروف اختصاراً "إن دي إي". وإن يرى بعض المهتمين بالظاهرة عربياً، ومنهم الداعية الفلسطيني النمساوي عدنان إبراهيم، أن الترجمة الأدق هي "مشارفة الموت".
أثر مودي في أنه قاد النقاش إلى أسئلة أكثر تعقيداً عن سبب تكرر عناصر بعينها في روايات أشخاص لا يجمع بينهم في كثير من الأحيان خلفيات متشابهة، وقد مهد الطريق نحو محاولات أكثر منهجية لدراسة الظاهرة. كان الطبيب النفسي بروس غرايسون من أبرز من سعوا إلى إخراج هذه التجارب من إطار الحكايات الشخصية إلى مجال البحث المنظم. ونشر سنة 1983 مقياساً معيارياً لتقييم تجارب الاقتراب من الموت، عُرف لاحقاً باسم "مقياس غرايسون"، وأتاح للباحثين مقارنة الحالات وفق معايير موحدة بدلاً من الاكتفاء بالروايات الفردية.
ومع توافر أدوات أدق لقياس الظاهرة، أصبح بالإمكان تقدير مدى انتشارها أيضاً. يذكر طبيب الإنعاش سام بارنيا في كتابيه "تأثير لازاروس" و"لوسيد دايِنغ" (الاحتضار الواعي) المنشور سنة 2024، استناداً إلى مراجعات الدراسات السريرية للناجين من توقف القلب، أن 10 إلى 20 بالمئة ممن يستعيدون وعيهم بعد الإنعاش يروون تجارب تستوفي الخصائص الشائعة لتجارب الاقتراب من الموت. كذلك خلصت مراجعة علمية سنة 2024 عن تجارب الاقتراب بعد توقف القلب، إلى أن النسب تراوحت بين 6.3 و39.3 بالمئة. ومع هذا التفاوت الإحصائي، إلا أن الدراسات تتفق على أن الظاهرة ليست نادرة، وقد يكون عدد من مروا بها عالمياً في العقود الماضية بالملايين. وإن بقى العدد الحقيقي عصياً على التقدير، لأن الدراسات تعتمد فقط على من يختارون الإفصاح عن تجاربهم.
ما ساعد الباحثين على تقنين الجانب الإحصائي للظاهرة، ولو مبدئياً، المعايير التي نظمها مقياس غرايسون، بناءً على عشرات الدراسات وآلاف الشهادات التي جُمعت في العقود اللاحقة. فقد كشفت النقاب عن مجموعة من السمات المشتركة التي تتكرر بدرجات متفاوتة، دون أن يشترط اجتماعها كلها أو بذات التفاصيل في التجربة الواحدة. ومن أكثر هذه العناصر شيوعاً: الإحساس بالانفصال عن الجسد ومراقبة ما يجري من موضع خارجه، والشعور بسلام أو صفاء عميق أو زوال كامل للألم والخوف، والإحساس بالمرور عبر ظلام أو نفق ينتهي إلى ضوء ساطع. علاوة عن لقاء أشخاص متوفين أو كائنات ذات طابع روحي، واسترجاع أحداث الحياة في لحظات مكثفة (وكأنها شريط فيديو سريع)، ثم الوصول إلى حد أو قرار يفضي إلى العودة إلى الحياة.
تبينتُ بعض هذه العناصر في تجارب ياسمينا وسامانثا أثناء الوضع، ووجدت صدىً لها في شهادات أخرى لأشخاص مروا بحالات طبية مغايرة. منهم جبر، وهو فلسطيني غزي مقيم في بلجيكا وقد تحدثنا عبر الهاتف في يوليو 2026. أسرَّ لي أنه تعرض في سبتمبر 2025 لنوبة قلبية حادة وصفها وكأنها "قطار اصطدم في صدره". ومن حسن حظه أن كان جاره طبيباً تمكن من السيطرة على الموقف لحين قدوم الإسعاف ونقله للمستشفى القريب نسبياً من بيته في مدينة بيرغن.
في غرفة الإنعاش حاول الأطباء استخدام الصعقات الطبية لإنقاذه. ومن تلك اللحظة، يقول جبر أنه وجد نفسه يقف في فضاء رحب لكن يحيق به ظلام دامس، وقد انتابه جو من الصفاء. التفت خلفه فرأى جسده مسجىً على السرير، ووصف هذا الجسد بأنه "نسخة ثانية عنه"، مع أنه شعر وهو يراقبه بأنه بكامل وعيه وأن لا نقصان في "كينونته الجديدة". سرعان ما لفت نظره ما وصفه بأنه تجمهر من آلاف الناس، وجوهٌ تبدو مألوفة ولكنه لا يعرف يقيناً من هي. وفي الجهة المقابلة من هؤلاء كان هناك باب يشع نوراً وسط الظلمة.
يقول: "توجهت للباب من غير تردد وكأني مدفوع لفتحه [. . .] وبمجرد أن لمست يدي مقبضه، سمعت هؤلاء الناس يقولون لي بما أشبه التخاطر: 'مش وقتك يا جبر، ارجع'". هنا تلاشت الظلمة وحل نورٌ ملأ المكان، فشعر جبر بنفسه وكأنه يسقط للأسفل بسرعة شديدة، ليفيق بعدها على سرير المستشفى. يضيف: "ظننت أني غبت عن هذا العالم ساعتين، ولكن أكتشفت إني كنت مفارقٌ ليوم ونصف".
ما يلفت النظر في هذه الروايات لا يرتبط بالعناصر المتكررة وحدها، إنما أيضاً في حيادها السياقي. إذ يشير بارنيا، وسبقه في ذلك غريسون، إلى أن العناصر المشتركة في التجارب تظهر بانتظام لدى أشخاص ينتمون إلى خلفيات دينية وثقافية واجتماعية وعمرية مختلفة. إذ خاض تجارب الاقتراب مؤمنون وغير مؤمنين وملحدون، ومسيحيون ومسلمون ويهود وهندوس وبوذيون، وبالغون وأطفال، وأشخاص لم تكن لديهم معرفة مسبقة بأدبيات هذه الظاهرة.
الذي يتأثر ويتغير برأي بارنيا هو طريقة التأويل. فالعنصر التجريبي الواحد قد يُفهم بطرق متباينة تبعاً لخلفية صاحبه أو صاحبته. فقد يصف شخص ذو خلفية مسيحية لقاء كائن نوراني بأنه لقاء مع المسيح أو أحد القديسين. وقد يفسره مسلم لقاءً مع ملائكة أو أرواح صالحة أو حتى النبي محمد، علاوةً على رموز من العقيدة الإسلامية. بل يصبح النمط أضيق تأويلاً داخل الدين نفسه، كأن يلتقي المسلم الشيعي مثلاً بفاطمة الزهراء. وفي هذا السياق، يورد جبر قصة أخبره بها صديق سوري أسماه "أبو عبده"، حصل معه حادث فوجد نفسه وقد دخل عالماً من الجحيم وصفه بفيلم الرعب. عنصر التأويل كان في وصف أبو عبده سيره على خط واحد ينظر إلى أهوال العذاب وصرخات المذنبين وهم يلقونه، وقد فسر خط سيره بأنه "الصراط المستقيم"، وفق المنظور القرآني.
وقد أخبرني الداعية الأردني علاء غنيم، صاحب قناة يوتيوب تعنى بتجارب الاقتراب من الموت، أن لا عجب أن يرى من عايشوا هذه التجارب رسلهم أو مبعوثيهم. واستشهد بالآية 71 من سورة الإسراء تأكيداً على طرحه، " يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ".
في المقابل، ربما يفسر شخص غير متدين التجربة بلغة أكثر تجريدية، مثل الإحساس بوجود محبة أو وعي كوني، وهذا ما تبين في تفسير سامانثا التجربةَ بتسمية من أوحى لها بالعودة بأنه الكون. في حين يشير كارل بيكر، أستاذ أخلاقيات الطب والفلسفة في جامعة كيوتو اليابانية، في دراساته "شي نو تايكن [. . .]" (تجربة الموت [. . .]) الصادرة سنة 1990، أن تجارب الاقتراب لليابانيين تختلف عن النمط الغربي الشائع. إذ تظهر فيها أحياناً رموز مرتبطة بالتصورات البوذية والشنتوية وتقاليد الأسلاف.
العمر إطار تأويلي آخر. فالأطفال، وهم عادةً الأقل ارتباطاً بتفسيرات دينية محددة، يستخدمون أوصافاً مختلفة عن البالغين الذين ربما يحملون تصورات راسخة عن الموت والعالم الآخر. ومن الشهادات اللافتة في هذا السياق تجربة رضوانة، طفلة إيرانية في العاشرة من عمرها، روتها ضمن برنامج "زِنْدِغي بَس أَز زِنْدِغي" (حياة ما بعد الحياة") الإيراني الذي بدأ بثه في 2020 ويعرض شهادات لأشخاص مروا بتجارب اقتراب. وصفت رضوانة شعورها بالانفصال عن جسدها بعد فقدانها الوعي أثناء رحلة مدرسية، ورؤيتها مشهدَ سقوطها وإسعافها من موضع خارجي، ثم ظهور نورٍ أبيض وكائنات مضيئة ذات أجنحة. انتقلت بعد ذلك إلى مكان آخر رأت فيه رجلاً ساطع النور يرتدي ثياباً خضراء ويتحدث العربية، رغم أنها لا تفهم اللغة. لم تمنح رضوانة الرجل اسماً دينياً محدداً، ولم تقل إنها رأت النبي محمد أو الإمام علي، إنما اكتفت بوصف ما شاهدته.
مع ذلك، يضع ستيف ميلر، أستاذ الفلسفة بجامعة كينيساو في ولاية جورجيا الأمريكية والباحث في تجارب الاقتراب، قيداً على هذا التفسير التأويلي. ففي مقابلة مع مقدم البودكاست شون ماكدويل نُشرت على قناته في يوتيوب سنة 2024، تحدث عن مراجعته الأولية لآلاف الحالات بحثاً في مدى تطابق الشخصيات التي تظهر في التجارب مع المعتقدات الدينية السابقة لأصحابها. لم يجد في الحالات المسلمة التي راجعها روايات عن رؤية النبي محمد، كذلك لم يعثر بين الحالات التي بحثها عن كريشنا سوى ثلاث روايات. ومع ذلك يظل ميلر حذراً من اعتبار هذه المراجعة حاسمة. وفي اتجاهه هذا وقف على مسافة وسط من بارنيا وغريسون، أقر بدور الخلفية الدينية والثقافية في تأويل التجربة، لكنه لم يتعامل معها قاعدةً مطلقة.
لكن الانتقال من وصف التجربة وتأويلاتها إلى تفكيكها خارج الإطار الطبي والعصبي، بل والإحالات الثقافية، وضعني أمام توسع جديد، في وقت بدت رحلة بحثي على أعتاب أجلها. كنت أعتقد، ربما بسذاجة المتحمس، أن هذه ستكون نقطة الانفكاك والولوج إلى كبد الحقيقة. فقد رغب جزء مني تصديق هذه التجارب، ربما متأثراً بالجانب الغيبي والتأسيس الديني الذي نشأت عليه. في المقابل، ظل جزء آخر يقاوم قبولها، محكوماً بقلق الظهور بمظهر المستهتر بقواعد البحث العلمي.
بهذا وجدت نفسي أمام معضلة أحاول فيها أن أضع قدمي بين تفكيكين: أولهما ديني، والثاني متعلق بالحاجة النفسية الفطرية إلى الانفكاك من عقدة الموت. لكن كلما ظننت أن قدمي ثبتت في إحدى المساحتين ووجدت فيها مبتغاي، وجدتها تنزلق أو تكاد إلى مساحة أخرى عصت على الحسم، ولا تزال.
لم يختمر سؤال الدين عندي إلا عندما التقيت بالشيخ عبدالمجيد في أحد مساجد وسط القاهرة، في منطقة طلعت حرب، وكان ذلك مطلع 2025. دخلت المسجد قبيل موعد صلاة المغرب، إعياءً من الضوضاء وبحثاً عن حيز من الهدوء. تقدم نحوي شاب نحيل بلحية غير مكتملة، وقدم نفسه بعد أن استفسر عن حالي بعدما رآني "متجهماً"، ليبدأ بعد ذلك حوار مطول في المسجد، انتهى في أحد المقاهي القريبة واستمر ساعاتٍ متأخرة من الليل، ولا ينام ليلٌ في قاهرة المعز.
قال عبدالمجيد إنه خريج الأزهر الشريف ويعشق القراءة، والقراءة كانت طريقه نحو نقد "النهج التلقيني الأزهري"، ولم أيقن بدايةً ما كان يقصد. وهذا النقد كان منطلق حديثنا عن تجارب الاقتراب، وكان لدهشتي من الملمين بها، وإن بدا أن التأويل الديني مرتكزه الأساس.
"خليني أستغل عقلك"، قلتُ له مداعباً فضحك. وكان أول ما استفسرت عنه الحد الفاصل بين التجربة الدينية والتجربة التي يمكن أن تتحول إلى ادعاء ديني، وفي تصوري تجربة دينية عابرة لمعتقد بعينه. قلت لعبدالمجيد إنني أستطيع أن أفهم أن يرى إنسان نوراً، أو يشعر بوجود كائنات، أو يمر بإحساس عميق بالسلام، لكنني لا أفهم كيف ينتقل من ذلك إلى الجزم بأنه رأى ملَكاً أو نبياً أو أنه دخل بالفعل إلى عالم آخر. وفي استفساري كان إعادة لمسألة التأويل التي طرحها مثلاً بارنيا وغريسون.
لم يتعامل مع السؤال اعتراضاً على أصل التجربة، ورأى أن المشكلة تبدأ في اللحظة التي يخلط فيها المرء ما اختبره وما استنتجه من اختباره. فالتجربة قد تكون حقيقية لصاحبها وتحمل معنى روحياً عميقاً، دون أن تصبح تفاصيلها جزءاً من العقيدة. ذكّرني بأن التراث الإسلامي يميز بين الوحي والرؤيا والتجربة الشخصية. فالرؤيا الصالحة لها مكانتها في الحديث النبوي، لكن ذلك لا يجعلها مصدراً لتشريع جديد أو عقيدة مستقلة.
سألته عن البرزخ والتطهر الكاثوليكي، وقد أعدت سرد تجربة ياسمينا عليه. انفجر ضاحكاً من مطابقة اسم المقهى البيروتي لب الحديث، قبل أن يعلق بأن من عايشوا تجارب الاقتراب خبروا نوعاً من الانفتاح الجزئي على عالم البرزخ. لكنه لم يرَ أن الإنسان العائد من تجربة اقتراب بلغ الحالة المطلقة.
ما لفتني وصف التجربة "انفتاحاً جزئياً" على البرزخ، وقد بدا ذلك لي حديثاً عن حدود الإدراك. خصوصاً أن كثيراً ممن عايشوا تجارب الاقتراب يصفونها بأنها حالات استثنائية من الوعي، يغشاها وضوح إدراكي يفوق ما يعرفونه في وعيهم المعتاد. فسامانثا مثلاً اخترق وعيها الجدران بل وعاينت عقل طبيبها ومشاعر زوجها، وجبر شعر أن ما رآه كان واقعاً أكثر من الواقع. هنا قال عبدالمجيد إن الروح مقيدة بحدود الجسد المادية، وحين يموت الإنسان أو يقترب من الموت، فإنها تتحرر فتنظر إلى ما وراء العالم المادي. كان دليله من القرآن، "فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلْيَوْمَ حَدِيد".
تذكرت على وقع الآية ما حُكي لي عن جدي، موسى، وهو على فراش الموت، وقد حال بيني وبين وداعه جدران وحدود سنة 2014. كان ينظر في الفراغ في زاوية من الغرفة ويرحب بأناس لم يرهم الحاضرون. وقد كان من بينهم أمه التي توفيت في نكبة فلسطين سنة 1948، حسبما قال. مد يده بعدها وتناول شيئاً من الفراغ - وما زالت عيناه الضعيفتان شاخصتان في الاتجاه ذاته - قال إنه عنب حلو بدأ يأكله ويمضغه حبة تلو أخرى وكأنه حقيقي. كان ذلك قبل أن يغمض جفونه للمرة الأخيرة.
أعادني صوت عبدالمجيد من الماضي إلى المقهى، الذي لم يبقَ فيه سوانا، فيما كان النادل يرمقنا بنظرات تدعونا إلى المغادرة بعدما كادت الساعة تبلغ منتصف الليل. حملنا أغراضنا وافترقنا. وبقي من حديثه موقف أقرب إلى الوسط: لا تجعل التجربة وحياً، ولا تجعل غرابتها دليلاً على بطلانها. كنت أريد القول: لا نعرف. وكان هو يرى أن عدم معرفتنا لا يعني عدم وجود عالم لا نراه.
وفي هذه المساحة الوسطى وقف أيضاً علاء غنيم. أخبرني بأن تجربة الاقتراب لا تعني بلوغ الموت نفسه، وإنما الاقتراب من إحدى عتباته. نفى اختزالها في اضطراب عابر للوعي، ورأى أن الحالات التي يصف فيها أصحاب التجارب إدراك أحداث حولهم أثناء فقدان الوعي تتجاوز مجرد التأمل، وتقدم دليلاً على ما جاء به الإسلام بشأن طبيعة الإنسان والروح.
لكن هذا النوع من التأويل ومحاولة مطابقته مع النص والتصور الديني لم يكن محل اتفاق حتى داخل الخطاب الديني نفسه. ففي مقابل النظرة التي ترى في هذه التجارب نافذة محتملة على "عالم البرزخ"، وجدت رأياً أكثر تحفظاً لدى هيثم طلعت، المصري المتخصص في العقيدة الإسلامية ومعروف بنقده الإلحاد. إذ يذهب في أحد مقاطعه المصورة على يوتيوب، عنوانه "تجربة الاقتراب من الموت والاسقاط النجمي" سنة 2024، إلى تفسير بعض صور هذه التجارب نوعاً من الوساوس أو الإيحاءات الشيطانية، مع إقراره بوقوع التجربة. حاولت التواصل بالبريد الإلكتروني مع طلعت لمناقشة هذا التفسير مطلع 2025. رحَّب في البداية لكنه لم يجب عن بقية رسائلي، فانتهى الأمر عند ما اختار أن يقوله في مواده المنشورة.
في حديثي مع عبدالمجيد وغنيم، كنت مستعداً لتقبل التفسير الغيبي حين يُطرح ضمن الإطار الديني الخالص، إذ يظل تفسيراً من جنس التصور الذي ينطلق منه. أما عند طلعت، فكان تحفظي على جعل التدخل الشيطاني مفتاحاً تفسيرياً مركزياً للتجربة، فتُقرأ صورها وإدراكاتها في ضوئه، مع إبقاء احتمال التدخل الملائكي في بعض الحالات. بدت لي المشكلة أكبر من مجرد تأويل له الحق في عرضه، وإنما في درجة الحسم التي يمنحها لفرضية غيبية لا تتيح التجربة وحدها التمييز بينها وبين البدائل.
لم يتغير الموقف كثيراً بعد محاولة عبوري بالسؤال إلى أديان أخرى. اختلفت التأويلات أحياناً، وظلت الإجابات تتأرجح دون أن تستقر. ففي يوليو 2026، تحدثت مع كاهن في إحدى كنائس مقاطعة ديربيشير في شمال المملكة المتحدة. جاء اللقاء بعدما أنهكتني محاولات إقناعه بالبريد الإلكتروني والهاتف بأن يقتطع من وقته ليجيب عن بعض أسئلتي. مثلما أنهكني المسير نصف ساعة إلى الكنيسة، وسط صيف توالت فيه موجات الحر حتى اصفرّ خضار بريطانيا الغناء وأصبحت منه العين تأنف، وكأنه يعكس ما في نفسي من حيرة.
حاولت أن أفهم كيف تنظر بعض التقاليد المسيحية إلى تجارب الاقتراب من الموت، وما إذا كانت تجد فيها شيئاً يتقاطع مع تصوراتها للحياة الأخرى. خصوصاً وأن مدخلي الأساس لدراسة الظاهرة بدأ من مصادر مسيحية، أو على الأقل من أدبيات نشأ قدر منها في ظل تصور غربي للروح والعالم ذي جذور مسيحية. بل إن مدخلي اللاهوتي المبكر لتقصي الظاهرة "روحانياً"، جاء بقراءة أعمال إيمانويل سويدنبرغ، اللاهوتي والفيلسوف السويدي الذي عاش في القرن الثامن عشر. فقد انصرف في النصف الثاني من حياته إلى الكتابة عن عالم بعد الموت، لاسيما في كتابه الذي لا زال يقبع على مكتبي، "هيفن آند هيل" (الجنة والجحيم) المترجم إلى الإنجليزية سنة 1778. وفيه وصف ما قال إنها خبراته في العالم الآخر بتفاصيل أظنها مدهشة.
مع ذلك، لم يلقني بعد طول الطريق سوى باب ضيق. كان الكاهن مضيافاً ولطيفاً، لكنه بدا حذراً في الفصل بين التجربة الشخصية وبين ما يمكن أن تنسبه الكنيسة إلى عقيدتها. ما قاله إن التصور الكاثوليكي للحياة بعد الموت واضح في خطوطه الكبرى، لكنه لا يمنح التجارب الفردية بالضرورة موقعاً واضحاً داخل العقيدة. أضاف أن هناك مساحة واسعة بين ما تقوله العقيدة عن الموت والحياة الأخرى، وبين ما يصفه أشخاص يقولون إنهم اقتربوا من الموت ثم عادوا. خرجت من اللقاء بإجابات واضحة في خطوطها العامة، لكن المسافة التي جئت لأقطعها بين العقيدة والتجربة بقيت على حالها.
قادتني الأسئلة عينها في الفترة نفسها إلى "كريس"، التي ردت على رسالتي بالبريد الإلكتروني إلى أحد الكنس التابعة لليهودية الإصلاحية في مدينة مانشستر. أخبرتني أنها عاشت تجربة خروج من الجسد، لكنها لم تصفها بأنها تجربة اقتراب من الموت. وكانت حريصة على الفصل بين ما عاشته هي نفسها وبين وضع هذه التجربة داخل إطار ديني أو علمي. قالت لي إن اليهودية نفسها تضم آراء وتأويلات كثيرة في معظم المسائل، وإن الآراء فيها أكثر من عدد اليهود أنفسهم، كما مازحتني في رسالتها اللاحقة. أردفت أن الفكرة المعتادة في اليهودية تميل إلى أن يهتم الإنسان بهذه الحياة أكثر من الحياة الأخرى، لكنها أشارت أيضاً إلى وجود معالجين وروحانيين يهود.
عدت لأفتش بمكتبتي عن ذلك الكتاب الأصفر الذي أذكر أني قرأته قبل عدة سنوات في بدايات عملي على أطروحة الدكتوراه، وتصفحته في أكثر من مناسبة بعدها، خصوصاً كلما اشتد علي هاجس فهم الموت. وجدته وقد اعتلته طبقة من الغبار فصار أصفره رمادياً. كان ذلك كتاب عالم الإناسة الثقافية إرنست بيكِر "ذا دينايل أوف ديث" (نكران الموت) الصادر سنة 1973. ولم أكن أعرف حين قرأته للمرة الأولى أن بيكِر كان قد أنهى مخطوطه قبل أسابيع قليلة من تشخيصه بسرطان القولون. تساءلت إذا ما أمضى شهوره الأخيرة وهو يواجه الموت الذي قضى الكتاب كله في محاولة فهم أثره في الإنسان، قبل أن يرحل عن عمر تسعةٍ وأربعين عاماً، بعد نشر الكتاب بعام.
في قراءتي المتأنية الثانية للكتاب تغيرت النظرة قليلاً، فلم يعد ما وجدته في بيكر مجرد خوف واع ومستمر من الموت، أو احتجاج نفسي على النهاية المطلقة، بقدر ما كان إشارة للمفارقة الوجودية التي يعيشها المرء. فالإنسان كائن فَانٍ يعرف أنه فانٍ، وفي الوقت نفسه يعيش كما لو أنه باقٍ. ومن هذا التناقض، في تصور بيكر، تنشأ الحاجة إلى بناء أنظمة من المعنى تمنحه إحساساً بأنه أكبر من جسده الفاني، وأن شيئاً منه يمكن أن يستمر بعد الموت.
يسمي بيكر مساعي بناء المعنى هذه "مشاريع الخلود"، ويضع الدين ومفهوم الحياة الأخرى واحداً منها. ولا عجب، فمراسم الجنازات والدفن بصورها الثقافية المتباينة وامتدادها عبر التاريخ، تبين - على الأقل رمزياً - كيف يتحول هذا التوق إلى الاستمرارية لممارسة "تتحدى الخوف من الفناء". ففي مصر القديمة كما في بعض تقاليد الصين القديمة، بل في مجتمعات أعتُبرت منعزلة جغرافياً مثل غينيا الجديدة وبين السكان الأصليين لأستراليا، جُهّزت القبور بالطعام والشراب والملابس والأدوات والتمائم والنصوص التي يُعتقد أنها تساعد الميت في رحلته إلى العالم الآخر. وكذا تتعامل الديانات التوحيدية وغير التوحيدية، كالهندوسية والبوذية، مع الميت عابراً إلى عالم آخر. كل تقليد بتفسيره وطقوسه وتصوره لهذا العالم الآخر أو الحالة التي تلي الموت.
في طرح بيكر، وجدت ما يشبه فكرة "الاستجابة الدفاعية"، وتُعرف رد فعل دفاعي نفسي وجسدي لاشعوري لحماية الذات من الصدمات أو المخاوف أو القلق، وهي فكرة لطالما استخدمتها مدخلاً لتفسير بعض الظواهر النفسية. وحين أسقطتها على الموت، بدت لي أكثر إغراءً، ربما لأن الرحلة حينها صارت مثقلة بتفاسير أوسع من سؤالها، وبتُ متعباً وأكثر استعداداً للاكتفاء بأقربها. فبما أن صناعة المعنى عن الحياة الأخرى قد تكون تقنيناً ثقافياً للخوف من الموت، فربما تكون تجارب الاقتراب نفسها استجابة نفسية لجنس الخوف نفسه. فعندما يتعرض الإنسان لتهديد وجودي مباشر، بسبب علة جسدية أو حادث، قد لا يواجه عقله الموت حقيقةً مجردةً، وإنما يحاول أن يجعل التجربة قابلة للاحتمال. هنا يستعين بما راكمه من صور ومعانٍ عن الاستمرار والحياة الأخرى، أو يعيد تشكيل التجربة بشكل أقل قسوة، وربما أقل "رعباً" من فكرة النهاية المطلقة وما يحمله ما بعدها من غموض وفقدان للسيطرة.
ساعدني في ترسيخ هذا التصور ما سُمي "نظرية إدارة الرعب"، التي ظهرت في نهاية الثمانينيات وطورها علماء النفس الاجتماعي جيف غرينبرغ وشيلدون سولومون وتوم بيزتشينسكي، استكمالاً لفكرة بيكر. لكنها نقلت الفكرة من مستوى التأمل الوجودي، إلى مستوى النظرية النفسية القابلة للاختبار.
تنطلق النظرية من أن وعي الإنسان بحتمية موته يمكن أن يولد قلقاً وجودياً يحتاج إلى إدارة، وأن إحدى أهم وسائل هذه الإدارة التمسك بمنظومات ثقافية تمنح الحياة معنى، والحفاظ على تقدير الذات والشعور بأن للمرء قيمة داخل عالم ذي معنى. ولاختبار ذلك، يستحضر الباحثون فكرة الموت لدى المشاركين تجريبياً، فيما يسمى "بروز الموت"، أي جعل فكرة الموت حاضرة في وعي الشخص، أو لفت انتباهه إلى حقيقة موته المحتوم. ثم يقيسون ما إذا كان استحضار الموت يدفع المشاركين إلى التشبث بقيمهم الثقافية أو إلى تعزيز تقديرهم لذواتهم، مقارنةً بأشخاص لم يُستحضر لديهم الموت.
من هذه الزاوية، يمنح الدين الإنسان أكثر من مجرد تفسير للموت، إذ يوفر له أيضاً أدوات لإدارته تجعله قابلاً للاستيعاب والقبول، حدثاً وأثراً. وكذلك تفعل، بصورة مختلفة، القومية والأسرة والعمل والإبداع والمكانة الاجتماعية. بعضها يمنح خلوداً رمزياً، وبعضها يَعِد بخلود حرفي. وضمن هذا الإطار، بدت تجارب الاقتراب واحدة من وسائل إدارة تهديد الفناء يمكن إخضاعها للبحث والقياس، أكثر منها مجرد استجابة دفاعية بالمعنى الذي يوحي به إرنست بيكر.
لأسابيع، تمترست وراء هذه الأطروحة. بل خِلت، ربما من ثقةً زائدة بعد جهد بحثي جهيد، أن الوقت حان لأضع تفسيراً علمياً تنتهي معه رحلتي. ولكن مع التخفف التدريجي من الحماسة وبالنظر مرة ثانية لما اعتبرته "نتائج" في أوراقي المبعثرة، بدأت تتجلى لي مواضع هشاشة، ليتساوى لدي حينها شعورا الإحباط والذنب، وربما قليلٌ من الخجل. الأولان مصدرهما التعب، والثالث مرده إلى أنني كنت قد اقتربت من الاكتفاء بتفسير لم أختبر حدوده بما يكفي.
تبين أن بعض النتائج التي قامت عليها فرضية بروز الموت، مثلاً، لم تصمد أمام محاولات التكرار الحديثة (أي أن يعاد تكرار التجربة والخروج بنتائج متشابهة). ففي دراسة واسعة سنة 2022، شارك فيها سبعة عشر مختبراً بحثياً وما لا يقل عن ألف وخمسمئة شخص، أجراها عالم النفس الاجتماعي روبرت كلاين وآخرون، لم يظهر الأثر المفترض لاستحضار الموت. كذلك تشير مراجعة منهجية نُشرت سنة 2025، قادتها عالمة النفس ليهان تشين، وشملت مئات الدراسات التي اختبرت فرضية بروز الموت، إلى مشكلات في القيمة الاستدلالية لكثير من هذه الأدبيات، وإلى احتمال أن يكون تحيز النشر قد ضخّم بعض آثارها.
خلف هذا كله، ومع أفول الحماسة الأولى بالكامل، برزت لي مشكلة جوهرية أخرى. فاستحضار الموت بالكتابة عنه أو تذكير المشاركين به لا يساوي مواجهة الموت حين يصبح تهديداً فعلياً. وبدا لي كذلك أنني حمّلت "الاستجابة الدفاعية" في هذا السياق أكبر من وزنها. بل بان أن المنهج الذي حسبته انفتاحاً على أسئلة كبيرة لا يختبر بالضرورة ما كنت أبحث عنه. فهو يقيس أثر استحضار الموت، بينما كانت رحلتي تبحث أصلاً في أثر الاقتراب منه. بمعنى أنني في مواضع بدأت من منتصف القصة وانتهيت قبل أن أصل آخرها.
حين حاولت أن أعود إلى علم النفس بحثاً عن تفسير أوسع من "الاستجابة الدفاعية"، وجدت أن المشكلة تتجاوز قصوراً في هذه النظرية أو تلك، لتمتد إلى الطريقة التي يقترب بها العلم نفسه من التجربة، خصوصاً في شقيه المعرفي والعصبي. ففي سعيه إلى جعل الظواهر قابلة للدراسة، يفكك الخبرة إلى مكونات، خوف وإدراك وذاكرة وتفكك وتوقع وإحساس بالذات، أو تغير في الوعي. وإن كان هذا التفكيك ضرورة منهجية، لكنه يحمل معه خطر الاختزال وافتراض أن تفسير الأجزاء يكفي في النهاية لتفسير التجربة كلها. وفي تجارب الاقتراب، حتى لو أمكن تفسير بعض مكونات التجربة، يبقى السؤال قائماً عن الكيفية التي تنتظم بها هذه المكونات في خبرة واحدة، ولما تتخذ في لحظة مواجهة الموت صوراً متكررة ومتماسكة، كخروج من الجسد، والمرور عبر نفق، ولقاء كائنات أو أشخاص، والإحساس بالسلام والمحبة.
كذا ظهرت لي حدود التفسير بحدة أكبر حين بدأت أجد تجارب لا تنسجم بسهولة مع المادة التي يفترض المنظور النفسي أن العقل يعيد تركيبها. توقفت، مثلاً، عند طرح عالمي النفس الاجتماعي كينيث رينغ وشارون كوبر عن تجارب الاقتراب والخروج من الجسد لدى المكفوفين، الذي بدأ دراسةً سنة 1997، ثم تحول كتاباً عنوانه "مايندسايت" (رؤية العقل) سنة 1999. كان بين المشاركين أشخاص ولدوا مكفوفين، ومع ذلك وصف بعضهم أثناء التجربة ألواناً وأشكالاً ومشاهدَ بصرية، على نحو بدا لافتاً في تشابهه مع أوصاف التجارب لدى المبصرين.
ليس هذا فحسب، تزداد المسألة تعقيداً حين يتجاوز ما يرويه أصحاب التجارب ما جرى لهم، ليشمل أشياء تقع خارج نطاق ما كان لأعينهم أن تراه. وهي سمة أسميها "الانتقال الحسي البعيد"، تتكرر في بعض تجارب الاقتراب، وليست ياسمينا وحدها من عاينت ذلك وهي في سرير المستشفى. ففي مارس سنة 2025، عرض برنامج "حياة ما بعد الحياة" الإيراني حالة "جهانغير ولادي"، الذي قال إنه خرج من جسده أثناء خضوعه لجراحة في الكلى بمستشفى "خاتم الأنبياء" في طهران سنة 2024، ليجد وعيه وقد انتقل إلى مستشفى "الإمام رضا" في كرمانشاه، على بعد نحو خمسمئة كيلومتر. هناك، كما روى، شاهد إنعاش مريض وتابع نقله إلى المشرحة. ولأن روايته تضمنت تفاصيل عن مكان لم يكن جسده فيه، اصطحبه معد البرنامج، عباس موزون، إلى المستشفى للتحقق منها، بعد أن عُصبت عيناه منذ وصوله إلى المدينة. أخذ يصف الطريق إلى المشرحة، ومكاناً مخصصاً للعزاء، ثم تفاصيل داخلها، بينها ترتيب ثلاجات الموتى وعلامات في الثلاجة رقم أربعة. قورنت أوصافه بما هو قائم فعلاً، بحضور مدير المستشفى ومدير الخدمات، اللذين أكدا عدداً من هذه المطابقات.
تحدٍّ آخر للتفسير النفسي يظهر حين لا تأتي فيها التجربة متطابقة مع معتقد صاحبها أو توقعاته، أو تظهر في ظروف لا يكون فيها خطر الموت واضحاً. وهذه المسألة بالذات أخبرتني بها سامانثا، فهي قبل تجربتها لم تسمع أبداً بتجارب الاقتراب، واعتقدت أن الموت مثل أن "يطفئ الشخص النور فيضحي كل شيء ظلاماً"، وكأنها بهذا أشارت لنهاية الموت عدماً.
ويأخذ هذا التحدي شكلاً آخراً في تجربة رندا، القائمة على قناة "تجارب الاقتراب من الموت زيارات العالم الآخر" على يوتيوب، وقد تحدثنا في أكثر من مناسبة بالبريد الإلكتروني وفي لقاءات مباشرة في القاهرة بدايات سنة 2025. وصفت لي تجارب متكررة شبيهة بالخروج من الجسد كانت تحدث لها لاإرادياً، دون أن تسبقها مواجهة مع خطر موت فعلي. تحدثت عن مقابلة أبيها وأخيها المتوفَّيين والتحدث معهما، وقد لقي الأخ حتفه في سوريا في سنوات الثورة، حسبما تقول. لم تكن رندا حينئذ قد سمعت بتجارب الاقتراب أو ما وصفته في حديثنا باسم "الاسقاط النجمي"، في إشارة لمغادرة وعيها جسدها.
هنا، وعلى تراكم التحديات، لم تكن حالة المكفوفين عندي دليلاً دامغاً على أن الوعي يغادر الدماغ، فدراسة رينغ وكوبر استعادية ومصادر التحقق محدودة. ولا أملك وسيلة موضوعية مجردة لتفنيد تجارب الانتقال البعيد أو تأكيدها، سوى بمقارنة ما يرويه أصحابها بما يمكن التحقق منه من مطابقات. وبالمثل، لم أتعامل مع روايتي سامانثا ورندا توكيداً نهائياً على حدوث تغير في طبيعة الوعي، فكلتاهما تظلان في نطاق الخبرة المروية، بما لها من قيمة وما عليها من حدود.
ولكن ما وجدته في هذه الحالات ومثيلاتها، إن صحت، أنها تربك تفسيراً يقوم على أن التجربة تُبنى من الخوف والتوقع والذاكرة والمخزون الحسي السابق. ولعل هذا النوع من الحدود التفسيرية الضيقة هو ما استدعى، في جانب منه، ظهور علم نفس ما وراء الشخصية، ليشمل حالات الوعي والخبرات الإنسانية التي لم تستوعبها النماذج التقليدية. ولربما ليس مصادفةً أن يكون كينيث رينغ نفسه قد أصبح لاحقاً من أبرز الباحثين في هذا المجال. ولذات السبب أيضاً وجدت نفسي أنتقل تدريجياً لهذا المجال، مع أنه ما زال في طور النضوج المنهجي.
جاءني ما حسبته مَخْرجاً بعدها بأيام، أثناء بحث منفصل قادني إلى مقالة الفيلسوف توماس ناغل "وات إتز لايك تو بي أبات؟" (ما يعني أن تكون خفاشاً؟)، نشرها سنة 1974. وفكرته بسيطة، لكل تجربة واعية جانبٌ لا يعرفه إلا من يعيشها. عندها بدا لي أنني ربما كنت أخلط بين مستويين متباينين، ما يحدث داخل التجربة والاعتراف بالتجربة نفسها.
ومع تغير موضع السؤال، لم أعد أشعر أني مضطر إلى الاختيار بين مواقف متناقضة، إما أن التجربة تكشف حقيقة غيبية أو مادية، أو أنها بلا قيمة. فالقول إن شخصاً رأى نفسه خارج جسده لا يلزمني بالقول إن وعيه فارقه، ولا يلزمني أيضاً بالقول إن ما عاشه وهم. ما يمكن قوله بيقين أكبر هو أنه عاش تجربة "شعر" فيها أن وعيه لم يعد محصوراً بالطريقة المعتادة في جسده. فالتجربة هنا حقيقية في نطاقها، قبل أن تصبح موضوعاً للبحث العلمي.
تغيّر التجربة واقع من عاشها، ولا يحتاج هذا التغيير تفسيراً لكي يكون حقيقةً. هذا مثلاً ما تناوله علماء النفس فراكاسو وغريسون وفريدمان، في فصلهم الذي تناول تجارب الاقتراب من منظور علم نفس ما وراء الشخصية، ضمن كتاب "ذا وايلي-بلاكويل هاندبوك أوف ترانسبيرسونال سايكولوجي" (دليل وايلي-بلاكويل لعلم نفس ما وراء الشخصية)، المنشور سنة 2013.
تشمل هذه الآثار، في جانبها الإيجابي، انخفاض الخوف من الموت وتغير القيم والأولويات ونمط الحياة وزيادة تقدير الحياة والحب والتعاطف مع الآخرين. إلى جانب تراجع الاهتمام بالمكاسب المادية والمكانة، وازدياد الاهتمام بالمعنى والروحانية. وقد تكون الآثار أكثر تعقيداً في جانبها الآخر، إذ يواجه بعض أصحاب التجارب صعوبة في العودة إلى حياتهم السابقة أو في استيعاب ما حدث لهم، وقد تظهر لديهم آثار نفسية مؤلمة، بما فيها الاكتئاب وأعراض شبيهة باضطراب ما بعد الصدمة.
وقد تبينت بعضاً من وجهي هذه الآثار في حديثي مع رندا. قالت إن تجربتها الشخصية تركت فيها شعوراً جميلاً وحنيناً إلى "هناك"، لكنها لاحظت لدى بعض من عرفت قصصهم أو تحدثت إليهم آثاراً أقسى. عانى بعضهم من الاكتئاب وصعوبة الاندماج في الحياة بعد العودة، حتى إن بعضهم حاول الانتحار. فقد بدت الحياة، مقارنة بما عاشوه، "جحيماً لا يطاق" أو "حاوية نفايات"، بحسب رواية أحدهم لها. ووصف كثير منهم العالم الآخر بأنه "الوطن" الذي شعروا أنهم عادوا إليه.
لم يختلف الأثر كثيراً عند جبر، وإن بدا تعاطيه معه أكثر رواقيةً. فقد أخبرني أن الرهبة من الموت صارت أقل كثيراً بعد تجربته، ووصف ما حدث خلالها بأنها "كأنها رحلة وراجع [. . .]". ولكنه استدرك أنه قبل التجربة لم يكن يخشى الموت كثيراً أصلاً، ففي بداية الإبادة في غزة قُتلت أخته وأطفالها في مدينة رفح التي مُسحت اليوم من الخريطة، فترك فيه الفقد بعض المناعة أمام فكرة الفناء. ولهذا يرى أن "عودته من العالم الآخر" كانت هبة ربانية أكثر منها عقاباً، فلم يشعر فيها سوى بالسلام، ولم يترتب عليها في حياته سوى أثر إيجابي، لاسيما أن ذلك ساعده أن يعيد النظر في أولوياته ويحسن من حياته. انتهى ضاحكاً بالقول: "خوفونا المشايخ"، في إشارة متهكمة لأحاديث من سماهم السلفيين عن "عذاب القبر".
أما ياسمينا، التي تحدثت معها آخر مرة نهاية سنة 2024 وانقطعت أخبارها منذئذ، فقالت إن التجربة ما زالت حاضرة معها بتفاصيلها وشعورها. لكن ما آلمها كان محاولتها إقناع الآخرين بحدوثها، وبدت غير راغبة في الحديث أكثر عما حدث. ولم يبقَ من أثر ما عايشته لدي سوى قصة بدأت حول قائمة طعام.
وأمام هذا الحد الذي هالني في كل زاوية من رحلة البحث، ظللت معلقاً بين موت لا أستطيع إنكاره، واحتمال ما بعده لم يسعني إغلاق بابه. لكن ظل لبُ اليقين أنني سأموت، مثلما مات قبلي ممن أحببت وعرفت ومن لم أعرف، كما سيموت بعدي من سيأتي. وحين يمضي بي الطريق إلى منتهاه، قد لا أعود لأخبر أحداً بما كان وراءه، إن كان له وراء.

