صوت علي البرّاق جزءٌ من ذاكرة التونسيين جميعاً. وتلاوته جزءٌ من الذاكرة السمعية لشعبٍ بأسره. ويبدو صوته الشيء الوحيد تقريباً الذي لا يزال يعيش مع التونسيين بكلّ أجيالهم، حتى ظل متعالياً فوق كلّ التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية التي طرأت على البلاد منذ ثلاثينيات القرن العشرين.
وبخلاف كون البرّاق يمثّلُ العلامة الأبرز التي تُحيل إلى المدرسة التونسية في التلاوة ومرجعها الرئيس، فإنّه يحمل في سيرته الشخصية وسيرة صوته سرداً تاريخياً تونسياً طويلاً في الدين والثقافة والسياسة. ويطفو صوته فوق مراحل طويلةٍ من التحولات التي عاشتها البلاد في تاريخها الحديث. لذلك فإنّ السرد في تاريخ علي البرّاق وسيرته، على ضعف المَراجع عنها، سردٌ في التاريخ الاجتماعي للصوت والتلاوة في تونس. فهو الأيقونة التي صنعتها سياقاتٌ نضاليةٌ تحرّريةٌ منذ عهد الاستعمار الفرنسي، ورسّختها لاحقاً الدولة الوطنية علامةً على الإسلام الرسمي وما يمكنُ تسميته "تأميم الدين"، ببناءِ صيغةٍ وطنيةٍ قوميةٍ تونسيةٍ للتديّن. فكان البرّاق حاضراً في حياته وبعد موته في كلّ تفاصيل العلاقة بين الدين والدولة، وشاهداً على كلّ تحوّلاتها.
المكتبة التونسية تفتقد الكتب والمراجع التي تتناول سير القرّاء والمنشدين. فليس ثمّة كتبٌ كثيرةٌ منشُورةٌ تتناول سير القُرّاء أو كتبٌ مختصةٌ في مدرسة التلاوة التونسية ورموزها وأعلامها، باستثناء بعض المحاولات التجميعية مثل كتاب الأديب رشيد الذوادي بعنوان "مشاهير القراء في الوطن العربي" الصادر سنة 2009، والذي قدّم له شيخ الأزهر السابق محمد سيد طنطاوي، وفيه تجميعٌ لتراجم عددٍ من القرّاء العرب معظمهم من المصريين.
على شحِّ هذه المصادر عن سيرته، إلا أننا نعرف أنّ علي البرّاق وُلِدَ في القيروان وسط تونس في 10 مايو 1899. فقد البرّاق بصره صغيراً، ووجّهه والده نحو حفظ القرآن وتعلّم التلاوة على يد المقرئ محمد خليف في جامع عقبة بن نافع، حيث أتقن قراءات القرآن السبع بالطريقة التونسية التي تعتمد على "الطبوع"، أي المقامات المحلية، وتتميزُ بقصر النَفَس على عكس القراءة المشرقية. وفي أطروحتها للدكتوراه "الإبداع الثقافي في بيئةٍ مستعمَرة: القيروان والكاف نموذجاً (1881-1956)"، التي نشرت سنة 2019، تشير أشواق عوي، أستاذة التاريخ في الجامعة التونسية، إلى أن "فترة العشرينيات من أهمّ الحقب التاريخية بالقيروان وأخصبها في العصر الحديث. إذ شهدت ازدهاراً ثقافياً وفكرياً متميّزاً شمل جميع المجالات تقريباً. كما لمعت عديد الشخصيات وذاع صيتها ليتجاوز الجهة. هناك المقرئ صاحب الصوت المتميّز الشيخ علي البرّاق". وبهذا كان لارتياد البرّاق حلقات الذكر والمدائح الصوفية دورٌ في تشكيل موهبته وصقلها وتمتينها. فتميّزَ بصوته وإتقانه التلاوة وعلوم القرآن وفنون التجويد والإنشاد، حتى انتشر صيته وتوسعت شهرته طيلة عقد العشرينيات من القرن العشرين، ووصلت العاصمة تونس التي انتقل إليها في مطلع الثلاثينيات.
عندما وصل البرّاق إلى العاصمة، كانت البلاد تدخل موجةً من التحولات السياسية والثقافية والاجتماعية. فقد افتُتِح ذلك العقد بانعقاد المؤتمر الأفخارستي المسيحي في مايو 1930، الذي عدّه التونسيون مسعىً لضرب الهويّة الإسلامية في البلاد، وهو سياقٌ يتوسّع فيه الكاتب أمين حرشاني في مقالةٍ له في الفراتس بعنوان "من الرومان إلى "القرطاجيين الجدد"... تحولات الهوية التونسية"، نُشِرت سنة 2025. وقد تزامن ذلك المؤتمر مع احتفال فرنسا بمرور نصف قرنٍ على معاهدة الحماية على تونس التي وُقّعت سنة 1881. وفي سنة 1934 أُسِّس الحزب الدستوري الجديد بقيادة المحامي الشابّ الحبيب بورقيبة ورفاقه من خرّيجي الجامعات الفرنسية، بعد أن انشقّوا عن الحزب الدستوري بزعامة الشيخ عبد العزيز الثعالبي ورفاقه من النخبة التقليدية.
كان مكتب بورقيبة يقع في منطقة باب سويقة، أحد أهم حواضن الحراك النضالي والثقافي في العاصمة تونس، وغير بعيدٍ عن مسجد صاحب الطّابع في الحِلْفاوِين، حيث أَمَّ علي البرّاق المصلّين في صلاة التراويح في شهر رمضان. وفي ذلك الحيّ تشابكت الروابط الوطنية بين الثقافي والسياسي والديني، فكان واحداً من أهم الأحياء الشعبية في مدينة تونس العتيقة وملتقىً لمختلف الوافدين من جهات البلاد، ومطبخاً للحركة الوطنية الوليدة بكلّ روافدها ومكوناتها، وملتقىً للمثقفين والفاعلين الثقافيين ورجال الدين وطلبة الزيتونة.
استشعر التونسيون حينئذٍ خطر التذويب الثقافي تحت الاستعمار. فاندلعت النقاشات في الهويّة الوطنية والمشروع الوطني، الذي بدأت تنضج خططه سياسياً وتأخذ منحىً أوضح في المطالبة بالاستقلال. وتناسلت المبادرات الثقافية في شكل جمعياتٍ ونوادٍ ثقافيةٍ، لعلّ أهمها جماعة مقهى "تحت السور" الذي تشكّل قبيل الحرب العالمية الثانية في باب سويقة، حيث اجتمع مجموعةٌ من الأدباء والفنّانين والصحفيين والشعراء يبحثون عن بلورة أدبٍ تونسيٍ متمرّدٍ على الاستعمار. ومثّلَ ذلك النادي نقلةً في تاريخ الأدب التونسي، إذ وُلد من النوادي والصحف وتمخّضت تجاربه الأولى وتشكّلت معالمه ضمن الاهتمام بالثقافة الوطنية الذي بدا همّاً حقيقياً من هموم النخبة التونسية.
في ذلك الجوّ وُلدت مؤسسة الرشيدية سنة 1934 واحدةً من أهم المشاريع الثقافية في تاريخ تونس. اهتمت هذه الجمعية الفنية الأدبية بجمع الموسيقى التونسية وتوثيق المقامات والطبوع وتهذيب الأغنية وتطويرها شكلاً ومضموناً. وكانت جزءاً من مساعي النخبة الوطنية لتجذير الكفاح ضد الاستعمار والمحافظة على الهوية العربية الإسلامية للبلاد. وكان علي البرّاق متابعاً لأنشطة الرشيدية ومعجباً بفنّانتها الأولى صليحة، بحسب شهادات مقربين منه أدلوا بها في وثائقي القناة الرسمية. وتعد صليحة أيقونة الغناء في تاريخ تونس، وواحدةً من أهم نجمات النصف الأول من القرن العشرين وأهم عنصرٍ في مشروع الرشيدية برمّته.
كان علي البرّاق مولعاً بالفنون والطرب والموسيقى ومتذوّقاً للمقامات وعارفاً بقواعدها، وتجمعه صداقاتٌ كثيرةٌ مع رموز الساحة الثقافية في حاضرة تونس. فأصبح هو نفسه منذ سنة 1938 واحداً من أشهر الشخصيات الثقافية في البلاد، إذ افتُتِحت الإذاعة التونسية بتلاوته القرآن في أوّل بثٍّ لها. وبهذا دخل البرّاق مرحلةً جديدةً عندما أطبقت شهرته الآفاق، حتى إن الملك المنصف باي، أحد رموز الحركة الوطنيّة في البلاد، طلب منه أن يقرأ له القرآن في القصر ويصلّي به التراويح، حسبما نقل المؤرخ التونسي لطفي عيسى في حوارِه مع إذاعة "موزاييك إف إم" في فبراير 2025. ووفقاً لعيسى، أصبح البرّاق "في وقتٍ وجيزٍ من الذين يطيب للباي أن يتسامر معهم". وقد تواصل ذلك حتى في عهد سلفه محمد الأمين باي وحتى الاستقلال.
لهذا فإنّ علي البرّاق يُمثّل عنصراً رئيساً في تلك النهضة التحررية الشاملة التي بدأت تعيشها البلاد. أصبحَ البرّاق الصوتَ الذي يحمل المدرسة التونسية في التلاوة وعلامةً مُؤسِّسَةً لها، مع وضوح مطالب الاستقلال وتشكّل الحزب الدستوري الجديد، وبزوغ المشاريع الثقافية ذات النزعة الوطنية في المسرح والرواية والشعر والفنون. وكلّ ذلك في ظلّ الدور الثقافي الذي أدّته الإذاعة الوليدة، كما يشرحُ ذلك محمد الفاضل بن عاشور في المحاضرة السادسة من كتابه "الحياة الفكريّة والأدبيّة في تونس" في نسخته الصادرة سنة 2009. فقد كان البرّاق العنصرَ الذي ملأ ذلك الفراغ الباقي في المشهد الثقافي التونسي حين أعطى البلاد، الغارقة حينها في التغريب، هُويّتها في التلاوة وترتيل النص القرآني أقدسَ ما في الثقافة التونسية.
لم يمضِ زمنٌ طويلٌ حتى أصبحَ البرّاق واحداً من العلامات الثقافية البارزة في تونس في عهد الاستعمار. وهو ما ظل عليه الحال أيضاً مع الاستقلال ومشروع الدولة الوطنية الجديدة.
مع انتشار اسمه عبر الإذاعة الوليدة، أصبح البرّاق أهمّ قارئٍ تونسيٍّ معبّراً عن المدرسة التونسية وحاملَ رايتها في العالم العربي والإسلامي عبر الأثير. وقد توسّعت شهرته أكثر بعد أدائه فريضة الحج سنة 1963، حين رتّل القرآن الكريم بالتلاوة التونسية في الحرم المكّي بطلبٍ من الرئيس بورقيبة، الخارجِ لتوِّه من معركةٍ ضارية مع المؤسسة الدّينيّة.
بعد إعلان الجمهورية في 25 يوليو 1957، بدأ بورقيبة جملةً من الإجراءات والقوانين الاجتماعية التي استهدفت تحديث المجتمع التونسي المتحرر توّاً من الاستعمار. إذ ألغى بورقيبة مؤسسةَ الأحباس (الأوقاف)، ومَنَعَ تعدّدَ الزوجات وصاغ مجلّةً للأحوال الشخصية كرّست مكاسب كثيرةً لفائدة المرأة. كذلك حلّ التعليمَ الزيتونيَّ التقليديَّ ووَحَّدَ التعليمَ في المدارس العصرية وألغى المحاكمَ الشرعيةَ ووَحَّدَ القضاءَ في محاكم مدنية. وأحال بورقيبة مدرّسي جامع الزيتونة إلى التعليم الثانوي وخططٍ إداريةٍ أخرى، وأقدم في المجمل على إجراءاتٍ كبيرةٍ استهدفت تغيير البنى الاجتماعية القديمة والمؤسسات التقليدية، وفق ما توضّحه أستاذة التاريخ المغاربي نجاة عبّو في دراسةٍ بعنوان "الحبيب بورقيبة وبناء معالم الدولة التونسية" نُشِرت سنة 2024. وفي سنة 1961 دعا بورقيبة إلى الإفطار في شهر رمضان بذريعة "الجهاد من أجل بناء الدولة". وهو الأمر الذي دخل به في مشاحناتٍ داخليةٍ مع المؤسسة الدينية وصداماتٍ عنيفةٍ خارجيةٍ مع هيئات وعلماء في أقطارٍ عربيةٍ وإسلاميةٍ، كما يشرح ذلك الكاتب أحمد نظيف في مقالته المنشورة سنة 2025 في مجلة الفراتس بعنوان "كيف قسّم إفطار بورقيبة في رمضان تونس سياسياً وثقافياً؟". وترسّخت صورةٌ عن بورقيبة في العالم الإسلامي أقرب ما تكون للعلماني التغريبي الذي يعادي الإسلام.
آمن بورقيبة أنّه استنبط كل هذه الإصلاحات من عباءة الإسلام، ساعياً لخلق نسخةٍ تونسيةٍ من الدين، أي تأميم الدين نفسه. ففي كتابه "بورقيبة والإسلام: الزعامة والإمامة" الصادر سنة 2004، يطرح الصحفي لطفي حجّي مسألةَ الدين في فكر بورقيبة وعلاقتَه بالدولة والأمّة، مؤكّداً على أنّ "التصوّر البورقيبي المعلن لخصائص الدولة التونسية هو نقيض ذلك التصوّر السائد" الذي يُصنّف تونس "دولةً علمانيةً خارجةً عن صف الدول الإسلامية". واستشهد حجّي بخطابٍ لبورقيبة في 23 فبراير 1965 شدّد فيه على أنّ أوّل أساسٍ قامت عليه الدولة التونسية بعد استقلالها هو الإسلام، فتضمّن الدستور في صراحةٍ أنّ الجمهورية التونسية دينُها الإسلام ولغتُها العربية.
تؤكّد أمل موسى، أستاذة علم الاجتماع الديني في جامعة منوبة بتونس، على هذه الفكرة في كتابها عن تطوّر الإسلام السياسي في تونس، بالاشتراك مع عالم الاجتماع الراحل عبد القادر الزغل، بعنوان "حركة النهضة بين الإخوان والتَّوْنَسة" الصادر سنة 2014، بالقول إنّ "اعتبار الدولة الوطنية التونسية الحديثة الاستقلال آنذاك لائكيّةٌ [علمانية فرنسية] إنما يكشف عن موقفٍ إيديولوجيٍّ أكثر منه توصيفٍ موضوعي". يرى الباحثان أنّ الدستور التونسي قد استُوحِيَ من تعاليم الإسلام، ويدلّلان بذلك على أنّ شيوخ جامع الزيتونة واكبوا أعمال صياغة بنوده وفصوله. ويضيفان أنّ الدولة التونسية "كانت راعيةً للدين. وخطاب رئيس الدولة نفسه الحبيب بورقيبة كان في تواصل أحياناً وفي ارتباطٍ وثيقٍ في أحايين أخرى مع الديني نصّاً ورمزاً وقياساً".
تختلف القراءات حول علاقة الدين والسياسة في فكر بورقيبة وحول موقعه داخل مشروع دولة الاستقلال. ولا يبدو ذلك جدلاً يمكن حسمه. غير أنّ فيصل شلّوف، أستاذ الحضارة بالمعهد الأعلى للّغات بتونس، نشر سنة 2021 دراسةً مع مؤسسة "مؤمنون بلا حدود" بعنوان "'دَوْلَنة الإسلام اليومي في الخطاب السياسي الحديث في تونس" أشار فيها إلى أن "موقف الخطاب السياسي [التونسي الحديث] من الدين اتّسم بسيطرة فكرة الدولة عليه، حتى بدا مشحوناً بهاجس الإصلاح، إصلاح الدين في تجديد فهمه والتعامل معه ومن خلاله". وهو ما يثير نقطتين رئيستَيْن تبدوان مهمّتَيْن في فهم هذه العلاقة بين الطرفين، أولهما هي "دَوْلَنة الدين" وثانيهما "الإصلاح". فقد كانت فكرة بورقيبة تتّجه نحو "تأميمٍ للدّين" يجعل من الدولة هي المسيطرة على المسألة الدينية، بما في ذلك الاجتهاد وإنتاج الفتوى وضبط الفضاء الديني ومراقبته. وهذا ما تعنيه "الدولنة"، التي تستلزم صناعة علاماتٍ ورموزٍ وأيقوناتٍ تحيل إلى هذه الصورة من الإسلام الذي تضبطه وتصوغه الدولة، وهو هنا "الإسلام الرسمي".
كان البرّاق واحداً من تلك الرموز والعلامات. إذ عُدّ أيقونةً للتلاوة وصوتاً للأذان الرسمي الذي يبثّه تلفزيون الدولة وإذاعاتها الحكوميّة، وحضر في كلّ المناسبات الدينية الرسمية بتلاوته وتراتيله ومدائحه وأذكاره، فصار وجهاً يُقدَّم لزوّار تونس ليستمعوا إلى صوته. يذكر موقع الموسوعة التونسية، الصادر عن المجمع العلمي التونسي بيت الحكمة، أنّ الأديب طه حسين في زيارته إلى تونس سنة 1957 وصف صوت البرّاق بعد أن استمع إلى تلاوته بالقول: "إن صوته يعيدنا إلى الزمن الأول لنزول القرآن وبدء الحضارة العربية". وبعد ذلك بعقدٍ من الزمن كانت زيارة أم كلثوم التاريخية الشهيرة إلى تونس سنة 1968، ضمن جولتها لدعم المجهود الحربي المصري بعد هزيمة العرب أمام إسرائيل سنة 1967. وقد حظيت أم كلثوم باستقبالٍ رسميٍ وشعبيٍ واسعٍ، وكان لها العديد من اللقاءات والجولات في تونس العاصمة. فكانت إحدى أهم محطاتها أن قُدّم لها البرّاق في أحد المساجد واستمعت لتلاوته. وعرجت عليه مرةً ثانيةً في مقهى المرابط بالمدينة العتيقة، فأنشدها قصيدة الإمام الشافعي في مدح النبيّ "لَكُمْ مُهْجَتِي والرُّوحُ والجِسْمُ والقَلْبُ، وكُلِّي لَكُمْ مُلْكٌ وَإِنِّي بِكُمْ صَبُّ".
بهذا أرادت الدولة استثمارَ علي البرّاق للتأكيد على الانتماء التونسي للفضاء الإسلامي، وإثباتاً لعدم خروجها عن هذا الصّف، وأيضاً ليكون جزءاً من التمايز الذي تطرحه فكرة "الأمّة التونسية". أيْ تلك "الأمّة" التي لها خصوصياتها الحضارية المتفرّدة، بما في ذلك مدرستها الخاصة في التلاوة. لذلك كان تقديمه لطه حسين وأم كلثوم، وما يُمثّلانه من قيمةٍ ثقافيةٍ وما يحظيان به من متابعةٍ وإشعاعٍ وتأثيرٍ، يخدم هذه الرؤية التي تجعل من التلاوة جزءاً من المشروع السياسي وأداةً ورمزاً ورسالة. وستتضحُ ملامح هذا أكثر في حضور صوت البراق في زمن التوتر السياسي والديني منذ الستينيات.
عاش البرّاق متنقلاً بين العاصمة ومسقط رأسه في القيروان. والقيروان كانت إحدى أهم الحواضر الثقافية والدينية في تونس وعموم المغرب العربي، بتأثيرها في التديّن التونسي بصبغته الأشعرية المالكية ذات العمق الصوفي والطّرقي. ومع كل ذلك حضرت القيروان في جدل العلاقة بين الدين والدولة في تاريخ تونس الحديث وتحوّلاته بأحداث عنفٍ في بداية الستينيات.
حدثت في القيروان أولى تعبيرات التصادم بين الواقع الديني الجديد والقديم في البلاد. ففي سنة 1961 قاد الإمام عبد الرحمن خليف مظاهراتٍ ضد تصوير فيلمٍ أمريكيٍ في حرم جامع عقبة بن نافع. عاقبت السلطةُ الإمامَ بنقله للتدريس إلى مدينة الحامة جنوب البلاد، فضجّت القيروان بمظاهراتٍ رافضةٍ إبعادَه. وكان شعارها "الله أكبر ما يمشيش"، وفق ما يحكيه الروائي وأستاذ اللغة العربية شكري المبخوت في كتابه "تاريخ التكفير في تونس" الصادر سنة 2018. وكان عبد الرحمن خليف واحداً من المشايخ التقليديين الذين تضرّروا من إصلاحات بورقيبة ووجد نفسه متفقِّداً (أي مفتِّشاً) في التعليم الثانوي بعد أن كان مدرساً في جامع الزيتونة. لذلك كانت المظاهرات إشارةً قويّةً لوجود بؤرٍ رافضةٍ السياساتِ الدينيةَ الجديدةَ، وإشارةً أخرى على وجود بقايا قوّة تأثيرٍ عند النخبة القديمة التي سلبتها دولة الاستقلال امتيازاتها الرمزية والمادية.
ظلّ التصادم بين الإسلام الرسمي الذي يمثّل البرّاقُ صوتَه في التلاوة وبين الإسلام التقليدي حتى وقوع حادثة رفض هند شلبي، أستاذة التفسير الراحلة سنة 2021، مصافحة بورقيبة في يوم المرأة العالمي سنة 1975. صادف أن تكون ليلة الاحتفال تلك متزامنةً مع مناسبة الاحتفال بذكرى ليلة القدر، إذ دأبت الدولة منذ 1965 على إحياء تلك الليلة بتقديم محاضراتٍ دينيةٍ بحضور الرئيس. فكُلِّفت هند شلبي بتقديم المحاضرة يومئذ. وبحسب ما يذكر شكري المبخوت في "تاريخ التكفير في تونس"، فقد أحدثت تلك المحاضرة صدمةً في نفس بورقيبة، عندما دعت شلبي فيها إلى "اللباس الشرعي الذي تعتبره جزءاً من حُريّة المرأة أمام بورقيبة الذي كان في بداية الاستقلال يلاطف النساء نازعاً عن وجوههن الخُمُر. وهي تعتبر الحجاب من مقوّمات شخصية الأمّة مستخدمةً الحُجّة التي استخدمها بورقيبة في الثلاثينات". ووجهت هند شلبي في تلك المحاضرة انتقاداتٍ لمجلّة الأحوال الشخصية، مفخرةِ بورقيبة في المسألة الاجتماعية.
كانت تلك الهزّةَ العنيفةَ الأولى التي يتلقّاها "الإسلام الرسمي" من داخل مؤسسات النظام نفسه. وواجه معها تحدّي الحركة الإسلامية التي بدأت تنمو منذ منتصف السبعينيات على هامش المجتمع، بأبعادٍ ثقافيةٍ تطوّرت لاحقاً لتصبح حركةً سياسيةً قويّةً وصلبة، وبدأت تخترق المجتمعَ والجامعاتِ والنقاباتِ والشارع. حاول النظام في البداية استغلال تلك الحركة لضرب الحركات اليسارية في الجامعة، فاستفادت هي من تسهيلاتٍ قدّمتها الدولة لتتمدّد أكثر. لكن في النهاية كان الصِّدام حتمياً بين "إسلامٍ رسميٍّ" وتقليديٍّ سياسياً، وبين إسلامٍ ثوريٍّ ومُسيَّسٍ أخذ زخماً فكرياً وسياسياً مع الثورة الإسلامية الإيرانية بقيادة الخميني نهاية السبعينيات.
تأسست الحركة الإسلامية في تونس سنة 1972. ثمّ أصبحت لاحقاً "حركة الاتجاه الإسلامي" سنة 1981، قبل أن يتغير اسمها سنة 1989 إلى "حركة النهضة". وقد انطلقَت تياراً قاطعاً مع التراث الثقافي والديني التونسي، قادماً بروحٍ مشرقيةٍ يرفضها "الإسلام الرسمي" وترفضها "القومية التونسية" التي بُنِيَت عليها دولة الاستقلال. يقول مُؤسس الحركة راشد الغنّوشي عن ما أسماه مرحلة الحركة الأولى في كتابه "من تجربة الحركة الإسلامية في تونس" المنشور سنة 2011، إنّ الجماعة كانت في "حالة رفضٍ للمجتمع القائم، أي للبورقيبية بكل أبعادها وللتديّن التقليدي لصالح التديّن الإصلاحي المشرقي الوافد الذي حملناه إلى البلاد [. . .] فاصطدمنا مع المجتمع في كل أبعاده".
ومع صعود هذا التيّار الجديد وتركّز جذوره في المجتمع، حاولت الدولة سحب البساط من تحت أقدامه بفتح مجالاتٍ أوسع للدين في الحياة الاجتماعية، واستثمارٍ أوسع للرموز الدينية. فأُطلِقَ الأذان عبر الإذاعة يومياً في الصلوات الخمس، إذ لم يكن يُبَثّ قبل ذلك، بعد أن قبل بورقيبة بالأمر لمواجهة تلك الموجة الجديدة والقويّة. يصفُ مدير الإذاعة السابق، عبدالعزيز قاسم، ذلك المشهد في كتابه "بورقيبة المستمع الأكبر" الصادر سنة 2022، بالقول: "أطلقنا الأذان بصوت علي البرّاق".
كانت البلاد تشهد تحوّلاتٍ اجتماعيةً وثقافيةً عميقةً، وأزمةً سياسيةً بدأت تتصاعد منذ بداية الثمانينيات بسبب تقدّم سنّ الرئيس بورقيبة وصراع الخلاف بين أجنحة النظام. وقد كان حضور الحركة الإسلامية بارزاً في ذلك العقد، وبدأت الرموز الدينية تتغيّر في الفضاء العامّ. وقد بدا التأثّر المجتمعي واضحاً مع موجة الصحوة في العالم الإسلامي التي تصاعدت منذ السبعينيات، وأيضاً بالزخم الذي أطلقته الثورة الإيرانية سنة 1979. حتى إنّ النّظام أطلق على أنصار التيار الإسلامي الجديد "الخُمَيْنِيِّين"، وفق ما يشير إليه القيادي الإسلامي حمّادي الجبالي في سلسلة مذكراته المنشورة في جريدة "الشرق الأوسط" سنة 2014. وحاولت الدولة منذ الثمانينيات أن تقمع ذلك الصعود بإجراءاتٍ أمنيّةٍ أشهرُها المنشور الحكومي 108 الصادر سنة 1981 الذي يمنع ارتداء الحجاب في المعاهد والفضاءات الحكومية وما أطلق عليه تسمية "اللباس الطائفي".
انتهجت الدولة التونسية لمواجهة هذه الحركة الصاعدة مسارَيْن. أوّلُهما مسارٌ أمنيٌّ قائمٌ على القمع السياسي والمحاكمات والمنع. وثانيهما مسارٌ ثقافيٌ دينيٌ حاولت به إعادة إنتاج صيغةٍ جديدةٍ من "الإسلام الرسمي" بتوظيفٍ أوسع للرموز الدينية وإشهار الشعائر في الإعلام. إلا أنّ هذا الإسلام الرسمي خسر مساحاتٍ من تأثيره وحضوره لصالح التيّار الصاعد الجديد. وقد كان صوت البرّاق يتراجع وسط كل هذه التحولات السياسية والثقافية والاجتماعية، لاسيما مع انتشار أشرطة الكاسيت منذ السبعينيات، ودخول أصواتٍ جديدةٍ وافدةٍ إلى الفضاء التونسي أشهرُها القارئ المصري عبد الباسط عبد الصمد.
حاولَت الدولة التونسية ترميم هذا المشهد السياسي والثقافي في نوفمبر سنة 1987. بعد انتهاء حكم بورقيبة، افتتح الرئيس زين العابدين بن علي حكمه بإطلاق جملةٍ من الوعود عن الحريات والديمقراطية. وواصلت الدولة سياسة سحب البساط من تحت أقدام الحركة الإسلامية بتوظيفٍ أوسع للرموز الدينية وتطوير صيغةٍ جديدةٍ من الإسلام الرسمي.
الباحث أنس الشابي، الذي عمل في وزارة الداخلية رقيباً على الكتب الدينية في عهد بن علي، يرصد في كتابه "مذكرات رقيب كتب" الصادر سنة 2024 معالم تلك التحولات التي طرأت على الإسلام الرسمي. فيقول إنّ صعود بن علي جعل البلاد تعيش فسحةً من الحرية الدينية وتصالحاً مع الذاتِ والهُوية، وهو ما عنى عند الدولة "ممارسة سحب البساط من تحت أقدام حركة الاتجاه الإسلامي [النهضة]، فأقامت الأذان في الإذاعات والتلفزة وسمحت بارتداء اللباس الطائفي للذين يسمّيهم الغنوشي حاملات الراية الإسلامية [. . .] ومن الأخطاء الكبرى التي سينوء الوطن بحمل أوزارها ونتائجها كتحويل كلّية الشريعة وأصول الدين إلى جامعةٍ زيتونيةٍ بمقتضى أمرٍ صدر في ديسمبر 1987". وبغضّ النظر عن موقف الكاتب ونبرته، فإنّه يرصد من موقع الفاعل السياسي هذه التحوّلات التي طرأت على علاقة الدولة بالدين منذ نهاية الثمانينات.
مع بداية التسعينيات، وبعد أعوامٍ قليلةٍ من الانفتاح السياسي، تمكّن بن علي من قمع الحركة الإسلامية أمنياً ونجح في إعادة ترتيب الفضاء الديني العام، فاسترجعت الدولة قوّتها في "تأميم الدين". وكان صوت علي البرّاق دوماً هو الصوت المعبر عن الإسلام الرسمي وعن المدرسة التونسية في التلاوة، وبقي أذانه راسخاً عبر التلفزيون والإذاعة.
تواصلت طيلة عهد بن علي سياسة مواجهة تيّار الصحوة، عبر توظيف الرموز الدينية والإجراءات السياسية والثقافية، فنحتت صورة نظامٍ متصالحٍ مع الدين وصورة رئيسٍ متديّنٍ وخادمٍ للإيمان. أطلق بن علي على نفسه اسم "حامي الحِمى والدِّين"، واستهلّ عهده بحزمةٍ من الإجراءات التي تقطع مع التصوّر القديم لموقع الدّين داخل الدّولة والمجتمع في عهد بورقيبة. فكان تحديد الأشهر القمرية في عهد بورقيبة يعتمدُ فقط على الحساب ليكون التقويم الهجري الموسمي مضبوطاً منذ بداية العام الهجري، بما في ذلك رمضان والأعياد الدينية. أضاف بن علي الاعتماد على رؤية الهلال سنة 1988، وهو الإجراء الذي تعتمده معظم الدول والمجتمعات الإسلامية. وثُبِّت الأذان في الصلوات الخمس. ولاحقاً بدأ بثّ صلاة الجمعة مباشرةً على التلفزيون الرسمي. وأُسِّس المجلس الإسلامي في يناير 1989 ليكون هيئةً استشاريةً تبدي رأيها في المسائل الدينية لفائدة الدولة، فكان عبد الرحمن خليف القيرواني أحد أعضائه، مع عبد الفتاح مورو، أحد مؤسسي الحركة الإسلامية. وأسّس بن علي في مارس 1992 وزارةً مستقلّةً للشؤون الدينية، بعد أن كانت تابعةً لرئاسة الحكومة.
طيلة الأعوام اللاحقة، ومع تكاثر القنوات الخليجية والمصرية وانتشار اللاقطات الفضائية ثمّ الإنترنت، خَفَتَ صوت علي البرّاق وسط زحمة الأصوات الوافدة. وبقيت تلاوته فقط علامةً على الإسلام الرسمي، الذي تفرضه الإذاعة والتلفزيون الرسميين. بينما وسّعت موجة الصّحوة بجرعتها المشرقية والسّلفيّة دائرةَ الذّوق الشّعبي نحو أنماط أخرى من التلاوة. وكان تأثّر المؤذنين والأئمة في تونس بتلك التلاوات واسعاً، وبدأت المدرسة التونسيّة نفسها تخسر مساحات واسعة من المساجد التي تحولت إلى فسيفساء من الأصوات لا ناظم بينها إلا التأثّر العشوائي بمقرئي الفضائيات، كما يوضح القارئ حمزة الجراية في حوارِه مع موقع "الجزيرة نت"، المنشور سنة 2025، إذ يقول: "إن أكثر من 95 بالمئة من الشيوخ [اليوم] يدرسون إما دون استعمال نغمات أصلا أو باستعمال نغمة شرقية".
حاول النظام مواجهة تيّار الصحوة بجعل الصراع سياسياً وليس دينياً. وبهذا أسس إذاعة الزيتونة للقرآن الكريم سنة 2007، فرسّخت الإذاعة قواعد المدرسة التّونسيّة في التلاوة والترتيل. على ذلك ظلّت الأصوات الوافدة تنتشر حتى في ما تعرضه القنوات والإذاعات التونسية الخاصة، التي تكاثرت منذ بدايات الألفية الثالثة. وأصبحَ صوت البرّاق أكثر ارتباطاً بما هو رسمي، بعد أن توسّع انتشار الأصوات المشرقيّة التي صارت تُسمع منبعثةً في كلّ مكان في المحلات والمقاهي صباحاً، وفي سيارات الأجرة والمآتم والمناسبات الدّينيّة.
بعد ثورة سنة 2011 على نظام بن علي، انفلت المشهد الدّيني في البلاد وتداخلت أكثر الأصوات والتلاوات والتراتيل ونغمات الأذان. وبدا وكأنّ صوت البرّاق قد غاب وأفل تماماً في فترة لم يعد فيها للإسلام "الرّسمي" صيغةٌ واحدة ونهائية، مع تفتّت السّلطة السياسيّة في البلاد وتشتّتها في أكثر من مركز. لم يعد صوت البرّاق معبّراً حتى عن ذلك الإسلام الرّسمي في نسخته الأضعف، وحتى القنوات الرسمية صارت تبثُّ نغمات جديدة للتلاوة والآذان بغير صوته. والدّولة نفسها دخلت في نقاشات جديدة عن طبيعتها وهويتها. وبدا وكأنّ التربة القديمة كلّها التي غُرس فيها صوت البرّاق قد جُرفت، وأن البلاد بدأت تبحث عن تأسيس جديد بعلامات جديدة.
طيلة قرابة العقد عاشت تونس محاولات قويّة لترسيخ أفكار دينيّة جديدة، بعضها عنيف عبر جماعات جهاديّة. اعتُديَ على أضرحة الأولياء وهي اعتداءات تجاوزت الثلاثين اعتداءً موثقاً منها الاعتداء على مقام الولي أبو سعيد الباجي سنة 2013 في سيدي بوسعيد، الضاحية الشمالية للعاصمة. وفُتحت المنابر للدعاة الوافدين من المشرق وبعضهم يحمل أفكاراً عنيفة. وسمحت الدّولة، في مناخ من الحريّة، بالخيام الدعويّة في الشوارع والأسواق فكان أكثرها تابعاً لجماعات متشدّدة، وأشهرها المؤتمر الجماهيري الكبير الذي عقده تنظيم أنصار الشريعة الجهادي في القيروان في مايو 2012. وفي مقالةٍ في مجلّة الفراتس نُشِرت سنة 2025 بعنوان "زردة علي بن عون.. من طقس صوفي في الريف التونسي إلى مهرجان عالمي بنكهة سياسية"، يفصلّ الكاتب أمين حرشاني هذه المسارات التي عاشتها تونس سنوات ما بعد الثورة، في المشاريع الدّينيّة وأبعادها الاجتماعية والثقافيّة والمحاولات المتداخلة والمتضاربة لفرض أنماط جديدة للتديّن داخل المجتمع. انتهت هذه المحاولات إلى حسم الدّولة صراعها مع الحركات الجهاديّة وعاد التطبيع المجتمعي مع طقوسه الدّينية الشعبية ومنها الاحتفاء بالأولياء وإقامة المهرجانات في مزارات الصالحين تحت رعاية الدّولة ودعمها.
بهذا وبعد سنوات الضجيج الثوري الأولى والطويلة وبعد كلّ الهزّات التي عاشتها البلاد، بدأت الدّولة تعيد ترتيب حضورها داخل المشهد الدّيني، وبدأ صوت علي البرّاق يعود تدريجياً. فصار صوته أكثر تداولاً في الإعلام وعلى المنصات الاجتماعية. والدّولة نفسها أعادتْ رسمياً هندسة المدرسة التونسيّة في التلاوة بمرجعية صوته وتلاوته. إذ انطلق منذ 2018 مشروع تدريب المؤذنين على النغمةِ التونسية في الأذان كما رسّخها البرّاق، بإشراف أساتذة من معهد الرشيديّة لترسيخ الطابع التونسي.

