"دبلوماسية القبور".. رفات مقاتلي الكوم في المغرب بين الذاكرة الاستعمارية وصراع السيادة

أثار تدشين مربعٍ عسكري يضم مقاتلي الكوم المغاربة الذين حاربوا إلى جانب الاستعمار الفرنسي جدلاً في سرديات الولاء ونقيضه في التاريخ المغربي.

Share
"دبلوماسية القبور".. رفات مقاتلي الكوم في المغرب بين الذاكرة الاستعمارية وصراع السيادة
التاريخ لا يختفي تحت شواهد الرخام | تصميم خاص بالفراتس

في صباحٍ هادئٍ يوم 12 فبراير 2026، رفرفت الأعلام الفرنسية فوق مقبرةٍ صغيرةٍ في ألنيف، جنوب شرق المغرب. فقد دشن مسؤولون فرنسيون ومغاربةٌ، بتمويلٍ من وزارة الجيوش الفرنسية (وزارة الدفاع سابقاً)، مربعاً عسكرياً جديداً داخل المقبرة يضم رفات مقاتلين مغاربةٍ من وحدات الكوم، وهي تشكيلاتٌ عسكريةٌ غير نظاميةٍ، قوامها مقاتلون محليون من المناطق الجبلية من الأمازيغ، أنشأتها الإدارة الاستعمارية الفرنسية خلال عهد الحماية من مطلع القرن العشرين حتى 1956. وقضى هؤلاء نحبهم محاربين إلى جانب القوات الفرنسية في معركة بوغافر سنة 1933 أمام قبائل آيت عطا، وهي من ضمن أكبر الاتحادات القبلية الأمازيغية جنوبي شرق المغرب.

أثناء المراسم، تحدث المسؤولون الفرنسيون عن إحياء الذاكرة المشتركة بين الرباط وباريس و"إخوة السلاح"، مشيرين لوحدات الكوم. وفي هذا المسار أدَّت "جمعية لاكوميا"، التي تضمّ قدماء مقاتلي وحدات الكوم المغاربة في فرنسا، دوراً محورياً بدفاعها عن ترميم المقابر العسكرية وتخليد ما تصفه بملحمة الكوم، دعماً للمقاربة الفرنسية التي تسعى لتثبيت سردية الذاكرة المشتركة حول الماضي الاستعماري.

قوبل الخطاب الفرنسي برفضٍ محليٍ، جمع من بين ما جمع أحفاد المقاومة. منهم لحسن أوبسلام، حفيد المقاتل عسو أوبسلام قائد معركة بوغافر، واعتبر أن لا مكان داخل ذاكرة المنطقة لحديثٍ عن "إخوة السلاح"، لأن الفرنسيين أخذوا رفات جنودهم ولم يتركوا سوى الكوم المغاربة. وعبَّرت عن الموقف نفسه جمعياتٌ محليةٌ، من بينها جمعية عباس المساعدي بتازارين المختصة بتوثيق الذاكرة التاريخية، والتي وصفت الحدث بأنه استفزازٌ وتطبيعٌ مع الاستعمار.

هنا يظهر التناقض الذي ما يزال يطارد معركة بوغافر بعد ثلاثة وتسعين عاماً. فتدشين المقبرة الجديدة والمربع العسكري داخلها، أعاد سؤال الذاكرة الاستعمارية في الجنوب الشرقي المغربي إلى الواجهة، وجدد الصراع المحتدم بين خطابين، وإن ضمناً. الأول فرنسيٌ رسميٌ يروِّج لمفهوم الذاكرة المشتركة والتعاون في صيانة المدافن العسكرية، سعياً كما يبدو للتصالح مع الماضي بما يتوافق مع رؤية باريس. والثاني يتجلى في الذاكرة المحلية، التي تحملها كتب التاريخ والتاريخ الشفوي، وترى في المبادرات الفرنسية محاولةً لإعادة تأهيل السردية الاستعمارية وتهميشاً لملاحم المقاومة، ومن ثم إضعاف حضورها الرمزي في الوعي الجمعي المغربي. 


أنشأت فرنسا قوات الكوم سنة 1908 قبل فرض نظام الحماية على المغرب. وهو النظام الاستعماري الذي فرضت باريس بموجبه سيطرتها السياسية والعسكرية والاقتصادية على المغرب سنة 1912، بعد توقيع معاهدة فاس بين السلطات الفرنسية والسلطان عبد الحفيظ. وقد أبقى هذا النظام سيادة السلطان والمؤسسات المحلية شكلياً، واستمر قائماً حتى الاستقلال سنة 1956.

تأسست أولى وحدات الكوم، المشتقّ اسمها من كلمة "قوم" ويُشار لأفرادها بِاسم "الكوميين"، بقرار "اليوم 100"، الذي أصدره الجنرال الفرنسي ألبير أماد لمواجهة مقاومة قبائل الشاوية المحيطة بالدار البيضاء، والتي انتفضت بعد قصف الفرنسيين المدينة واحتلالها في أغسطس 1907. ويشير الرقم 100 إلى ترتيب القرار ضمن سجلات القيادة العسكرية الفرنسية. وقد قُدمت وقتها قوات الكوم شرطةً شريفةً تابعةً نظرياً للسلطان المغربي، لكنها وُضعت عملياً تحت إشراف ضباطٍ فرنسيين تابعين لجهاز الشؤون الأهلية القادمين من الجزائر. 

مثَّل هذا الجهاز في المغرب امتداداً وظيفياً للمكاتب العربية التي اعتمدتها فرنسا في الجزائر. ونشأت بدايةً جهازاً استخباراتياً تابعاً للقوات الفرنسية، ثم صارت أداةً للضبط والإدارة الاستعمارية. وفي هذا السياق، أدَّت قوات الكوم دور الذراع الميدانية لهذه المصلحة. إذ لم تكن تعمل ضمن ذات القوانين الصارمة للجيش النظامي، بل تمتعت بمرونةٍ أكبر، فتكفلت بجمع المعلومات، ومواكبة التحركات العسكرية، والتغلغل داخل البنية القبلية المغربية بفضل معرفتها بالمجال والسكان.

يقول الكولونيل والمؤرخ الفرنسي، جان سولاي، في كتابه "ليستوار دي غووميي ماروكان [. . .]" (تاريخ الكوم المغاربة: المغرب، تهدئة وتوحيد البلاد) الصادر سنة 1985، إن "المهمة الأولى لقوات الكوم تمثلت في الاستعلام عن الآخر". ويشرح أن هذا الاستعلام "لم يشمل فقط العدو الذي يجب هزيمته، بل الخصم الذي يجب إخضاعه، ثم إدارته، بشكل مباشرٍ أو غير مباشرٍ، أي استمالته بطريقةٍ ما". 

إضافةً إلى الدور الاستخباراتي، كان من المهام الأساس لقوات الكوم مساندة الجيش الفرنسي في حملات إخضاع المناطق المقاومة ومراقبة القبائل، مستفيدةً من معرفة عناصرها بالتضاريس الجبلية والبنية القبلية المحلية. واستخدمتهم فرنسا في ملاحقة المقاومين وتأمين الطرق والمراكز العسكرية، ومرافقة الحملات العسكرية وفرض السيطرة على المناطق الرافضة الخضوع للإدارة الاستعمارية.

هذه المهام المتعددة لقوات الكوم لم تتبلور بين ليلةٍ وضحاها، إنما تطورت عبر ثلاث مراحل، عكست تحولهم من قوةٍ محليةٍ إلى فاعلٍ عسكريٍ شارك في حروب فرنسا خارج المغرب.

ففي مرحلة التأسيس بين سنتي 1908 و1914، ظهرت الكوم قواتٍ قبليةً غير نظاميةٍ، تؤدِّي وظائف سياسيةً وأمنيةً تحت إشراف ضباط الاستخبارات الفرنسية. وكان الكومي يقيم مع عائلته في دواوير ملحقةٍ بالمراكز العسكرية، فاستفاد من امتيازاتٍ ماديةٍ واجتماعيةٍ لتشجيع التجنيد وضمان الولاء.

حصل المجندون على رواتب منتظمةٍ وسلاحٍ ولباسٍ عسكريٍ ومؤونةٍ، في حين أثقلت الضرائب والمجاعات عدداً من القبائل. ووفَّر الانخراط في هذه القوات نوعاً من المكانة الاجتماعية والحماية داخل المجال القبلي، إلى جانب الاستفادة من بعض الامتيازات المرتبطة بالإدارة الاستعمارية. واعتمدت فرنسا أيضاً على الأعيان وشيوخ القبائل لتسهيل التجنيد، عبر ربط الامتيازات والوساطة المحلية بالولاء للسلطة الاستعمارية.

أما المرحلة الثانية فهي "مرحلة التهدئة"، وهو الاسم الذي أطلقته سلطات الحماية على حروب إخضاع المناطق والقبائل المقاومة. وقد وضع أسس هذه المرحلة المشير والمقيم العام الفرنسي الأول في المغرب هوبير ليوطي، وبدأت في 1907، لتشتد تحديداً بين سنتي 1914 و1934.

تحول الكوم في هذه المرحلة تدريجياً إلى رأس حربةٍ في مواجهة المقاومة المسلحة، وشملت العمليات العسكرية مناطق الأطلس والجنوب والريف. وفي هذا السياق، يورد الصحفي السياسي الفرنسي جاك لادري دو لاشاريير في تقديمه كتاب "باسيفيكاسيون أو ماروك" (التهدئة في المغرب) – الذي أسهم فيه محرراً إلى جانب آخرين ونُشر سنة 1963 – إن "التهدئة هي غزوٌ في واقع الحال، لكنها استخدمت كثيراً من طرف مستعمرٍ للتمويه على حقيقة الحرب".

ويتناسق هذا التوصيف مع ما اعتمدته الإدارة الاستعمارية الفرنسية في شمال إفريقيا بالعموم، إذ استُبدلت بمصطلحاتٍ مثل "الغزو" و"الحرب" تعبيراتٌ مثل "التهدئة" لإضفاء طابعٍ إداريٍ وأمنيٍ على أنشطةٍ عسكريةٍ كثيرٌ منها عنيفٌ لإخضاع القبائل والمناطق المقاومة. وذلك حسبما يطرح مايلز لفان في مقالته "بيس آند إيمباير" (السلام والإمبراطورية)، ضمن كتاب "بيس آند ريكنسيلييشن إن ذا كلاسيكل وورلد" (السلام والمصالحة في العالم القديم) لمحرّرَيْه إي بي ملوني ومايكل ستيورات، الصادر سنة 2017. 

وجاء تأسيس الكوم ضمن استراتيجيةٍ استعماريةٍ فرنسيةٍ عُرفت بسياسة "بقعة الزيت"، طوَّرها ليوطي لإحكام السيطرة على المغرب. وقامت هذه الاستراتيجية على مبدأ التغلغل التدريجي بدل الاحتلال الشامل والمباشر، عبر السيطرة على نقطةٍ محددةٍ وتأمينها، ثم توسيع النفوذ منها تدريجياً، على نحوٍ يشبه امتداد بقعة الزيت فوق سطح الماء. يتبع ذلك تفكيك البنيات القبلية التقليدية، وإخضاع المجال القروي لمنظومةٍ جبائيةٍ واقتصاديةٍ، شكَّل فيها الكومي أداةً تنفيذية. وتبرز معركة بوغافر، التي اندلعت سنة 1933 في جبال صاغرو بين قبائل آيت عطا والقوات الفرنسية، أحد أوضح تجليات هذه الاستراتيجية.

هذه التجربة الميدانية ربما شكَّلت مرحلةً مهمةً في تطوير دور الكوم، فقد اكتسبوا خبرةً قتاليةً في الحروب غير النظامية والعمليات الجبلية. لذا مع اقتراب نهاية مرحلة التهدئة وبداية التحولات الدولية التي انتهت باندلاع الحرب العالمية الثانية سنة 1939، أُعيد توظيف هذه الوحدات خارج المغرب مرحلةً ثالثةً في تطور الكومي. توسعت مهامهم نحو جبهات إيطاليا وفرنسا، ثم لاحقاً الهند الصينية في جنوب شرق آسيا. وبهذا انتقلوا من قواتٍ غير نظاميةٍ تعمل في مواضع عمل جهاز شرطةٍ محليةٍ إلى وحداتٍ قتاليةٍ منظمةٍ عُرفت بِاسم "الطوابير" (طابور). واكتسبت هذه الوحدات سمعةً عسكريةً ارتبطت بالشراسة والفعالية القتالية.

وضمن المراحل الثلاث، وتحديداً مرحلة التهدئة، تبقى معركة بوغافر النقطة المحورية التي برز فيها دور الكوم عنصراً محورياً في علاقة المستعمر المضطربة بأهل البلاد، وربما من أهم ما يفتح نقاشات اليوم مع جراحات الماضي. 


في إطار تصاعد المقاومة المسلحة ضد التوسع الاستعماري الفرنسي في جنوب شرق المغرب، خاضت قبائل آيت عطا معركة بوغافر ضد القوات الفرنسية في فبراير 1933. تحصَّن مقاتلوها داخل جبال صاغرو، جنوب شرق المغرب، وكان هذا التجمع القبلي الأمازيغي من أبرز القوى التي استعصت على مشروع التهدئة الفرنسي، بفعل طبيعة المجال الجبلي الوعر، وقوة التنظيم القبلي ومعرفة أفراده الدقيقة بالمسالك الجبلية. وتحت قيادة المقاوم الأمازيغي عسو أوبسلام، خاضت آيت عطا مواجهةً غير متكافئةٍ ضد القوات الفرنسية التي استعانت بالطيران والمدفعية ووحدات الكوم لفرض الحصار وإخضاع المنطقة. ما جعل من بوغافر إحدى أكثر معارك المقاومة المغربية دمويةً ورسوخاً في الذاكرة المحلية.

يحكي المؤرخ المغربي والناطق الرسمي باسم القصر الملكي، عبد الحق المريني في كتابه "الجيش المغربي عبر التاريخ" الصادر سنة 1997، أن "قبائل آيت عطا شكَّلت اتحاديةً كبرى تتألف من مجموعة قبائل وهي آيت والال، آيت أونير، آيت واهليم، آيت يسفول، آيت علوان وما تفرع منهم".

ويضيف أن "مقاومي آيت عطا واجهوا الجيش الفرنسي بأطول وأشرس وأعند مقاومةٍ [. . .] في معركة بوغافر الشهيرة، تحت قيادة عسو أوبسلام، الذي [كان] ردَّ على رسالةٍ من السلطات الفرنسية سنة 1930 تطلب منه وقف هجماته بالقول: ليأتِ من كتب هذه الرسالة ليبحث عن الجواب هنا". ليحدث أن اشتعلت المعركة الشهيرة بعد أقلِّ من ثلاثة أعوامٍ من ردِّه.

ومع تعثر الحسم العسكري السريع داخل تضاريس صاغرو الوعرة، انتقلت القوات الفرنسية إلى سياسة حصارٍ قاسيةٍ استهدفت خنق المقاتلين والمدنيين معاً. فإلى جانب القصف المدفعي والجوي، طُوّقت منابع المياه ولُوّث بعضها بمواد كيميائيةٍ مطهرةٍ لمنع استعمالها. من بينها عين عقا نوليلى، سعياً لدفع المحاصَرين إلى الاستسلام تحت وطأة العطش والجوع.

تحت هذا القصف والحصار المتواصلين، تحولت تجاويف وكهوف جبل بوغافر إلى ملاجئ مكتظةٍ احتمت بها النساء والأطفال هرباً من الموت، يواجهون برداً قارساً وجوعاً خانقاً طوال أسابيع الحصار. وقد وثَّق الفقيه الطالب لحسن بن احماد، في مخطوطٍ محليٍ معاصرٍ المعركة، جانباً من هذه المأساة. فوصف كيف غطت طائرات الاستعمار السماء بالغمام الأسود، قائلاً إن العطش وقسوة الحصار أَنجَما وفاة حوالي ألفٍ وثلاثمئة شخص، بينهم نساءٌ وأطفالٌ داخل الكهوف. 

وتتقاطع هذه الشهادة مع ما يرويه للفراتس لحسن أوبسلام، حفيد القائد عسو أوبسلام، إذ ينقل عن والديه مشاهد عزل الأطفال الصغار داخل الكهوف المظلمة لحمايتهم من القنابل، في حين تسلَّلت النساء ليلاً إلى ما تبقى من منابع المياه تحت وابل رصاص القناصة.

وسط رائحة البارود واللحم المحترق، مثلما يقول، تقدمت النساء بخطىً مرهقةٍ حافيات الأقدام ويحملن أوعيتهن بحثاً عن ماءٍ للشرب أو لإعداد الطعام. إلا أن السائل الذي ملأ تلك الأواني لم يكن صافياً، بل كان عكراً تفوح منه رائحةٌ كيميائيةٌ خانقةٌ، فيما طفت بقعٌ حمراء داكنةٌ على سطحه.

يستعيد لحسن أوبسلام ما تناقلته الناجيات من معارك بوغافر، ويقول بلجهةٍ أمازيغية: "أر ت ستين ومان [. . .] أر ت ستين إيدمن باش يشربوا"، بمعنى "كانوا يتركون الماء حتى ينعزل الدم كي يتمكنوا من الشرب". فقد انتظرت النساء حتى يترسب دم الجثث المتناثرة في قاع العين قبل شرب ما تبقى من ماءٍ مشبعٍ برائحة الموت والمواد الكيميائية.

ويضيف الحفيد أوبسلام إنه في الطريق إلى تلك المنابع القليلة، سقطت كثيرٌ من النساء برصاص القوات الفرنسية، ومنهم عمَّته رفقةَ خطيبِها. ويروي كيف نجت جدته بأعجوبةٍ وهي تعد الطعام، بعدما سقطت قربها قنابل فرنسيةٌ لم تنفجر، وظلت منغرزةً في الرمال حتى بعد انتهاء المعركة، شاهدةً على عنف القصف الذي طال المنطقة.

إلا أن هذه المعركة الدامية دُوِّنت لاحقاً، داخل الأرشيف العسكري الفرنسي وكتابات جمعية لاكوميا، بصيغةٍ مختلفة. ففي نشراتها، ومنها العدد مئة وتسعون الصادر سنة 2021، تُقدَّم معركة بوغافر ملحمةً خاضها جيشٌ من الأبطال في سياق تهدئة الجنوب المغربي وتوحيد البلاد وإخضاع "العناصر المتمردة". 

حرص الضباط الفرنسيون على إبراز حجم الخسائر البشرية التي تكبدتها القوات الاستعمارية في المعركة. وممن شهد المعركةَ النقيب هنري بونازيل، الضابط بسلاح الفرسان والذي لقَّبه الفرنسيون "الرجل الأحمر" نسبةً لسترته الحمراء التي اعتاد ارتداءها في المعارك لإظهار الجرأة ورفع معنويات الجنود، قبل مقتله في 28 فبراير أثناء المعركة. فيُنقل عن بونازيل وصفه شدَّة المواجهات يومئذٍ بأنها "كانت عنيفةً وتكبَّدت القوات الاستعمارية خسائر جسيمة".

وحملت هذه الأدبيات كذلك إشادةً واضحةً بمقاتلي الكوم المغاربة الذين خدموا إلى جانب القوات الفرنسية أثناء المعركة. إذ وصفتهم بعناصر مواليةٍ وقدّمتهم قواتٍ محليةً اتسمت بالشجاعة والانضباط والإخلاص خلال المعارك، في إطار سرديةٍ سعت إلى إبراز الكوم حلفاء أوفياء للقوات الفرنسية، ضمن إطارٍ أوسع هدف إلى شرعنة الوجود الفرنسي وتقديمه مشروعاً مدعوماً من قوىً محليةٍ مغربية. وذلك وفق ما يرد في دراسةٍ سنة 2017 بعنوان "كولونيال ليجيتيمايزيشن-ليجيبيليتي [. . .]" (العلاقة بين الشرعنة الاستعمارية وآليات التصنيف الإداري في سياسات الهوية بالجزائر والمغرب) لأستاذ علم الاجتماع التاريخي في جامعة بيل الأمريكية، جوناثان وورتسِن.

وطيلة عقودٍ بعد انقضاء معركة بوغافر، ظلت عناصر الكوم تسكن حيزاً ملتبساً في الذاكرة الوطنية، إذ اتسمت مواقف السلطات المغربية بعد الاستقلال بالحرص على عدم تحويل رفات هؤلاء المجندين إلى رموزٍ عسكريةٍ فرنسيةٍ خالصةٍ، بالتوازي مع أنشطةٍ متنوعةٍ لتثبيت تاريخ تلك المرحلة من منظور عدسةٍ محلية.


بعد مرور تسعة عقودٍ ونيفٍ على انقضاء معركة بوغافر، عادت الرفات في تراب قرية ألنيف لتطرح من جديدٍ سؤال السيادة على الذاكرة بين المغرب وفرنسا. فهذه المبادرة التي أشرفت عليها وموَّلتها وزارة الجيوش الفرنسية وجمعية لاكوميا، لا تنفصل عن تقليدٍ قديمٍ داخل العقيدة العسكرية الفرنسية في إدارة ذاكرة الحروب.

فمنذ سنة 1915، أقرَّت فرنسا قانوناً ينص على دفن الجنود الذين "ماتوا من أجل فرنسا" في قبورٍ فرديةٍ تتكفل الدولة بصيانتها دائماً. وبعد الحرب العالمية الأولى، توسعت هذه السياسة بإنشاء أضرحةٍ وطنيةٍ ومربعاتٍ عسكريةٍ داخل فرنسا وخارجها لتجميع رفات العسكريين الذين سقطوا في الحروب، ومن بينهم مقاتلو الكوم المغاربة.

وتقرّ منصة وزارة الجيوش الفرنسية بوجود أكثر من ألف موقعٍ لدفن العسكريين الفرنسيين موزعةً على ثمانين دولةٍ، وتضمّ نحو مئتين وثلاثين ألف جنديٍ، من بينها سبعة مواقع عسكريةٍ في المغرب تحتوي على رفات أكثر من ثمانية عشر ألف جندي. وتندرج هذه العناية الفرنسية بالمقابر ضمن سياسة الذاكرة التي تعتمدها الدولة الفرنسية للحفاظ على الإرث العسكري الاستعماري خارج حدودها.

هذه الممارسة تصفها المؤرخة الأمريكية كيت كلارك ليمي بأنها "ذاكرة عابرة للحدود"، وذلك في دراستها "ذه كنستركشن أوف ترانسناشونال رممبرينس [. . .]" (بناء الذاكرة العابرة للحدود في المقابر الحربية خلال القرن العشرين) المنشورة سنة 2018. وهو ما يعني أن تجد الدبلوماسية طريقها عبر القبور، إذ تُوظف المقابر العسكرية والذاكرة الجنائزية في إعادة بناء الروابط السياسية والرمزية مع المستعمرات السابقة، بما في ذلك إضفاء بعدٍ أخلاقيٍ وإنسانيٍ على الحضور الاستعماري الفرنسي في التاريخ المحلي لتلك المستعمرات.

لكن "دبلوماسية القبور" هذه لم تقف عند حدود الفعل التذكاري أو الواجب الإنساني، بل تحولت إلى ملفٍ سياديٍ بامتياز. ففي سنة 2017، حاولت السلطات الفرنسية نقل رفات مقاتلي الكوم من ألنيف إلى مقابر عسكريةٍ فرنسيةٍ منظمةٍ، بدعوى حمايتها من التلف والإهمال. إلا أن هذا المسعى جُوبِهَ برفضٍ صريحٍ من الدولة المغربية، انطلاقاً من اعتبار هؤلاء المتوفين جنوداً مغاربةً مسلمين وجب مواراتهم الثرى في تربة وطنهم. هذا الموقف السيادي أجبر باريس على إعادة النظر في مقاربتها، والالتزام بتهيئة المقبرة في موقعها الأصلي بدلاً من ترحيل الرفات إلى الخارج.

ويكشف العدد مئة وتسعون من نشرة الجمعية جانباً من كواليس هذا التوتر. فقد أشار إلى أن مديرية الذاكرة والتراث والأرشيف التابعة لوزارة الجيوش الفرنسية اضطرت لمراجعة موقفها بعد رفض وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية نقل الجثامين. وتضمنت النشرة تفاصيل نقاشٍ دار بين رئيس الجمعية والمقدم الفرنسي السابق "دوكلو"، الذي انتقد بحدَّةٍ وضع المقبرة في أثناء زيارته الأطلسَ الكبيرَ، الممتد من الجنوب الغربي إلى الشمال الشرقي من المغرب، واصفاً إياها بالفضاء المهمل الذي تحول إلى ما يشبه مكبّ نفايات. وقد شدَّد حينها على أن هؤلاء المقاتلين الذين "ماتوا من أجل فرنسا" يستحقون مدافن تليق بتضحياتهم.

وأمام تعثّر شراكةٍ أوليةٍ مع إحدى الجمعيات المحلية التي عجزت عن توفير التمويل اللازم، انتقل الملف مباشرةً إلى وزارة الدفاع الفرنسية، بمؤازرةٍ من رئيس لاكوميا الذي أكَّد على إلزام الدولة الفرنسية قانونياً بالتكفل بقبور هؤلاء الجنود لأنهم سقطوا محاربين تحت لوائها.

في مقابل هذه المساعي الفرنسية لتأطير الذاكرة، تعمل المؤسسات المغربية الرسمية على ترسيخ روايةٍ وطنيةٍ مغايرةٍ تماماً حول أحداث بوغافر. إذ تسعى المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، وهي التي تُعنى بتخليد ذاكرة المقاومة التاريخية، إلى استحضار هذه المعارك امتداداً أصيلاً لتاريخ الكفاح من أجل السيادة الوطنية والوحدة الترابية للمملكة. 

ومن هذا المنظور فمعركة بوغافر لا تُختزل مواجهةً عسكريةً مع القوات الفرنسية، إنما نموذجاً للصمود الشعبي في وجه التفوق التقني والعسكري الاستعماري. وتعتمد الرواية الرسمية أيضاً على إعادة الاعتبار للذاكرة المحلية عبر توثيق شهادات المقاومين وأبنائهم، وتنظيم زياراتٍ ميدانيةٍ لمواقع المعارك، وتخليد ذكرى الضحايا في فضاءات الذاكرة الوطنية، بما في ذلك المعارض والمتاحف التابعة للمندوبية المدرجة تحت تسمية "فضاءات الذاكرة التاريخية للمقاومة والتحرير"، وقد بلغ عددها مئةً وأربعةً في أنحاء المغرب بحلول 2023.

ويحاول الخطاب الرسمي المغربي إعادة وضع هذه الوقائع داخل سرديةٍ وطنيةٍ تُبقي مقاومة الاستعمار في مركز الذاكرة، وتحررها من القراءة العسكرية الفرنسية التي تختزلها في فكرة "إخوة السلاح". فبدلاً من تقديم عناصر الكوم بوصفهم مجرد قواتٍ مساعدةٍ للجيش الفرنسي، يُعاد النظر إليهم بوصفهم أبناء مناطق جرى استقطابهم داخل جهازٍ عسكريٍ استعماريٍ، في حين كان المغرب يعيش صراعاً على السيادة.

إلا أن السردية الوطنية المغربية لم تدمج عناصر الكوم في مركز ذاكرتها، ولم تُدِنْهم بوصفهم خونة. بل أبقت تجربتهم في منطقةٍ رماديةٍ، هامشيةٍ وملتبسةٍ، لأن وجودهم داخل الجيش الفرنسي يصعب إدراجه داخل روايةٍ وطنيةٍ قامت أساساً على تمجيد المقاومة ضد الاستعمار.

هذه السردية يؤكدها المؤرخ المغربي إدريس المغراوي في مقاله "موروكان كولونيال سولجرز" (الجنود المغاربة في الجيش الاستعماري) المنشور سنة 1998 في مجلة فصلية الدراسات العربية. ويقول: "بعد الاستقلال، فضَّل الخطاب الوطني المغربي بناء ذاكرةٍ جماعيةٍ تتمحور حول المقاومة والحركة الوطنية، بينما بقيت تجربة المغاربة الذين خدموا في الجيش الفرنسي هامشيةً أو ملتبسةً، لأنها لا تنسجم بسهولةٍ مع السردية القومية التي تجعل مقاومة الاستعمار مركزاً للشرعية الوطنية."


على كل الجراح التي خلفتها معركة بوغافر في الذاكرة المغربية، فإن تاريخ الكوم يظل أكثر تعقيداً من اختزاله في ثنائية الخيانة أو الوفاء. فقد عاش هؤلاء المقاتلون تمزقاً بين الطاعة العسكرية لضباط الشؤون الأهلية الفرنسيين، والارتباط الرمزي والروحي بالعرش المغربي. ومع حصول المغرب على الاستقلال سنة 1956، حُلَّت هذه الوحدات لتشكل جزءاً من النواة الأولى للقوات المسلحة الملكية، في خطوةٍ استهدفت إعادة توحيد المجال العسكري تحت سلطة الدولة الوطنية.

ويبقى ما جرى في قرية ألنيف مثالاً على أن التاريخ لا يختفي تحت شواهد الرخام، بل يظل حاضراً داخل الصراع على معنى الذاكرة نفسها. فإصرار باريس على ترميم المقابر تحت شعار "إخوة السلاح" يصطدم بوعيٍ محليٍ متزايدٍ يرى في هذه المبادرات مسعىً لإعادة صياغة الذاكرة الاستعمارية في قالبٍ تصالحي. فبينما ترى الرواية الفرنسية في الكوم جنوداً "ماتوا من أجل فرنسا"، يستحضر كثيرٌ من أحفاد آيت عطا بوكافر المعركة حرب حصارٍ وجوعٍ وعطشٍ وكلور، لا مجرد صفحةٍ من "الذاكرة المشتركة".

اشترك في نشرتنا البريدية