كيف يستفيد حلف مكة من تجارب حلف بغداد ووارسو وآسيان لتعزيز فرص نجاحه

تتوقف استدامة اتفاقية مكة للدفاع المشترك على تجاوزها التنسيق الأمني إلى بناء مصالح اقتصادية وتجارية متشابكة تجعل التحالف أكثر تماسكاً في مواجهة التحولات السياسية والإقليمية.

Share
كيف يستفيد حلف مكة من تجارب حلف بغداد ووارسو وآسيان لتعزيز فرص نجاحه
مظلة ردعٍ ذاتيةً نابعةً من دول المنطقة | تصميم خاص بالفراتس

اجتمعت قيادات المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان صبيحة السابع من أغسطس 2026 في مكة لتوقيع ما عُرف بِاسم "اتفاقية مكة للدفاع المشترك". استلهمت الاتفاقية روح المادة الخامسة من ميثاق حلف شمال الأطلسي التي تنص على أن أي هجومٍ مسلحٍ يطال طرفاً من أطراف الميثاق يُعد هجوماً على الأطراف جميعاً. 

وتجمع أعضاءَ هذا الحلف مقوماتٌ مختلفة. فالسعودية تمثل ثقلاً مالياً وموقعاً جغرافياً في قلب شرايين الطاقة. وتركيا حققت قدراتٍ صناعيةً دفاعيةً جعلت منها رقماً مهماً في معادلة التسليح إلى جانب موقعها جسراً بين قارتي آسيا وأوروبا. وتكتمل الحلقة في باكستان التي تتمتع بقوةٍ بشريةٍ وخبرةٍ عسكريةٍ، إضافةً لترسانتها النووية.

يمنح هذا المزيج دول التحالف قدرةَ ردعٍ لافتةً، لكن حصر التركيز على الجانب العسكري والردعي للحلف قد يحدّ من فرص استدامته ونجاحه. فمسح التجارب المختلفة في عدة أصقاعٍ من العالم، من حلفي بغداد ووارسو إلى رابطة آسيان، على اختلاف ظروف نشأة كلٍّ منها، يوضح أن التحالفات تحتاج إلى منظومةٍ اقتصاديةٍ ذات مصالح مشتركةٍ تتكئ عليها دولها. ومن ثم، فربط الممرات التجارية وتوسيع التعاون في مجالات الطاقة والصناعات الدفاعية قد يؤسس لتماسك حلف مكة واستقطاب أعضاءٍ جددٍ، فضلاً عن توفير أدواتٍ اقتصاديةٍ ودبلوماسيةٍ للتأثير في سلوك القوى الإقليمية.


يمكن اتخاذ "حلف بغداد" مثلاً على التحالفات العسكرية التي فشلت لاعتمادها حصراً على البعد العسكري. تأسس هذا الحلف في منتصف الخمسينيات مع تصاعد الحرب الباردة، بمبادرةٍ عراقيةٍ تركيةٍ، وعُرف لاحقاً بمنظمة المعاهدة المركزية. وقد ضمّ في عضويته بريطانيا وتركيا والعراق وإيران وباكستان. أما الولايات المتحدة، فمع أنها دعمت الحلف استراتيجياً، إلا أنها اكتفت بالمشاركة فيه عضواً مراقباً، مع حضورها في بعض لجانه وتقديم الدعم العسكري والاقتصادي لأعضائه.

تمحورت أهداف الحلف حول بناء منظومةٍ أمنيةٍ ودفاعيةٍ جماعيةٍ تبني حائطَ صدٍّ استراتيجياً أطلقت عليه واشنطن اسم "الحزام الشمالي" لمنع التمدد السوفييتي نحو حقول النفط في الشرق الأوسط والمياه الدافئة في الخليج العربي والبحر الأبيض المتوسط. كذلك استهدف الحلفُ الربطَ الجغرافي بين المنظومات الدفاعية الغربية، ليكون حلقة وصلٍ بين حلف شمال الأطلسي (الناتو) عن طريق تركيا، وحلف جنوب شرق آسيا (سياتو) عن طريق باكستان. إلى جانب التعهد بالدفاع المشترك وفقاً لحق الدفاع الجماعي عن النفس الذي تقرّه المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة لضمان استقرار الأنظمة حليفة الغرب في المنطقة.

ترتّب على الحلف تقديم بريطانيا والولايات المتحدة مساعداتٍ عسكريةً واقتصاديةً للدول الأعضاء. وتضمّن هذا الدعم تزويد الجيوش الإقليمية بأسلحةٍ حديثةٍ، وإجراء مناوراتٍ عسكريةٍ مشتركةٍ، فضلاً عن تقديم دعمٍ ماليٍ لتغطية ميزانيات الحلف التشغيلية. وساهم الحلف في تمويل مشاريع تقنيةٍ وبنيةٍ تحتيةٍ مثل شبكات الاتصالات اللاسلكية والسكك الحديد المحدودة. وفي سياق دعم الحلف، وقّعت الولايات المتحدة سنة 1959 اتفاقيات دفاعٍ ثنائيةً مع تركيا وإيران وباكستان بموجب "مبدأ إيزنهاور" الذي أعلنه الرئيس الأمريكي دوايت إيزنهاور سنة 1957 وتعهّد فيه بالتزام واشنطن باستخدام قواتها لحماية استقلال أي دولةٍ بالمنطقة تطلب المساعدة ضد عدوانٍ مسلحٍ من قوىً تابعةٍ للشيوعية الدولية.

ومع هذا كلّه، انهار الحلف تدريجياً وتلاشى بعد نحو ربع قرنٍ من تأسيسه. جاءت الضربة الأولى من العاصمة التي تسمّى باسمها عندما سقطت الملكية العراقية في 14 يوليو 1958، ما أدى إلى انسحاب العراق من الحلف. نُقل بعدها مقر الحلف من بغداد إلى أنقرة وتغير اسمه إلى "منظمة المعاهدة المركزية".

الضربة الثانية جاءت بعد امتناع الحلف عن تقديم العون العسكري لباكستان في نزاعاتها مع الهند سنتي 1965 و1971 بحجة أن التزامات الحلف موجهة حصراً ضد التهديد السوفييتي وليس لخوض حروبٍ إقليمية. أما الضربة الأخيرة، فكانت سنة 1979 مع سقوط الشاه في إيران، إذ أعلنت الجمهورية الإسلامية في إيران انسحابها الفوري، وتلتها باكستان، فحُلّت المنظمة رسمياً في مارس 1979.

أحد أوجُه ضعف الحلف أنه كان اتفاقاً فوقياً معزولاً بين حكوماتٍ لأغراضٍ أمنيةٍ بحتةٍ ورهينةٍ للتوافقات السياسية بينها. فرغم إنشاء لجانٍ للتعاون الاقتصادي وتنفيذ مشروعاتٍ في البنية التحتية والاتصالات والتنسيق التقني، لم تتطور هذه الجهود إلى تكاملٍ اقتصاديٍ أوسع يخلق حاضنةً وعمقاً اجتماعياً يربط بين شعوب الدول المتحالفة بأسواقٍ مشتركةٍ تكون بمثابة مصالح اقتصاديةٍ جامعةٍ تستحق الدفاع عنها. وفي ظل هذه الهشاشة، عندما تغيرت الأنظمة السياسية للدول الأعضاء، كما حدث في العراق سنة 1958 وإيران سنة 1979، تفكك الحلف وكأنه لم يكن مع ما حظي به من دعم. 


على خلاف حلف بغداد الذي ركّز على البعد الأمني والعسكري، ارتبط حلف وارسو بمنظومةٍ اقتصاديةٍ واسعةٍ جمعت دول الكتلة الشرقية تحت قيادة الاتحاد السوفييتي. لكن وجود هذه المنظومة لم يحُل دون انهياره، إذ قامت على التبعية لموسكو أكثر من قيامها على المصالح المتبادلة بين أعضائه. تأسس هذا الحلف في 14 مايو 1955 بين ثماني دول من الكتلة الشرقية بقيادة الاتحاد السوفييتي. وضمّت عضويته كلاً من الاتحاد السوفييتي وبولندا وتشيكوسلوفاكيا وألمانيا الشرقية والمجر ورومانيا وبلغاريا وألبانيا (التي جُمّدت مشاركتها لاحقاً ثم انسحبت رسمياً سنة 1968). وجاء التأسيس استجابةً مباشرةً للإشكالية التي واجهها الاتحاد السوفييتي بعد إعلان انضمام جمهورية ألمانيا الاتحادية، أو ما عُرف آنذاك بألمانيا الغربية، إلى حلف الناتو في السادس من مايو 1955 وإعادة تسليحها عبر إنشاء الجيش الاتحادي.

أتت الخطوة بعد عقدٍ واحدٍ من نهاية الحرب العالمية الثانية التي راح ضحيتها زهاء سبع وعشرين مليون مواطنٍ سوفييتيٍ، بين جنودٍ ومدنيين، وتدمير البنية التحتية السوفييتية تدميراً واسعاً. وقد عدّ الاتحاد السوفييتي وجود جيشٍ ألمانيٍ مدعومٍ من واشنطن على حدود كتلته الشرقية تهديداً مباشراً لأمنه القومي. لذا لم تمرّ ثمانية أيامٍ إلا وردّت موسكو على هذه الخطوة بتوقيع معاهدة وارسو للسيطرة على قرار أوروبا الشرقية العسكري وضمان وجود القوات السوفييتية على أراضيها.

وإلى جانب الترسانة العسكرية الضخمة، تجلّى البعد الاقتصادي للحلف في مجلس التعاون الاقتصادي المتبادل "الكوميكون". تأسس الكوميكون سنة 1949 ردّاً سوفييتياً على "مشروع مارشال"، الذي كان مبادرةً اقتصاديةً أمريكيةً أُطلقت سنة 1948 لتقديم عونٍ ماليٍ ضخمٍ لإعادة إعمار اقتصادات دول أوروبا الغربية المدمرة عقب الحرب العالمية الثانية، بهدف تعزيز الاستقرار الاقتصادي الإقليمي والحد من انتشار النفوذ السوفييتي. 

اعتمدت طريقة عمل الكوميكون على التخطيط المركزي واقتصاد الأوامر، في ظل هيمنة موسكو الاقتصادية والسياسية، وتحت شعار "التقسيم الاشتراكي للعمل". وبدلاً من إتاحة التبادل التجاري الحر وإطلاق العنان لتنافس قوى السوق، اختارت موسكو أدواراً إنتاجيةً محددةً لكل دولة. إذ كان دور الاتحاد السوفييتي تزويد الكوميكون بالنفط والغاز والمواد الخام. وتخصصت كلٌّ من ألمانيا الشرقية وتشيكوسلوفاكيا في صناعة الآلات الثقيلة، والمجر في الحافلات والمنتجات الزراعية، وبلغاريا في الإلكترونيات والزراعة.

ولتعميق تبعية هذه المنظومة لموسكو، اعتمدت التسويات المالية بين هذه الدول على عملةٍ حسابيةٍ تُعرف بِاسم "الروبل المنقول". وتسمح هذه العملة بتحويل الفوائض البينية بين الدول الأعضاء إلى قيمةٍ يمكن للدولة أن تشتري بها منتجاتٍ من دولةٍ أخرى من أعضاء المنظومة. لكن هذه العملة لم تكن قابلةً للتحويل إلى عملاتٍ تسمح لدول الحلف تداولها في الأسواق العالمية أو المتاجرة باستقلالٍ عن التحكم السوفييتي.  

لم تستطع موسكو الإبقاء على حلف وارسو في ظل انهيار الأنظمة الشيوعية في أوروبا الشرقية وتراجع النفوذ السوفييتي بين سنتي 1989 و1990، كما حافظت واشنطن على حلف الناتو. حُلّت هياكل الحلف العسكرية في مارس 1991، وتلاها الحلّ الرسمي لمنظومة الكوميكون في يونيو 1991، ثم إلغاء معاهدة وارسو نهائياً في براغ في الأول من يوليو 1991. 

أحد العوامل التي أسهمت في فشل استمرار الحلف هو أن منظومته الاقتصادية كانت عبارةً عن أداةٍ لتعميق تبعية الدول الأعضاء لموسكو. فكانت الدول الأعضاء تعاني من اختلالاتٍ اقتصاديةٍ وتباطؤٍ في النمو، في حين كان التحالف يعتمد على الإكراه أكثر من اعتماده المنفعة المتبادلة. فقد أُجبرت دول الكوميكون على توجيه ما بين 40 إلى 80 بالمئة، بحسب الدولة، من تجارتها الخارجية حصراً داخل نطاق الحلف ومع الاتحاد السوفييتي، ما جعل اقتصاداتها رهينةً للأزمات الهيكلية في موسكو. وكلما حاولت إحدى الدول الأعضاء الخروج من منظومة التبعية الاقتصادية أو تطبيق إصلاحاتٍ هيكليةٍ، كما حدث في المجر سنة 1956 وفي "ربيع براغ" بتشيكوسلوفاكيا سنة 1968، أتى الرد السوفييتي  على شكل اجتياحٍ عسكريٍ وقمع الإصلاحات بالقوة، ما بيّن أن التماسك لم يكن مرتهناً لمصالح اقتصاديةٍ متشابكةٍ ومتبادلةٍ بين أعضائه. 


بين محدودية التكامل الاقتصادي في تجربة حلف بغداد وهيمنة السوفييت على منظومة حلف وارسو، تبرز تجربة رابطة دول جنوب شرق آسيا، المعروفة اختصاراً باسم "آسيان"، نموذجاً ناجحاً لبناء منطقةٍ مستقرةٍ على أساسٍ من المصالح الاقتصادية المشتركة دون الحاجة إلى حلفٍ دفاعي. 

تأسست الرابطة في الثامن من أغسطس سنة 1967 بعد تعثر حلفٍ دفاعيٍ يحاكي الناتو قادته الولايات المتحدة عُرف بحلف "سياتو"، وهو اختصار "منظمة معاهدة الدفاع المشترك لجنوب شرق آسيا". تأسس حلف سياتو بموجب ميثاق مانيلا في الثامن من سبتمبر 1954 لمحاربة التمدد الشيوعي. لكنه عانى في بدايته من خللٍ هيكليٍ، إذ لم يضم في عضويته من دول جنوب شرق آسيا سوى دولتين فقط هما الفلبين وتايلاند، في حين كان بقية الأعضاء قوىً خارجيةً تشمل الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وأستراليا ونيوزيلندا وباكستان. ومع تصاعد حرب فيتنام سنة 1965 واتساع التورط الأمريكي العسكري المعقد فيها، تكشفت هشاشة هذا الحلف وعجزه عن اتخاذ قراراتٍ موحدةٍ وحاسمةٍ، ليُحلّ رسمياً في 30 يونيو 1977 دون أن يحقق هدفه الردعي.

تأسست رابطة آسيان على مبادئ مختلفةٍ عن حلف سياتو، تُشدّد على الحياد وعدم الانحياز للتحالفات العسكرية بين القوى العظمى، والتنسيق والتعاون الاقتصادي. وقد شكلت الرابطةَ خمسُ دولٍ هي إندونيسيا وماليزيا والفلبين وسنغافورة وتايلاند. وجعلت هذه الدول من تسريع النمو الاقتصادي والتقدم الاجتماعي والاستقرار الإقليمي أهدافاً رئيسةً للرابطة. 

ركزت هذه الدول جهودها على تحويل المنطقة إلى مركزٍ تصنيعيٍ دوليٍ ومنطقة تجارةٍ حرةٍ متكاملةٍ، لاسيما بعد إطلاق اتفاقية منطقة التجارة الحرة لآسيان سنة 1992 وتأسيس المجموعة الاقتصادية للرابطة سنة 2015. وقد حققت الرابطة مع الوقت قفزاتٍ مهمةً، إذ ارتفع مجموع ناتج دولها المحلي الإجمالي من ثلاثة وعشرين مليار دولار عند تأسيسها ليبلغ قرابة 3.8 تريليون دولار سنة 2024، ما جعلها خامس أكبر اقتصادٍ في العالم يخدم سوقاً استهلاكياً ضخماً يتجاوز ستمئة وسبعين مليون نسمة. ونجحت دولها عبر اتفاقية تجارة السلع في إلغاء التعريفات الجمركية أو خفضها إلى مستوياتٍ تتراوح بين 0 إلى 5 بالمئة بينها، ما أدى إلى تضاعف حجم التجارة البينية والإقليمية ما لم تشهده من قبل.

بفضل روابطها الاقتصادية المشتركة، استطاعت آسيان معالجة مسألة التعامل مع فيتنام التي كانت من أكثر العقبات تعقيداً. فبعد نهاية الحرب وانسحاب الولايات المتحدة وتوحيد البلاد، شهدت المنطقة أزمةً حادةً عندما غزت فيتنام في ديسمبر 1978 كمبوديا وأسقطت نظام الخمير الحمر. وكانت قد وقعت معاهدة تحالفٍ مع الاتحاد السوفييتي قبل الغزو بشهرٍ، سمحت بموجبها لموسكو بإنشاء قاعدةٍ عسكريةٍ وبحريةٍ استراتيجيةٍ في خليج كام ران جنوب شرق فيتنام المطلّ على بحر الصين الجنوبي. 

وبدلاً من الانجرار إلى مواجهةٍ عسكريةٍ أو بناء حلفٍ مضادٍّ، اعتمدت رابطة آسيان دبلوماسية العزل السياسي المشروط بالدعم الدولي، لتتجه بعد ذلك إلى تقديم إغراءات الاندماج الاقتصادي. فعقب إطلاق فيتنام سياسة الإصلاح الاقتصادي والتجديد المعروفة بِاسم دوي موي سنة 1986 وانسحابها العسكري الكامل من كمبوديا سنة 1989، بدا أن هانوي وجدت أن مستقبلها التنموي مرهونٌ بالاندماج مع محيطها المزدهر. وانتهى الأمر بحدثٍ تاريخيٍ حين انضمت فيتنام رسمياً إلى رابطة الآسيان في 28 يوليو 1995 عضواً سابعاً، متحولةً من خصمٍ مسلحٍ ومحاصَرٍ إلى أحد محركات النمو والإنتاج الفاعلة في المنظومة التي كانت تناوئها سنواتٍ طويلة. 

ولم تتوقف الرابطة عن التوسع بعد انضمام فيتنام، بل وسّعت منظومة التكامل الاقتصادي بضمّ دولٍ أخرى. انضمت كلٌّ من لاوس وميانمار سنة 1997، ثم كمبوديا بعدها بعامين، وصولاً إلى تيمور الشرقية التي أصبحت العضو الحادي عشر في أكتوبر 2025. وبالتوازي مع هذا التوسع، اعتمدت آسيان في مايو 2025 رؤيتها الاستراتيجية حتى سنة 2045، بهدف تعميق التكامل الاقتصادي وتعزيز دورها في حفظ الاستقرار الإقليمي. 


توضح المقارنة بين حلف بغداد ووارسو ورابطة آسيان أن التكامل الاقتصادي القائم على مصالح مشتركةٍ شرطٌ أساسٌ لنجاح واستدامة أيّ تحالفٍ دفاعي. ولهذا فنجاح حلف مكة قد يُرتهَن باستغلال الفرص الحقيقية لبناء تكاملٍ كهذا بين دوله بالاستفادة من موقعها في قلب طرق التجارة العالمية بين آسيا وأوروبا.

يفتح ظرف حرب إيران، التي اشتعلت نهاية فبراير 2026، الباب مشرعاً لبناء حلف مكة على أساسٍ اقتصاديٍ صلبٍ يخدم المصالح المشتركة. فالضغط المتزايد على مضيقي هرمز وباب المندب يحث على التفكير بخلق مساراتٍ تجاريةٍ بديلةٍ ومستدامةٍ تقلّل من تأثيرهما على أسواق الطاقة والتجارة. ودول حلف مكة الثلاث لديها الموقع الجغرافي والمقومات الضرورية لقيادة هذه الطرق الجديدة.

والسعي نحو هذه الطرق التجارية البديلة قد بدأ في عدّة مشاريع تتقاطع فيها مصالح الدول الثلاث. أول هذه المشاريع هو "الجسر البري السعودي" الذي يربط موانئ الخليج العربي بموانئ البحر الأحمر. المسار الثاني هو مشروع "طريق التنمية" العراقي التركي، الذي يهدف إلى ربط ميناء الفاو في أقصى جنوب العراق بالحدود التركية شمالاً، عبر شبكةٍ من السكك الحديد والطرق البرية السريعة، ومنها تتدفق البضائع إلى الأسواق الأوروبية. أما المسار الثالث، فيتمثل في ميناء "جوادر" الباكستاني والممر الاقتصادي الصيني الباكستاني الذي طُور ضمن مبادرة "الحزام والطريق" ويوفر منصةً خدميةً لنقل البضائع القادمة من الصين وعموم آسيا لتُشحن بحراً إلى الموانئ العمانية والسعودية. ويضاف إلى هذه المسارات مشروع "البحار الأربعة" الذي يسعى لربط الخليج العربي بالبحر المتوسط والبحر الأسود وبحر قزوين عبر تركيا والعراق.

خريطة الممرات التجارية البديلة بين الخليج العربي وأوروبا وآسيا | تصميم خاص بالفراتس

ربط هذه المشاريع عضوياً بحلف مكة وتحويلها من مبادراتٍ وطنيةٍ منفردةٍ إلى بنيةٍ اقتصاديةٍ مشتركةٍ قد يزيد من جاذبية دولٍ أخرى مترددةٍ بالانضمام إليه، مثل مصر أو سلطنة عمان أو الأردن أو الإمارات. فمثل هذه الدول قد تتردد في الانضمام إلى حلفٍ عسكريٍ بحتٍ، خوفاً من الانجرار إلى التزاماتٍ سياديةٍ ثقيلةٍ أو الدخول في استقطاباتٍ إقليميةٍ، لكنها قد تجد في التكامل الاقتصادي حافزاً أقلّ تكلفةً سياسية. خصوصاً إذا كانت عبارةً عن فتح أسواقٍ جديدةٍ وجذب استثماراتٍ وربط طرق تجارتها الوطنية، كقناة السويس التي تعتمد مصر كثيراً على إيراداتها، بشبكةٍ أوسع من الممرات الإقليمية. 

ومن الأسباب التي قد تغري دولاً أخرى بهذا التحول الاقتصادي تحقيق أمن الطاقة المشترك بسعرٍ تفضيلي. إذ يمكن للتحالف، بفضل القدرات السعودية، تقديم ضماناتٍ لإمدادات الطاقة بأسعارٍ مستقرةٍ للدول الأعضاء، مما يحمي اقتصاداتها من تقلبات السوق العالمية. ويضاف إلى ذلك إقرار حرية انتقال رؤوس الأموال والسلع. فإذا أسّس التحالف منطقةَ تجارةٍ حرةً، فإن انضمام دولةٍ كمصر سيعني فتح الأبواب لتدفق الاستثمارات السعودية في قطاعات التصنيع والزراعة، مصحوباً بتسهيلاتٍ جمركيةٍ للصادرات المصرية للدخول لأسواق تركيا وباكستان.

ثالث هذه الأسباب توطين الصناعات الدفاعية. فتركيا رائدةٌ في صناعة الطائرات المسيّرة، وباكستان تمتلك قاعدة تصنيعٍ عسكريٍ، والسعودية تمتلك رؤيتها التنموية المعروفة بِاسم "رؤية 2030" التي تستهدف توطين نصف الإنفاق العسكري. ودمج هذه القدرات لتحويل التحالف إلى سوقٍ صناعيةٍ دفاعيةٍ مشتركةٍ قد يغري بعض دول المنطقة بالانضمام للاستفادة من نقل التقنية بدلاً من الاعتماد المستمر على برامج التسليح الغربية المشروطة.

ويمكن لهذا التكامل الاقتصادي والعسكري أن يؤثر في سلوك إسرائيل وإيران مثلما أثّرت رابطة الآسيان في فيتنام. فقد اعتمدت إسرائيل طويلاً على عقيدة التفوق العسكري والتحالف مع واشنطن لفرض شروطها في المنطقة. إلا أن أحداث السنوات الأخيرة بيّنت أن التفوق العسكري وحده لا يجلب أمناً مستداماً، بل يجني عزلةً إقليميةً متزايدةً ورفضاً شعبياً يقوض استقرارها من الداخل. وهنا يمكن لتحالف مكة أن يطرح معادلةً مختلفةً، محورها الدمج في اقتصاد المنطقة مقابل تغييراتٍ جوهريةٍ في السلوك اتجاه قضايا المنطقة، أهمها اتخاذ خطواتٍ سياسيةٍ وقانونيةٍ جادةٍ للاعتراف بدولةٍ فلسطينيةٍ مستقلةٍ ذات سيادةٍ، وأن تكون هذه الدولة الفلسطينية جزءاً من هذا المنظومة الاقتصادية. هكذا ربما يضع التحالف صانع القرار الإسرائيلي أمام خيارين: إما الاستمرار في سياسة الاحتلال والحروب والبقاء في عزلةٍ إقليميةٍ، وإما اختيار تغيير السلوك والاندماج النسبي في المحيط الإقليمي شريكاً اقتصادياً.

وإن عُدِمَت الضمانات على أن تكون الحوافز الاقتصادية كافيةً وحدها لتغيير السياسات الإسرائيلية تجاه الاعتراف بدولةٍ فلسطينيةٍ ذات سيادةٍ – لاسيما في ظل استمرار الدعم العسكري والسياسي الأمريكي، ووجود اعتباراتٍ ائتلافيةٍ وعقائديةٍ داخليةٍ في إسرائيل – فإنها على الأقل قد تمنح التحالف الناشئ أدواتٍ إضافيةً للضغط والتفاوض والتأثير، بربط توسيع التعاون التجاري والاستثماري بإحراز تقدمٍ سياسيٍ ملموس.  

ويمكن لهذا الحلف المبني على قاعدةٍ اقتصاديةٍ صلبةٍ أن يكون مغرياً للوصول لتسويةٍ مع إيران أيضاً. فمنذ الثورة الإيرانية طورت إيران مجموعةً من الأدوات، ليس أولها دعم الحركات المسلحة في المنطقة والتهديد بإغلاق مضيق هرمز، وليس آخرها برنامجها الصاروخي والنووي، لحماية نظامها وخلق حالة ردعٍ متوزانةٍ مع خصومها الإقليميين والولايات المتحدة. وقد دفعت هذه الاستراتيجية إيران إلى أن تعيش في عزلةٍ نسبيةٍ عن الاقتصاد الدولي تحت وطأة عقوباتٍ دوليةٍ متزايدةٍ ولمدةٍ طويلة. إلا أن الحلف يمكن أن يسهم في تغيير هذه الحالة بمقايضة الاندماج الاقتصادي وتحقيق الاستقرار السياسي بتغييرٍ في العقيدة السياسية والتخلي عن البرنامج النووي وسياسات تصدير الثورة وشبكة الجماعات المسلحة التي تشرف عليها. وهناك سوابق لهذا النهج، أبرزها الاتفاق النووي سنة 2015، الذي قبلت إيران بموجبه قيوداً على برنامجها النووي مقابل تخفيف العقوبات، واتفاق استئناف العلاقات السعودية الإيرانية سنة 2023، الذي شمل إحياء اتفاقياتٍ للتعاون الأمني والاقتصادي.

تحوّل حلف مكة نحو هذا النموذج الاقتصادي قد يغيّر طبيعة نظرة القوى الكبرى إليه. فأمريكا التي قد تتوجس مبدئياً من صعود تكتلٍ سياسيٍ إقليميٍ مستقلٍ، قد تجد في هذا التحالف نقطة ارتكازٍ تخدم مصالحها، باعتبار أن الأعضاء من حلفائها التاريخيين. ولعل بروز هذه القوة يخدم هدف تقاسم الأعباء الذي يسمح لواشنطن بتقليص انخراطها العسكري المباشر دون ترك فراغٍ أمني. أما الصين، فقد تتبنى موقفاً يتسم بالترحيب البراغماتي، خصوصاً إذا دُمجت البنية التحتية والممرات التجارية التي سيبنيها التحالف ضمن مبادرة الحزام والطريق. وبالنسبة لروسيا، فقد تنظر إلى هذا التحالف من زاويةٍ مزدوجةٍ، فمن جهةٍ قد تعدّه أداةً لتقييد النفوذ الأمريكي في المنطقة، ومن جهةٍ أخرى قد ينبع قلقها من تمدد نفوذه نحو مناطق نفوذها التقليدية في جمهوريات القوقاز وآسيا الوسطى.


اتفاقية مكة للدفاع المشترك تبدو خطوةً أولى مهمةً في مرحلتها الحالية، توفر مظلة ردعٍ ذاتيةً نابعةً من دول المنطقة وتحتاج إليها طالما استمرت حالة عدم الاستقرار. ولكن استمرار هذا التحالف وقدرته على التوسع مستقبلاً، وحتى قدرته على التأثير في سلوك القوى الإقليمية الأكثر توتراً كإسرائيل وإيران، تتطلب جميعها تحولاً من كونه مجرد ترتيبٍ إقليميٍ يبرز العصا الأمنية إلى تكتلٍ اقتصاديٍ أمنيٍ متكاملٍ، يرتكز على مصالح اقتصاديةٍ مشتركةٍ وشرايين تجاريةٍ بديلةٍ تربط الدول الأعضاء ببعضها عضوياً، بحيث لا يسهل تفكيك رابطتها بتغير الظروف السياسية. وهذا ما تُظهره تجربتا حلف بغداد وحلف وارسو من جهة الفشل، وتجربة آسيان من جهة النجاح. وهو درسٌ ربما يستحق أن يوضع في قلب أي نقاشٍ يتعلق بمستقبل هذا التحالف الوليد وقدرته على الصمود أمام تحولات المنطقة القادمة.

اشترك في نشرتنا البريدية