من الهند إلى الضفة الغربية.. جذور قانون الإعدام الإسرائيلي

جاء قانون الإعدام الإسرائيلي امتداداً لتشريعات طوارئ بريطانية عمرها قرن، حملها رجالها من الهند إلى أيرلندا ففلسطين، وبقيت بعد رحيلهم.

Share
من الهند إلى الضفة الغربية.. جذور قانون الإعدام الإسرائيلي
"من يختار الإرهاب يختار الموت" | تصميم خاص بالفراتس

في مساء 30 مارس 2026، احتفل وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير بإقرار الكنيست قانوناً جديداً لعقوبة الإعدام، بأغلبية اثنين وستين صوتاً مقابل ثمانية وأربعين، بعد نحو اثنتي عشرة ساعة من النقاش. يجعل القانون الإعدام شنقاً العقوبة الافتراضية لأي فلسطيني من سكان الضفة الغربية تُدينه المحاكم العسكرية الإسرائيلية بتنفيذ هجوم "إرهابي مميت". وقال بن غفير عقب التصويت: "لا مزيد من الباب الدوار للإرهابيين"، في إشارة إلى الإفراج عن الأسرى الفلسطينيين وإمكانية عودتهم إلى تنفيذ هجمات، "بل قرار واضح: من يختار الإرهاب يختار الموت".

استثنى القانون صراحةً مستوطني الضفة الغربية والمواطنين الإسرائيليين من نطاقه، إذ حصر البند الوحيد الذي قد يشملهم فيمن "يقتل بنية نفي وجود دولة إسرائيل"، وهو تعريف يستبعد عملياً أي متهم يهودي. وفي المقابل، ألزم القانونُ المحاكمَ العسكرية التي لا تحاكم سوى الفلسطينيين بتطبيق الشنق قاعدةً، فيما يبقى السجن المؤبد استثناءً يخضع لتقدير القاضي وحده في "ظروف خاصة" لم يحدد القانون ماهيتها.

وقد أثار هذا التفاوت احتجاجاتٍ فلسطينيةً، منها مظاهرات وإضرابات في نابلس ورام الله وجنين والخليل والقدس الشرقية، بل دفع جمعية الحقوق المدنية في إسرائيل إلى تقديم التماس أمام المحكمة العليا تصف فيه القانون بأنه "تمييزي بالتصميم". وتجاوز اعتراض الجمعية التمييز في العقوبة إلى حدود السلطة التشريعية للكنيست في الضفة الغربية، التي لم تُعلن إسرائيل سيادتها الرسمية عليها، ويخضع سكانها الفلسطينيون منذ سنة 1967، في جانب أساس من شؤونهم القانونية، لمنظومة من الأوامر العسكرية. فبحسب الجمعية، تعود السلطة التشريعية في الأراضي المحتلة إلى القائد العسكري لا إلى البرلمان، وهو ما يضع الأساس القانوني لهذا النظام العقابي موضع شك.

تفتح هذه المسألة نافذة على تاريخ تشكّل المنظومة القانونية التي تحكم الضفة الغربية، وتداخل التشريعات المحلية والأوامر العسكرية الإسرائيلية مع إرث قانوني يعود إلى فترة الانتداب. ففي سبتمبر 1945، أصدرت سلطات الانتداب البريطاني "أنظمة الدفاع" (الطوارئ)، التي منحت السلطات صلاحيات استثنائية واسعة وأتاحت إنشاء محاكم عسكرية. وهي المنظومة التي أعادت إسرائيلُ الاستنادَ إلى بعض أحكامها بعد احتلال الضفة الغربية سنة 1967، بالتوازي مع أوامر عسكرية جديدة شكّلت الإطار المباشر لإدارة الأراضي المحتلة ومحاكمة الفلسطينيين.

ولم تكن أنظمة 1945 سوى الحلقة الأخيرة في سلسلة من التشريعات الاستثنائية التي جرّبتها بريطانيا في مستعمراتها على مدى ثلاثة عقود، من قانون الدفاع عن الهند سنة 1915 وقانون رولات سنة 1919، إلى قانون استعادة النظام في أيرلندا سنة 1920. كذا لم تنتقل هذه التشريعات نصوصاً مجردة، بل حملها ضباط وشرطيون من الهند إلى أيرلندا ثم إلى فلسطين. فخلّفت في كل محطة بنية قانونية صُممت مؤقتة، وبقيت بعد زوال الظرف الذي سوّغها، ليمتد هذا الأثر إلى المحاكم العسكرية التي تعمل في ظلها اليوم الأداة التي يُراد لها أن تنفّذ عقوبة الإعدام. 


قبل أن تصبح الهند مستعمرة بريطانية رسمية سنة 1858، منحت الملكة إليزابيث الأولى شركة الهند الشرقية سنة 1600 ميثاقاً يمكِّنها من وضع القواعد اللازمة لحماية مصالحها التجارية من التمرد والعصيان. وهو ما حول الشركة تدريجياً من مؤسسة تجارية إلى قوة تحكم الأراضي والسكان وتجبِي الضرائب وتفرض النظام، خصوصاً بعد انتصارها في معركة بلاسي سنة 1757.

وكانت بلاسي نقطة تحول في ميزان السلطة في البنغال (الإقليم الذي امتد تاريخياً عبر أجزاء من الهند وبنغلاديش الحاليتين). ففي 23 يونيو 1757، هزمت قوات الشركة بقيادة روبرت كلايف جيش نواب البنغال سراج الدولة، مستفيدة من انشقاق أحد قادة جيش النوّاب مير جعفر، الذي اتفق سراً مع البريطانيين على التخلي عن سيده مقابل توليه الحكم. وقد أتاح هذا الانتصار للشركة التدخل في تعيين الحكام المحليين وتوسيع نفوذها السياسي والعسكري، بحسب المؤرخ مارك كونودس في دراسته "إميرجنسي، إكسبشن، أند ذا كولونيال رول أُف لو [. . .]" (الطوارئ والاستثناء وسيادة القانون الاستعمارية [. . .]) الصادرة سنة 2023.

ثم في سنة 1765، حصلت الشركة على حق جباية الإيرادات في أقاليم البنغال وبيهار وأوريسا، وتحولت من منافس تجاري إلى سلطة إقليمية تملك موارد الحكم وتموّل بها توسعها العسكري، بحسب ما يذكره المؤرخ الأمريكي فيليب جاي ستيرن في كتابه "ذا كومبَني ستيت [. . .]" (الدولة-الشركة [. . .]) الصادر سنة 2011.

اتساع سلطة الشركة كشف اختلالات إدارتها الأراضي التي أخضعتها من دون رقابة سياسية ومؤسسية. فقد أدت أعمال مسؤوليها، وأزمات الإدارة والمالية، إلى تدخل البرلمان البريطاني سنة 1773. وبموجب قانون تنظيم شركة الهند الشرقية، أُنشئ منصب الحاكم العام للبنغال ومجلسه، وبدأ إخضاع إدارة الأراضي الهندية لرقابة حكومية بريطانية مباشرة. غير أن القانون لم ينهِ حكم الشركة، بل أعاد تنظيمه، إذ ظلت مؤسسة تجارية خاصة لها سلطة سياسية وإقليمية، لكن داخل إطار يعترف بالسلطة العليا للدولة البريطانية.

سنة 1818، اتخذ الحكم الاستعماري خطوة أكثر تشدداً. فقد أتاح "التنظيم الثالث" الصادر في ذلك العام عن حكومة البنغال احتجاز أشخاص تشتبه السلطات في أنهم يشكلون تهديداً لاستقرار الحكم، دون محاكمة عادية أو تحديد مدة مسبقة للاحتجاز. كان ذلك استثناءً من ضمانة قانونية أساس تسمى مبدأ "هابياس كوربوس" أي "المثول أمام القضاء"، التي تتيح للمحتجز الطعن في قانونية احتجازه ومطالبة السلطة تبريره. وبموجب هذا التنظيم، أصبح الاشتباه الأمني أساساً كافياً لسلب الحرية، دون اشتراط إدانة جنائية أمام محكمة عادية، بحسب ما جاء في دراسة كوندوس.

لم يبقَ التنظيم الثالث مجرد نص تشريعي، ففي القرن التاسع عشر استخدمته السلطات البريطانية في مواجهة ما أطلقت عليه "ذعر الوهابية". في إشارة إلى مخاوفها من حركات إسلامية في الهند اشتبهت في تهديدها الحكمَ الاستعماري، على اختلاف بعضها عن الحركة الوهابية في نجد التي تنسب لمحمد بن عبد الوهاب. واعتُقل أشخاص بموجب هذه الصلاحيات، من بينهم التاجر أمير خان وحسم الله خان، اللذان طعنا في قانونية احتجازهما. وتكشف هذه الوقائع كيف أمكن تحويل الاشتباه في النشاط السياسي أو الديني إلى أساس للاحتجاز خارج ضمانات المحاكمة العادية.

وبعد أقل من عام على اندلاع الحرب العالمية الأولى، اتخذ هذا النهج شكلاً تشريعياً أوسع، إذ أصدرت السلطات البريطانية في مارس 1915 قانون الدفاع عن الهند، مستندة إلى نموذج تشريعي استثنائي أُقر في بريطانيا بعد اندلاع الحرب. وبحسب دراسة كوندوس، أتاح القانونُ احتجازَ المشتبه فيهم وتقييد حركتهم ومحاكمتهم أمام محاكم خاصة، في سياق سعي السلطات إلى مواجهة النشاط الثوري الهندي. لاسيما محاولات حزب "غدر" تحريض الجنود الهنود على التمرد، وهو ما عُرف بالمؤامرة الهندية الألمانية.

كان هذا التهديد متصلاً بمخاوف بريطانية من أن تتحول الحرب الأوروبية إلى فرصة لحركة الاستقلال الهندية. فقد أسس مهاجرون هنود في أمريكا الشمالية حزب "غدر"، الذي دعا إلى إسقاط الحكم البريطاني، وعمل أنصاره على تشجيع التمرد داخل الجيش الهندي. وفي البنجاب، أحد أهم مراكز تجنيد الجنود للجيش البريطاني، تعاملت السلطات مع هذه التحركات خطراً أمنياً يستوجب إجراءات استثنائية. وبهذا استند التشريع إلى مسوّغين متداخلين، مواجهة تهديدات الحرب العالمية الأولى، واحتواء احتمال استغلالها لتقويض الحكم الاستعماري.

أفضى القانون إلى سلسلة محاكمات عُرفت بقضايا مؤامرة لاهور، صدرت فيها أحكام بالإعدام والنفي المؤبد. لكن هذه المحاكمات تجاوزت قسوة العقوبات، واستُخدمت فيها نصوص من قانون العقوبات الهندي العادي، بينما أصدرت محاكم استثنائية الأحكام. وهكذا اندمج الاستثناء في القانون العادي، إذ أمكن الإبقاء على القواعد الجنائية المألوفة، مع تعليق بعض الضمانات الإجرائية التي يفترض أن تحمي المتهمين.

ومع اقتراب الحرب العالمية من نهايتها، لم تتراجع السلطات عن هذه الصلاحيات. ففي سنة 1917، شكّلت الحكومة الهندية لجنة برئاسة القاضي سيدني رولات للتحقيق في المؤامرات الثورية، وتحديد الصعوبات التي واجهت السلطات في ملاحقتها، واقتراح التشريعات اللازمة للتعامل معها. وقدمت اللجنة تقريرها سنة 1918، موصية بالإبقاء على تدابير استثنائية لمواجهة ما اعتبرته خطراً ثورياً مستمراً، حتى بعد انتهاء الحرب.

أثمرت التوصيات "قانون الجرائم الفوضوية والثورية" لسنة 1919، المعروف باسم "قانون رولات"، الذي أجاز احتجاز المشتبه فيهم دون محاكمة، ومدّ سلطات استثنائية إلى زمن السلم. وقد رأى معارضوه أن الحكومة تستخدم خطراً أمنياً لتبرير استمرار القيود التي فرضتها الحرب. سمى الهنودُ القانونَ باسم "القانون الأسود"، واعتبره الزعيم الهندي غاندي إهانة للأمة، فيما استقال المحامي والسياسي محمد علي جناح من المجلس التشريعي الإمبراطوري احتجاجاً على تقويض المبادئ الأساس للعدالة.

وبعد أسابيع، ظهر الثمن السياسي لهذا الإصرار على الحكم الاستثنائي. ففي 13 أبريل 1919، يوم عيد "بيساخي" السيخي، تجمع آلاف الأشخاص في حديقة جاليانوالا باغ بمدينة أمريتسار شمال غرب الهند، بعضهم للاحتفال بالعيد، وآخرون للاحتجاج على اعتقال قياديين وطنيين ورفض القيود المفروضة على التجمعات. كانت الحديقة محاطة بجدران ومداخل محدودة، ولم يكن كثير من القادمين من القرى المحيطة على علم بحظر الاجتماعات الذي فرضته السلطات.

دخلت القوات البريطانية بقيادة العميد ريجنالد داير الحديقة، واتخذت مواقع لإطلاق النار، ثم أطلقت النار على الحشد دون إنذار لنحو عشر دقائق. أعلنت السلطات البريطانية مقتل 379 شخصاً، بينما قدّرت مصادر هندية الحصيلة بأكثر من ألف قتيل، فضلاً عن مئات الجرحى. 

جاء رد الحكومة البريطانية بعد المجزرة بستة شهور، إذا شكلت لجنة تحقيق برئاسة اللورد هانتر للنظر في الواقعة. انتقدت اللجنةُ تصرفَ داير، وخلصت إلى أنه تجاوز حدود سلطته. ومن ثم طُلب من داير بعدها مغادرة الخدمة العسكرية، فغادر دون محاكمة عسكرية. ومع ذلك، احتفى به بعض أنصار الإمبراطورية في بريطانيا مدافعاً عن الحكم البريطاني.

لم تكن مذبحة أمريتسار تنفيذاً لقانون رولات، لكنها وقعت في المناخ السياسي والأمني الذي أتاحته قوانين الطوارئ، بالتزامن مع فرض الأحكام العرفية وقيود واسعة على الحريات في البنجاب. وأظهرت أن توسيع السلطة الاستثنائية لم يكن مسألة إجرائية تخص المحاكم وحدها، فقد تداخل مع إدارة الشارع، وتقييد التجمعات، واستخدام القوة العسكرية ضد السكان. كذلك عمّقت المذبحةُ القطيعةَ بين الحركة الوطنية الهندية والحكم البريطاني، وأسهمت في انتقال غاندي نحو حركة عدم التعاون مع الاستعمار.

لم ينقضِ هذا الإرث بانقضاء الاستعمار. فتنظيم 1818، الذي أجاز الاحتجاز دون محاكمة، ظل سارياً حتى الأيام الأخيرة من الحكم البريطاني، واحتفظت به الهند المستقلة حتى سنة 1952، حين استبدل بتشريع مشابه له في جوهره. وأعيدت في السياق نفسه صياغة "قانون القبائل الإجرامية"، الذي وصم جماعات سكانية بأنها مجرمة بالوراثة، ليصير "قانون المجرمين المعتادين"، الذي أبقى على بعض آليات الرقابة على الأفراد المصنّفين معتادي الإجرام.

وامتد هذا الإرث القانوني إلى العقود التالية، فلم يقتصر على استمرار بعض التشريعات الاستعمارية أو استبدالها، بل ظهر أيضاً في قوانين أمنية جديدة وسّعت صلاحيات الدولة في ملاحقة المشتبه فيهم واحتجازهم. ومن أبرز أمثلتها "قانون منع الأنشطة غير المشروعة" الصادر سنة 1967، الذي عدلت حكومة حزب "بهاراتيا جاناتا" القومي الهندوسي أحكامه سنة 2019، فصار يتيح تصنيف الأفراد أنفسهم إرهابيين، لا الجماعات وحدها. واعتُقل بموجبه شعراء وأكاديميون وناشطون حقوقيون. وتكشف بيانات وزارة الداخلية الهندية المقدَّمة إلى البرلمان أن 10,440 شخصاً اعتُقلوا بموجب هذا القانون بين 2019 و2023، لم يُدَن منهم سوى 335، أي أقل من 4 بالمئة. والغالبية الساحقة تنتهي قضاياهم بالتبرئة أو بطول الانتظار في أروقة المحاكم، وهو ما يجعل الاحتجاز نفسه عقوبة، كما أراده واضعو تنظيم 1818 قبل قرنين. 


في السنوات نفسها التي صدر فيها قانون رولات ووقعت مذبحة أمريتسار، كانت بريطانيا تواجه موجة واسعة من التحديات لحكمها، امتدت من الهند إلى مصر التي اندلعت فيها ثورة 1919، وصولاً إلى أيرلندا. ومع كون أيرلندا ليست مستعمرة بالمعنى الرسمي، إلا أنها صارت جزءاً من المملكة المتحدة بموجب قانون الاتحاد الصادر سنة 1800. لكن هذا الاندماج لم يمنع حكمها بأدوات أقرب إلى أدوات الحكم الاستعماري. وبحسب المؤرخة دوروثي ماكاردل في مقالتها "ترامبلينغ ذا رايتس أوف فري بيبل" (الدوس على حقوق شعب حر) الصادرة سنة 2019، حُكمت أيرلندا "بشكل شبه مستمر منذ تفعيل قانون الاتحاد"، بقوانين الإكراه، التي "جعلت كل تعبير عن المشاعر الوطنية جريمة".

شكّلت انتفاضةُ عيد الفصح سنة 1916 نقطة التحول في هذا المسار. ففي أبريل من ذلك العام، أعلن قوميون أيرلنديون مسلحون قيام الجمهورية في دبلن، وأخمدت القواتُ البريطانيةُ الانتفاضةَ في أسبوع. لكن رد السلطات لم يتوقف عند ذلك، فقد فُرضت الأحكام العرفية، وحوكم قادة الانتفاضة أمام محاكم عسكرية سرية بموجب قوانين الدفاع عن المملكة الصادرة زمن الحرب، وأُعدم خمسة عشر منهم رمياً بالرصاص خلال أيام.

وكما فعلت مذبحة أمريتسار في الهند، حوّلت الإعداماتُ قطاعاً واسعاً من الرأي العام الأيرلندي من التحفظ على الانتفاضة إلى التعاطف معها، فاكتسح حزب "شين فين" الداعي إلى الاستقلال الانتخابات العامة سنة 1918، وأعلن نوابه في يناير 1919 تأسيس برلمان أيرلندي مستقل. وفي اليوم نفسه، قتل مسلحون من المتطوعين الأيرلنديين، الذين عُرفوا لاحقاً بالجيش الجمهوري الأيرلندي، شرطيين في كمين بمقاطعة تيبيراري، فيما عد بداية حرب الاستقلال.

استهدف الجيشُ الجمهوري الأيرلندي مراكزَ الشرطة الأيرلندية الملكية في الأرياف، وضيّق على أفرادها حتى تصاعدت الاستقالات في صفوفها. ووجدت السلطاتُ البريطانية أن أدواتها القانونية لم تعد كافية، إذ امتنع المحلفون عن إدانة المتهمين، وأحجم الشهود عن الإدلاء بشهاداتهم خوفاً أو تعاطفاً. فأصدر البرلمان البريطاني في التاسع من أغسطس سنة 1920 "قانون استعادة النظام في أيرلندا"، الذي مدّ العمل بلوائح الدفاع عن المملكة، ومنح السلطات العسكرية صلاحية سجن أي مشتبه فيه دون تهمة ودون محاكمة. كذلك أنشأ محاكم عسكرية سرية لا يُسمح فيها بحضور محامٍ إلا إذا كانت عقوبة الإعدام واردة، ومنع إجراء تحقيقات قضائية مستقلة في أي وفاة ناجمة عن عمليات الجيش أو الشرطة.

وبحسب مشروع "الثورة الأيرلندية" المنشور في يناير 2021 في جامعة كورك، كان القانون محاولة لمنح السلطات صلاحيات الأحكام العرفية دون إعلانها رسمياً، تجنباً لكلفتها السياسية داخل المملكة المتحدة. وتكرر هنا ما جرى في محاكمات لاهور، إذ ظلت الجرائم المنسوبة إلى المتهمين جرائم عادية، بينما انتقلت محاكمتهم إلى قضاء استثنائي معلّق الضمانات.

ولتنفيذ هذه الصلاحيات على الأرض، استعانت بريطانيا بقوتين إضافيتين ألحقتهما بالشرطة الأيرلندية الملكية. الأولى جُنّد أفرادها منذ مطلع 1920 من الجنود البريطانيين المسرّحين بعد الحرب العالمية الأولى، ووصلوا إلى أيرلندا في ربيع ذلك العام، وعُرفوا باسم "الأسود والبني" نسبة إلى زيّهم الذي جمع ألوان الجيش والشرطة لنقص الأزياء الموحدة. والثانية "القسم المساعد"، الذي أُنشئ في يوليو 1920 من الضباط السابقين.

اشتهرت القوتان بعمليات انتقامية رداً على هجمات الجيش الجمهوري الأيرلندي. ففي سبتمبر 1920، اجتاح نحو مئة وخمسين شرطياً بلدة بالبريغان قرب دبلن ليلاً، وأحرقوا عشرات المنازل انتقاماً لمقتل ضابط شرطة في إحدى حاناتها. ووصف الرئيس الأيرلندي مايكل هيغينز الحادث في بيان أصدره بمناسبة ذكراه المئوية سنة 2020 بأنه عقاب جماعي، معتبراً أن "الانتقام" صار عنواناً لسياسة هدفت إلى إخضاع السكان وبث الخوف بينهم.

تكرر هذا النمط من الأعمال الانتقامية في ديسمبر 1920، حين أحرقت قواتٌ بريطانية وسطَ مدينة كورك التجاري رداً على كمين لدورية من القسم المساعد. وقبل الإحراق بيوم واحد، في العاشر من ديسمبر، أعلنت الحكومة البريطانية الأحكام العرفية رسمياً في مقاطعات جنوب غرب أيرلندا، وانتقلت من الانتقام غير المعلن إلى ما سمّته "الأعمال الانتقامية الرسمية" ضد المدنيين، التي شملت هدم منازل يُشتبه في أن أصحابها يؤوون مقاتلين أو يعلمون بنشاطهم، بقرار عسكري ودون حكم قضائي. وبذلك صار العقاب الجماعي سياسة معلنة، تستند إلى المنطق ذاته الذي أرسته الإدارة الاستعمارية في الهند حين صنّفت جماعات بأكملها "قبائل إجرامية". فالجماعة تُعاقب بما يُنسب إلى بعض أفرادها، لا بما ثبت على كل فرد منها. 

انتهت الحرب بهدنة في 11 يوليو 1921، ثم بالمعاهدة الأنجلو أيرلندية الموقعة في لندن في السادس من ديسمبر العام نفسه، التي مهدت لقيام دولة أيرلندا الحرة في ست وعشرين مقاطعة. ومنحت أيرلندا الشمالية، التي أنشأها قانون حكومة أيرلندا قبل عام، حق البقاء خارجها، فاختارت البقاء ضمن المملكة المتحدة.

لكن التقسيم لم يُنهِ حكم الطوارئ، بل نقله إلى الشمال. ففي أبريل 1922، أصدر برلمانها "قانون السلطات المدنية (السلطات الخاصة)"، الذي أتاح الاعتقال دون محاكمة، وحظر التنظيمات والمطبوعات، وفرض حظر التجول، واستُخدم في الغالب ضد الأقلية الكاثوليكية القومية. صدر القانون في البداية مؤقتاً، على أن يُجدد سنوياً، ثم جُعل دائماً سنة 1933. وقد استند إليه الاعتقالُ الجماعي دون محاكمة في أغسطس 1971، في ذروة الصراع المعروف بـاسم "الاضطرابات"، الذي شهدته أيرلندا الشمالية منذ أواخر الستينيات بين القوميين المطالبين بالوحدة مع جمهورية أيرلندا والاتحاديين المؤيدين للبقاء ضمن المملكة المتحدة.

لم يُلغَ القانون إلا سنة 1973، حين حلّ محله قانون طوارئ جديد احتفظ بكثير من صلاحياته. وهكذا ظل جزء من المملكة المتحدة نفسها خاضعاً لنظام طوارئ نصف قرن، مثلما ظل تنظيم 1818 سارياً في الهند أكثر من قرن.


بعد انتهاء الحرب في أيرلندا سنة 1922، سُرّح آلاف من أفراد الشرطة الأيرلندية الملكية و"الأسود والبني" والقسم المساعد. وكانت فلسطين، التي تولت بريطانيا الانتداب عليها حديثاً، من الوجهات التي حملوا إليها خبرتهم. فبين قانون استعادة النظام في أيرلندا سنة 1920 وأنظمة الطوارئ في فلسطين سنة 1945 ربع قرن، لكن من طبّقوا قانون استعادة أيرلندا كانوا قد وصلوا إلى فلسطين سنة 1922.

ففي العام الذي حُلت فيه الشرطة الأيرلندية الملكية، أنشأ وزير المستعمرات ونستون تشرشل قسماً بريطانياً في الدَرك الفلسطيني، وهي قوة أمنية ذات طابع شبه عسكري اضطلعت بمهام قمع الاضطرابات وفرض النظام. وجَنّد أفرادَ هذا الدَرك الجنرال هيو تيودور، الذي كان يقود الشرطة الأيرلندية الملكية في سنوات الحرب، بكاملهم تقريباً من الشرطة الأيرلندية وقسمها المساعد، بحسب المؤرخ سيان ويليام غانون في دراسة بعنوان "ذا فورميشن، كومبوزيشن، آند كوندَكت أوف ذا بريتيش سيكشن [. . .]" (تشكيل القسم البريطاني من الدرك الفلسطيني [. . .]) سنة 2013.

حاولت السلطات إخفاء مصدر المجندين بسبب سمعة "الأسود والبني"، فلم تفلح. ولكن لم يمنع ذلك تيودور من الإشادة بأدائهم، إذ كتب تيودور إلى تشرشل من فلسطين أن فكرته في استخدامهم هناك نجحت نجاحاً كبيراً. وتوثق المؤرخة جورجينا سنكلير في دراستها "ذا آيرش بوليسمان آند ذا إمباير [. . .]" (الشرطي الأيرلندي والإمبراطورية [. . .]) الصادرة سنة 2008، أن الدرك الفلسطيني ضم في مايو 1922 وحده 546 فرداً سابقاً من الشرطة الأيرلندية الملكية و118 ضابطاً سابقاً من القسم المساعد.

ويختلف المؤرخون فيما حمله هؤلاء معهم. فيرى المؤرخ العسكري البريطاني ماثيو هيوز في بحثه "أ بريتيش 'فورين ليجن'" (فيلق 'أجنبي بريطاني' [. . .]) سنة 2013، أنهم، وقد خاض أغلبهم الحرب العالمية ثم حرب أيرلندا، نقلوا عنف أيرلندا إلى فلسطين بسهولة. وأن تعبير "أساليب الأسود والبني" ظل حتى سنوات الثورة الفلسطينية في الثلاثينيات اسماً متداولاً لوحشية الشرطة فيها. بينما غانون يعتقد أن سجل الدرك في سنواته الأولى كان أفضل بكثير من سجل القوتين اللتين جاء منهما، وأن سمعته السيئة نبعت من الأحكام المسبقة على أصل رجاله أكثر من سلوكهم. لكن الطرفين يتفقان على أن الشرطة في فلسطين اتخذت منذ نشأتها طابعاً شبه عسكري في تنظيمها وتسليحها وتدريبها، إذ ظلت جهة التجنيد في لندن حتى 1930 لا تقبل فيها إلا جنوداً سابقين.

وتختصر سيرة تشارلز تيغارت هذه السلسلة الإستعمارية. وُلد تيغارت سنة 1881 في مقاطعة ديري بأيرلندا لأسرة من رجال كنيسة أيرلندا، ودرس لفترة في كلية ترينيتي في دبلن. التحق بالشرطة الهندية سنة 1901، وأمضى معظم مسيرته في البنغال متخصصاً في ملاحقة الحركات الثورية، حتى صار مفوض شرطة كلكتا. وفي يوليو 1920، استدعاه بطلب شخصي رئيس الوزراء البريطاني، ووصل إلى لندن ليتولى، بحسب المؤرخ بول مكماهون في كتابه "بريتيش سبايز آند آيريش ريبلز" (جواسيس بريطانيون وثوار أيرلنديون) الصادر سنة 2017، تصميمَ نظام استخباري جديد لهزيمة الجيش الجمهوري الأيرلندي.

لم تدم مهمته سوى أشهر انتهت باستقالته في نوفمبر من العام نفسه، لكنها جعلته الصلة الحية بين الساحتين الهندية والأيرلندية. وفي سنة 1932، بعد تقاعده، ألقى في لندن أمام "جمعية الإمبراطورية الملكية" محاضرة بعنوان "الإرهاب في الهند". قدّم في المحاضرة الحركةَ الثورية البنغالية لجمهور الإمبراطورية أنها إرهابٌ، وهو توصيف كان قد استقر في الوثائق الرسمية للبنغال، وصار به التصنيف نفسه حجة لإدامة قوانين الطوارئ. ثم صار أول ضابط في تاريخ الشرطة الهندية يُمنح مقعداً في "مجلس الهند"، وهو المجلس الاستشاري لوزير شؤون الهند في الحكومة البريطانية بلندن.

وحين احتاجت بريطانيا إلى هذه الخبرة في فلسطين، كانت تواجه، بحسب المؤرخ جيكوب نوريس في دراسته "ربريشن آند رِبيليان" (قمع وتمرد) سنة 2008، أخطر تهديد لحكمها منذ بداية الانتداب. فقد بدأت الثورة الفلسطينية الكبرى في أبريل 1936 بإضراب عام استمر ستة أشهر، احتجاجاً على سياسة الانتداب في الهجرة اليهودية وانتقال الأراضي إلى المؤسسات الصهيونية. وفي يوليو 1937، أوصت لجنة بيل، وهي لجنة تحقيق ملكية شكّلتها الحكومة البريطانية سنة 1936 للنظر في أسباب الثورة الفلسطينية، بتقسيم فلسطين إلى دولتين عربية ويهودية. وبعد صدور تقريرها، دخلت الثورة مرحلتها الثانية، وتحولت إلى ثورة ريفية مسلحة خرجت فيها مناطق واسعة من البلاد عن سيطرة الحكومة. ثم في ديسمبر 1937، استقدمت الإدارة البريطانية تيغارت مستشاراً أمنياً.

ويرى المؤرخ غاد كروايزر في دراسته "فروم دوبيغين تو تيغارت [. . .]" (من داوبيغين إلى تيغارت [. . .]) الصادرة سنة 2004، أن وصول تيغارت مثّل تحولاً جذرياً في فلسفة الشرطة في فلسطين. فبعد أن كان نموذجها مستمداً من توصيات المفتش العام لشرطة سيلان هربرت دوبيغين، الذي كتب تقريراً عنها سنة 1930 دعا فيه إلى شرطة مدنية الطابع، حلّ محله نموذج عسكري صريح موجه لسحق التمرد. 

أعاد تيغارت تنظيم الشرطة وجهازها الاستخباري، وأشرف على بناء سلسلة من مراكز الشرطة المحصنة التي ما زالت تُعرف باسمه، وعلى إقامة سياج حدودي شائك على طول الحدود الشمالية مع لبنان وسوريا لقطع طرق إمداد الثوار. وأنشأ في القدس مراكز خاصة للتحقيق مع المعتقلين العرب، عرفت باسم "مراكز التحقيق العربية"، واشتكى منها حاكم لواء القدس إدوارد كيث روتش في مذكراته "باشا القدس" إلى المندوب السامي. وقد نُشرت هذه المذكرات سنة 1994 بعد وفاة روتش بنحو أربعة عقود، بتحرير الصحفي البريطاني بول إيدل.

لم يكن العنف عَرَضاً في هذه المرحلة، بل كان منظماً قانوناً. ووفقاً لما ذكره المؤرخ العسكري البريطاني ماثيو هيوز في دراسته "ذا بانالِتي أوف بروتالِتي [. . .]" (ابتذال الوحشية [. . .])، كانت سلطات الانتداب قد قننت العقاب الجماعي في أنظمة صدرت في سنتي 1924 و1925. ثم حدّثتها سنة 1936 بأنظمة للغرامات الجماعية، وأجاز دليل القانون العسكري العقاب الجماعي والانتقام ملاذاً أخيراً، دون أن يعرّفهما، فترك للقادة الميدانيين أن يقرروا متى يلجؤون إليهما. وقد طُبقت هذه الأنظمة بنسف البيوت، وفرض غرامات جماعية باهظة، ومصادرة المواشي والمحاصيل، وتسخير الأهالي، وتدمير قرى بأكملها، رداً على هجمات نُسبت إلى أفراد. 

وفي يونيو 1936، نسفت القوات البريطانية ما بين مئتين وعشرين ومئتين وأربعين مبنىً في البلدة القديمة في يافا، بحجة تحسين الصحة العامة، وشقّت فيها ممرات تتيح للجيش دخولها والسيطرة عليها. فشرد نحو ستة آلاف فلسطيني أُنذروا صباح اليوم نفسه بالإخلاء قبل حلول المساء. وبحسب دراسة هيوز، لما أدان رئيس القضاة البريطاني في فلسطين مايكل ماكدونيل العملية، أُقيل من منصبه. إنه المنطق نفسه الذي حكم القبائل الإجرامية: الجماعة تُعاقب بما يُنسب إلى بعض أفرادها.

علاوة على ذلك، اقترن العقاب الجماعي بقضاء استثنائي. فقد جعلت أنظمة الطوارئِ حيازةَ سلاحٍ أو ذخيرة جريمةً عقوبتها الإعدام. وتولت محاكم عسكرية أُنشئت سنة 1937 النظر فيها بسرعة فجعلت المسافة بين بدء المحاكمة والإعدام لا تتجاوز أحياناً يومين، وأُعدم أثناء الثورة أكثر من مئة فلسطيني. 

بعد سنوات من مغادرة تيغارت فلسطين، صاغت بريطانيا هذه الأدوات في نص واحد. ففي 27 سبتمبر 1945، أصدر المندوب السامي "أنظمة الدفاع (الطوارئ)"، استناداً إلى أمر الدفاع عن فلسطين في المجلس الملكي لسنة 1937. فجمعت في 147 مادة صلاحيات الاعتقال الإداري دون محاكمة، والإبعاد، وتقييد الحركة، وإغلاق المناطق، والرقابة على الصحف، ومصادرة الممتلكات، وهدم المنازل بموجب المادة 119، على غرار ما فعلته السلطات البريطانية في أيرلندا. وأجازت هذه الأنظمة أيضاً إنشاء محاكم عسكرية لا تقبل أحكامها الاستئناف.

ولم تُوجَّه الأنظمة هذه المرة إلى الفلسطينيين وحدهم، بل إلى التنظيمات الصهيونية المسلحة التي كانت قد بدأت تمردها على الانتداب أيضاً. وفي فبراير 1946، عقدت نقابة المحامين اليهود مؤتمراً في تل أبيب احتجاجاً عليها، ليقول فيه يعقوب شمشون شابيرا، الذي صار لاحقاً أول مدعٍ عام في إسرائيل ثم وزيراً للعدل فيها، إنه لم توجد قوانين كهذه حتى في ألمانيا النازية.

قبل انتهاء الانتداب بيومين، في 12 مايو 1948، أصدر الملك البريطاني تشريعاً بعنوان "أمر إلغاء الأوامر المتعلقة بفلسطين"، الذي ألغى بموجبه "أمر الدفاع لسنة 1937" على أن يدخل القرار حيز التنفيذ في 14 مايو، يوم إعلان قيام دولة إسرائيل. وبحسب الباحث م. ت. صموئيل في دراسته "ليغل فيكشن آند ستلر كولونيالزم [. . .]" (الخيالات القانونية والاستعمار الاستيطاني [. . .]) الصادر سنة 2024، كان الأمر قانوناً نافذاً في البلاد بموجب قانون التفسير الانتدابي، فسقطت الأنظمة بسقوط أساسها. لكن بن غوريون، أول رئيس وزراء لإسرائيل، سعى إلى إبطال الأمر بأثر رجعي، حتى أقر الكنيست في أغسطس 1949 تعديلاً عُرف بـاسم "تعديل القانون الخفي"، يُسقط سريان أي قانون انتدابي لم يُنشر في الجريدة الرسمية لفلسطين، وهو ما انطبق على أمر الإلغاء.

ووفق صامويل، ظل الأمر مجهولاً على نطاق واسع، ولما احتجت به المحامية الحقوقية ليئا تسيمل سنة 1985، دفاعاً عن فلسطيني صدر بحقه أمر إبعاد، مستندة إلى أن الأنظمة سقطت بسقوط أساسها القانوني، رفضت المحكمة العليا الإسرائيلية الاحتجاج. رأت أن أمراً لم يُنشر لا يمكن الاحتجاج به. وقد كررت منظمات حقوقية إسرائيلية طرح الحجة أمام المحكمة العليا فرفضت. 

وكانت إسرائيل قد أدرجت الأنظمة، مع معظم القانون الساري زمن الانتداب، في تشريعها منذ اللحظة الأولى. فقد نصت المادة الحادية عشرة من "قانون النظام والإدارة" لسنة 1948 على استمرار القانون القائم في فلسطين في 14 مايو 1948، مع ما تقتضيه إقامة الدولة من تعديلات. وأكدت المحكمة العليا هذا المبدأ في حكم مبكر في قضية ليون ضد القائم بأعمال مفوض لواء تل أبيب في أكتوبر 1948. 

في 21 مايو 1948 أُعلنت حالة الطوارئ، ولم تُرفع منذ ذلك الحين. ومن ثم في 1951، قرر الكنيست أن أنظمة الدفاع تتعارض مع المبادئ الأساس للدولة الديمقراطية، وكلّف لجنة الدستور والقانون والقضاء بإعداد مشروع لإلغائها، لكن المشروع لم يتحول إلى قانون قط. ويصف صموئيل استمرار الاعتماد على أنظمة أُلغي أساسها قبل قيام الدولة بأنه "حيلة قانونية"، أبقت على صلاحيتها الشكلية مع بطلانها قانوناً.

صارت الأنظمةُ الأساسَ القانوني للحكم العسكري الذي فُرض على المواطنين الفلسطينيين داخل إسرائيل من 1948 حتى إلغائه في ديسمبر سنة 1966. وبموجبها أُعلنت قراهم مناطق مغلقة، واحتاج سكانها إلى تصاريح عسكرية للتنقل والعمل. واعتبرت الباحثة في علم الجريمة ألينا كورن في دراستها "ميليتري غفرمنت، بوليتيكال كونترول آند كرايم [. . .]" (الحكم العسكري والسيطرة السياسية والجريمة [. . .]) الصادرة سنة 2000، أن الأنظمة لم تقيّد حياة المواطنين العرب فحسب، بل صنعت لهم جرائم خاصة بهم. إذ صار خرق قيود التنقل والإقامة التي فرضها الحكم العسكري يُسجَّل جريمة، حتى شكّلت هذه "الجرائم المرتبطة بالوضع السياسي" جزءاً كبيراً مما سُجّل من جرائم بين الفلسطينيين في الخمسينيات والستينيات.

في هذا السياق، لم تكن أنظمة الطوارئ وحدها ما أبقته إسرائيل من التشريعات البريطانية واستخدمته في السيطرة على الفلسطينيين داخل حدودها المستحدثة. إذ يبيّن الباحث القانوني روبرت هوم في مقاله "إريفيسربل كونكويست" (غزو لا رجعة فيه) المنشور سنة 2003، أن قوانين التخطيط العمراني ونزع الملكية وتنظيم استخدام الأراضي التي وضعتها إدارة الانتداب استُخدمت بعد سنة 1948، إلى جانب أنظمة الطوارئ، لتقييد توسع القرى الفلسطينية داخل إسرائيل وتسهيل التوسع الاستيطاني.

ولم يكد الحكم العسكري يُرفع عن هؤلاء الفلسطينيين، حتى فُرض بعد ستة أشهر على الأراضي التي احتُلت في يونيو 1967. فقد أصدر الحاكم العسكري الإسرائيلي في الضفة الغربية منشوراً جمّد الوضع القانوني القائم فيها عشية الاحتلال، ما لم يتعارض مع الأوامر العسكرية الجديدة. وبررت إسرائيل بأن أنظمة الدفاع لسنة 1945 كانت جزءاً من هذا القانون، ثم أصدر قادتها العسكريون أوامر صريحة بسريانها لتعزيز هذه الحجة، التي ظلت، بحسب مؤسسة الحق الفلسطينية في تقرير سنة 2011، موضع جدل قانوني منذ ذلك الحين. 

بموجب هذه الأنظمة، وفقاً لمنظمة بتسيلم الإسرائيلية لحقوق الإنسان، هدمت إسرائيل مئات البيوت وأغلقتها، وأبعدت فلسطينيين، واعتقلت الآلاف إدارياً، وفرضت الإغلاق وحظر التجول على المدن والقرى. إلى جانب أوامر عسكرية جديدة بلغت بضعة آلاف، تعمل بموجبها المحاكم العسكرية التي تحاكم الفلسطينيين في الضفة حتى اليوم. 

وتكشف المادة 119 كيف عاشت هذه البنية. فقد ظلت الأساس القانوني لسياسة هدم منازل منفذي الهجمات، تتيح للقائد العسكري مصادرة المنزل أو هدمه دون أن يسبق ذلك حكم جنائي على صاحبه أو سكانه. وبموجبها هدمت إسرائيل في الانتفاضة الثانية وحدها، بين 2001 و2004، أكثر من ستمئة وحدة سكنية. كان نحو نصفها بيوتاً مجاورة لا صلة لسكانها بالمشتبه فيهم، بحسب بتسيلم في تقرير سنة 2004 عن هدم المنازل.

عُلّقت سياسة هدم المنازل أكثر من مرة دون أن تُلغى. إذ أوقفها الجيش سنة 1998 ثم أعادها سنة 2000، وأوقفها مجدداً سنة 2005 بعد أن خلصت لجنة من كبار الضباط، عُرفت بلجنة شاني، إلى أنها تعمل على حافة الشرعية وأنها لم تردع الهجمات بل زادت العداء لإسرائيل، ثم استؤنفت في 2014. وفي هذه الأثناء، ظلت المحكمة العليا تقبل مراجعة أوامر الهدم، لكنها رفضت إخضاعها لحظر العقاب الجماعي المنصوص عليه في القانون الدولي، واكتفت بوزنها بمعيار التناسب، بعد أن قضت في أحكامها الأولى بأن المادة 119، قانون البلاد، تعلو على القانون الدولي.

وفي هذه البنية نفسها يُراد اليوم إدراج عقوبة الإعدام. فالتشريع العسكري في الضفة الغربية كان يجيز الإعدام نظرياً بشروط مشددة، أبرزها إجماع هيئة المحكمة، لكنه لم يُنفذ قط. أما القانون الذي أقره الكنيست في مارس 2026، فيقلب المعادلة ليجعل الإعدام قاعدة، والمؤبد استثناء. ويُلزم بذلك محاكم عسكرية أُقيمت بأوامر عسكرية، وتعمل في ظل منظومة ما زالت أنظمة 1945 إحدى طبقاتها.


صدرت التشريعات الثلاثة في الهند وأيرلندا وفلسطين استثناءً مؤقتاً تفرضه ظروف طارئة مثل حرب عالمية، أو تمرد مسلح، أو ثورة ريفية. لم ينته أيٌ من هذه التشريعات بانتهاء الظروف التي بررت صدوره. ففي الهند، عاش تنظيم 1818 أكثر من قرن وتجاوز الاستقلال نفسه، ثم ورث منطقَه قانونٌ يُعتقل بموجبه الآلاف ولا يُدان منهم إلا القليل. وفي أيرلندا، انتقل نظام الطوارئ مع التقسيم إلى الشمال، وظل جزءٌ من المملكة المتحدة نفسها يُحكم به نصف قرن. وفي فلسطين، جُمعت أدوات ثلاثة عقود في نصٍّ واحد سنة 1945، ثم ألغته بريطانيا قبل رحيلها بيومين، لكن لم يمنع الإلغاءُ بقاءه، وظل يُطبَّق على الفلسطينيين داخل إسرائيل ثم في الأراضي المحتلة حتى اليوم. 

وتكشف الحالات الثلاث أن الاستثناء الاستعماري لم يكن مجرد تعليق للقانون في أوقات الأزمات، بل اتخذ صورة ما يسميه ناصر حسين، في مقاله "فرط القانونية" المنشور سنة 2007، أي تكثيف التنظيم القانوني عبر طبقات متراكمة من اللوائح والأنظمة، بما يوسّع صلاحيات الاعتقال والمحاكمة والإعدام ويُخضع السكان لضبط حكومي متواصل.

لهذا حين وقف وزير الأمن القومي الإسرائيلي في مارس 2026 يعلن أن من يختار الإرهاب يختار الموت، كان يستعمل الكلمة التي قدّم بها تيغارت ثوار البنغال لجمهور الإمبراطورية في لندن سنة 1932. وكان يضيف حلقة جديدة إلى سلسلة بدأت بنصوص أُريد لها أن تكون مؤقتة. فالقانون الجديد لا يستمد سلطته من أنظمة 1945 وحدها، لكنه يحمّل عقوبة الإعدام لمحاكم عسكرية نشأت وعملت في ظل بنية قانونية كانت تلك الأنظمة حجر أساسها، في ظل حالة طوارئ لم تُرفع في إسرائيل منذ نشأتها.

اشترك في نشرتنا البريدية