عبدالله العنزي
محرِّر بياني في مجلّة الفِراتْس

في العاشر من ديسمبر 2025 أصدر وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو مذكرةً لعموم موظفي وزارته وبعثاتها  الدبلوماسية، بالعودة إلى استخدام خط "تايمز نيو رومان" الطباعي في المراسلات الرسمية بدلاً من خط "كاليبري" الذي اعتمده سلفه أنتوني بلينكن في أوائل سنة 2023. علل روبيو القرار بانتماء خط كاليبري الذي اختاره سلفه إلى سياسات مبنية على قواعد المساواة والشمول واحترام التنوع التي وصفها روبيو بأنها "مُضللة". إذ اختارت إدارة بايدن الخط معللة اختيارها بكونه أسهل قراءة لأصحاب صعوبات التعلم. وزعم الوزير الجمهوري بأن العودة إلى اعتماد خطٍ طباعيٍ ذي حروفٍ مذنّبةٍ، أي ذات زوائد في أطرافها، مثل تايمز نيو رومان، "أكثر مهنية ولياقة" و"يبرز الهيبة" في المراسلات الحكومية.

ولربّ قائلٍ ما الخطب في مجرد انتقاء خطٍ طباعيٍ من قائمةٍ منسدلةٍ على برنامج معالجة النصوص. أي نعم، لكن ثمّة من يضع قرار روبيو ممثلاً عن الإدارة الأمريكية، أو بالأحرى حركة "ميك أميركا غريت أغين" (فلنستِعدْ عظَمة أمريكا)، في سياق إنهاء مرحلةٍ تعتبرها تلك الإدارة حقبة للدبلوماسية السائلة. وأن هذه العودة إلى الخطوط الطباعية التقليدية ترسخ هيمنة الدولة حين تؤكد على الفوارق البنيوية بين المكاتبات الدبلوماسية ومنشورات التواصل الاجتماعي. فخطّ كاليبري الرقمي المجرّد من الذِّنابات (علامة في آخر الحرف بما يشبه الذيل)، وإن اتّسم بالودية والرشاقة وسرعة القراءة، إلا أنه يفتقر إلى الثقل التاريخي الذي تُحَسّ وطأته في خطوطٍ كلاسيكيةٍ، مثل تايمز نيو رومان. إذ كثيراً ما تُربط هذه الخطوط بسلطةٍ أخلاقيةٍ ورصانةٍ مؤسسية.

تمثل حرب الخطوط الطباعية بين الديمقراطيين والجمهوريين في أمريكا حلقة في صراع مديد. وفي الحديث عن اختيار بلينكن الباحث عن القرب والسلاسة مقابل الصلابة التي استعادها روبيو، استحضار لشواهد عديدة من عصور مختلفة جُعِلت فيها الخطوط المكتوبة والمطبوعة عنواناً للسلطة، كما في بعض دول الإسلام وعصر الإمبراطورية الرومانية المقدسة في القرن التاسع وحكم الرايخ الثالث. والخط الطباعي منذ كان مكنوناً في رحم الخطوط اليدوية، جنّده ساسة هذه الإمبراطوريات بدوافع شتى، إما لمحو إرث الخصوم أو وسيطاً جامعاً للملّة، أو درعاً عصبوياً ضد الأغيار.

خط تايمز نيو رومان | ويكيميديا

خط تايمز نيو رومان | ويكيميديا

خط كاليبري | ويكيميديا

خط كاليبري | ويكيميديا

صفحة من كتاب إنجيل كارولنجي، مكتوبة بالخط الكارولنجي الصغير | ويكيميديا

صفحة من كتاب إنجيل كارولنجي، مكتوبة بالخط الكارولنجي الصغير | ويكيميديا

خط أنتيكوا | ويكيميديا

خط أنتيكوا | ويكيميديا

لحروف تايمز نيو رومان من حضارة روما نصيب، ولكن اسمه يحمل نصف الحقيقة. في أواخر عشرينيات القرن العشرين طلبت صحيفة التايمز اللندنية تقييماً فنياً من مصمم المَحارف الطباعية ستانلي موريسون، الذي جاء ردّه صريحاً بوصف حروف الصحيفة بالقديمة والشائهة. بناء على ملاحظات موريسون طلبت منه التايمز الإشراف على تصميم صف حروفٍ طباعيةٍ جديدٍ. أُنجِز ليطالع قراء التايمز في صباح 3 أكتوبر 1932 العدد وقد رُصّت فيه الكلمات بالخط الجديد، فضاقت بها الأعمدة ضِيقَ بيوت الإنجليز.

استوحى الرسام فيكتور لاردنت، بإشراف من موريسون، تصميم الحروف الجديدة من خط "بلانتان" المطبعي الذي يعود للقرن السادس عشر. وعلاوةً على مزيّتها الاقتصادية المتمثلة في ضيق اتساع الحرف بما يوفر مساحات طباعية، اكتسبت حروف التايمز هذه من النقوش الرومانية سمة الذِّنابات المعلّقة بأطراف الحروف. وهي ليست سمةً كتابيةً صرفةً، أي ليست من أصول الخط على الورق، وإنما محاكاةً صنيعَ النحّاتين الرومان. فلأن النقش في الحجر يضطرهم إلى رسم الخطوط المستقيمة غالباً، كانوا يُحكمون بالإزميل نهايات الحروف بنقشاتٍ متعامدةٍ (ذِنابات) معها ليضبطوا سُمك السطر وليمنعوا تصدّع الحجر. 

من صحيفة التايمز انتشر الخط الطباعي الروماني في كثيرٍ من المطبوعات والكتب الموضوعة بالإنجليزية، حتى عُدّ حرفاً عالمياً في العقود اللاحقة. ومع مجيء البرامج المكتبية الحاسوبية اعتمدت شركة مايكروسوفت خط تايمز نيو رومان، وهو النسخة الرقمية من صف حروف التايمز الورقية، ليكون الخط الافتراضي الأساس في برنامج معالجة النصوص "وورد" بدءاً من سنة 1992. دام ذلك حتى سنة 2007 عندما استبدلت به مايكروسوفت خطاً طباعياً آخر هو كاليبري ليكون في الواجهة.

وُلد خط كاليبري في عهد الثورة الرقمية العالمية وشاشات الحواسيب. صُمّم سنة 2004 بغرض تحسين جودة القراءة تزامناً مع انتشار شاشات الكريستال السائل (إل سي دي). تميّز بأطراف حروفه المستديرة والمجرّدة من الذِّنابات. في بدايات 2023 اعتمده وزير الخارجية الأمريكية أنتوني بلينكن ليكون خطّ المراسلات الدبلوماسية الرسمي بدلاً من تايمز نيو رومان الكلاسيكي. وسوّغ القرار في حينه بأمورٍ منها مواكبة روح العصر الرقمي، وتسهيل التواصل مع من يعانون عسر القراءة، ومن ثم تعزيز شعار "دي إي آي" (التنوع والعدالة والاندماج). لكن ما كادت الإدارة الديمقراطية تُضمِّن حروف كاليبري أداة تكاملٍ وتواصل من السلطة مع الجميع، حتى أتت حركة "ماغا" وأعادت تكريس نخبوية الطباعة الورقية التقليدية، بل قل النحت بالإزميل.

بعد تفكك الإمبراطورية الرومانية الغربية في القرن الخامس تشتت الأوروبيون طرائق قدداً في الكتابة الرسمية. لا يجمعهم خطّ موحّد، ولا حروف معيارية ولا فواصل بين الكلمات ولا علامات للترقيم. كان شارلمان ملك الفرنجة (مملكة واسعة ضمت أجزاء من أوروبا تمتد من إيطاليا وإسبانيا جنوباً حتى السويد والدنمارك شمالاً ومن سويسرا شرقاً حتى فرنسا غرباً) سنة 768، فطناً إلى اختلاف الخطوط في الأمصار التي تحت تاجه. لكنه أبدى تفضيلاً للخطوط الصغيرة التي بدأت تظهر في حينه قادمة من ألمانيا، ورأى فيها بديلاً ممكناً للخطّ الروماني المتصل الذي شاع في وثائق رسمية. والإشكال في الروماني المتصل صعوبة قراءته إن لم يكن كاتبه حصيفاً في تخليص الحروف.

استدعى شارلمان سنة 782 اللاهوتي والمصلح الإنجليزي ألكوين من يورك وأناط به الإشراف على عمل النساخين في البلاط الملكي في العاصمة آخن (غرب ألمانيا الحالية)، ضمن مشروع ثقافي للمملكة. شارك ألكوين في صياغة "دي ليتيريس كولينديس" (رسالة في تعليم الآداب) لمجابهة الأمية بين الرهبان في بعض الأديرة ورفع الكفاءة اللغوية في عموم المدارس الفرنجية ووضع حدٍ لفوضى التصحيف (أخطاء النسخ الناجمة عن خطأ قراءة وكتابة المتشابهات من الحروف) في الكتب والرسائل. ثم عُيّن على رأس دير سانت مارتن في تور، حيث عكف على وضع معيار للخطوط المصغرة من أجل ضبط خطّ شارلماني موحد يكون ذا حروفٍ واضحةٍ، ولكن ليست بضخامة الحروف الرومانية، وأن يكون سريع القراءة ومضبوط المسافات بين الحروف والكلمات والأسطر.

استقرّ ألكوين وفريقه على ما سُمّي الخط الكارولنجي المصغر، المرجّح تطوّره من الخطوط الأونصية الشائعة عند الشعوب السلتية والأنجلوسكسونية. امتاز الخط المُنتخَب بحروف صغيرة مستديرة البطن مع بعض الصواعد والنوازل العمودية، وشيءٍ من الذِّنابات الموروثة من الحروف الرومانية. كان هذا الخط مستخدماً من قبل، لكنه اكتسب الرسمية باعتماده للمكاتبات في عهد شارلمان ملكاً على الفرنجة ثم إمبراطوراً للإمبراطورية الرومانية المقدسة مطلع القرن التاسع. وحتى بعد وفاته وتفكّك إمبراطوريته ظلّ الخط الكارولنجي سائداً التقاليد الكتابية، وأسهم في تعزيز القراءة والمعرفة، وتطورت سماته في أنحاء أوروبا حتى القرن الثاني عشر، حين قلّ استخدامه يوماً بعد يوم. ومن أسباب تراجع استخدامه تبرز عوامل اقتصادية. فمع ارتفاع سعر البرشمان (الرق) المصنوع من الجلد، كانت خطوط أوروبية أخرى صاعدة مثل الخط القوطي ذي الحروف المروّسة الصلبة والمتراصة تتيح استغلالاً أقصى للمساحة، ما يعني تفضيله اقتصادياً على غيره. واصل القوطي تربعه حين غيّر يوحنا غوتنبرغ تاريخ الكتابة باختراعه المطبعة سنة 1440، وكانت محارفها وقتئذٍ مشتقةً من الخط القوطي اليدوي.

مع انتشار المطبعة السريع في أنحاء أوروبا، ارتأى بعض المطبعيين في البندقية أن يكون صف حروفهم بخطٍ يمثل النهضة والعقلانية. كنا قد تركنا الخط الكارولنجي حتى مطلع القرن الخامس عشر مطوياً في الكتب والمخطوطات التي حَوَتْها الأديرة، إلى أن وقعت بيد باحثين من الحركة الإنسانية في الدويلات الإيطالية بعصر النهضة، الذين وضعوا العودة إلى جذور روما القديمة في صلب اهتمامهم حينئذ. فأثناء بحثهم عن مخطوطاتٍ رومانيةٍ عثروا على وثائق من عصر شارلمان، ولفرط جمال حروفها ظنّوا أنها خطوط قياصرة روما. نشوة الإنسانيين بالاكتشاف أعمتهم عن خطئهم التاريخي في نسبته، فأطلقوا عليها بالإيطالية "ليتيرا أنتيكوا" أي الحروف القديمة، ومن اللقب جاءت تسمية خط أنتيكوا الطباعي لاحقاً، الذي يعد لبنة بصرية لخطوط حديثة مثل تايمز نيو رومان.

اعتمد مطبعيو البندقية على ما عثر عليه روّاد الحركة الإنسانية آنفاً فصنعوا منها حروف أنتيكوا الطباعية. وهي حروفٌ صغيرةٌ إجمالاً، وأضافوا إليها نسقاً يوازيها من حروف روما القديمة، أي الحروف الكبيرة في العناوين وأوائل الأعلام، في أبجديةٍ موحدة. فتولّدت صيغةٌ هجينةٌ من الكتابة اللاتينية تضمّ نسقين من الحروف الصغيرة والكبيرة يجمعان الليونة والصلابة معاً. أخذت هذه الثنائية بالانتشار في المطابع بأوروبا منذئذٍ، وظلت آثارها في اللغات الأوروبية المكتوبة حتى اليوم.

في زمن ليس بعيد العهد عن شارلمان، كان ديوان الخلافة ببغداد يُمأسِس تغييراً خطياً يضبط به المراسلات بين دار الخلافة والموظفين الرسميين. تزامن أفول الدولة الأموية وظهور العباسية مع انتقال الخط العربي من طور اليبوسة إلى الليونة، متأثراً بعوامل عديدة سوى السياسة. فقد تطورت وسائل الكتابة، وازدهرت صناعة الورق بديلاً للبردي والرَقّ باهظ الثمن، وتضاعف عدد الكتّاب والنسّاخ الذين استلزمهم توسع دواوين الدولة في الولايات. وأطلق ذلك يد الحذّاق من الخطاطين، لبيتكروا أساليب وأنواع جديدة من الخط، حتى عدّ ابن النديم – المتوفى في نهاية القرن العاشر الميلادي – في موسوعته "الفهرست" أكثر من عشرين أسلوباً للخط، معظمها مرتبط بأغراض الدواوين.

ومن هؤلاء كان قطبة المحرر، كاتب بني أمية، الذي وضع قلم الطومار لتكتب به قرارات الخليفة وتوقيعات الوزراء، وحدّد سُمكُه 24 شعرة من شعر البرذون (جنس من الخيول استخدم سُمك شعرته وحدة قياس قديماً). وحيثما ذكرنا أنواعاً من القلم في هذه المقالة فالمقصود به ما نسمّيه في زماننا بأنواع الخط. جاءت تسمية هذا القلم من ورق الطومار وهو أكبر قياس يكتب عليه حينئذٍ (110 في 74 سم تقريباً)، وعُدّ معياراً اشتقت منه أقلام دونه في الحجم تناسباً مع حجم الورق الذي يكتب عليه كل قلم وغرض الكتابة. ويروي القلقشندي، المتوفى سنة 1418، في كتابه "صُبح الأعشى في صناعة الإنشا" أن الخليفة عمر بن عبد العزيز أُتِي يوماً بطومار ليوقّع عليه مرسوماً، فردّه بدعوى الإسراف لعِظَم حجمه.
قد يأتي التغيير أحياناً من وجهة نظر فنية تواصلية، ثمّ تلبسه السلطة لبوسها. يحكي النحوي الأندلسي المتوفى في القرن الثاني عشر ابن السيد البطليوسي في "الاقتضاب في شرح أدب الكتّاب" بأن المأمون عهد إلى وزيره الفضل بن سهل، وكان غايةً في حسن الخط، بتحسين قلم النصف (أي نصف الطومار، 12 شعرة) وتطويره من ناحيتين. أولاً جمع حروفه، أي بتقليل المدّات والفراغات فيما بينها، وثانياً المباعدة بين سطوره. وفي عهد المأمون العباسي اشتق الخطاط يوسف الشجري من قلم النصف خطاً سمّاه "المدوّر الكبير"، ما إن رآه الفضل بن سهل حتى أعجب به وأمر بنبذ ما سواه في تحرير الكتب الصادرة عن ديوان الخلافة. وأطلق عليه الخط الرياسي (أو الرئاسي) تيمناً بلقب بن سهل "ذي الرئاستين" لأنه جمع رئاسة السيف والقلم، أي الحرب والوزارة. ويبين القلقشندي في "صبح الأعشى" أن الخط الرياسي عبارة عن فرع من قلم التوقيع (سمّاه التوقيع المطلق) يماثل خط الثلث في صفاته وقواعده ما عدا تلك التشعيرات الدقيقة في نهايات الحروف.

يقول مدير ستوديو التصميم التقني بجامعة جورجتاون، آر جَي أوزبورن، في كتابه "ليترز أوف لايت" (حروف من نور) الصادر سنة 2017 إن "أسلوب التوقيع ميّز الأسرة الجديدة [العباسيين] بصرياً عن نصوص الطومار التابعة للأمويين المخلوعين. وكانت الفروق الأسلوبية تدلّ على قنوات متنافسة من السلطة السياسية، تماماً كما كان التمييز البصري الأشمل يفصل السلطة الدينية عن السلطة الزمنية". فالتوسع في الخطوط اللينة وترسيمها كان ينحو بالخِطاطة العربية أبعد عن الخط اليابس (الكوفي اصطلاحاً) الذي اكتسب قيمة رمزية وقداسة نظراً لكتابة المصاحف المبكرة به. لكن تزايد الحاجات الدنيوية ونشوء عامل السرعة عزز الاتجاه نحو كتابة أكثر مرونة وسرعة ما انعكس على الخطوط المبتكرة المستخدمة. لكن هذا بطبيعة الحال لا يعني اجتثاث الخطوط اليابسة بالكلية، بل على العكس، فالخط الكوفي بأنواعه الهندسية ازدهر في عصور لاحقة كالفاطمي والمملوكي لاسيما في العمارة وتبويب الكتب وزخرفتها، إنما ليس في المتون.

على أن توسّع الخطاطين وقتئذ في التجريب والابتكار أوجد حالة من عدم ضبط قواعد الخطوط اللينة بنيوياً، إلى أن جاء دور الوزير محمد ابن مقلة وأخيه الحسن في عهد الخليفة المقتدر بالله أوائل القرن العاشر. نقلت هندسة الأخوين ابنَيْ مقلة (وإن كان إلحاقها بالوزير أشهر) الخِطاطة العربية من مرحلة الوزن إلى النسبة. ارتكزت هندسة الخط المنسوب على عنصرين أساسين. أولهما النقطة الموروبة وحدةً قياسية لأبعاد الحرف. وثانيهما الدائرة الافتراضية التي يكون قطرُها مساوياً طول حرف الألف ومحيطُها متسقاً مع أجزاء الحروف الأبجدية.

اختصت قواعد ابن مقلة في الخط المنسوب بستّة خطوط رئيسة تدعى "الأقلام الستة" مرتبة في ثلاثة أشفاع متدرجة في الليونة بحيث يضم كل شفع خطاً كبيراً وشقيقاً أصغر منه. فكان لدينا: المحقق والريحاني، والثلث والنسخ، والتوقيع والرقاع. ضبطت فكرة الخط المنسوب قاعدة الخط العربي، حتى إنها ألهمت مصممي الخطوط الطباعية في العصر الرقمي، وفق أوزبورن.

هنا يبدو السؤال مشروعاً عن علاقة الخط اليدوي بالحروف الطباعية في المسار التشريحي، خاصة إذا فصلنا بين الخط والطباعة من حيث وسائط الكتابة، وأقررنا باختلاف الخط العربي عن الخطوط اللاتينية باتصال حروفه وتنوّع أشكالها الهائل حتى تبلغ احتمالات تراكيبها المختلفة أشكالاً يصعب حصرها. يجادل المؤرخ الفني أوليغ غرابار في كتابه المرجعي "ذا ميدييشن أوف أورنامِنت" (وسائط الزخرفة) الصادر سنة 1992 بأن معيارية الخط المنسوب من لدن ابن مقلة، أتاحت قواعد تستوعب تلك التنويعات في الحروف كما لو كانت نسقاً طباعياً. وأضفت النسبُ المحددة لكل حرف جانباً آلياً في عملية الكتابة، يضمن التجانس والجودة المتوخاة في الطباعة.

في "رسالة في الكتابة المنسوبة" التي نشرت في مجلة معهد المخطوطات العربية بتحقيق خليل محمود عساكر سنة 1955، تعزى لأبي حيان التوحيدي مقولة بأن الخطاطين قبل ابن البواب (الذي كان معاصراً له بين القرنين العاشر والحادي عشر) قد "اجتهدوا في تحسين الخط الكوفي، وأقبلوا على ترطيب الكتابة، للسر الكامن وراء حبّ النفس البشرية للرطوبة لأنها مادة الحياة، وهي لدونة الخطّ وريُّه". وآية ذلك أن الخطوط المنحنية أشبه بحركات الإنسان ودوران الأفلاك، وتعطي شعوراً بسلاسة جريان القلم وتريح العين أثناء القراءة. وهذا مما يعزز تأثر الكتابة بالاتجاه الفني العام خارج السياق المؤسسي. من هنا جاء ابن البواب بالتطبيق العملي الأمثل لهندسة ابن مقلة في الخطوط المنسوبة، لاسيما في الخطوط الدقيقة اللينة كالنسخ والريحاني. إذ أثبت ببراعة إمكان استخدامها في كتابة المصاحف مع صيانة جلالها وجمالها واستيفاء قواعد رسمها، وإن كان خط المحقق هو المهيمن على رسم المصحف حينئذ، كما يبين نصار منصور أستاذ الفنون الإسلامية بجامعة وايز في الأردن، في كتابه "سيكرِد سكريبت محقق إن إسلامِك كاليغرافي" (المحقق الخط المقدس في الخِطاطة الإسلامية) الصادر سنة 2011.

لكن الاستخدمات الوظيفية المتفاوتة للأقلام الستة في العصور اللاحقة أسفرت عن اندثار الخاص منها ونجاة العام، لاسيما بعد سقوط الخلافة العباسية. فأقلام التوقيع والرقاع أصلاً مقصورة على ما يتصل بالخليفة ووزرائه، أما الثلث والنسخ والمحقق والريحاني فاستخدامها في كتابة المصحف واستنساخ الكتب أطال في عمرها بين الكتّاب والنسّاخ. وفوق ذلك، فإن بقاء دائرة الابتكار مفتوحة في الأقاليم الإسلامية سمح بنشوء خطوط جديدة صاعدة، من أهمها الديواني.

بعد أن دمر المغول بغداد سنة 1258 وسقطت خلافة بني العباس، وضاعت كثير من معالم الخط العربي، قُيّض لإرث الخِطاطة من يحييه ولو بعد حين. فبعض آثار قِبلة الكُتَّاب الخطاط ياقوت المستعصمي (نسبة للخليفة العباسي المستعصم الذي عاش في عهده) وتلاميذه، كعبد الله الصيرفي وأرغون الكاملي، وصلت إلى خزائن سلاطين الدولة العثمانية. أتيحت نماذجه الخطية القيمة للخطاط حمد الله الأماسي، المتوفى سنة 1520، ويعد أبا المدرسة العثمانية في الخط وكان من تلاميذه السلطان بايزيد الثاني. وأُوعِز إلى حمد الله انتقاء أحسن ما خطّ ياقوت في مختلف الأقلام الستة واقتفاؤه فيها. كيف لا، وقد قال ابن العماد الحنبلي في "شذرات الذهب في أخبار من ذهب" الصادرة طبعته المحققة سنة 1986، بأن ياقوت "آخر من وصلت إليه الرياسة في الخط المنسوب".

ومع ذلك لم يكتف العثمانيون بامتثال مدرسة ياقوت وتجويدها، فقد كان لهم بصمتهم الخاصة، إذ ينسب ابتكار الخط الديواني إلى الخطاط العثماني إبراهيم منيف في عهد السلطان محمد الفاتح. ومع توسع أقاليم الدولة العثمانية في العهود اللاحقة، حظي الخط الديواني بتنظيم وتطوير فني دقيق بلغ ذروته الفنية على أيدي كبار خطاطي البلاط لترسيخ هويته الإدارية الرسمية خطاً يخص موظفي "ديوان الهمايوني". ويلحظ هنا أنه لم يعد لخط التوقيع (وشقيقه الرقاع) تلك الحظوة التي نالها في العصر العباسي، إذ وجد العثمانيون في الديواني غنيةً عنه وظيفياً وجمالياً، والأهم من ذلك أنه يحمل بصمتهم.

أظهر الخط الديواني (الهمايوني) السيادة والسرية الأمنية في الإمبراطورية العثمانية، لانفراده بخصائص رمزية وجمالية طوّرت لتشفير المراسلات الحساسة، ودرء العبث بالوثائق الرسمية السيادية مثل الفرمانات السلطانية وبراءات الأراضي والوقفيات. كذلك استخدم في رسم التعيينات الوظيفية والشرفية. فقد تميز الخط الديواني بتزاحم حروفه الشديد وتركيبها متصاعدة كالأمواج نحو اليسار، إذ اشتق بنيته من خط التعليق الشائع في بلاد فارس. ويجمع بين تخفيف الحروف كاختلاس أسنان الباء وأخواتها، وبين الاستطالات هلالية الشكل للألف واللام وذوات الكؤوس كالنون والسين والقاف.

في عهد صِباه كان الديواني يكتب بلا علامات تشكيل، ثم طوّر منه الخط "الديواني الجليّ" كثيف السطر حيث تملأ الفراغات والفرجات الفاصلة بين كلماته بنقاط مصمتة وعلامات تحلية تشبه الحركات الإعرابية. جعل هذا النسيج الهندسي المترابط والمشبع بالتفاصيل أي محاولة لمسح كلمة أو تعديل تاريخ أو تزوير بند في الأوامر والمعاهدات أمراً أقرب إلى المستحيل ومكشوف فوراً لتعذّر التدخل اليدوي دون إحداث تشوه واضح في كتلة السطر المخطوط.

بنيوياً تميز الفرمان السلطاني بتموج الأسطر المكتوبة بالخط الديواني الجلي بمداد الذهب تعلوها الطغراء السلطانية، وهي تركيب خطّي فنّي يجمع بين الشعار والتوقيع، علامةً على حضور سلطة الخليفة العثماني. وجادل أوزبورن في (حروف من نور) بأن الخط الديواني يمثل ذروة في انتقال الخط العربي من المقدس في عهد كتابة المصاحف المبكرة إلى الدنيوي في عهد ديوان الهمايون. فالديواني، على جمال مظهره، لا يصلح لكتابة المصحف تعبدياً إذ إن تراكب حروفه يحول دون توزيع علامات الضبط والشكل في أماكنها الصحيحة، ناهيك عن مسألة صعوبة قراءته على العامة كما ذكر آنفاً.

البناء المحكم للفرمانات السلطانية الذي يجمع العناصر الجمالية مع هيبة السلطة ظل صامداً حتى بعد استقدام المطبعة للدولة العثمانية. ففي سفارة محمد جلبي إلى فرنسا سنة 1721 دهش بالمطبعة الملكية التي صمّمت صف حروف "رومان دو روا" من أجل مراسيم الملك لويس الرابع عشر ومراسلاته حصرياً. أعجب جلبي بالفكرة ونقلها إلى إسطنبول، واقتنع بها الدبلوماسي والناشر إبراهيم متفرقة الذي أنشأ أول مطبعة بالحرف العربي في بلاد الإسلام، لكن نتاجها ظل مقصوراً على الكتب التعليمية وفي غير الأغراض الدينية والسلطانية.

مصحف بخطوط مذهبة وملونة نسخة مخطوط في إيران من القرن الحادي عشر مكتوب بخط كوفي | ويكيميديا

مصحف بخطوط مذهبة وملونة نسخة مخطوط في إيران من القرن الحادي عشر مكتوب بخط كوفي | ويكيميديا

سورة مريم بخط كوفي على رق من جلد الغزال من القرن التاسع | ويكيميديا

سورة مريم بخط كوفي على رق من جلد الغزال من القرن التاسع | ويكيميديا

ثلاثة خطوط كوفية (من الأعلى إلى الأسفل): كوفي قديم، كوفي مشرقي، كوفي مضفّر | ويكيميديا

ثلاثة خطوط كوفية (من الأعلى إلى الأسفل): كوفي قديم، كوفي مشرقي، كوفي مضفّر | ويكيميديا

رسم بخط الثلث بيد السلطان محمود الثاني | ويكيميديا

رسم بخط الثلث بيد السلطان محمود الثاني | ويكيميديا

تصوّر لمفهوم ابن مقلة للخطوط المنسوبة | تصميم خاص بالفراتس

تصوّر لمفهوم ابن مقلة للخطوط المنسوبة | تصميم خاص بالفراتس

نموذج لخط الثلث مكتوب على أحد أقواس تاج محل | ويكيميديا

نموذج لخط الثلث مكتوب على أحد أقواس تاج محل | ويكيميديا

خط ديواني جلي | ويكيميديا

خط ديواني جلي | ويكيميديا

من شعر أبي فراس الحمداني بالخط المحقق ثم بالخط الريحاني | تصميم خاص بالفراتس

من شعر أبي فراس الحمداني بالخط المحقق ثم بالخط الريحاني | تصميم خاص بالفراتس

من شعر أبي فراس الحمداني بخط الثلث ثم بخط النسخ | تصميم خاص بالفراتس

من شعر أبي فراس الحمداني بخط الثلث ثم بخط النسخ | تصميم خاص بالفراتس

من شعر أبي فراس الحمداني بخط التوقيع ثم بخط الرقاع | تصميم خاص بالفراتس

من شعر أبي فراس الحمداني بخط التوقيع ثم بخط الرقاع | تصميم خاص بالفراتس

مصحف ابن البواب.. البسملة والآيات بخط الريحاني وأسماء السور بخط التوقيع | ويكيميديا

مصحف ابن البواب.. البسملة والآيات بخط الريحاني وأسماء السور بخط التوقيع | ويكيميديا

مصحف بالخط المحقق كتبه ياقوت المستعصمي في بغداد سنة 1282-1283 ميلادي | ويكيميديا

مصحف بالخط المحقق كتبه ياقوت المستعصمي في بغداد سنة 1282-1283 ميلادي | ويكيميديا

الخط الديواني | ويكيميديا

الخط الديواني | ويكيميديا

الطغراء السلطانية ونصّها "عبدالحميد خان بن عبدالمجيد المظفر دائماً"، بخط سامي أفندي، والتاريخ بالهجري يوافق سنة 1881 ميلادية | ويكيميديا

الطغراء السلطانية ونصّها "عبدالحميد خان بن عبدالمجيد المظفر دائماً"، بخط سامي أفندي، والتاريخ بالهجري يوافق سنة 1881 ميلادية | ويكيميديا

صفحة من حوليات نورمبرغ (تاريخ العالم لشيدل) سنة 1493 مكتوبة بخط شفاباخر | ويكيميديا

صفحة من حوليات نورمبرغ (تاريخ العالم لشيدل) سنة 1493 مكتوبة بخط شفاباخر | ويكيميديا

حروف الخط القوطي | ويكيميديا

حروف الخط القوطي | ويكيميديا

مرسوم الخطوط الصادر عن هتلر سنة 1941، والذي يقضي بتغيير نوع الخط المعتمد في الرايخ الثالث من "فراكتور" و"شفاباخر" إلى خط "أنتيكوا" | ويكيميديا

مرسوم الخطوط الصادر عن هتلر سنة 1941، والذي يقضي بتغيير نوع الخط المعتمد في الرايخ الثالث من "فراكتور" و"شفاباخر" إلى خط "أنتيكوا" | ويكيميديا

مخطوطة كودكس أيسيناس | ويكيميديا

مخطوطة كودكس أيسيناس | ويكيميديا

أخذت حرب الخطوط الطباعية في بلاد الجرمان منحىً متقلباً، بدأ ببهجة وانتهى بمأساة، في ثنائية خطّي فراكتور وأنتيكوا قبل قرنٍ وأكثر. وظّف الخط في هذا الصراع أداةً لبناء الهوية العرقية وترسيم الصراعات السياسية والطبقية. مع بداية القرن السادس عشر أراد الإمبراطور ماكسيميليان الأول التعبير عن هوية شخصية وقومية ألمانية مختلفة عن التأثير الروماني الجنوبي. فكلّف الإمبراطورُ مستشارَه فينزينتس روكنر بطباعة كتابة صلواته وتوثيق سيرته في ملحمة شعرية بطباعة خاصة فاخرة. ومن أجل ذلك طلب المستشار من الخطاط ليونهارد فاغنر تصميم خط طباعي قوطي مضلّع، فكان خطّ "فراكتور".
يمثل فراكتور نمطاً ثقيلاً من الخطوط القوطية، واشتقّ اسمه من اللاتينية دلالةً على معنى الكسر، إذ إن الأجزاء المستديرة من الحروف تنكسر على هيئة زوايا. كذلك جاء مناقضاً تناقضاً صارخاً مع انسيابية خط أنتيكوا الشائع في معظم مطابع أوروبا حينذاك. انحصر استخدام خط فراكتور في الديار الناطقة بالألمانية، حتى عُرف خارجَها بالخط الألماني، وظل مستخدماً في عصور النهضة والباروك والروكوكو حتى أواخر القرن الثامن عشر.

بعد حلّ الإمبراطورية الرومانية المقدسة واجتياح نابليون بونابرت الولايات الألمانية مطلع القرن التاسع عشر، سعى القوميون الألمان مجدداً إلى صيانة هوية وطنية موحدة تميزهم عن الثقافة اللاتينية الفرنسية الغازية. تمسّك القوميون بخط "فراكتور" رمزاً ملموساً للرزانة والعمق والتدين البروتستانتي المرتبط بترجمة مارتن لوثر الإنجيل، في حين وُصم خط "أنتيكوا" الروماني المستدير بأنه خطٌ غير ألماني.

في أوائل القرن العشرين كانت صناعة الخطوط الطباعية كغيرها من القطاعات الثقافية تشهد تأثيرات الحداثة عبر الفلسفة البنائية، لاسيما مدرسة باوهاوس، بتخليها عن الزخرفة من أجل التبسيط والوظيفية وتقديس الإنتاجية الجماعية على حساب النخبوية، وهيمنة الهندسة التي تعادي مبدأ "الفن من أجل الفن". حينئذٍ كانت هناك حركة حداثية آخذة بالصعود منادية بكسر المفاهيم التقليدية كالبناء المحوري التناظري للنصوص المطبوعة، وإلغاء الترويسات والحليات التزيينة المتعلقة بالحروف، وأولوية المقروئية والبساطة على الفخامة والتعقيد. جادل المصمم الألماني البارز يان تشيشولد في كتابه المرجعي الذي يحمل لواء الحركة، "دي نويه تيبوغرافي" (التصميم الطباعي الحديث) الصادر أول مرة سنة 1928 بعدم صحة الاعتقاد بأن كل خط طباعي يحمل مضموناً روحياً. فحتى النصوص العلمانية كانت تطبع بالخط القوطي في عصره الذهبي، وحتى النعوات (قصائد الرثاء) كانت تطبع في عصر الروكوكو بخط لا يقل بهجة عن السائد حينئذ. ومن ثم فالخطوط المجردة في القرن العشرين لا تعبّر عن غياب الشعور بقدر ما تصف الاتجاه العصري إلى تبسيط العمارة والأثاث والملابس.

في الكتاب نفسه ينتقد تشيشولد نزعة عصره إلى محاكاة أساليب الطباعة السالفة، مجادلاً بأن صناعة المطبوعات ينبغي أن تحمل الطابع المميز لعصرها. ويعتضد لذلك بأن الحقب ما قبل القرن العشرين كانت تضع بصمتها الخاصة، حتى إن استقت من الماضي، كما صنع مصمم الحروف أونغر عندما استقبح تزاحم حروف "شفاباخر" القوطية فباعد بينها. ومع ذلك يرى تشيشولد أنه في العصر الحديث لا جدوى من محاولة إصلاح الحروف الطباعية القديمة، حتى لو كانت ممتازة في عصرها، فهي لا تناسب الطباعة المعاصرة البتة.
ما إن تسنّم الحزب النازي سدة الحكم سنة 1933 حتى جنّد خط فراكتور رأس حربة منافحاً عن هوية الشعب الآري وعقيدة "الدم والتربة" الشعبية التي تناهض الحداثة البصرية. وُجّه الإعلام الألماني ليشنّ هجوماً دائماً على الصحف والمؤسسات الأكاديمية التي استمرت بطباعة نصوصها بحروف رومانية، إذ عدّها خاضعة لما أسماها "التأثيرات اليهودية الفاسدة". وأمرت السلطات الكتّاب الألمان بالتزام الخط الألماني حصراً.

لكن تلك القرارات لم تصمد طويلاً، إذ شق الرايخ الثالث بأذرعته الأمنية والعلمية طريقاً متنكباً عن التعلق العاطفي بالخطوط القوطية التقليدية، واللافت أن التراجع جاء بالموازاة مع تأسُّس معهد الآثار وبحوث التراث الآبائي "الآننيربه" سنة 1935 تحت السيطرة المباشرة لقائد القوات الخاصة هنريش هيملر لبناء شرعية علمية وتاريخية مفترضة لأطروحة التفوق العرقي الآري. فجاءت المفاجأة في مطلع يناير 1941 حينما نكص الرايخ الثالث على عقبيه فأصدر مرسوماً إدارياً نافذاً يعلن عن حظر خط فراكتور نهائياً.

أصدر مارتن بورمان بالنيابة عن هتلر منشوراً سرّياً بعنوان "نورمالشريفترلاس" (مرسوم الخط العادي) أبطل فيه دعوى نسبة الخطوط القوطية المكسرة إلى الألمان. وأعاد في الوقت نفسه صياغة الرواية التاريخية بافتراءٍ، زاعماً أن فراكتور نشأ أصلاً من حروف "شفاباخر" التي سيطرت بها المطابع المملوكة لليهود على صناعة الكتب في مستهل عصر الطباعة. قضى المرسوم بالحظر الفوري لتداول المنشورات المطبوعة بخط فراكتور وكافة الخطوط القوطية المشتقة منه. وبدلاً من ذلك فرض خط أنتيكوا اللاتيني المستدير معياراً موحداً للدولة والمدارس والمعاملات الحكومية والصحافة. وإن تعجب فالعجب أن منشور المنع ذاته طُبع مُروّساً بخط فراكتور التقليدي العريض.

أبدت الأيام أن الدافع الجوهري لهذا التحول كان في ظاهره تصفية الحسابات التاريخية مع اليهود، وفي باطنه الحوافز السياسية الإقليمية والتوسعية المتزامنة مع تأهب الألمان لاجتياح الأراضي السوفييتية. فقد واجهت الإدارة العسكرية والدعاية النازية بقيادة وزير الدعاية يوزف غوبلز صعوبة فنية في إدارة الأراضي المحتلة ونشر الصحف والمنشورات العسكرية للشعوب الأوروبية غير الجرمانية لعدم تكيفهم مع قراءة خط فراكتور. ومن ثم، كان تبني خط أنتيكوا اللاتيني المقروء على نطاق أوروبي واسع ضرورة عسكرية وتواصلية مهمة للدمج الإداري للأراضي المضمومة عسكرياً، وتوحيد الصوت الألماني في مختلف الجبهات مع تقدم القوات. وكأن النازيين استبصروا بما تسبب سابقاً في انهيار جيش إمبراطورية النمسا والمجر في الحرب العالمية الأولى، حين أسفر التباين اللغوي بين قطع الجيش عن فوضى من سوء الفهم والتنسيق.

حتى مع تقهقر القوات الألمانية سنة 1943 تشبث معهد الآننيربه بأطروحة التفوق العرقي ومناصرة خط أنتيكوا، حين أصدر دراسة معمقة وباهظة التكاليف شملت أبحاثاً في خطوط "كتابات تاسيتوس: أغريكولا وجرمانيا" مشفوعة بنسخة طبق الأصل من "مخطوطة كودكس أيسيناس" المكتوبة بخط روماني أنيق يعود للقرن الخامس عشر. وظّف المعهد هذه الدراسة المكلفة لتأكيد نقاء النسل الجرماني وعدم تلوثه بالأغراب، وذلك تحت شعار البحوث الإناسية العلمية الرصينة.

في العام التالي لانتهاء الحرب العالمية الثانية، استُحضرت معركة خطَّي فراكتور وأنتيكوا ثانيةً في سجال شهير على صفحات مجلة "شفايتزر غرافيشه ميتايلونغِن" السويسرية، بين المعماري ماكس بيل والمصمم الطباعي يان تشيشولد. انتقد بيل تخلّي تشيشولد عن ركب الخطوط الحداثية غير المذنّبة وعودته لاستعمال الأنماط الكلاسيكية المذنّبة، واصفاً موقفه بالاستسلام لأسلوب "هايماتشتيل" (الوطن) الريفي والمحافظ.

رد تشيشولد بصراحة في مقاله "غلاوبه أُوند فيركليشكايت" (العقيدة والواقع) معلناً تراجعه عن فرض القوالب الحداثية الشمولية التي تهدف لتنميط الحياة والمطبوعات، مجادلاً بأن الحداثة الهندسية (التي كان هو من أساطينها سابقاً) مهووسة بالبحث عن قوالب بصرية مطلقة ونفي التنوع التاريخي، ومن ثم صارت طوع بنان الأنظمة الشمولية والعسكرية الاستعمارية التي عاين فظائعها تحت حكم النازيين.

ثمة محاولات لابتكار خط مطبعي وفرضه لم يكتب لها القبول لأسباب لم تأخذها السلطة في الحسبان. في أواخر عهد الدولة العثمانية بلغت أنواع الخطوط اليدوية عصراً ذهبياً ما يزال كثيرون حتى اليوم يعدّونه ذروة الكمال البشري في الخط العربي. ومع سياسة التتريك التي انتهجها حزب الاتحاد والترقي كانت هناك محاولة تطويع الحروف العربية لأصول الطباعة الأوروبية، حين اقترح أنور باشا سنة 1917 نظام "الحروف المنفصلة" بحيث لا يتغير شكل الحرف العربي حسب موقعه في الكلمة، لكن الفكرة وئدت في خضم الحرب العالمية الأولى وهزيمة الدولة العثمانية. ثم جاءت الضربة القاضية مع إلغاء الخلافة، ليقطع أهمّ رابط ثقافي مع العرب، وكان من نتائج ذلك إلغاء الكتابة بالحروف العربية وإحلال اللاتينية المترّكة محلّها.

في تلك الإبانة، كان مركز الثقل الإسلامي ينزاح باتجاه مصر، حيث كان الملك فؤاد يولي اهتماماً بالفنون البصرية، بين المسائل الفنية والثقافية. ففي عهده أنشئ معهد تحسين الخطوط الملكية، وطبع المصحف الأميري سنة 1924، مع جدل فقهي مسبق في جوازه، وطُوّرت مدرسة الفنون والصنائع ليولد منها كلية الهندسة وتتأسس كلية الفنون الجميلة. وتعدّ طبعة الملك فؤاد من أهمّ طبعات في العصر الحديث، إذ اسنتقذت المصحف من عادة الرسم الإملائي التي تسربت في العهد العثماني المتأخر، وأعادت رسمه وفق الموقوف المأثور عن مصاحف الخليفة عثمان بن عفان. واعتمدت فنياً على القواعد النسخية التي أرساها الخطاط – المتوفى وقتئذ – محمد جعفر بك ببراعة في تصميم أنساق الطباعة موافقة لأصول خط النسخ. فجاءت مسبوكة متناسقة ودون إضرار بمفاصل المحارف كما في طبعة الخديوي توفيق سنة 1881 التي شابتها مشاكل فنية في تفاوت مستوى بعض الكلمات أو أبعادها.

نحا سعيُ الملك فؤاد للتميز منحى آخر في مطلع ثلاثينيات القرن العشرين. إذ هندس الخطاط محمد محفوظ ما سمّي "حروف التاج"، التي تضمّ الحروف الألفبائية محلّاة بما يشبه التاج المصغر في أعلاها. كانت الغاية استخدامها على غرار الحروف الاستهلالية اللاتينية (أو ما يعرف في الإنجليزية بكابيتَل لِترز) لتميّز أوائل الجمل وأسماء الأعلام وما إلى ذلك. ونشرت وزارة المعارف المصرية كراساً يوضح قواعدها واستخدامها. لكن التجربة لم يكتب لها القبول لعدة اعتبارات. ومن ذلك ارتباطها الطبقي بالملك، ومحاكاتها الغرب، وعدم انسجامها مع قواعد الكتابة العربية الانسيابية.

من المفارقات المهمة في فكرة حروف التاج أنها جاءت تقليداً للطباعة الغربية في حين كانت مدارس الطباعة الغربية الحداثية وقتئذ، مثل باوهاوس، تنادي بإلغاء الحروف الاستهلالية الكبيرة لإعاقتها حركة العين وسرعة القراءة، والعودة إلى الحروف الكارولنجية المصغرة. كانت حروف شارلمان ناشئة من تطور طبيعي لعدة خطوط مكتوبة في أرجاء أوروبا، وهذا ما غاب عن مبتكر التاج في محاولة فرض (من الأعلى) صور حروف منفصلة ودمجها في التقاليد المكتوبة دون النظر في اختلافات الكتابة بنيوياً بين اللغات.

إذا ما نحّينا المنظور الجمالي المجرد جانباً، فهل من رابط بين الخطوط المطبعية أو اليدوية وبين تصوراتنا الفكرية وانحيازاتنا السياسية المسبقة. يجادل توماس بيلارد في دراسته المنشورة سنة 2016 بأن الخطوط ليست بمعزل عن صراعات السلطة، وأن الخط يمثل صوتاً بصرياً يستمد دلالته من التاريخ الثقافي والسياسي الذي نشأ وعاش فيه. مدللاً على ذلك بارتباط "فراكتور" بالقومية الألمانية فيما سبق، و"غوثام" بحملة باراك أوباما الرئاسية سنة 2008. 

أضاءت دراسة كاترين هانشن ودانيال تامول المعنونة "واتس إن آ فونت [. . .]" (ماذا في الخط الطباعي؟ مفاهيم أيديولوجية عن الطبوغرافيا) سنة 2020 على بعض الدلالات والارتباطات الفكرية والسياسية الصارمة التي يُسقطها الأفراد والناخبون في اللاوعي على تفاصيل الخطوط المطبعية. عقدت الباحثتان تجربتين مسحيّتين شارك فيهما 1069 شخصاً على منصة "إم تورك"، رصدا بها فروقاً ملموسة بين الأفراد في تلقيهم أنماط الخطوط وتصنيفها وعلاقة ذلك بانتمائهم الحزبي وفق مقياس فكري متدرج من (شديد التحرر) إلى (شديد المحافظة). وتظهر نتائج السلسلة الإحصائية لأساليب الخطوط في هذه الدراسة ارتباطاً وثيقاً بين تسميك الحرف وبين هويته المحافظة (كما يراها المشاركون). بالمقابل تبدي الخطوط المائلة مظهراً متحرراً لهم، حيث حصلت على تقييم يميل للجانب التقدمي أكثر من النمط العادي المعتدل والنمط العريض والسميك الأكثر محافظة.

وتثبت اختبارات تباين الخطوط الفردية ضمن العائلة المذنّبة الواحدة تفوّق "تايمز نيو رومان" شعاراً للمحافظة، إذ حصل على تقييم أكثر يمينية مقارنة بخط "جوبيلات" المذنّب بنسخته العريضة. والأمر نفسه تقريباً داخل العائلة غير المذنّبة، إذ نال خط "سينشري غوثيك" تصنيفاً أكثر ليبرالية مقارنة بخط "جيل سانس".

رصدت الدراسة وجود استقطاب عاطفي بصري ملموس يمتد للجمادات كالخطوط، إذ يميل الديمقراطيون والجمهوريون إلى الخطوط التي تعكس انحيازهم الفكري وفق بيانات الجدول الإحصائي لمُعامل ارتباط سبيرمان (لقياس قوة واتجاه علاقة الارتباط بين متغيرين).

لا ريب بأن مثل هذه البيانات التجريبية سرعان ما يتلقفها القائلون بأن الخطوط الطباعية ليست محض أدواتٍ محايدة لنقل المعاني اللغوية، وأنها تعدّ جبهة بصرية فعالة تتدخل مباشرة في تحديد انحيازات المتلقي وثقته بالمرسِل ورسالته ومضمونها. لكن هذا الزعم يتغافل عن أن المتلقي في تلك الدراسات هو من يُسقط تصنيفه الفكري على أشكال الحروف وليس العكس. كذلك فالباحثون يقرون بعدم القطع بالعلاقة السببية، أي هل الانتماء السياسي هو ما يدفع الناخب لتفضيل الخط، أم إن التفضيل الجمالي يدفعه لنسب الخط إلى اتجاهه السياسي.

علاوة عن ذلك، فثمة أمثلة من التاريخ تدحض نسبة خطوط طباعية بعينها إلى عقائد سياسية. وليس أدلّ على ذلك من انقلاب النازيين على خط فراكتور وتحوله إلى أنتيكوا. ومن عقر دار روما، لم تلجأ السلطات الفاشية إلى الخطوط المذنبة المستوحاة من الرومان، وإنما اعتمدت خطوطاً مجردة مثل "فوتورا" الذي نُظر إليه في حينه تمثيلاً للمستقبل.

وما أدراك، لعلّ كاليبري ليس إلا ضحية جديدة في حرب إدارة ترامب المديدة على ثقافة "ووك" (الصحوة). في مقالة بعنوان "دير ماغا، ثيرز نو ستش آ ثنغ أز آ ووك فونت" (عزيزتي ماغا، ما من شيء اسمه خطّ صحوة) منشورة في صحيفة الأوبزرفر يوم 12 ديسمبر 2025، أي بعد يومين من قرار روبيو، كتب مصمم الخطوط الطباعية والرقمية جون هيل ساخراً من ربط القرار الجديد باستعادة عظمة أمريكا. وتحدث هيل من خبرته في الإدارة الإبداعية بأن تقاليد الطباعة الورقية لم تعد مناسبة لشاشات الهواتف والحواسيب. وصرّح بعدم محبّته خط كاليبري، لكنه مع ذلك يتفهم اختياره سابقاً لاعتبارات الوضوح والعملية. وأشار إلى مفارقة تاريخية في أن تايمز نيو رومان (الذي ابتكر خارج أمريكا سنة 1932) يعود بنا إلى ما بين الحربين العالميتين، زمن الكساد الكبير وإفلاس المصارف والبطالة وفوضى شح الغذاء، متسائلاً أي عظمة منشودة هذه.

حروف منفصلة اُعتمدت 1917 | ويكيميديا

حروف منفصلة اُعتمدت 1917 | ويكيميديا

المصحف الأميري | ويكيميديا

المصحف الأميري | ويكيميديا

مقارنة بين طبعة توفيق وطبعة فؤاد وبينهما عشرات السنين

مقارنة بين طبعة توفيق وطبعة فؤاد وبينهما عشرات السنين

حروف التاج | ويكيميديا

حروف التاج | ويكيميديا

خط "جيل سانس" | ويكيميديا

خط "جيل سانس" | ويكيميديا

خط فوتورا | ويكيميديا

خط فوتورا | ويكيميديا

تجلى استخدامُ السلطةِ الخطوطَ اليدوية والطباعية في مظاهر عديدة مكرورة على اختلاف الأزمنة والدول. هناك ثنائية اليبوسة ضد الليونة، حيث توظف الخطوط المستقيمة والزوايا الحادة لفرض مسافة نخبوية ورسمية، في حين تستدعى الاستدارة والانسياب لخلق حالة من العملية والحداثة. وثمة احتكارية سلطوية للخط حين يوظف تراكم التفاصيل وتزاحم الحروف، مع العناية بجمال الخط، لدرء التزوير ولاحتكار المعنى والمبنى، كما في فرمانات الخط الديواني الجلي والحروف المطبعية الملكية الفرنسية. وغير ذلك خطاب التمايز العرقي واللغوي، إذ تجرّد السلطةُ الخطَّ من مهمته التواصلية فتفصل به الأمة عن الدخلاء، مثلما قرن النازيون خط فراكتور حيناً بنقاء العرق الآري، قبل أن يلصقوه باليهود.

حرب الخطوط وإن بدت على هامش التاريخ السياسي فإنها من الحقول التي عملت فيها الإمبراطوريات على إنتاج شرعيتها بصرياً، بالاستناد إلى التاريخ تارة وإلى الهندسة الفنية تارة أخرى. لكن رُبّ خطٍ جُعل شعاراً للشعوب في زمنٍ ثم صبّت عليه اللعنات في زمن آخر، تبعاً لتقلب الأيام والدول.