حدود حركته لا تتجاوز هذه البلدات الثلاث. ومع ذلك يقول في حديثه للفِراتْس إنّ هذا الواقع أفضل من الوضع الذي كان قائماً في خضمّ الحرب التي تراجعت وتيرتها بعد اتفاقٍ لبنانيٍ إسرائيليٍ برعايةٍ أمريكيةٍ في يونيو 2026، "لم نكن نستطيع الخروج حتّى إلى هاتين البلدتين". لكنّ هذا الواقع الجديد يفرض تحدياتٍ ومصاعب اقتصاديةً واجتماعيةً تترافق مع مخاطر أمنيةٍ مستمرة. فجورج، الذي يعمل في زراعة التبغ، أصبح عاطلاً عن العمل بعدما تعذّر عليه الوصول إلى أرضه الواقعة عند أطراف البلدة. كذلك فأبناؤه الثلاثة الذين يدرسون ويعملون في العاصمة بيروت لم يتمكّنوا من زيارة البلدة منذ بداية مارس الماضي، ما عمّق شعور العائلة بالعزلة.
هكذا، تعيش عددٌ من القرى المسيحية الحدودية في جنوب لبنان ظروفاً استثنائيةً بفعل الحرب الإسرائيلية، بعدما أصبحت معزولةً ومحاصرةً وسط محيطٍ من القرى الشيعية المدمّرة والمفرغة من سكانها وتقع اليوم تحت واقعٍ أمنيٍ تفرضه إسرائيل. وبعدما كانت تربطها بهذا المحيط علاقاتٌ اقتصاديةٌ واجتماعيةٌ وثيقةٌ، فرضت الحرب واقعاً جديداً يتمثّل في صعوبة تأمين الاحتياجات اليومية، وتزايد القلق بشأن المستقبل. وفي خضم هذه الأوضاع، جاءت تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو، التي زعم فيها طلب بعض هذه القرى "الانضمام إلى إسرائيل"، لتزيد من مخاوف سكانها. ومع نفي رؤساء البلديات والأهالي هذه الادعاءات، فإنّ الواقع الميداني يطرح تساؤلاتٍ عمّا إذا كانت الضغوط الأمنية والمعيشية قد تفتح الباب أمام ترسّخ الحضور الإسرائيلي في تلك المنطقة مستقبلاً.
يقيم اليوم في رميش، التي تبعد نحو 125 كليومتراً عن بيروت وتُعدّ أقصى بلدةٍ مأهولةٍ في جنوب لبنان، نحو ستة آلافٍ من أبناء البلدة، إضافةً إلى مئتين وخمسين نازحاً ونحو ثمانمئة عاملٍ سوريٍ، مع أن عدد سكانها المسجلين يبلغ 11350 نسمة، بحسب رئيس البلدية حنا العميل في حديثٍ مع الفِراتْس. أما دبل، فكانت تضم قبل الحرب ألفين وخمسمئة نسمة، بقي منهم نحو ألف وسبعمئة إبّان الحرب. انخفض هذا العدد بنحو ثلاثمئة شخصٍ في أبريل 2026، بعد السماح بتسيير قوافل كلّ عشرة أيامٍ من بيروت وإليها، بحسب ما يقول رئيس البلدية عقل نداف للفِراتْس. وفي عين إبل، تراجع عدد سكان القرية مع بدء الجولة الأخيرة من الحرب من نحو ألفين ومئة إلى نحو ألف ومئة شخص، وفق تصريحاتٍ صحفيةٍ من رئيس البلدية أيوب خريش في أبريل 2026.
لكن هذه العزلة تمثل قطيعةً مع واقعٍ سابق. فقبل "حرب الإسناد" – الاسم الذي أطلقه حزب الله على عملياته العسكرية التي بدأها على الحدود اللبنانية بعد اندلاع الحرب في غزة في أكتوبر 2023 – شهدت القرى المسيحية والشيعية تداخلاً اقتصادياً واجتماعياً يومياً واسعاً ومتيناً. ويشرح إلياس (اسم مستعار) للفراتس، وهو من أبناء عين إبل، أنّ "العلاقة الاقتصادية التي كانت قائمةً نتيجةٌ طبيعيةٌ للتداخل الجغرافي. فهذه قرىً يحاذي بعضها بعضاً، ومع ازدياد عدد السكان خلال السنوات العشر الأخيرة، ازداد حجم التعامل اليومي فيما بينها".
يؤكد حنا العميل من المنطقة ذاتها هذه الصورة بقوله إن "مدينة بنت جبيل المجاورة بالنسبة لنا هي سوقٌ كبيرٌ نعتمد عليه في التموين. في المقابل تضم بلدتنا عدداً كبيراً من العيادات الطبية والصيدليات، ما جعلها مقصداً لمعظم أهالي البلدة الشيعية المجاورة عيتا الشعب. فجميع هذه القرى كانت تعيش في وحدة حال".
وبحكم اعتماد عددٍ كبيرٍ من أبناء تلك القرى على الزراعة، لاسيما التبغ والزيتون، مصدراً رئيساً للرزق، نشأت بينهم سوق عملٍ مشتركةٌ، ما أسهم في تعزيز التقارب الاجتماعي والاقتصادي. ويؤكد نداف أنّ "بلدتنا دبل تتميز بوجود سهلٍ كبيرٍ، ودرجت العادة على أن يقوم أهالي عيتا الشعب باستئجار أجزاءٍ كبيرةٍ منه لزراعة التبغ". ويلفت إلى أنّ "هذا التشارك في النشاط الزراعي ساهم في توحيد الهموم والتحديات التي نواجهها".
إلى جانب الروابط الاقتصادية والاجتماعية، احتل القطاع التعليمي مكانةً مهمةً في هذه العلاقات بين القرى المسيحية والشيعية، إذ شكّل مساحةً للتواصل والتفاعل بين أبنائها. وتضم القرى المسيحية عدداً من المدارس الإرسالية، وهي مدارس خاصةٌ تديرها مؤسساتٌ كنسيةٌ وتُعرف بمستواها التعليمي. هذا الأمر "دفع كثيراً من أبناء القرى الشيعية لإرسال أبنائهم إليها، فضلاً عن أنها تضم عدداً كبيراً من المعلمين من القرى المجاورة"، بحسب العميل. ويضيف أنّ "رميش تضم وحدها نحو مئتين وخمسين عاملاً في القطاع التربوي بين موظفين ومعلمين، فضلاً عن نحو ألف وخمسمئة تلميذ، كان جزءٌ منهم ينتقل يومياً كذلك إلى ثانوية بنت جبيل".
امتدّ التداخل بين تلك القرى إلى القطاع الصحي أيضاً، إذ شكّلت مستشفى بنت جبيل الحكومي إلى جانب مستشفى تبنين الحكومي، الواقع في منطقةٍ محاذيةٍ، وجهةً رئيسةً لأبناء القرى المسيحية لتلقي الخدمات الطبية. يقول نداف "قبل الحرب كان يمكن لأيّ شخصٍ يتعرض لأيّ طارئٍ صحيٍ الانتقال فوراً إلى مستشفى تبنين الحكومي مثلاً". لكنه يستدرك بأن الوضع الصحي اليوم سيّءٌ للغاية، إذ "تفتقر بلداتنا لأيّ مركزٍ صحي. وإذا احتاج أيّ شخصٍ إلى مستشفى، فعلينا أولاً الحصول على موافقة الجيش اللبناني الذي يأخذ بدوره موافقة لجنة الميكانيزم [آلية دولية أنشئت لمراقبة تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل سنة 2024]".
يشير نداف: "هذه العملية قد تستغرق عدة أيامٍ قبل أن يسمح للصليب الأحمر بنقل المريض إلى مستشفى في بيروت". ويستذكر ما حدث مع أحد أبناء البلدة الذي كان يُعاني من مرض السكري، ونزل به عارضٌ صحيٌ في منتصف الليل، ولم يتمكنوا من نقله لأيّ مستشفى، ليتوفى لاحقاً.
تجاوز الترابط بين هذه القرى مجالي الاقتصاد والخدمات، ليمتد إلى الحياة والروابط الاجتماعية التي شكّلت إحدى أبرز سمات المنطقة ورسّخت حالةً من التعايش بين سكان القرى المسيحية والشيعية. يؤكد ميشال خوري، وهو من أبناء علما الشعب، على متانة هذه الروابط بقوله: "كانت العلاقات الاجتماعية قويةً للغاية، ودليلٌ على ذلك أن المنطقة لم تُسجّل أيّ إشكالٍ أمنيٍ منذ تحرير الجنوب سنة 2000، وحتى في المحطات التي شهدت ذروة الانقسام السياسي في البلاد". ومن هذه المحطات ما تبع اغتيال رئيس الوزراء رفيق الحريري سنة 2005، وحرب تموز 2006 بين حزب الله وإسرائيل.
يستذكر خوري كذلك الحارة القديمة في بلدة علما الشعب، التي كانت البلدية تزيّنها سنوياً بمناسبة عيد الميلاد، وتشكّل مقصداً ثابتاً لأبناء القرى والبلدات المجاورة. قبل أن يتبدل هذا كلّه مع اشتعال الحرب.
يقول للفِراتْس بشارة حداد، ابن بلدة عين إبل، إنّ سكان تلك القرى "يدفعون ثمن صراعٍ لا نملك قرار المشاركة فيه، فهذه الحرب فُرضت علينا، ولا شكّ أنّ نتائجها ستُفرض علينا أيضاً". ويتفق مع هذا الطرح رئيس جمعية "شبكة مجموعات شبابية" الناشطة في القرى المسيحية الحدودية، داني كلاكش: "نحن ضحيةٌ للعبة الأمم ولتجاذبات الدول. فالناس تشعر بالخذلان والإحباط لأن التاريخ يكرر نفسه، وفي كل مرةٍ يدفع هؤلاء العزّل الثمن".
من هنا، يتجاوز قلق السكان من آثار الحرب الحالية، ليمتد إلى ما قد يترتب عليها من تغييرٍ دائمٍ في واقع هذه البلدات. ويُعدّ هاجس عدم القدرة على العودة إلى القرى في حال النزوح منها أبرز ما يؤرق أبناء تلك البلدات، إذ ينظر كثيرون إلى النزوح احتمالاً قد يتحوّل إلى تهجيرٍ دائم. يختصر جوزيف، ابن بلدة رميش، قراره بالبقاء في بلدته بالقول: "منذ سنة 1948 ما حدا راح وقدر يرجع، فالمغادرة هي قرارنا ولكن العودة ليست بيدنا، بل مرتبطة بظروف تبدأ من لبنان وقد تصل إلى مضيق هرمز"، في إشارةٍ إلى الدور الإيراني في هذه الحرب.
في السياق ذاته، يؤكد رئيس بلدية رميش حنا العميل، أنّ قرار البقاء كان جماعياً. يقول: "منذ بداية الحرب اجتمعنا، مجلس بلدي وفعاليات ورجال دين، واتخدنا قراراً بعدم النزوح مهما كان السبب، رغم المخاطر والأثمان التي قد ندفعها. فالنزوح قد يعني عدم القدرة على العودة، وهذا ما لا نريد الوصول إليه".
وقد اختبر بعض الأهالي هذا الاحتمال بصورةٍ محدودةٍ داخل بلداتهم، ما عزّز لديهم القناعة بأن إخلاء المناطق قد يفضي إلى تدميرها. ويشير رئيس بلدية دبل، عقل نداف، إلى أنه "في أبريل 2026، وصل الجيش الإسرائيلي إلى أطراف البلدة، ما اضطرنا إلى إخلاء سكان المنازل الواقعة هناك ونقلهم إلى منازل داخل دبل، فما كان من القوات الإسرائيلية إلا تفجير تلك الأحياء". ويضيف: "حينها بتنا على يقين أن نزوحنا سيؤدي الى تدمير كل شيء مثلما حدث في القرى المحيطة بنا".
لكن التمسك بالبقاء لم ينهِ التحديات التي يواجهها السكان، إذ سرعان ما تحوّلت الحياة اليومية إلى اختبارٍ للصمود. فمع استمرار الواقع العسكري المعقّد، تحوّل تأمين مقومات الحياة إلى التحدي الأبرز الذي يواجه سكان تلك القرى، بعدما بات الوصول إلى الغذاء والدواء والخدمات الأساس أصعب. ففي بداية الحرب خضعت تلك البلدات لحصارٍ شبه كاملٍ استمرّ نحو شهرٍ ونصف الشهر، قبل أن يُفتح ممرٌّ إنسانيٌ بوساطةٍ من الفاتيكان والولايات المتحدة الأمريكية ولتُسيّر عبره قوافل مساعداتٍ شبهُ أسبوعية. إحداها للمساعدات الإنسانية عبر منظمة "كاريتاس"، وهي منظمةٌ إغاثيةٌ كاثوليكيةٌ، والأخرى للتجار لتأمين السلع الضرورية.
ومع أنّ هذا الممر خفّف من وطأة الأزمة، فإنه لم يُنهِها. تقول جوانا مخول، وهي من أبناء عين إبل، في حديثها للفِراتْس: "المساعدات التي تصلنا محدودةٌ للغاية، في حين تضاعفت أسعار السلع وتراجعت قدرتنا الشرائية إلى حدٍّ كبير". ويعزو داني كلاكش هذا الارتفاع في الأسعار إلى اضطرار التجار لاستئجار آلياتٍ لنقل البضائع، التي قد تنتظر أياماً للحصول على الأذونات اللازمة للتحرك، ما يزيد من تكلفة النقل، فضلاً عن غياب رقابة مؤسسات الدولة على الأسعار.
تجاوز أثر الأزمة صعوبة الحصول على السلع، ليطال قدرة السكان على تأمين مصادر دخلهم، في ظل تعطّل القطاعات التي شكلت طيلة عقودٍ عصب النشاط الاقتصادي في هذه البلدات. ويشرح العميل أنّ "معظم أبناء البلدات الحدودية يعانون من البطالة منذ ثلاث سنوات، ومن كان يملك منهم مدخرات استنزفها". فباستثناء موظفي القطاع العام والعاملين مع قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)، يعمل معظم الأهالي في القطاع الزراعي، لكنهم لم يعودوا قادرين على الوصول إلى أراضيهم الواقعة على أطراف البلدات، فضلاً عن تدمير جميع مزارع الحيوانات. ويضيف العميل: "كانت البلدة تشهد نحو خمسين ورشة بناء كل سنة، وهو ما يحرّك العجلة الاقتصادية، إلا أنّ هذا النشاط متوقّف بالكامل".
أما إلياس من عين إبل، والذي آثر عدم الإفصاح عن اسمه الحقيقي، فيشير في حديثٍ مع الفِراتْس إلى أنّ "الأهالي صمدوا أمنياً وعسكرياً وتحملوا المشقّات، لكن المخاطر الاقتصادية أصعب، وهي التي قد تدفعنا إلى النزوح بحثاً عن عملٍ وتعليمٍ لأبنائنا". وبالنسبة له فإن "الدخل الوحيد حالياً يأتي من موظفي القطاع العام الذين يعانون أساساً من ضعف الرواتب".
يتقاطع هذا القلق مع ما يقوله جورج، ابن القرية نفسها، الذي يرى أن "الحرب لا تقتصر آثارها على القصف والدمار، بل إننا نعيش تداعياتٍ لا تقلّ قسوةً عمّا يُعانيه جيراننا في القرى الشيعية". كذلك ينوّه بأنّ هذه التداعيات "حاضرة في كامل تفاصيل الحياة اليومية، فيما بات الأهالي أشبه بجيش من العاطلين عن العمل".
هذا الواقع يؤكده أيضاً إيلي، وهو من أبناء بلدة القليعة المسيحية في القطاع الشرقي من جنوب لبنان، إذ أنهم يتشاركون جوانب كثيرةٍ من المعاناة، مع أنهم لا يخضعون لحصارٍ مباشرٍ كما البلدات المسيحية في القطاع الغربي. يشير إيلي في حديثه معنا، إلى أنّ المشكلة لا تقتصر على نجاة بلدته إلى حدٍّ كبيرٍ من الدمار، بل تمتد إلى انهيار محيطها الاقتصادي.
يقول: "صحيح أن قريتنا لم تُدمّر، لكن كيف يمكن أن نعيش في ظلّ محيط مدمر كنا نعتمد عليه ويعتمد علينا؟". وضمن هذا السياق يوضح أنّ الحركة التجارية في القليعة كانت ترتبط في كثيرٍ من جوانبها بمدينة الخيام وبلدة كفركلا المجاورتين، اللتين حاق بهما دمارٌ شبه شاملٍ، "مصالحنا ومحالنا لا يمكن أن تستمر من دون السوق التي كانت تؤمنها هذه البلدات". لذا فاستمرار هذا الواقع حسبما يرى قد يدفع كثيرين إلى مغادرة قراهم، ليس بسبب الخطر الأمني، وإنما بحثاً عن سوق عملٍ ومصدر رزقٍ في مناطق أخرى.
وإلى جانب التحديات المعيشية، يعاني سكان دبل ورميش وعين إبل، من شعورٍ متزايدٍ بالعزلة والحصار نتيجة القيود المفروضة على حرية التنقل. ويتحدث كلاكش عن "صعوبةٍ كبيرةٍ في التواصل مع باقي الأراضي اللبنانية"، إذ تمتدّ المسافة الفاصلة بين هذه القرى ونهر الليطاني، والبالغة نحو ثلاثين كيلومتراً، عبر منطقةٍ شبه خاليةٍ من السكان، وتشهد عملياتٍ عسكريةً إسرائيليةً متواصلة.
يردف أنّ هذا الواقع "زاد من خوف الأهالي وطرح أمامهم أسئلة وجودية تتعلق بامكانية البقاء، وما إذا كانت هذه المنطقة ستكون قابلة للحياة مستقبلاً، في ظلّ غياب محيطها الطبيعي الذي كانت تتفاعل معه". ويتفق العميل مع هذا التقييم، معتبراً أنّ "البلدات الثلاث لا يمكن أن تكون قابلة للحياة إذا استمرّ هذا الوضع"، مشيراً أيضاً إلى "انقطاع التواصل الاجتماعي بين أبناء البلدة أنفسهم. إذ يقيم نصف الأهالي خارجها".
يظهر أثر هذه العزلة بيناً في القطاع التعليمي. إذ وفقاً للعميل، يوجد نحو مئتي طالبٍ جامعيٍ في بيروت لم يعودوا قادرين على زيارة عائلاتهم في البلدات الثلاثة كما جرت العادة. كذلك بات الوضع مهدداً بفقدان قدرته على الاستمرار مع اقتراب العام الدراسي الجديد، في ظلّ عدم قدرة كثيرٍ من الأهالي على تحمل تكلفته. هنا يؤكد نداف أنّ "استمرار الوضع على ما هو عليه حتى بداية العام الدراسي، قد يدفع كثيرين إلى النزوح بحثاً عن مورد رزقٍ يتيح لهم تعليم أبنائهم". ويلفت إلى أنّه "في دبل هناك مدرسةٌ رسميةٌ وأخرى إرساليةٌ خاصةٌ أعلنت أنها لن تفتح أبوابها في العام المقبل بسبب الأضرار التي لحقت بها من ناحيةٍ، وعدم قدرة الأهالي على دفع الأقساط من ناحيةٍ أخرى". المخاوف نفسها تنتاب العميل، الذي يرى أنّ "التحدي الأكبر هو الحفاظ على استمرار المدرستين الموجودتين في رميش، لأن إقفالهما سيجعل النزوح أمراً حتمياً".
إلا أنّ هذا "التحييد" الإسرائيلي لا يعني أن القرى المسيحية بقيت بمنأىً عن الحرب، فقد شهدت حوادث إطلاق نارٍ وقتلٍ، إضافةً إلى اعتداءاتٍ طالت بعض الرموز الدينية. على هذه الحوادث، يرى بعض السكان أن محدودية الاستهداف مقارنةً بمحيطهم أسهمت في تعزيز قرار البقاء. ويقول نداف: "ما دفعنا للبقاء في أرضنا هو أننا مواطنون مسالمون، فليس لدينا سلاحٌ ولا مسلحون، وهذا ما منحنا قدراً من الشعور بالأمان، لأنه لا علاقة لنا بما يجري".
لكنّ هذه الأريحية النسبية يقابلها قلقٌ متزايدٌ من أن تتحوّل العزلة التي فرضتها الحرب إلى وسيلة ضغطٍ تدفع السكان نحو خياراتٍ لم يكونوا ليفكروا فيها في ظروفٍ طبيعية. وزاد من هذه المخاوف تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مطلع يوليو 2026 التي زعم فيها أنّ بعض "البلدات الحدودية المسيحية طلبت الانضمام لإسرائيل، لكي تكون مَحميةً من مقاتلي حزب الله". علماً بأنّ بلديات القرى المسيحية الخمس عشرة في المنطقة الحدودية سارعت إلى نفي مزاعم نتنياهو، ووصفتها في بيانٍ مشتركٍ بأنها "ملفقةٌ ولا تمتّ إلى الواقع بصلة".
لهذا السبب جدّد نداف في حديثه مع الفِراتْس رفضه ادعاءات نتنياهو، معتبراً أنها تهدف إلى "دقّ الإسفين بين شرائح المجتمع الجنوبي، فهذا الكلام لا يعنينا، ونحن متمسكون بلبنانيتنا، وصمودنا هو أحد أوجه هذا التمسك".
أمّا جورج فيرى أنّ "هذا الكلام مؤشرٌ خطيرٌ على طريقة التفكير الإسرائيلية، والمشكلة أن وضعنا الحالي لا يضع أمامنا الكثير من الخيارات". ويستحضر تجربة الاحتلال الإسرائيلي جنوبَ لبنان بين سنتي 1982 و2000، قائلاً: "تُركنا حينها لنواجه مصيرنا، واضطر جزءٌ كبيرٌ من أهالي الجنوب إلى التعامل مع إسرائيل بحكم الأمر الواقع".
هذا الاستحضار في صورته الأوسع يستعيد في أذهان كثيرين تجربة "الحزام الأمني" التي تشكلت خلال سنوات الاحتلال الإسرائيلي جنوبَ لبنان. إذ لم يقتصر الحضور الإسرائيلي على البعد العسكري، إنما امتدّ في مراحل مختلفةٍ إلى الجوانب الخدمية، في ظلّ سيطرةٍ إسرائيليةٍ كاملةٍ على الأرض مقابل غيابٍ شبه كاملٍ من مؤسسات الدولة اللبنانية. وهو الواقع الذي أفرز أنماطاً من التفاعل فرضتها ظروف الاحتلال أكثر مما عبّرت عن خيارات السكان أنفسهم.
وما يثير التوجس أكثر هو ترافق تصريحات نتنياهو مع تقارير إعلاميةٍ عن وصول مساعداتٍ إنسانيةٍ إلى بعض القرى المسيحية عبر الجانب الإسرائيلي. وبينما يرفض العميل التعليق على هذه المعلومات، يُشير نداف إلى أن الأمر حدث مرتين خلال ذروة الحصار في أبريل 2026. وبحسب مصادر خاصةٍ للفِراتْس، فإن المساعدات كانت مقدمةً من منظمة "محفظة السامري" المسيحية الإنجيلية التي تنشط في عددٍ من دول العالم. وتضيف المصادر أنّ "البلديات رفضت استلام المساعدات مباشرةً، فوُضعت عند أطراف البلدة قبل أن ينقلها الأهالي إلى أحد الأديرة في رميش لتوزيعها لاحقاً".
على إثر ذلك، برز نقاشٌ داخل القرى المسيحية حول مسألة الحاجة الملحّة للمساعدات من جهةٍ ومسارات وصولها من جهةٍ أخرى، وفق ما تخبر مصادر مطلعةٌ الفِراتْسَ. فبينما يرى بعض الفاعلين المحليين أن تأمين الاحتياجات الضرورية عبر الدولة والجمعيات اللبنانية عاملاً ضرورياً للحفاظ على صمود السكان ومنع اضطرارهم إلى البحث عن بدائل خارج الإطار اللبناني، تثير المساعدات التي تصل عبر قنواتٍ مرتبطةٍ بإسرائيل مخاوف من أن تتحول، مع استمرار العزلة، إلى شكلٍ من أشكال الاعتماد غير المباشر. ووفق المصادر، فإنّ القائمين على بعض المبادرات الإنسانية، ومنها كاريتاس، ينظرون إلى عملهم وسيلةً لدعم بقاء الأهالي في بلداتهم والحؤول دون دفعهم إلى خياراتٍ مرتبطةٍ بإسرائيل.
ويُجمع كلُّ من تحدثت إليهم الفِراتْس على أنهم لا يملكون تصوراً واضحاً للمرحلة المقبلة، وأن همّهم الأول ينحصر في تأمين مقومات الحياة اليومية. وعبّر عن هذا القلق كاهن رعية رميش، الأب نجيب العميل، الذي قال في حديثٍ صحفيٍ في مايو 2026 إنّ "الإسرائيلي يمرّ بآلياته داخل المنطقة، وإذا بقينا مُبعدين سبعين كيلومتراً عن أوّل منطقة سكنية، فسنكون ملزمين بالتعاون مع الإسرائيلي في الأمور الاقتصادية والاجتماعية. فليعطوننا خياراً ثانياً ونحن موافقون".
وحول إمكانية استغلال إسرائيل هذا الوضع، يقول لنا سعيد الأسمر، النائب في كتلة القوات اللبنانية، أحد أبرز الأحزاب المسيحية في لبنان، إن إسرائيل "يمكن أن تقوم بأيّ عملٍ، ورهاننا على تمسّك أهالي هذه القرى بأرضهم ولبنانيتهم، بما يُفشل أيّ مخططٍ إسرائيلي".
غير أن المخاوف لا تنبع من السلوك الإسرائيلي وحده، إنما أيضاً من شعورٍ متزايدٍ بغياب الدولة اللبنانية عن المنطقة، رغم تمسك السكان بها بوصفها المرجعية الشرعية الوحيدة. يقول كلاكش: "هناك شعورٌ بأننا متروكون وحدنا، فجولة الحرب الأخيرة توقفت منذ يونيو، ولا نلمس جهداً لإعادة المياه والكهرباء والخدمات الضرورية، حتى إن وسائل الإعلام لا تسلّط الضوء على معاناتنا".
ويشير نداف بدوره إلى أنّ الدولة، عبر "مجلس الجنوب" – وهو هيئة حكومية مسؤولة عن دعم وإعادة إعمار المناطق المتضررة – تساعد في تأمين مادة المازوت ومضخات المياه وبعض المواد الغذائية، "لكنها لا تملك القدرة على القيام بأكثر من ذلك".
من جانبها، تؤكد مصادر في وزارة الشؤون الاجتماعية للفِراتْس، وهي الجهة المكلفة بمتابعة المساعدات للمتضررين، أنّ الوزارة "عملت على دعم صمود أهالي تلك القرى وفق ما سمحت لها الظروف، فأرسلت أكثر من قافلة مساعداتٍ بعد التنسيق مع الجهات الدولية، ورفعت بالتعاون مع وزارة الصحة، التغطية الصحية للنازحين وأهالي القرى المسيحية الحدودية لتصبح مجانيةً بالكامل". ووفق هذه المصادر فإن "إمكانات الوزارة محدودةٌ، فضلاً عن أنّ الظروف العسكرية تفرض وقائع لا يمكن تجاوزها".
لكن، في نظر عددٍ من أبناء القرى المسيحية، فالخروج من المأزق الحالي لا يمكن أن يقتصر على المساعدات الإنسانية، إنما يتطلب إنهاء الظروف العسكرية التي فرضت هذا الواقع. يقول الأسمر إنّ "الدولة تقوم بما تستطيع ضمن إمكانياتها لدعم أهالي القرى الحدودية وتأمين صمودهم، ونسعى من رئيس الجمهورية لافتتاح مستشفى عسكري في المنطقة ضمن قرية عين إبل". لكنه يرى رغم ذلك أنّ ما تقدمه الدولة "يبقى أشبه بحلول ترقيعية"، مضيفاً أنّ الحل يكمن في "تثبيت الانسحاب الإسرائيلي عبر المفاوضات، وبسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية وحصر السلاح بيدها، بما يسمح بعودة هذه القرى وكلّ الجنوب إلى حضن الدولة".
وأمام هذا المشهد، تبدو القرى المسيحية الحدودية ضمن الواقع الحالي عالقةً بين خيارين أحلاهما مرّ: البقاء في بلداتٍ محاصرةٍ تتآكل فيها مقومات الحياة يوماً بعد يومٍ وفي ظلّ ظروفٍ تتحكم بها وتسيّرها إسرائيل، أو النزوح مع ما يرافقه من مخاوف من أن يتحوّل إلى تهجيرٍ دائم. وبين هذين الخيارين، يبقى مستقبل هذه القرى رهناً بما إذا كانت الدولة اللبنانية ستنجح في إعادة وصلها بعمقها اللبناني، قبل أن تفرض الحرب واقعاً جديداً يصعب التراجع عنه.

