انعكس هذا الاحتفاء على السوق، إذ بيعت في عطلة نهاية الأسبوع الأولى في الولايات المتحدة ثلاثة ملايين نسخةٍ، ما جعل تلك الليلة علامةً على مفهوم "طابور منتصف الليل" الذي بات نموذجاً جديداً في صناعة النشر. إذ لم يعد إطلاق الكتاب عملية توزيعٍ محضةً، بل غدا حدثاً ثقافياً يُخطَّط له ويُستقبل كافتتاح فيلمٍ ضخم.
تكرّر المشهد بشيءٍ من الاختلاف بعد ربع قرنٍ، في 21 يناير 2025، مع صدور رواية "أونيكس ستورم" (عاصفة العقيق)، الجزء الثالث من سلسلة "ذي إمبيريان" (الفردوسي) لريبيكا ياروس. أعتادت مكتباتٌ في الولايات المتحدة إقامة حفلات إطلاقٍ عند منتصف الليل، غير أن الطابور البشري هذه المرة ترافق مع عشرات آلاف المقاطع المصورة على منصة تيك توك. وتحوّل الانتظار ذاته إلى محتوىً يُبثّ في ساعته، وصارت المراجعات الفورية وردود الفعل المصوّرة محركاً أساساً للمبيعات.
بين هاتين الليلتين تمتدّ قصة تحوّلٍ عميقٍ، من طقسٍ تنظمه دور النشر ويُدار مركزياً إلى موجةٍ تصنعها الشبكات الرقمية وتضخّمها الخوارزميات. ومع اختلاف السياقات التاريخية والاجتماعية بين الحدثين، فإن قراءتهما في إطارٍ واحدٍ تكشف عن تحوّلٍ بنيويٍ في الحقل الأدبي: من لحظةٍ أعادت فيها سلسلة هاري بوتر شرعنة أدب الأطفال واليافعين أدباً عابراً للأجيال، إلى صعود "الرومانتازي" الذي يمزج الشاعرية بالعجائبية، وما رافقه من إعادة تعريفٍ لمعايير النجاح والانتشار الأدبي عبر المنصات الرقمية. وقد امتد هذا التحول إلى العالم العربي، ليؤثر في حركة الترجمة والإنتاج المحلي وذائقة القراء الشباب، ويعيد تشكيل العلاقة بين الجمهور والسوق والمؤسسة الأدبية. وهي تحولاتٌ قد تحمل مكاسبها وتناقضاتها معاً.
تشير المختصة بأدب الأطفال واليافعين، الكندية ساندرا بيكيت، في كتابها "كروسؤوفر فيكشن" (الأدب عابر الأجيال) المنشور سنة 2009، إلى أن هاري بوتر يُظهر لحظةً تحوّل فيها عبور الحدود بين أدب الأطفال – أو اليافعين – وأدب الكبار إلى قاعدةٍ جديدةٍ في صناعة النشر. وتضيف أن ما كان يُعدّ مساحةً معزولةً ومهمَّشةً، أو ما يمكن تسميته "غيتو أدب الأطفال"، حيث تُحصر كتب الصغار في رفوفٍ خاصةٍ وتُستبعد من النقاش النقدي الجاد، انتقل إلى قلب المشهد الثقافي.
هنا انعتقت الرواية الموجّهة إلى اليافعين من طقوس القراءة خفيةً أو تقييدها في الوظيفة التربوية، لتتصدّر قوائم أكثر الكتب مبيعاً عالمياً، ويحملها الكبار علناً في المواصلات العامة، ويناقشها طلاب الجامعات، ويتداولها موظفون في أماكن العمل. أي إنها أصبحت جزءاً طبيعياً من الأدب العام لا أدب فئةٍ عمريةٍ محددة.
ومع هذا الانتقال، أعادت هذه الظاهرة تعريف العلاقة بين الأدب والسوق. إذ تحوّل الأدب إلى "تسونامي استهلاكي"، وفق تعبير دراسةٍ بعنوان "سيلينغ ستوريز [...]" (بيع القصص [...]) قدّمها باحثا الاقتصاد والتسويق ستيفن براون وأنتوني باترسون سنة 2006. فخلال أقلّ من عقدٍ، تحوّلت جيه كيه رولينغ من كاتبةٍ مغمورةٍ إلى قمة إمبراطوريةٍ تسويقيةٍ بمليارات الدولارات. كذلك امتدت السلسلة إلى أفلامٍ وألعاب فيديو وبضائع استهلاكيةٍ وسياحةٍ ثقافية. وأهم من ذلك أن الظاهرة أعادت تنشيط قطاع كتب الأطفال واليافعين، ودفعت دور النشر إلى الاستثمار المكثف في السلاسل الطويلة والكتب الضخمة.
إلّا أن أثراً آخر لثورة أدب الأطفال واليافعين ظهر في إعادة تشكيل العلاقة بين القارئ والنص. فقد نشأت مجتمعات معجبين ضخمةٌ، وأنتج القراء آلافاً من نصوص أدب المُعجبين – الذي درجت الإشارة له بالتعبير الإنجليزي "فان فيكشن" – التي تستلهم من الرواية الأصلية في كتابة نصوصٍ جديدة. ناقش المعجبون تفاصيل سرديةً على المنتديات وغرف الحوار الإلكترونية، وشاركوا في معارض ومهرجاناتٍ مخصصةٍ للسلسلة. وبهذا المعنى، تحوّل القارئ من متلقٍّ خاملٍ إلى شريكٍ في إنتاج المعنى وبلورة العلامة التجارية، التي لم تعُد مملوكةً بالكامل للناشر، فقد أصبحت فضاءً تفاوضياً بين الشركة والجمهور.
ويمكن الاستدلال على هذا التحوّل مثلاً بظاهرة رواية "ألكيمايزد" (المحوّل بالخيمياء) المنشورة سنة 2025. وتحكي قصة كيميائيةٍ شابةٍ تُؤسر في حربٍ مدمّرةٍ، فتُكرَه على العمل بين يدي قائدٍ عسكريٍ غامضٍ، قبل أن تتشابك محاولتها للنجاة مع علاقةٍ معقّدةٍ بآسرها. وقد بدأت كاتبتها، التي تستخدم الاسم المستعار "سينلينيو"، تجربتها بنصّ "فان فيكشن" بعنوان "مَناكْلد" (مكبّلة) سنة 2018، استند إلى عالم هاري بوتر وانتشر عبر منصات المعجبين، قبل أن يُعاد صياغته خارج عالمه الأصلي ويُنشر روايةً مستقلة.
وسوى هذه التأثيرات، أعادت سلسلة هاري بوتر تعريف مفهوم "العمر الأدبي" ونقده. فلَم يعُد مسلَّماً به أن هناك كتباً "للأطفال فقط" وأخرى "للكبار فقط"، بل بدَت الحدود العمرية وكأنها بناءٌ مؤسسيٌ وتسويقي. ولربما كان اصطفاف البالغين في طوابير منتصف الليل حاملين نسخهم، إعلاناً عن انهيار هذه الحدود. ومن ثم نشأ جيلٌ كاملٌ من القراء الذين تربّوا على نصٍّ طويلٍ متسلسلٍ يتطور معهم عبر أعوامٍ، وهو ما غيّر توقعات السوق تجاه الرواية الشبابية والخيالية.
هذا التغير في الحدود العمرية وما صاحبه من تحولٍ في مساحة المقروئية أزاح الستار أيضاً عن البعد الجدلي لنجاحات السوق. فكلما اتسع الانتشار، تصاعدت أشكال المقاومة التي شملت انتقاداتٍ دينيةً، ومن أمثلتها قرار مدرسةٍ كاثوليكيةٍ في ناشفيل في الولايات المتحدة سنة 2019 حظر كتب هاري بوتر، استناداً إلى مخاوف من أن تؤدي التعويذات وممارسات السحر الواردة فيها إلى استحضار أرواحٍ شريرة. وشملت أيضاً اتهاماتٍ بالتسليع المفرط وقلقاً ثقافياً من "طفولية" البالغين، بعدما صار مألوفاً رؤية بالغين يحملون كتب السلسلة في الأماكن العامة، كما رصدت صحيفة الإندبندنت البريطانية في 2001. إلا أن هذا الجدل غذّى الظاهرة بإعطائها ظهوراً إعلامياً أوسع، بدل أن يُضعِفها.
فمنذ بداية نشرها سنة 2005، حقّقت سلسلة "توايلايت" (الشفق) للروائية الأمريكية ستيفاني ماير نجاحاً عالمياً واحتلت قوائم الكتب الأكثر مبيعاً، ثم اقتُبست سينمائياً في خمسة أفلامٍ جَنَت إيراداتٍ ضخمةً، كان آخرها سنة 2012. وقد جعلت هذه السلسلة من الخيال الشاعري محوراً في موجةٍ جديدةٍ من الفانتازيا الشبابية، وموضعت العلاقةَ العاطفيةَ، لا الصراع السياسي أو الأخلاقي، محركاً أساساً للسرد.
في المقابل، اتجهت أعمال أخرى آنذاك إلى الديستوبيا (المدينة الفاسدة) واستكشاف قضايا سياسيةٍ واجتماعيةٍ أكثر قتامة. من أبرزها ثلاثية "ذا هَنغر غيمز" (مباريات الجوع) لسوزان كولينز بين سنتي 2008 و2010، والتي قدّمت عالماً ديستوبياً يخضع لسلطةٍ استبداديةٍ، ويتناول القمع السياسي ومقاومة السلطة، قبل أن تُقتبس السلسلة في أربعة أفلامٍ سينمائيةٍ كان آخرها سنة 2015.
نشرت آنذاك صحفٌ أمريكيةٌ، مثل "نيويورك تايمز" و"واشنطن بوست" و"فانيتي فير"، تحليلاتٍ تربط بين شعبية هذه السلاسل ومناخ ما بعد الأزمة المالية العالمية سنة 2008، وصعود الحركات الاحتجاجية الشبابية مثل "أوكوباي وول ستريت" (احتلوا وول ستريت). فقد بدت الديستوبيا، بما تصوره من أنظمةٍ قمعيةٍ ومجتمعاتٍ غير عادلةٍ وشبابٍ يتمردون على واقعٍ فُرض عليهم، متصلةً بمخاوف جيلٍ أخذ ينظر إلى المؤسسات القائمة بعينٍ أكثر تشككاً. فيما وفرت الفانتازيا الرومانسية جذب القراء باختلاقها عوالم بديلةً تتركز فيها الصراعات حول الحب والانتماء والهوية والمصير الشخصي. وهكذا انقسم الحقل إلى مسارين متوازيين: ديستوبيا سياسيةٌ من جهةٍ، وفانتازيةٌ رومانسيةٌ من جهةٍ أخرى.
لكن اللحظة المفصلية التالية لم تأتِ من داخل سوق النشر التقليدي فقط، إنما من فضاء المعجبين الرقمي. ولعلّ أبرز أمثلتها رواية "فيفتي شيدز أُف غراي" (خمسون ظلاً للرمادي) للكاتب إي إل جيمس، التي نُشرت سنة 2011. وكانت قبل ذلك نصّ "فان فيكشن" مستوحىً من "الشفق" أُعيدت صياغته ونُشر روايةً مستقلةً للبالغين تتناول قصة علاقةٍ معقدةٍ بين خريجةٍ جامعيةٍ ورجل أعمالٍ ثريّ. فقد وثّقت صحفٌ مثل الغارديان ونيويورك تايمز انتقال النص من موقعٍ إلكتروني للمعجبين إلى ظاهرة نشرٍ عالميةٍ بيعت منها عشرات الملايين من النسخ.
ولعل ما تبيّن من هذه اللحظة هو أن الحدود بين أدب اليافعين وأدب الكبار، وبين أدب المعجبين والنشر الأدبي التجاري، أصبحت أكثر سيولةً. وكذلك أخرجت جمهورَ القارئات، لاسيما الشابات منهن، من منزلة السوق الثانوي ليصبحن قوةً ثقافيةً واقتصاديةً تساهم في تشكيل اتجاهات النشر.
في هذا السياق التراكمي، ظهر ما بات يُعرف اليوم بِاسم "الرومانتازي"، نحتاً من الرومانسية والفانتازيا. وقد اكتسب هذا النوع انتشاراً عبر ما يُعرف بِاسم "بوك توك". وهذا مجتمعٌ قرائيٌ واسعٌ على منصة "تيك توك"، حيث ينشر القرّاء، وغالباً القارئات الشابات، مقاطع قصيرةً يوصين فيها بالكتب ويستعرضن مشاعرهنّ ويؤثّرن في قوائم المبيعات. ويشير إلى أعمالٍ يكون فيها الخط العاطفي، بما يحمله أحياناً من بعدٍ جنسيٍ وإباحيٍ، مركزَ العمل الأدبي.
وصفت صحفيةٌ في الغارديان سنة 2024 الرومانتازي بأنه "النوع الأدبي الأسرع صعوداً في سوق النشر"، وربطت ذلك بالوسم المشير إلى هذا النوع في منصة تيك توك. فيما تناولت نيويورك تايمز دور بوك توك في إعادة إحياء مبيعات الفانتازيا والرومانسية، وأشارت "واشنطن بوست" إلى ارتفاع مبيعات كتب الرومانتازي بنسبة 42 بالمئة بين عامي 2022 و2023.
وتُعدّ سلسلة "ذي إمبيريان" لريبيكا ياروس المثال الأبرز على هذا التحوّل. فمنذ صدور الجزء الأول منها، "فورث وينغ" (الجناح الرابع) سنة 2023، وتصدّره "قائمة نيويورك تايمز للكتب أكثر مبيعاً طيلة أسابيع متتاليةٍ، أخذت السلسلة تكرّس حضورها قبل أن يعزّز الجزءان اللاحقان مكانتها ويستكملا بناء عالمها السردي. ويقوم هذا العالم على أكاديميةٍ عسكريةٍ لفرسان التنانين، حيث التنانين كائناتٌ واعيةٌ ذات إرادةٍ، ترتبط بفلسفة القوة والاختيار والولاء والموت. تنسج السلسلةُ حبكةً عاطفيةً داخل فضاءٍ تخييليٍ، كما تبني رؤيةً عن معنى البقاء في عالمٍ عنيفٍ وعن العلاقة بين الجسد والسلطة، والخوف والشجاعة.
المثير أن هذه الفكرة في الفانتازيا المعاصرة قد لا يُفهم تطورها بمعزلٍ عن الإرث الذي تركته أعمالٌ مثل "غيم أُف ثرونز" (لعبة العروش) للكاتب جورج آر آر مارتن، التي صدر الجزء الأول منها سنة 1996، ثم المسلسل المقتبس منها الذي بدأ إنتاجه سنة 2011. فقد حضرت التنانين ضمن فانتازيا سياسيةٍ سوداء تضمنت مشاهد جنسيةً فاحشةً داخل سردٍ ملحميٍ واسع. غير أن ما يميز "ذي إمبيريان" أنها تدفع العلاقة بين الفانتازيا والرومانسية إلى مستوىً أكثر مركزية. فالبعد الجسدي والعاطفي يتبوّأ مساحاتٍ جليةً واسعةً في تطور العلاقة بين الشخصيات، إلى جانب السرد الملحمي. وهو ما يضع السلسلة في قلب الرومانتازي، ويميّزها عن فانتازيا اليافعين التقليدية.
عند صدور الجزء الثالث من السلسلة، "أونيكس ستورم" (عاصفة العقيق) في يناير 2025، أصبحت الرواية حدثاً شبكياً واسعاً. فقد رصدت صحيفة الغارديان الإقبال الكبير على صدورها، مشيرةً إلى تنظيم أكثر من ألف حفلة إطلاقٍ منتصف الليل، وبيع أكثر من مئةٍ وثمانين ألف نسخةٍ في بريطانيا وحدها في يومها الأول. أما أسوشيتد برِس فلفتت إلى الانتشار الواسع للرواية، ولاسيما على بوك توك، إذ أصبحت المقاطع التي يشاهدها الملايين جزءاً من صورة النص وبنيته التداولية، ومحركاً أساساً في انتشاره.
بهذا أحدث صعودُ الرومانتازي انتقالاً نوعياً في آليات صناعة النجاح الأدبي وفي جمهوره. فإذا كانت ثورة هاري بوتر قد وسّعت جمهور أدب اليافعين ورسّخت مكانته داخل المؤسسة الثقافية، فإن ثورة بوك توك نقلت مركز الثقل إلى المنصات الرقمية، وأصبح التفاعل الجماهيري والخوارزميات عنصرين حاسمين في تحديد ما يصبح ظاهرة أدبية. ومن أجل صناعة الحدث، بات الناشر يتجاوب مع الموجات التي يطلقها القراء.
ترجمياً، تسارع في السنوات الأخيرة تعريب أعمال الفانتازيا الشبابية العالمية. فمثلاً سنة 2023 صدرت بالعربية سلسلة "الملكة الحمراء" لفيكتوريا أفيارد، التي ظهرت سنة 2015 ودخلت قائمة نيويورك تايمز لأكثر الكتب مبيعاً، وتُعد من أبرز سلاسل اليافعين التي تمزج بين فانتازيا الصراع الطبقي والخط الرومانسي المركزي. بل إن بعض هذه الأعمال صدر بفاصلٍ زمنيٍ قصيرٍ نسبياً عن أوان نشرها، منها رواية ربيكا ياروس "فورث وينغ" التي صدرت ترجمتها العربية سنة 2025، أي بعد عامين من نشرها تقريباً.
ومع اتساع هذا المسار، دخلت مؤشرات التفاعل الجماهيري إلى عملية اختيار الأعمال التي تستحق الترجمة، مثل عدد المشاهدات والتداول على المنصات وقوائم القراءة الرقمية. وكان لجمهور بوك توك العربي شأنٌ في هذا التحوّل، إذ تداول هذه الأعمال بلغاتها الأصلية، وناقشها في مراجعاتٍ مصوّرةٍ، وطالب أحياناً بترجمتها قبل صدورها رسمياً. وبلغت شعبية المنصة منزلةً رفيعةً، إذ أشار مدير تيك توك الإقليمي في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في مايو 2022 إلى أن وسم "بوك توك" تجاوز مئةً وعشرين مليون مشاهدةٍ في المنطقة العربية. أي إن القارئ العربي كان طرفاً مؤثراً في تشكيل أولويات السوق ودفع حركة الترجمة.
أما الفانتازيا العربية فقد أخذت تتجه في السنوات الأخيرة نحو بناء عوالم سرديةٍ، مع سلاسل تتجاوز الرواية المنفردة وتطوّر شخصياتها وأحداثها عبر أجزاءٍ متعددة. ومن أبرز الأمثلة سلسلة "ملحمة الطين والنار" للكاتب السعودي أحمد آل حمدان، والتي بدأت برواية "أبابيل" سنة 2020. تقوم السلسلة على عالمٍ تخييليٍ يتداخل فيه عالما الإنس والجن، ضمن بنية صراعٍ قديمٍ على السلطة والهيمنة، وفي منظومةٍ لها قوانينها وكياناتها السياسية وتاريخها الممتد.
وإن لم تصنّف السلسلة ضمن الأدب الرومانتازي بالمعنى الغربي الحرفي، إذ لا تجعل العلاقة العاطفية المحرّك المركزي للبنية السردية، لكن حضور قصة جومانا ابنة ملك الجن وعلاقتها بالإنسيّ بحر، يضع العاطفة في قلب الصراع الملحمي. وبهذا المعنى، تتحرك "الطين والنار" داخل مناخٍ ثقافيٍ قريبٍ من البيئة التي سمحت بصعود الرومانتازي عالمياً. فهي سلسلةٌ ممتدةٌ وعوالم متخيَّلةٌ مركّبةٌ، معنيةٌ لجمهورٍ شابٍّ، وتُتداول رقمياً بما يعيد إنتاج النص خارج حدوده الورقية.
ولا يقتصر هذا الاهتمام العربي بأدب الخيال على السلاسل الفانتازية المعاصرة. فثمة إرثٌ أقدمُ غَرَسَ كثيراً من جذوره الكاتبُ المصري الراحل أحمد خالد توفيق، بأعماله التي تمزج الفانتازيا والرعب والخيال العلمي. فحتى بعد وفاته سنة 2018، ما تزال أعماله تحظى بحضورٍ قويٍ في معارض الكتب العربية، وعلى رأسها معرض القاهرة الدولي للكتاب، وفي مقدمتها سلاسل مثل "ما وراء الطبيعة" و"فانتازيا" و"سافاري"، التي صدرت تباعاً في التسعينيات، وحازت على اهتمام قرّاءٍ نشؤوا في تلك الحقبة. وحين حوّلت منصة نتفليكس "ما وراء الطبيعة" إلى مسلسلٍ سنة 2020، أُعيد تقديم عالمه السردي إلى جيلٍ جديدٍ من المشاهدين والقرّاء.
مع دخول العقد الثالث من الألفية، توسعت مساحة السرد، فبرزت نصوصٌ تتحرك في تقاطع الفانتازيا والغموض والتوتر النفسي. منها روايتا السعودية مريم الحيسي المنشورتان سنة 2024 "إنني أتعفّن رعباً"، التي تحكي قصة فنانةٍ تطاردها كوابيس وتتحول لوحاتها المستوحاة من تلك الكوابيس إلى جرائم قتلٍ حقيقيةٍ، و"بيتشيني"، التي تحكي عن شابٍّ مهووسٍ بجمع جثث الموتى. ومنها أيضاً سلسلة المصرية سما سامي "أنا هي الحرب" المنشورة بين سنتي 2024 و2025، وتدور في عالمٍ من مصاصي الدماء والسحرة والمخلوقات الغريبة. وقد وظّفت هذه الرواياتُ عناصرَ خارقةً أو أجواءً قاتمةً أدواتٍ لاستكشاف الصراع الداخلي والقلق الوجودي، أكثر من كونها رعباً تقليدياً يعتمد عناصر الصدمة أو الفزع المباشر.
في المقابل، تميل أعمال الروائية المصرية حنان لاشين، ولاسيما سلسلة "مملكة البلاغة" برواياتها السبع المنشورة بين سنتي 2017 و2025، إلى بناء عالمٍ تخييليٍ ذي وظيفةٍ رمزية. إذ تصبح الشخصيات والأماكن والأحداث استعاراتٍ للصراع الأخلاقي وتزكية الذات. وهذا اتجاهٌ يختلف في بعض عناصره عن الرومانتازي الغربي، فلا تتمحور الحبكة حول العلاقة العاطفية أو الجسدية، إنما حول رحلةٍ أخلاقيةٍ أو روحيةٍ تستخدم العالم الخيالي أداةً للتأمل القيمي.
وكما أثار صعود الفانتازيا في الغرب نقاشاً في موقعها من الحقل الأدبي وقيمتها النقدية، أثار اتساع حضورها عربياً جدلاً مشابهاً. ومن أبرز الأمثلة على ذلك الجدل بين الناقد السعودي سعد البازعي والروائي أسامة المسلم سنة 2025. فقد وصف البازعي أعمال المسلم الفانتازية أنها أقرب إلى "الفقاعة الأدبية"، ورأى أن النجاح التجاري والإقبال الجماهيري لا يكفيان لإضفاء قيمةٍ أدبيةٍ على النص، محذراً من الخلط بين الرواج السوقي والجودة الفنية. ردّ المسلم بأن هذا قولٌ نخبويٌ يتجاهل التحولات التي شهدتها الذائقة القرائية العربية، وبأن ملايين القراء الذين يقبلون على الفانتازيا، ولا يمكن اختزالهم في ضحايا موجةٍ عابرةٍ أو ذائقةٍ سطحية.
وعلى اختلاف المتجادلين، فكلاهما يشيران إلى وجود جمهورٍ عربيٍ لهذا النوع الأدبي، ولكنهما أيضاً يفتحان نقاشاً في معايير الشرعية الأدبية لهذا النوع من النصوص، إذ أصبح السوق والجمهور ينازعان المؤسسة النقدية على سلطة منح القيمة.
وامتد الجدل كذلك إلى مضمون الفانتازيا، ولاسيما حين تستند إلى عوالم الجن والسحر والغيبيات، وما تثيره من أسئلةٍ دينيةٍ واجتماعيةٍ لدى جمهورها الشاب. وقد برزت رواية "خوف" لأسامة المسلم واحدةً من الأمثلة على ذلك. إذ أثار تناولها عالمَ الجن والشياطين والسحر نقاشاً في الجزائر سنة 2024 أثناء فعاليات معرض الكتاب الدولي في العاصمة، حول الحدود الفاصلة بين التخييل الأدبي والمعتقد، وحول أثر هذا النوع من السرد في القراء المراهقين.
في أحيانٍ أخرى تجاوز النقاش مضمون الفانتازيا إلى شرعية وجودها في السياق العربي. ففي مقالٍ بعنوان "جيل الشباب وروايات الفانتازيا والخيال العلمي والرعب" ضمن العدد السادس والثلاثين من مجلة "صوت الجيل" الأردنية في أكتوبر 2025، يرى الروائي المصري إيهاب مصطفى أن كثيراً من الكتاب الشباب في الوطن العربي ما زالوا يعدّون هذه الأنواع "ليس لها شرعية عربية" لارتباطها في نظرهم بالأدب الغربي. وذلك في مقابل تقاليد عربيةٍ أقدم تستند إلى أعمالٍ مثل "ألف ليلة وليلة" و"كليلة ودمنة". وضمن هذا التصور لا تبدو المسألة مرتبطةً بحداثة هذا النوع بقدر ما ترتبط بالتصورات التي تشكّلت حوله.

