مذ رأيتُ حالته صرتُ أُرجِع البصر في علاقة اللغة بالتعذيب، وأراقب نهج الحكومة الجديدة في ملف العدالة الانتقالية. يعتمد المسار الحالي أساساً على المحاكمات الجنائية لمسؤولي النظام السابق. ففي 26 أبريل 2026 بدأت محاكمة عاطف نجيب، رئيس فرع الأمن السياسي في درعا وابن خالة بشار الأسد، المتهم بالتعذيب باقتلاع الأظافر والصعق الكهربائي. وقضت محكمة الجنايات الرابعة في دمشق بعد تسع جلساتٍ علنية بإعدامه. وبعدها بشهرين بدأت سلسلةٌ جديدةٌ من المحاكمات شملت وسيم الأسد، أحد أبناء عمومة بشار الأسد، والمفتي السابق أحمد حسون. وفي 11 أغسطس، حكمت محكمةٌ سوريةٌ بالإعدام غيابياً بحق بشار الأسد وأخيه ماهر ومجموعةٍ من كبار المتنفذين.
وهذه المحاكمات، على ضرورتها، لا تكفي وحدها للملمة الجروح الاجتماعية المفتوحة. فالمحاكمة الجنائية تحدد مسؤولية الجاني الفردية وتثبت الذنب ثم توقع الجزاء، وتحصر دور الضحية في الادعاء والإدلاء بالشهادة. أما التعذيب فيتجاوز العلاقة بين جانٍ وضحية: إنه ممارسةٌ مؤسسيةٌ تفسد اللغة، وتقلب وظيفة القانون، وتحوّل الطب من وسيلةٍ للتعافي إلى جزءٍ من آلة الإيلام. ولذلك يحتاج علاج آثاره إلى لجانٍ للحقيقة تمنح الضحايا مجالاً للكلام، وتصل القصص الفردية بالبنية التي أنتجتها، وتكشف كيف امتدت ممارسة التعذيب إلى مؤسسات المجتمع ومعانيه. وتؤدي اللجان وظيفةً لا تستطيع المحاكمة الجنائية أداءها وحدها، ألا وهي تحويل المعرفة الموزعة بين آلاف الأجساد والذكريات والملفات إلى حقيقةٍ عامةٍ عن النظام الذي حكم سوريا، وإعادة بناء الثقة في المؤسسات التي شوّهها.
تقوم علاقة الناس بالسلطة أساساً على اللغة. نظّر بيير بورديو لهذه العلاقة في كتابه "سي كي بارلير فو دير: ليكونومي دو ايشانج لانغوستيك" (ما معنى أن تتكلم: اقتصاد التبادلات اللغوية)، المنشور سنة 1982. ثم وسّعت أستاذة الأدب الإنجليزي والأمريكي في جامعة هارفارد إلين سكاري تطبيقها في كتابها "ذا بادي إن باين" (الجسد المتألم) الصادر سنة 1985. تأمر السلطة الناس وتنهاهم من خلال اللغة، ويتعرفون على قوانينها وأعرافها وتقاليدها عبرها. والسلطة كائنٌ اجتماعيٌ يرتهن وجوده بتواضع الناس عليه، أي إن الناس يخلقون السلطة ويخضعون لها قبل أن تبدأ في معاقبتهم.
تنفذ السلطة أوامرها عبر السجون والجنود والأسلحة، لكن هذه القوة المادية تحتاج إلى لغة تمنحها اسماً وشرعية وترتيباً. يعتقل الجهاز الأمني شخصاً بعد أن يسميه "مشتبهاً به" أو "إرهابياً"، ويستجوبه بزعم أن عنده "معلومات"، ويدعو إيلامه "تحقيقاً". تجعل هذه الكلمات العنف فعلاً إدارياً قابلاً للتكرار، وتوزع المسؤولية بين من أصدر الأمر ومن نفذه ومن دوّن النتيجة. لذلك لا يستخدم الاستبداد اللغة ليصف ما يفعله فحسب، بل يصنع بها العالم الذي يبدو فيه ما يفعله ضرورياً أو طبيعياً.
تلجأ الدولة المستبدة إلى التعذيب لأن الألم يتيح لها تذرير الفرد وعزله. لا يمكن وصف ألم المعذَّب بالكلام وصفاً يشاركه فيه الآخرون، فهو يحسّ به في تجربةٍ خاصةٍ لا يشاركه فيها أحد. ولهذا يقتصر وصف كثيرٍ من الناجين أثر التعذيب على أنه "ألم شديد" أو "وجع فظيع" أو "لا يمكن وصفه". يُشعر التعذيبُ السجينَ بفردانيته أمام الدولة وضعفه حيالها، وينفيه، حتى بعد الإفراج عنه، إلى عالمٍ يجد نفسه فيه غريباً لأنه يعجز عن التعبير عمّا مرّ به.
يستولي الاستبداد على اللغة نفسها ويقلب معانيها. في كتابه "بالخلاص يا شباب"، الذي صدر سنة 2012 وقدّم فيه قراءةً نقديةً فلسفيةً لتجربة ستة عشر عاماً من الاعتقال، يذكر الكاتب السوري ياسين الحاج صالح أداة تعذيبٍ تسمى "بساط الريح". يستدعي الاسمُ صورةَ السجادة التي تنقل الأشخاص في قصص ألف ليلة وليلة بسرعةٍ ويسرٍ، وتجعلهم يتجاوزون حدود المكان. يقلب الاستبداد هذه الصورة: فما كان رمزاً للحرية والتجاوز يصبح اسماً لجسدٍ مقيدٍ يتلقى الألم.
يستغل الاستبداد جماليات اللغة ليفسدها بالتعذيب. فيذكر الحاج صالح والطبيب والكاتب راتب شعبو في كتابه "ماذا وراء هذه الجدران" الذي صدر سنة 2015 طقساً انتشر في سجون الأسد يسمى "التعليم". لا يُقصد باللفظ هنا العلم والمعرفة، بل ترميز أجساد السجناء بعلامات. لا ينادي الحارسُ السجينَ بِاسمه، بل بعلامته ويخبر "المعلَّم" أنه سيعذَّب بعد ساعاتٍ أو في اليوم التالي. يقول الحاج صالح إن انتظار التعذيب أبشع من التعذيب ذاته. يتلاعب النظام بالصلة بين العلم والتعليم والعلامة، واضعاً نفسه معلِّماً ومميِّزاً، وماحياً اسم السجين وإنسانيته.
تتكرر هذه الخيانة في معظم تسميات التعذيب. تسمى حفلة تعذيب السجين الجديد "حفلة ترحيب" أو "التشريفة" أو "الاستقبال". ويسمى الضرب والإهانة "كرم الضيافة". والسجن في سوريا "بيت خالتي". والاعتقال التعسفي "فنجان قهوة". يأخذ التعذيب أسمى معاني الاجتماع، من استقبال الضيف وزيارة الأهل ومشاركة القهوة، ويفرض عليها أبشع المعاني. وهذا القلب ليس خاصاً بالعربية. تذكر سكاري أن التعذيب في الأرجنتين سمي "الرقصة"، وفي الفلبين "حفلة عيد الميلاد"، وفي اليونان "مقبلات" و"حفلة شاي".
لعل أبشع هذه الخيانات خيانة معنى العقاب. فالعقاب في اللغة ما يَعْقُب الشيءَ، أي ما يأتي بعده، أما في التعذيب فيأتي العقاب قبل الاعتراف والإقرار والمحاكمة. وحين تستخدم السلطة الألم لتوليد الأدلة، تعاقب شخصاً ثبت عندها جرمه فتؤلم جسده حتى ينتج لها الكلام الذي تريده. وبذلك يُفسِد التعذيبُ اللغةَ والقانونَ بضربةٍ واحدة.
يمتدّ أثر هذه اللغة إلى ما وراء أسوار السجن، حيث تتسرب ألفاظ الأجهزة إلى أسر المعتقلين وإلى المجال العام، فيتعلم الناس أن يسموا الاختفاء "استدعاء"، والابتزاز "تسوية"، والخوف "حيطة". وقد يكرر الناجون أنفسهم مفردات السجان لأنهم لا يجدون غيرها لوصف تجربتهم. بهذا المعنى، لا تكون استعادة الكلمات ترفاً أدبياً، فقبول أسماء النظام يعني قبول التقسيم الذي أقامه بين البريء والمذنب، والتحقيق والتعذيب، والمستشفى والمشرحة. تبدأ الحقيقة من تسمية الأفعال بأسمائها، لكنها لا تنتهي عند ذلك.
حين يدخل الاعتراف المنتزع بالتعذيب ملف القضية، يتحول التعذيب من انحرافٍ وقع قبل المحاكمة إلى مساهمٍ في تكوين الحقيقة القانونية نفسها. يكتب المحقق الكلمات التي يريدها، ويوقّع المعتقل عليها، ثم يستقبلها القاضي وكأنها قول المتهم. يختفي الألم من الأوراق ولا يبقى إلا "الاعتراف". وهكذا تترجم مؤسسة الأمن قوتها المادية إلى جملةٍ مكتوبةٍ، ثم تمنحها المحكمة أثراً قانونياً. ولذلك لا يكفي أن يحاكم النظام الجديد بعض من مارسوا التعذيب، فعليه أيضاً أن يفحص الأحكام والملفات والتصنيفات التي بناها النظام السابق على كلامٍ صنعه الألم.
يهدم التعذيب كذلك إمكان الإشهاد. فالشهادة فعلٌ قانونيٌ يفترض إنساناً يستطيع أن يرى ويتذكر ويتكلم، ومجتمعاً يستطيع أن يسمع ويصدق. أما التعذيب فيهدف إلى تقليص الذات الإنسانية واضمحلالها أمام سلطة الدولة. يصف راتب شعبو كيف توقظ المحنُ الكبيرةُ الحواسَّ المباشرةَ على حساب كلّ ما هو حضاريٌّ، حتى يبدو السجن، على تشييده المنظم، غابة. تنقلب فيه معاني التحضر: يصبح الليل وقتاً للرعب لأن السجناء يعجزون عن رؤية ما يحدث، وتصبح الأعياد أوقاتاً للجوع والألم لأن السجانين في عطلة. وفي لفتةٍ موجعةٍ يقول شعبو إن "تَدْمُر تُدَمِّر"، فيختلط اسم الحضارة العتيقة بآلة الوحشية المستحدثة.
تعيد لجان الحقائق للشهادة معناها. لا تستطيع المحاكمة الجنائية إعادته، فهي تنتقي من كلام الضحية ما يثبت مسؤولية متهمٍ بعينه، وفق قواعد الإثبات وموضوع الدعوى. أما لجنة الحقيقة فتستطيع أن تتيح للناجي رواية ما يتجاوز الواقعة الجنائية المحددة: حياة السجن اليومية، وأسماء الممارسات، وتسلسل الأوامر، وصلات الفروع الأمنية بالمحاكم والمستشفيات، وما فعله الخوف بالأسر والأحياء. لا يكون السرد عندئذ ملحقاً بالدليل، بل يصبح نفسه وسيلةً لكشف النظام الذي جعل التعذيب ممكناً.
لكن إتاحة الكلام لا تعني إلزام كل ناجٍ بأن يتكلم علناً. قد يكون الصمت وسيلةً لحماية الذات، وقد يعيد الاستجواب غير المنضبط إنتاج شعور العجز أو يحول الألم إلى مادةٍ للفرجة. ينبغي أن يظل للضحية الحقُّ في اختيار وقت الشهادة وطريقتها، وفي حجب الاسم وفي التوقف، وفي الحصول على دعمٍ نفسيٍ وقانوني. فقيمة لجنة الحقيقة لا تقاس بعدد القصص المؤثرة التي تعرضها، بل بقدرتها على بناء فضاءٍ يملك فيه الناجي كلامه بعد أن كان السجان يملكه.
وعندما يتحدث الناجون علناً، يمكن وصل الآلام التي عاشها كل فردٍ في عزلة. فمع كلّ وصفٍ تقريبيٍ لما حدث، يعيد الناجي ترتيب ألمه داخل إطارٍ يمكّنه من السيطرة على روايته، ويتيح للآخرين المشاركة فيها. لا تستطيع اللغة أن تنقل الألم كاملاً، لكنها تستطيع أن تردّه إلى العالم المشترك. ويمكن تسمية هذا الفعل "إعدال اللغة"، أي تجريد مفردات التعذيب من المعاني التي فرضها السجان، وإعادة "الاستقبال" و"الضيافة" و"التعليم" و"العقاب" إلى معانيها الإنسانية.
ويبدأ هذا الإعدال بجمع الشهادات في أرشيفٍ مغلق. على أن الحقيقة تحتاج إلى جمهورٍ في جلساتٍ يستطيع الناس متابعتها، وتقارير بلغةٍ مفهومةٍ، ومناهج تعليميةٍ ووسائل إعلامٍ تعيد ما كشفته اللجنة إلى المجتمع. وفي الوقت نفسه تحتاج إلى حفظٍ منضبطٍ للوثائق يحمي خصوصية الضحايا ولا يعرضهم للانتقام. فالحقيقة الانتقالية تقع بين واجبين قد يتعارضان، واجب الكشف العام، وواجب حماية من شاركوا المجتمع شهاداتهم. ويقاس نجاح اللجنة بقدرتها على الموازنة بينهما.
روى الناشط السوري مازن الحمادة، الذي مات معتقلاً، في لقاءٍ نُشر سنة 2020 عن مستشفى 601 العسكري وعن أوس سلوم المسمى "عزرائيل صيدنايا" أنه كان يتجول مخموراً بين المعتقلين المرضى حاملاً قضيباً من حديدٍ، ويخبرهم أن المحكمة الإلهية حكمت عليهم بالخلاص، أي إن موعد قتلهم قد حان. صار المستشفى مكاناً للتعذيب، وانقلب الحفاظ على حياة المريض إلى إبقائه حياً للإيلام أو تصفيته بعيداً عن الأنظار.
ووثق الروائي والباحث السوري جابر بكر في روايته "المحاكمات الإلهية 601" المنشورة سنة 2017 تصفية المعارضين في مستشفى يوسف العظمة، المعروف بمستشفى المزة العسكري. يحمل المستشفى اسم البطل السوري الذي استشهد في معركة ميسلون ضد الفرنسيين، لكن النظام حوّل المكان الذي يستدعي اسمه التضحية دفاعاً عن الشعب إلى مكانٍ للتنكيل به. هنا تجسيدٌ لخيانة معنى المستشفى وتعنيفٌ للذاكرة الجمعية أيضاً.
ويلغي التعذيبُ رغبةَ المريض في التعبير الدقيق عن ألمه. ففي التطبيب العادي يسعى المريض إلى وصف الألم بحثاً عن أذنٍ صاغية. أما في السجن فيحاول المعتقل كتم صراخه، لأن الصرخة – وهي التعبير السابق للّغة – تصبح انتصاراً للسجان. وتروي شهادات الناجين قصص أطباء قدموا الأدوات أو صمموا أساليب التعذيب، وعالجوا المعتقل كي يتعرض للتعذيب مراراً وتكراراً، أو موّهوا آثار الجريمة. ويذكر شعبو دخوله عيادة الأسنان لخلع ضرسٍ، وكاد يختنق من قسوة "الطبيب" الذي لم يسأله أيّ ضرسٍ يؤلمه. ويمتد هذا التورط بعد موت المعتقل. فالطبيب الذي يكتب سبب وفاةٍ كاذباً، والمستشفى الذي يخفي الجثة، والموظف الذي يحجّم إنساناً إلى رقمٍ، يكملون عمل غرفة التعذيب بإزالة آثاره.
لهذا ينبغي ألا تقتصر الحقيقة السورية على أسماء المحققين والسجانين. عليها أن تكشف عن سلاسل المشاركة الطبية، عمّن فحص المعتقلين، ومن أعادهم إلى جلسات التعذيب، ومن أخفى أسباب الوفاة أو زوّر التقارير، ومن حاول إنقاذهم. تستطيع اللجنة، عبر جمع شهادات المرضى والعاملين وفحص سجلات المستشفيات والمشارح، أن تميز الطبّ من التعذيب المقنّع بلباسه، وأن تمهد للمحاسبة الجنائية والمهنية، وتفتح باب إصلاح المؤسسات الصحية. فاستعادة الثقة بالطب لا تأتي من إعلان براءته بقدر الكشف عن مواضع تورطه وحماية من قاوموا هذا التورط.
على هذا، فالحقيقة لا يضمنها مجرد تشكيل لجنة. إذ إن الولاية الضيقة قد تمحو فئاتٍ من الضحايا، وغياب الموارد قد يوقف العمل، في حين تستطيع لجنةٌ مدعومةٌ أن تبني أساساً للمساءلة القضائية. وتظهر حالات أمريكا اللاتينية هذه المسارات المتباينة. بدأت بوليفيا تجربتها بعد انتهاء سلسلة الحكومات العسكرية التي حكمت البلاد منذ سنة 1964، فأنشأت "اللجنة الوطنية للتحقيق في حالات الاختفاء القسري". ضمت اللجنة ممثلين عن الحكومة والبرلمان ومنظمات حقوق الإنسان وذوي المفقودين، لكنها حُلّت سنة 1984 قبل إتمام عملها. أما الأرجنتين فأنشأت لجنتها في 15 ديسمبر 1983، بعد أسبوعٍ من تولّي راؤول ألفونسين الرئاسة، ومنحتها دعماً سياسياً ومدةً محددةً، فجمعت آلاف الإفادات ووثّقت قرابة تسعة آلاف حالة اختفاء. وفي تشيلي اقتصرت الولاية على حالات القتل والاختفاء التي أفضت إلى الوفاة، واستبعدت التعذيب الذي لم يؤدّ إلى الموت.
اكتسبت فكرة لجان الحقيقة شهرةً عالميةً بعد سقوط نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا سنة 1994. تأسس النظام سنة 1948 على تشريعاتٍ صارمةٍ قسّمت السكان إلى فئاتٍ عرقيةٍ متمايزةٍ، وحرمت الأغلبية السوداء من حقوقها السياسية والمدنية، وفرضت عليها الفصل في السكن والتعليم والعمل والزواج. وخاض السود وحلفاؤهم من بقية الأعراق نضالاً طويلاً تصدّره حزب "المؤتمر الوطني الإفريقي" ورمزه نيلسون مانديلا، وانتهى إلى إلغاء تشريعات الفصل العنصري، وعقدت أول انتخاباتٍ ديمقراطيةٍ عامةٍ سنة 1994، ففاز فيها المؤتمر الوطني الإفريقي وتولّى مانديلا الرئاسة. أسّست الحكومة الجديدة لجنة الحقيقة والمصالحة في 1995 واستمرت أعمالها حتى 2002.
وفي السياق العربي أنشأ المغرب سنة 2004 "هيئة الإنصاف والمصالحة" لمعالجة انتهاكات سنوات الجمر والرصاص. ففي الفترة بين ستينيات القرن العشرين وثمانينياته، طالت قوى المعارضة المغربية اليسارية انتهاكاتٌ جسيمةٌ تضمّنت التعذيب والإخفاء والاعتقال التعسفي. وعلى غرار تجارب أمريكا اللاتينية وجنوب إفريقيا، لم تهدف الهيئة لمحاسبة المسؤولين جنائياً ولا حتى ذكر أسماء الجناة أو الذات الملكية. بل عوضت بعض المتضررين وقدمت توصيات بالإصلاح.
اختلفت التجربتان في مقاصدهما ونتائجهما. أرادت لجنة جنوب إفريقيا تحقيق العدالة عبر كشف حقيقة الانتهاكات، وإتاحة مساحةٍ للضحايا والشهود، ومنح عفوٍ مشروطٍ بالاعتراف الكامل. جذبت الجلسات العلنية أنظار العالم لأنها جعلت الكلام جزءاً من الانتقال السياسي. أما التجربة المغربية فجمعت بين الاستماع إلى الضحايا والتعويض المادي وتقديم توصياتٍ لتغيير السياسات داخل الدولة، لكنها أظهرت أيضاً حدود لجنةٍ تعمل تحت سقفٍ سياسيٍ يمنع تسمية المسؤولين.
وجّه محمود ممداني إلى تجربة جنوب إفريقيا اعتراضاً ينبغي أن يكون حاضراً في سوريا. فحاجج في مقاله "آمنيستي أور إمبيونيتي [. . .]" (عفو أم حصانة؟ نقدٌ أوليٌّ لتقرير لجنة الحقيقة والمصالحة في جنوب إفريقيا) المنشور سنة 2002 في مجلة دياكتريكس أن اللجنة "فَرْدَنَت" الضحايا، أي صوّرت مصابهم والأذى الذي وقع عليهم مصاباً وأذىً فرديّاً، مع أن الفصل العنصري استهدف جماعاتٍ وقرىً وعرقياتٍ بأسرها. وحين تختزل الجريمة البنيوية في قصص أفرادٍ، قد تتحول المصالحة إلى تفاهمٍ بين الدولة ونخبةٍ من المعارضين، وتبقى المؤسسات والعلاقات التي أنتجت العنف على حالها. وحذّر عالم الإناسة الأمريكي ريتشارد آشبي ويلسون في كتابه "ذا بوليتيكس أوف تروث آند ريكونسايليشنز إن ساوت أفريكا" (سياسات الحقيقة والمصالحة في جنوب أفريقيا) المنشور سنة 2001، من أن تفرض اللجنة سردية موحدة على المجتمع باسم المصالحة. في حين رأى أستاذ القانون في جامعة ييل بروس آكرمان في كتابه "ذا فيوتشر أول ليبرال ريفوليوشن" (مستقبل الثورة الليبرالية) المنشور سنة 1992، أن ملاحقة مظالم عقود كاملة قد تهدر القدرة المحدودة للدولة الانتقالية وتخلق شهداء جدداً بدلاً من إنصاف الضحايا.
انتقد ممداني أيضاً إغفال لجنة الحقيقة والمصالحة البنيةَ القانونيةَ المزدوجة التي قام عليها نظام الفصل العنصري. فقد ميّز هذا النظام بين قوانين قائمةٍ على خطاب الحقوق موجّهة للسكان البيض، وتقاليد عرفية تُطبّق على السكان السود وتستخدم أداةً لإدارة السلطة وتقسيم المجتمع. وادعى النظام أن "احترام" عادات وتقاليد المجتمعات السوداء في جنوب إفريقيا بالسماح لهم بالتحاكم لأعرافهم الخاصة بدلاً من النظام القانونيّ الحديث الذي يساوي بينهم وبين السكان البيض. ومع أن القوانين العرفية لم تُسَنّ إلا سنة 1891، إلا أن نظام الفصل العنصري صورها جزءاً من "طبيعة" المجتمعات السوداء، فساهم بذلك في ترسيخ استبداد زعماء القبائل وبطشهم وفسادهم. وبقيامها على ثنائية الضحية الأسود والجاني الأبيض وابتعادها على المحاكمات القانونية، أسهمت هذه اللجان في بقاء هذا التمايز في المجتمع الأسود، إذ لم تسمح بنيتها أن يكون الأسود ضحيةَ فصلٍ عنصريٍّ وفي الوقت نفسه جانياً ضدّ أسود آخر.
ينبه ممداني أيضاً إلى أن التركيز على الانتهاكات الكبرى قد يحجب العنف اليومي الذي صنع النظام. فالنظام القمعي يقوم على غرف التعذيب، ويضيف إليها القوانين والتصنيفات والامتيازات وشبكات الوشاية والخوف التي توزع الأدوار بين المجتمع والدولة. وإذا حصرت اللجنة عملها في الحالات الأفظع، فقد تجعل التعذيب استثناءً ارتكبه أفرادٌ منحرفون، لا ممارسةً استندت إلى ترتيبٍ كاملٍ للسلطة. وفي سوريا ينبغي ألا يحجب صيدنايا بقية جغرافيا العنف المؤسسية، ولا أن تحجب صور الجلادين الأسئلة عن المحاكم والأطباء والموظفين والمخبرين ومراتب القيادة.
هذه الاعتراضات لا تنفي الحاجة إلى لجنةٍ للحقيقة، لكنها تحدد شروطها. لا ينبغي أن تجمع اللجنة قصصاً مؤثرةً فحسب، بل عليها أن تصل كلّ شهادةٍ بالمؤسسة والممارسة والجماعة التي استهدفها العنف. ولا ينبغي أن تصنع روايةً رسميةً مغلقةً أو أن تمنح عفواً شاملاً، بل أن تفتح سجلاً عاماً قابلاً للمراجعة، وتحيل ما تجمعه من أدلةٍ إلى القضاء. عندئذ لا تكون الحقيقة مقابلاً للعدالة، بل شرطاً لتوسيعها من معاقبة الأفراد إلى فهم النظام وإصلاح المؤسسات.
في المقابل، ترى أستاذة القانون في جامعة هارفارد مارثا منو في دراستها "ذا هوب فور هيلينغ" (أمل التعافي) المنشورة سنة 2010، أن المحاكمات النظامية، حتى حين تنجح، يبقى أثرها محدوداً. إذ تعجز عن تحقيق أهدافٍ لا تقلّ أهميةً للمجتمعات الخارجة من عنفٍ واسع: ترميم كرامة الناجين ومداواة مجتمعاتٍ مزقتها الكراهية. وقد يؤدي تجاهل هذا الضرر إلى تكريس آثار الانتهاكات وفتح دواماتٍ جديدةٍ من الانتقام. وفي كتابها "غلوبلايزنغ ترنزيشنل جَستس" (عولمة العدالة الانتقالية) المنشور سنة 2014، ترى أستاذة القانون في جامعة نيويورك روتي تيتل – التي صكّت مصطلح العدالة الانتقالية في ثمانينيات القرن العشرين – أن طقوس العدالة الانتقالية تمنح المجتمع بديلاً من الاستجابات القائمة على الثأر، إذ تجعل التغيير متدرجاً ومنضبطاً، وتتيح له ممارسة قواعد النظام السياسي الذي يسعى إلى بنائه. لكن هذه الآمال تسمو على إنشاء اللجنة، إذ تتحقق بقدر ما تجمع اللجنة بين إنصاف الضحايا، وكشف البنية، وحفظ الأدلة، والإحالة إلى القضاء، وإلزام الدولة بإصلاحاتٍ قابلةٍ للقياس.
وتحتاج اللجنة كذلك إلى استقلال عن الحكومة الانتقالية وعن القوى التي قد ترغب في استخدام الماضي لتثبيت شرعيتها في الحاضر. ينبغي أن تمثل تنوع الضحايا والمناطق والجماعات، وأن تفسر معايير اختيار القضايا والشهود، وأن تنشر ما تعجز عن التحقيق فيه مثلما تنشر ما توصلت إليه. فشتان بين ادعاء الإحاطة بكلّ شيءٍ وبين الثقة، لأن هذه تنبع من الاعتراف بحدود المعرفة، وإتاحة نقد التقرير، وحفظ الأرشيف كي تستطيع أجيالٌ لاحقةٌ إعادة قراءته.
لا يعني ذلك انتظار اكتمال الحقيقة قبل بدء المحاكمات أو الإصلاح. يمكن للمسارات أن تعمل معاً، أي أن تحيل اللجنةُ الأدلةَ العاجلةَ إلى النيابة، وتصدر تقارير مرحليةً عن مؤسسةٍ أو ممارسةٍ، وتوصي بتعليق مسؤولين أو حماية موقعٍ أو فتح أرشيف. وتستطيع المحاكمات أن تمنح اللجنة وثائق وشهاداتٍ من دون أن تختزل مهمتها في خدمة الادعاء. المهم أن تحدد القواعد منذ البداية ما يبقى سرياً، وما ينشر، وكيف يستخدم الكلام الذي أدلى به الناجون، حتى لا تصبح دعوتهم إلى الشهادة مرةً أخرى فقداً جديداً للسيطرة على أصواتهم.
يتجاوز معنى الصمت غياب الكلمات. إنه اغتراب الفرد في مواجهة سلطةٍ تستهدف تفكيك المعاني وإعادة تشكيلها لخدمتها. بعض من سِيمُوا العذاب واجهوا صدمةً سلبتهم اللغة وحصرت ألمهم في عزلةٍ يعجزون عن وصفها. لذلك فإن إعادة الاعتبار للكلمة ليست نشاطاً رمزياً زائداً على العدالة، بل جزءاً من إعادة بناء المجتمع. فحين تسود العدالة تستبدل الصمت بالخطاب، والاغتراب بالتضامن، وتمنح الضحايا فرصةً لاستعادة قدرتهم على التعبير من دون أن تختزل الحقيقة في كلامهم وحده.
يذكر شعبو كيف يهزّ الاعتقال والتعذيب مفاهيم التعبير، فيقول: "نحن في سجن تدمر لسنا حيوانات ونستطيع أن نقول إننا جائعون، ولكننا لا نستطيع، وليس في السجن من يمتلك إحساس الأم وطريقتها في التفكير". ربما كان ما تحتاجه سوريا، من خلال لجنةٍ للحقيقة ترافق المحاكمات ولا تحلّ محلها، أن تعيد تطويع اللغة لتخدم المظلوم، وأن تكوّن مجتمعاً يسمع الألم ويفهمه قبل أن يطالبه بالصمت أو النسيان. عندئذٍ يستردّ الناجون أصواتهم كما يستردّ القانون والطب والمجتمع معانيها التي سلبها التعذيب.

