معبر سبتة.. شريان اقتصادي وساحة للسيادة والهجرة والصراع

على امتداد عقود، تغيرت وظيفة معبر سبتة بتغير العلاقة بين المغرب وإسبانيا. من شريان للتجارة والحياة اليومية، إلى حدود أوروبية محصنة، ثم ساحة للأزمات الدبلوماسية والهجرة والصراع على السيادة.

Share
معبر سبتة.. شريان اقتصادي وساحة للسيادة والهجرة والصراع
معبر صغير تتراكم فوقه قضايا أكبر منه | تصميم خاص بالفراتس

كان البحر، صباح الثلاثين من يوليو 2026، أقصر الطرق إلى أوروبا. عند الطرف الجنوبي لمدينة سبتة، اندفع  نحو ثمانين ألفاً من المغاربة نحو المياه المحاذية للحدود التي تفصل المدينة الخاضعة لإسبانيا عن الجانب المغربي. بعضهم خاض البحر سباحة، وبعضهم تشبث بالعوامات، فيما اتجه آخرون نحو السياج والبوابات الحدودية. في ساعاتٍ قليلةٍ، وصل إلى الضفة الأخرى عابرون منهكون ومبتلون، فيما حاولت عناصر الأمن الإسبانية استعادة السيطرة على حدودٍ، بدت للحظة وكأنها فقدت معناها. وخلف الأسلاك، بدت سبتة لمن بلغوها أول قطعة من أوروبا.

وسط أخطاء الجغرافيا التي اقترفها التاريخ، تنبجس سبتة عند المدخل الجنوبي لمضيق جبل طارق، مدينةً مغروسة في شمال إفريقيا ومفتوحة على جنوب أوروبا. وعند طرفها الشرقي يقع المعبر الذي يسميه المغاربة "معبر سبتة"، ويحمل في الإسبانية اسم "طاراخال" نسبة لأشجار الطرفاء المنتشرة نواحي المدينة. ظل هذا المعبر عقوداً أشبه بحبلٍ سريٍ يصل المدينة بمحيطها المغربي، وشرياناً أساساً لحركتها اليومية واقتصادها، في مدينة صغيرة لا تتجاوز مساحتها تسعة عشر كيلومتراً مربعاً.

لم يحمل هذا الخط الفاصل دائماً المعنى نفسه. إذ تغيرت وظيفة الحدود بتغير موقع سبتة نفسها عبر التاريخ، حتى فقدت معناها في فترة الحماية الإسبانية بين 1912 و1956 التي فُرضت على شمال المغرب. وقتئذ جرت الحركة بين تطوان وسبتة داخل مجال تسيطر عليه السلطة الاستعمارية ذاتها. مع استقلال المغرب سنة 1956، استعاد الخط معناه السياسي حداً فاصلاً بين بلدين، وبدأت مرحلة جديدة في تاريخ المعبر منحته -مع مرور العقود- أدواراً تتجاوز وظيفته الحدودية الأولى.

عبر قرون من الالتفات الإسباني لمعبر سبتة، تبدلت عنده رهانات الاقتصاد والهجرة والأمن والسيادة، وتبدلت وظيفته بتبدل العلاقة بين المغرب وإسبانيا. إذ تحول من شريان لاقتصاد حدودي قام لعقود على حركة الأشخاص والسلع، إلى معبرٍ مغلقٍ كشف حجم الاعتماد المتبادل بين سبتة ومحيطها المغربي. ثم ساحة انتقلت إليها الأزمات الدبلوماسية بين البلدين، قبل أن يصبح فتحه وتنظيم التجارة منه أحد مؤشرات التقارب بينهما. وفي الداخل الإسباني، انتقل المعبر من ملفٍ حدوديٍ إلى موضوع للصراع السياسي على الهجرة والسيادة والعلاقة مع المغرب، وميدان تتنافس فيه الأحزاب على تعريف التهديد وطريقة حماية واحدة من أكثر الحدود حساسية في جنوب أوروبا.


منذ منتصف القرن الخامس عشر، كانت سبتة حاميةً عسكريةً منغلقةً على محيطها، أكثر منها مدينة مفتوحة على الحركة والاستقرار. استولى البرتغاليون على المدينة وبعدهم الإسبان بعد توقيع معاهدة لشبونة 1668. واستخدمها الإسبان حصناً وسجناً يُؤوي المجرمين. وفرضت السلطات الإسبانية قيوداً على إقامة المسلمين داخلها. وظل المغاربة ممنوعين من المبيت في المدينة، يدخلونها مع طلوع الفجر للتجارة والتموين، ويغادرونها مع غروب الشمس. وحتى منتصف القرن التاسع عشر، ظل الوجود الإسلامي الدائم فيها محدوداً للغاية، إذ تشير إحصائيات إسبانية رسمية سنة 1850، إلى وجود عدد قليل من المتطوعين الجزائريين في الجيش الإسباني لم يتجاوز عشرين شخصاً.

هذه الرقعة الحدودية الصغيرة كانت سبباً في نشوب حربٍ كبيرةٍ بين المغرب وإسبانيا عُرفت بحرب تطوان بين سنتي 1859 و1860. بدأت الأزمة عندما شرعت الحامية الإسبانية في توسيع منشآتها خارج الحدود المعتادة للمدينة، في خطوة اعتبرها مغاربة من قبائل أنجرة المجاورة تجاوزاً غير مشروع، فهاجموا المنشآت الجديدة وهدموا أجزاء منها ومزقوا العلم الإسباني في أغسطس 1859. 

استغلت حكومة الملكة إيزابيل الثانية الحادث، في سياق أزمة سياسية داخلية كانت تعيشها إسبانيا، لتعلن الحرب على المغرب رسمياً في 22 أكتوبر من السنة نفسها. قاد الجنرال ليوبولدو أودونيل حملةً عسكريةً كبيرةً دخلت مدينة تطوان في فبراير 1860 واحتلتها نحو عامين، قبل أن تنتهي الحرب بتوقيع معاهدة وادي راس التي فرضت على المغرب شروط صلح قاسية، على رأسها تعويضات استنزفت الخزانة المغربية ورهنت موانئ المغرب ومواردها لتحصيل الغرامات الإسبانية.

كانت حرب تطوان نقطة تحول دفعت إسبانيا إلى التفكير في إخراج سبتة ومليلية من طابعهما العسكري وتحويلهما إلى مدينتين قائمتين على النشاط التجاري. فصغر مساحة المدينتين ومحدودية مواردهما الاقتصادية، جعلا استمرار اعتمادهما على وظيفة الحامية العسكرية وحدها غير كافٍ لضمان نموهما. لذلك اتجهت إسبانيا إلى توظيفهما وظيفة اقتصادية تقوم على التجارة الحرة وتشجيع حركة السلع، في محاولة لإعادة تشكيل المدينتين بعد قرون طغى فيها الطابع العسكري. 

تُرجم التحول نحو الوظيفة التجارية لسبتة ومليلية رسمياً في مرسوم صدر في 18 مايو 1863، أعلن موانئ المدينتين والجزر المتوسطية مناطق للتجارة الحرة. سمح النظام الجديد بدخول البضائع إلى الموانئ والخروج منها دون أداء الرسوم الجمركية الموجهة إلى خزينة الدولة، مع الإبقاء على الرسوم المحلية الخاصة بالموانئ والبلديات. وخُصصت تلك الرسوم لتوسعة مرافق الميناء وتحديثها. وأسهم النشاط التجاري الجديد في تغيير وجه سبتة، إذ بدأت المدينة تعرف نمواً سكانياً متسارعاً مع قدوم مهاجرين من شبه الجزيرة الإيبيرية ومن محيطها المغربي. تعزز هذا التحول مع إغلاق سجون سبتة ومليلية سنة 1906، لتتراجع تدريجياً صورة الحامية والسجن التي لازمت المدينتين، لصالح صورة مدينتين تقومان على التجارة والحركة والاستقرار السكاني. 

فقدت الحدود بين سبتة ومحيطها المغربي غرضها في الفصل السياسي والبشري، مع بسط إسبانيا حمايتها على شمال المغرب ابتداءً من سنة 1912. إذ صارت سبتة ومليلية رأسا جسرٍ للحملات العسكرية الإسبانية في المنطقة. وأصبحت المدينتان - للمغرب- مرتبطتين بمجال شمالي أوسع يخضع للسلطة الاستعمارية نفسها. ولم يعد الخط الفاصل عند سبتة يؤدي وظيفة الحدود بين دولتين، بل تحولت الحركة بينها وبين مدن الشمال إلى حركة داخل مجال النفوذ الإسباني نفسه. حتى إن خطاً للسكك الحديدية وصل تطوان بمدينة سبتة. في تلك المرحلة، انتقل المعنى الفعلي للحدود إلى الخطوط التي فصلت منطقة الحماية الإسبانية في الشمال عن منطقة النفوذ الفرنسي في بقية المغرب.

استعاد معبر سبتة طابعه الحدودي مع حصول المغرب على استقلاله سنة 1956. بانتهاء الحماية الإسبانية شمال المغرب، انحسر الوجود الإسباني مجدداً في سبتة ومليلية والجزر المتوسطية، وعاد الخط الفاصل عند سبتة يشكل حدوداً بين المغرب وإسبانيا. وبدأت تتراكم عند هذا الخط الصغير وظائف ومصالح، جعلته مع مرور الزمن واحداً من أكثر المعابر حساسية في المنطقة. فإلى جانب وظيفته الاقتصادية شرياناً يصل المدينة بمحيطها المغربي، ظل المعبر مرتبطاً بالخلاف على سيادة إسبانيا على سبتة، قبل أن تضاف إليه لاحقاً رهانات الهجرة والأمن، وحماية الحدود الأوروبية. 

أصبح معبر سبتة مساحةً تتقاطع عندها قضايا تتجاوز حجمه الجغرافي، بداية من العلاقات المغربية الإسبانية والسيادة، ووصولاً إلى حركة التجارة والهجرة والمآسي الإنسانية التي تصاحب محاولات العبور نحو الشمال.


دخل معبر سبتة القرن الحادي والعشرين محمّلاً بوظائف تتجاوز دوره نقطةً لعبور الأشخاص والبضائع. إذ أصبح منفذاً من منافذ الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي، وجزءاً من منظومة مراقبة الهجرة، ومجالاً يفرض تعاوناً أمنياً بين المغرب وإسبانيا. وظلت قضايا السيادة حاضرة في كل تعامل رسمي عبره.

على أن علاقة سبتة بالمغرب لها خصوصيةٌ ميزتها عن مليلية. إذ ارتبطت مليلية بالمغرب عبر جمارك تجارية رسمية قائمة منذ عقودٍ طويلة، بينما ظل معبر سبتة دون مركز جمركي تجاري معترف به بين البلدين حتى توقيع الاتفاق المغربي الإسباني في 7 أبريل 2022. لكن غياب الجمارك الرسمية لم يعُق كثافة الحركة الاقتصادية عبر المعبر، بل ساهم في نشاط اقتصاد حدودي قائم على حركة حرة  للأشخاص والسلع في اتجاه الأسواق المغربية.

ضاعفت الجغرافيا من أهمية سبتة في هذه العلاقة. فالمدينة لا تطل على مجال مغربي هامشي أو معزول، بل تقع مباشرة بمحاذاة منطقة تطوان والمضيق والفنيدق. وفي نطاق قريب من طنجة، وترتبط بشبكة الطرق والمواصلات بالمراكز الاقتصادية والسكانية الكبرى في المغرب كالدار البيضاء والرباط وفاس. جعل هذا الموقع محيطها المغربي سوقاً طبيعياً وامتداداً بشرياً واقتصادياً يصعب على المدينة الانفصال عنه، ومنح معبرها وزناً يتجاوز بكثير حجم سبتة ومساحتها.

ومع انضمام إسبانيا إلى المجموعة الأوروبية سنة 1986، غدا "طاراخال" (خط الحدود الإسباني) منفذاً حدودياً بين المغرب وأوروبا كلها. وأصبحت قضايا الهجرة والأمن وحركة الأشخاص التي أُديرت في السابق بين المغرب وإسبانيا، مرتبطة بقواعد وسياسات تصدر عن المؤسسات الأوروبية. 

تعزز هذا التحول مع انضمام إسبانيا إلى اتفاق "شنغن" سنة 1991، ثم دخوله حيز التطبيق منتصف التسعينيات بفتح الحدود بين دول الاتحاد الأوروبي. منذ ذلك الحين، لم يعد العبور إلى سبتة يعني الوصول إلى مدينة إسبانية، بل إلى إحدى نقاط الدخول إلى فضاء أوروبي. ومع ذلك، صار لسبتة استثناءاتٌ فرضتها خصوصية ارتباطها بمحيطها المغربي. إذ استمر السماح لسكان المناطق المغربية المجاورة بالعبور إليها في إطار حركة حدودية محلية، دون الخضوع لشروط التأشيرة المطبقة على بقية القادمين من خارج الفضاء الأوروبي، شرط المكوث أربعاً وعشرين ساعة فقط. كان الحفاظ على هذه الحركة ضرورياً لاقتصاد المدينة التي ارتبط جزء أساس من نشاطها اليومي والتجاري بمحيطها المغربي. 

لكن إدماج الحدود في المنظومة الأوروبية لم يغير الوضع القانوني لمعبر سبتة فقط، بل أعاد تعريف وظيفته الأمنية. كانت خصوصية موقع المدينة عاملاً إضافياً في زيادة الضغط على معبرها مقارنة بمليلية. فمع تنامي الهجرة غير النظامية نحو أوروبا، تحولت سبتة تدريجياً إلى إحدى نقاط الضغط على الحدود الجنوبية للاتحاد الأوروبي، يقصدها مهاجرون مغاربة ومن بلدان أخرى سعياً إلى بلوغ التراب الأوروبي براً أو بحراً. وبقدر ما ازدادت أهمية هذا المسار، توسعت إجراءات المراقبة وانتقلت الحدود من فضاء مرن في حركة الأشخاص إلى منطقة تخضع لمنظومة أمنية متنامية لضبط الهجرة ومكافحة التهريب والاتجار غير المشروع.

في منتصف التسعينيات، أخذ التحول الأمني لمعبر سبتة شكلاً مادياً واضحاً مع إقامة السياج الحدودي حول المدينة، ثم تعزيز الحاجز تدريجياً بتجهيزاتٍ ووسائل مراقبة متطورة. لم يعد الخط الفاصل بين أوروبا والمغرب مجرد حدودٍ ترابيةٍ، بل منظومة أمنية هدفها ضبط حركة العبور ومنع الهجرة غير النظامية. بمرور السنوات، أصبحت صورة السياج الصورةَ المعبِّرة عن سبتة، ورمزاً لتحولها في عقود قليلة من مجال مرن الحركة إلى واحدة من أكثر نقاط الحدود الأوروبية تحصيناً ومراقبة. حتى غدا الحاجز السلكي أحد أبرز تجليات ما يوصف بـ"القلعة الأوروبية" على الضفة الجنوبية للمتوسط. 

لم تتوقف المنظومة الأمنية عند اليابسة، بل امتدت إلى البحر. اعتمدت إسبانيا النظام المتكامل للمراقبة الخارجية لمتابعة الحركة على سواحلها الجنوبية وفي مياه مضيق جبل طارق. لكن تشديد المراقبة لم يوقف حركة الهجرة، بل أعاد تشكيل مساراتها. فكلما أُحكمت الرقابة على طريق، اتجه المهاجرون إلى مسالك بديلةٍ أطول وأخطر، فيما تواصلت محاولات الوصول إلى سبتة عبر السياج أو البحر. هكذا تحولت إدارة الحدود إلى سباقٍ متواصلٍ بين تطوير وسائل المراقبة، والبحث عن طرقٍ جديدةٍ لتجاوزها. 

لم تقتصر كلفة تحصين حدود سبتة على الجانبين الأمني والمالي، بل امتدت لتحصّل كلفة إنسانية متزايدة. فقد أثار السياج ووسائل المراقبة جدلاً متواصلاً بشأن فعاليتها في مقابل ما تسببت فيه محاولات اجتيازها من إصابات ووفيات ومواجهات متكررة. وشهد محيط معبر مدينة سبتة تبايناً ملحوظاً في إحصائيات الوفيات المسجلة بين الروايات الرسمية والتقارير الحقوقية، لاسيما في ذروة موجات التدفق الجماعي في أواخر يوليو 2026. وأعلنت السلطات المحلية الإسبانية في سبتة عن انتشال جثامين 88 ضحية في تلك الذروة. في المقابل، رفعت بعض المنظمات الحقوقية التقديرات إلى 141 قتيلاً ومفقوداً. ويعكس هذا الارتفاع قفزة كبيرة مقارنة بسنة 2025 التي سُجلت فيها 46 وفاة. وتظل ظاهرة الغرق والتدافع والسقوط من المنحدرات الصخرية والسياج الحدودي الأسباب الرئيسة وراء هذه الفواجع كما ترصد دراسة زافير فيرير ولورنزو غابريللي "تري ديكُدُس دو بايوس إن سيوته إي مُلِيوه: [. . .]" (ثلاث عقود من الأسوار في سبتة ومليلية: [. . .]) المنشورة في أكتوبر 2024. 

في الوقت نفسه، كشفت هذه الحدود عن مفارقة أصبحت من السمات الأساس للعلاقة المغربية الإسبانية. فإسبانيا لا تستطيع إدارة حدود سبتة بمعزل عن المغرب. والمغرب، على موقفه التاريخي الذي يرفض السيادة الإسبانية على المدينة ويعدها أرضاً مغربية محتلة، أصبح شريكاً ضرورياً في ضبط الهجرة ومنع محاولات العبور نحوها.  

بهذا المعنى، لم تكن "أوربة" معبر سبتة مجرد انتقال من نظام حدودي إلى آخر. فقد تحولت نقطة العبور تدريجياً إلى مساحة تتقاطع فيها ثلاث قضايا شديدة الحساسية وهي أمن الحدود الأوروبية، والتعاون المغربي الإسباني في مجال الهجرة، والنزاع الضمني على السيادة على المدينة نفسها. 

جعلت أزمة جزيرة ليلى سنة 2002 معبر سبتة مسرحاً مباشراً للصراع على السيادة بين المغرب وإسبانيا. بدأت الأزمة في 11 يوليو، عندما تمركز عناصر من القوات المغربية في الجزيرة الصغيرة غير المأهولة الواقعة قبالة سواحل سبتة. واعتبرت إسبانيا هذه الخطوة محاولة مغربية لتغيير واقع سيادة إسبانيا على الجزر الجعفرية. من ثم، تدخل الجيش الإسباني في 17 من الشهر نفسه لإخلائها وإعادة الوضع إلى ما كان عليه.

بعد التدخل العسكري، اقتاد الحرس المدني الإسباني الجنود المغاربة الذين كانوا في الجزيرة إلى معبر سبتة لتسليمهم إلى السلطات المغربية. لم يكن اختيار المعبر مكاناً للتسليم إجراءً هامشياً محضاً، بل تحولت الحدود ساعتها إلى مشهدٍ سياسيٍ مرئيٍ يجسد المواجهة بين الطرفين. وأصبحت صور الجنود المغاربة وهم يعبرون تحت حراسة عناصر إسبانية من أبرز الصور التي اختزلت الأزمة ورمّزيتها.

في الفيلم الوثائقي الذي بثته قناة موبيستار بلوس الإسبانية عن أزمة جزيرة ليلى بعنوان "بيريخل" في يوليو 2025، تحدث خوسيه ماريا أثنار، رئيس الحكومة الإسبانية السابق عن بعض تفاصيل التدخل العسكري. وكشف أن اختيار دولته تسليم الجنود المغاربة عبر المعبر الحدودي من طرف الحرس المدني لا الجيش الإسباني، كان إشارة مفادها أنهم ليسوا أسرى حرب. فيما ذهب خابيير ثارثاليخوس، كاتب الدولة لدى رئيس الحكومة الإسبانية آنذاك، في الوثائقي نفسه إلى أن تسليمهم بأيدي الحرس المدني كان إشارةً رمزيةً للتهدئة، ونفي صبغة انتصار عسكري مهين وحصر الأمر في مجرد عملية عسكرية لوحدات خاصة للجيش الإسباني.  

ظل التناقض يحكم علاقة البلدين بمعبر سبتة. فمقابل تعاون أمني متزايد في إدارة الحدود، يظهر حذر مغربي من أي إجراءٍ قد يمنح هذه الحدود طابعاً رسمياً يُفهم إقراراً بالسيادة الإسبانية على المدينة. فما تتعامل معه إسبانيا حدوداً ينبغي ضبطها وتنظيمها رسمياً، تنظر إليه المغرب خطاً لا ينبغي أن تتحول إدارته العملية إلى اعتراف سياسي بوضعه.

لم يعد ما يحدث في سبتة شأناً حدودياً محلياً لإسبانيا. ففتح المعبر أو إغلاقه وتشديد المراقبة فيه أو تخفيفها وتنظيم حركة الأشخاص والسلع عبره، أصبحت قرارات تحمل دلالات تتجاوز إدارة الحدود نفسها. وتظهر هذه الوظيفة واضحةً  في السنوات اللاحقة، حين يصبح المعبر واحداً من الأماكن التي تنتقل إليها أزمات المغرب وإسبانيا، وفي الوقت نفسه أحد المؤشرات العملية على مستوى التقارب بينهما.


لم يكن الصراع على معبر سبتة سياسياً وسيادياً فقط. فعلى امتداد عقود، نشأت علاقة اقتصادية شديدة التشابك جعلت سبتة في حاجة إلى محيطها المغربي بقدر حاجة آلاف الأسر شمال المغرب إلى النشاط التجاري الذي تتيحه المدينة. من هذه العلاقة الاقتصادية، بدأ منذ نهاية العقد الثاني من الألفية أحد أكبر التحولات التي عرفها المعبر، وهو انتقاله من فضاء يقوم عليه اقتصاد حدودي موازٍ إلى أداة تعكس التحولات الاقتصادية في المنطقة.

تعود جذور هذا النموذج إلى الوضع التجاري الخاص لسبتة. في 22 ديسمبر 1955، صدر قانون جديد يُعدل قانون "موانئ التجارة الحرة" الصادر سنة 1863. جعل هذا القانون نشاط التجارة الحرة يشمل كامل تراب مدينتي سبتة ومليلية عوض موانئها فقط، رافعاً بذلك القيود الجمركية وباقي الضرائب عن جميع السلع. كان الهدفُ وقتئذ الدفعَ باقتصاد المدينتين إلى الأمام.  

سنة 1956 جاء استقلال المغرب الذي دفع سبتة ومليلية إلى البحث عن أنشطة اقتصادية جديدة، بعد انكماش الروابط التي نشأت فترة الحماية الإسبانية شمال المغرب. مع الوقت، ترسخت فيهما ما عُرف بتجارة "البازارات"، القائمة على استيراد تجار سبتة سلعاً منخفضة الثمن من أسواق آسيوية وإعادة بيعها. 

تعزز هذا النشاط ابتداء من سنة 1969، حين أغلق نظام الجنرال فرانشيسكو فرانكو الحدود البرية مع جبل طارق. وأصبح على الإسبان المقيمين في شبه الجزيرة الإيبيرية والباحثين عن السلع المستوردة منخفضة الثمن، أن يعبروا إلى الطرف الجنوبي لمضيق جبل طارق للتسوق في سبتة ومليلية. 

بعد إعادة فتح الحدود الإسبانية مع جبل طارق سنة 1986، تراجعت أهمية السوق الإسبانية لهذا النشاط. إذ اتجه سكان شبه الجزيرة الإيبيرية إلى استهلاك السلع المعروضة في جبل طارق، لنظامها الجمركي المنخفض نسبياً، ولتوفير تكلفة التنقل عبر البواخر. كانت النتيجة الحتمية أن أصبح السوق المغربي متنفساً وحيداً للتجارة الحرة بسبتة، التي حاول تجارها تلبية الحاجيات التي تتطلبها هذه السوق لاسيما في المناطق الشمالية للمغرب. فالآلاف من المغاربة ظلوا عقوداً طويلةً يجتازون الحدود مع سبتة ومليلية لجلب السلع المهربة وبيعها، بحكم التهميش الاقتصادي والتنموي الذي طال منطقة الشمال في تلك الفترة وارتفاع نسب البطالة.

نشأ بذلك اقتصاد حدودي موازٍ يقوم على فارق الأسعار والوضع الجمركي الخاص للمدينة وعلى حركة يومية كثيفة للأشخاص والبضائع. عبَر آلاف المغاربة نحو سبتة لشراء السلع ونقلها إلى المغرب، بينما استفادت المدينة الإسبانية من سوقٍ كبيرةٍ تقع خلف حدودها مباشرةً. ومع ارتفاع البطالة وضعف الفرص الاقتصادية في مناطق واسعة من شمال المغرب، تحول هذا النشاط، على طابعه غير الرسمي، إلى مصدر رزق لعدد كبير من الأسر. 

بلغ هذا الارتباط ذروته قبيل نهاية العقد الثاني من الألفية. ففي سنة 2019، قُدرت قيمة تجارة التهريب في سبتة ومليلية بمبلغ يتراوح من المليار إلى مليار ونصف يورو سنوياً، نصفها للمتاجرة ما بين سبتة والأراضي المغربية. أما الأرقام الرسمية الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط بالمغرب، فقد قدرت أن نشاط التهريب في سبتة ومليلية يمثل نحو 40 بالمئة من حجم الاقتصاد غير المهيكل على المستوى الوطني. ويوفر مصدر رزق لما يقارب أربعمئة ألف شخص في المغرب.

على امتداد سنوات، استفادت جميع الأطراف من هذا النظام التجاري غير الرسمي، إذ شكل صمام أمان اقتصادي للطرفين. فمن جهة، جنت إسبانيا عائدات مالية تدعم اقتصاد سبتة، وعلى الجهة الأخرى تسامحت السلطات المغربية مع هذا النشاط التجاري لتجنب مواجهة مشكلة البطالة بالمناطق الشمالية.

مثَّل المعبر أكثر من مجرد نقطة عبور، بل شرياناً اقتصادياً نشأت حوله مصالح متبادلة على جانبي الحدود. لكن الأسس التي قام عليها هذا النموذج بدأت تتغير. فمنذ مطلع الألفية، أطلق المغرب مشاريع كبرى لإعادة تشكيل اقتصاد شمال البلاد، من ميناء طنجة المتوسط والمناطق الصناعية إلى شبكات الطرق والسكك الحديدية، وتأهيل مدن قريبة من سبتة مثل الفنيدق والمضيق. وبقدر ما أصبح الشمال أكثر اندماجاً في الدورة الاقتصادية الوطنية، بدأت تتراجع الحاجة إلى إبقاء اقتصاد حدودي كامل قائماً على تهريب السلع من سبتة. 

تنبه بعض الاقتصاديين الإسبان مبكراً إلى هذا التحول. ففي تحليل "إيل فوتورو ايكونوميكو دي لاس سيودادس أوتومنوماس اسبانيولاس" (المستقبل الاقتصادي للمدينتين المستقلتين الاسبانيتين) الصادر سنة 2009، اعتبر الباحث الاقتصادي بجامعة غرناطة ميغيل أنخيل بيريث كاسترو أن "النموذج الاقتصادي والتجاري القائم في سبتة ومليلية لا يمكن أن يستمر في ظل المتغيرات التي يعرفها محيط المدينتين". ودعا إلى البحث عن نموذجٍ جديدٍ يقوم على الانضمام للمنظومة الجمركية للاتحاد الأوروبي وإنشاء جمارك تجارية مع المغرب، ووضع نظام مالي جديد ومراجعة الضريبة المحلية وضخ استثمارات عمومية وخاصة قوية بهما تراعي التنمية المشتركة مع المحيط المغربي.

في سنتي 2018 و2019، شرع المغرب في تفكيك جانب من اقتصاد الحدود القديم. فاتخذت السلطات سلسلة إجراءات للحد من تجارة التهريب، وخضعت حركة السلع عبر سبتة لقيود متزايدة. لم تكن هذه الإجراءات معزولة عن تحول أوسع في نظرة المغرب إلى المنطقة الحدودية. إذ أصبحت السيطرة على حركة الأشخاص والبضائع جزءاً من سياسة تسعى إلى تقليص الاقتصاد غير المهيكل، وتعزيز ارتباط مناطق الشمال بالمراكز الاقتصادية المغربية الجديدة. 

اتخذ التحول أيضاً بعداً سياسياً ورمزياً. ففي يوليو 2019، وجهت وزارة الخارجية المغربية مذكرة تمنع كبار المسؤولين وحاملي جوازات السفر الرسمية من استعمال معابر سبتة ومليلية. وهي  خطوة أظهرت مجدداً أن الحركة عبر المعبر لا تنفصل عن موقف المغرب من الوضع السيادي للمدينتين. مع نهاية السنة، كان الاقتصاد الذي عاش عقوداً على سهولة الحركة بين جانبي الحدود يدخل مرحلة انكماش لم يعد بعدها إلى صورته السابقة. 

ثم جاءت جائحة كورونا لتقترب الحركة من حدود الانقطاع. فمع إغلاق الحدود في ربيع 2020، توقف العبور الذي شكل جزءاً من الحياة اليومية في سبتة والفنيدق معاً. ما بدأ قبل ذلك تحولاً اقتصادياً وسياسياً للحد من التهريب تحول، بفعل الجائحة، إلى انفصال بين جانبي الحدود استمر فترة طويلة. 

بررت الحكومة المغربية قرارها بإغلاق هذه الحدود، بمكافحة "تنامي ظاهرة التهريب"، وما يترتب عليها من آثار سلبية على الاقتصاد الوطني والتجارة القانونية بمختلف أنحاء المغرب. هذا الإجراء طرح على المغرب تحدي توفير بدائل اقتصادية واجتماعية لجميع الفئات التي اعتمدت في معيشها اليومي على التهريب قبل إغلاق المعبر الحدودي.

منذ ذلك الحين، برزت أزمة اقتصادية حادة أثرت على جانبي الحدود، وزادت من وطأتها تداعيات الجائحة. بمدينة الفنيدق المغربية المحاذية سبتة، فقدَ حوالي عشرة آلاف شخص وظائفهم ومصادر دخلهم المباشرة نتيجة إغلاق المعبر. 

وفي السنة نفسها، خصصت السلطات المغربية نحو 37 مليون يورو لدعم التنمية الاقتصادية بمدن الفنيدق والمضيق وتطوان، مع التركيز على إنشاء منطقة صناعية مجاورة المعبرَ الحدودي.

على الجانب الآخر من المعبر، واجهت مدينة سبتة سلسلة من التحديات الاقتصادية والاجتماعية نتيجة التدابير التي اتخذها المغرب. وفقاً لتقرير "ثيوتا إي مليلية أو كومو كونبيرتير أونا غرابيه كريثيث إن لا ميهور دي لاس أوبورتونيداديث" (سبتة ومليلية، كيف نحول أزمة خطيرة إلى واحدة من أحسن الفرص) أعده الباحثان الإسبانيان بوستيلو غلافيث وشانديراماني راميش كيسي سنة 2020، ففي شهر يناير 2020 انخفض حجم الواردات إلى مدينة سبتة بنسبة 40 بالمئة مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق. وهو ما أظهر التأثير المباشر لإغلاق المعبر الحدودي في وجه النشاط التجاري والاقتصادي بالمدينة. تزامن أثر إغلاق معبر سبتة مع تداعيات جائحة كورونا، ما فاقم من حدة الأزمة الاقتصادية والاجتماعية بمدينة سبتة وقطع شريان الحياة على معبرها الحدودي.

لم يكن إغلاق المعبر مجرد توقف فرضته الجائحة، بل مساراً بدأ بتفكيك اقتصاد حدودي استمر عقوداً. وحين انقطعت الحركة، بدا أن معبر سبتة لن يعود إلى ما كان عليه قبل 2019، قبل أن يدخل بعد عامٍ واحد فقط مرحلة جديدة ساحةً لأزمة دبلوماسية مباشرة بين المغرب وإسبانيا.


تحول معبر سبتة في مايو 2021 إلى قلب واحدة من أخطر الأزمات الدبلوماسية بين البلدين، بدأت خارج سبتة. ففي أبريل من السنة نفسها، استقبلت إسبانيا زعيم جبهة البوليساريو إبراهيم غالي للعلاج سرياً. وقدمت استضافته قراراً إنسانياً، بينما عد المغرب استقباله والموقف الإسباني قضية سياسية تمس أحد أكثر ملفاته الخارجية حساسية.

بعد أسابيع فقط، انتقل الخلاف من القنوات الدبلوماسية إلى الحدود. فبين يومي 17 و19 مايو من السنة نفسها، دخل إلى سبتة نحو عشرة آلاف من المغاربة في تدفق غير مسبوق في فترة زمنيةٍ قصيرةٍ. وفي غضون ساعاتٍ، تحول معبر سبتة من معبرٍ مغلقٍ منذ أشهر إلى مركز أزمةٍ استنفرت الحكومة الإسبانية والجيش ووسائل الإعلام. أزمةٌ أوضحت هشاشة حدود أوروبية يعتمد ضبطها، في جانب كبير منه، على مستوى التعاون بين المغرب وإسبانيا. 

اجتياح مهاجرين الحدودَ من جهة المغرب في ذروة الأزمة السياسية والدبلوماسية بين المغرب وإسبانيا، جعل العديد من المحللين والسياسيين الإسبان يشير بأصابع الاتهام إلى السلطات المغربية. واتهم خوان خوسي بيباس حاكمُ مدينة سبتة المغربَ مباشرةً في الضلوع في تدفق المهاجرين. وفضل الحزب الشعبي تحميل المسؤولية رئيسَ الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز، وألح عليه في ضرورة حماية السيادة الإسبانية. أما حزب فوكس اليميني المتشدد فقد دعا الحكومة الاشتراكية إلى وقف دعم المغرب المالي في مجال محاربة الهجرة غير النظامية. وذهبت منظمة العفو الدولية في تقريرها الصادر بُعيد الأزمة، إلى انتقاد كل من المغرب وإسبانيا لتوظيفهما المهاجرين "مثل قطع شطرنج في لعبة سياسية". 

أثار هذا الحادث رد فعل من جانب الاتحاد الأوروبي. ففي قراره الصادر في 10 يونيو 2021، أدان البرلمان الأوروبي "استخدام الهجرة أداةً للضغط السياسي"، وندد "باستخدام القاصرين لأغراضٍ سياسيةٍ". مؤكداً أن "سبتة تمثل حدوداً خارجيةً للاتحاد الأوروبي، ويتعين احترامها". في اليوم التالي، هاجم بيان عن وزارة الخارجية المغربية البرلمان الأوروبي.

وصل رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز إلى سبتة في ذروة الأزمة، وبعده سنتياغو أبسكال زعيم حزب فوكس اليميني المتشدد الذي طالب "بضرورة عسكرة المعبر الحدودي لتفادي غزو جديد من طرف المغرب". في المقابل استدعت المغرب سفيرتها في مدريد للتشاور. وتراجع مستوى التعاون بين البلدين، وامتدت تداعيات الأزمة إلى ملفات أخرى، من بينها عملية "مرحبا" التي يُنظمها المغرب لعبور المغاربة المقيمين في الخارج سنوياً، ما يعني وقف مرور حوالي ثلاثة ملايين ومئتي ألف مغربي من التراب الإسباني متوجهين إلى المغرب عبر موانئ الجزيرة الخضراء وطريفة وبرشلونة. أصاب التحركُ الاقتصادَ الإسباني بخسارة قدرتها الحكومة الإسبانية بخمسمئة مليون يورو لقطاع الموانئ وشركات النقل البحري الإسبانية، علاوة على ألف ومئة مليون يورو من المداخيل الناتجة عن مصارف متعددة منتظرة من الجالية المغربية خلال فترة العبور. 

داخل مدينة سبتة، احتدم الصراع بين اليمين المتطرف الإسباني الممثل بحزب فوكس وسياسيين محليين ينتمون لأحزاب محلية تمثل مسلمي المدينة. اتهمهم فوكس في جلسة للمجلس البلدي بسبتة بأنهم "موالون للمغرب" و"طابور خامس"، ما أدى إلى تصعيد حاد في التوتر السياسي داخل المدينة، وأجبر رئيس المجلس البلدي على تعليق عدة جلسات عامة  للمجلس. 

لكن الأزمة نفسها جعلت إعادة ضبط الحدود جزءاً من مسار المصالحة بين البلدين الذي بدأ في الأشهر التالية. كانت أول خطوة من الجانب الإسباني عزلَ وزيرة الخارجية أرنتشا غونزاليث لايا التي استضافت زعيم البوليساريو بإسبانيا، في تعديل وزاري في 10 يوليو 2021، وتعويضها بالدبلوماسي خوسي مانويل ألباريس الذي شغل وقتها منصب سفير إسبانيا بفرنسا. وبدأت قنوات الاتصال بين المغرب وإسبانيا تستعيد نشاطها. في مارس 2022، بعث بيدرو سانشيز رسالة إلى الملك محمد السادس اعتبرت فيها الحكومة الإسبانية المبادرةَ المغربيةَ للحكم الذاتي في الصحراء، الأساس الأكثر جدية وواقعية وصدقية لحل النزاع. 

تُوج التحول بزيارة سانشيز إلى الرباط في السابع من أبريل 2022 وإصدار بيان مشترك أعلن نهاية الأزمة وفتح مرحلة جديدة في العلاقات بين البلدين. لم يكن معبر سبتة غائباً عن ترتيبات المصالحة. إذ عاد هذه المرة لا ساحة للتوتر، بل  أحدَ الأماكن التي ينبغي أن تظهر عليها نتائج التقارب، وذلك بإعلان استعادة حركة الأشخاص، وتنظيم عبور البضائع وإنشاء مركز جمركي تجاري في سبتة.

حين أعيد فتح المعبر تدريجياً في مايو 2022، لم تعد الحدود إلى النظام الذي عملت وفقه قبل الإغلاق. توقفت تجارة التهريب وأصبحت حركة العبور أكثر تنظيماً وارتباطاً بجوازات السفر والتأشيرات والتصاريح القانونية. فالمغاربة القاطنون بالمناطق المحاذية سبتةَ ممن كانوا يدخلون المدينة يومياً من دون تصاريح، بات يسمح لهم بالدخول شريطة أن يكون لهم  عمل قار وقانوني بسبتة. كان ذلك يعني نهاية الإعفاء من تأشيرة شنغن للدخول إلى سبتة ومليلية، وكان ساكنة المناطق المجاورة للمدينتين يدخلونهما بلا تأشيرة. وهكذا لم تؤد المصالحة إلى إحياء اقتصاد الحدود القديم، بل دشنت محاولة لبناء نموذج جديد يقوم على ضبط حركة الأشخاص والبضائع. 

جسَّد ملف الجمارك التجارية هذا التحول. إذ أعادت القمة المغربية الإسبانية المنعقدة في الرباط في فبراير 2023 التأكيد على الترتيبات الجديدة الخاصة بالمعابر، لكن الانتقال من الاتفاق السياسي إلى العمل الفعلي استغرق وقتاً أطول. وتأخر تشغيل الجمارك التجارية، قبل أن يبدأ العبور التجاري عبر سبتة في يناير 2025 في خطوة عدتها الصحافة المحلية في المدينة حدثاً تاريخياً. 

في سنوات قليلة فقط، تغيرت وظيفة معبر سبتة أكثر من مرة. ففي 2019 كان المعبر أداةً لتفكيك اقتصاد حدودي قديم، وفي 2020 كشف إغلاقه حجم الاعتماد المتبادل بين سبتة ومحيطها المغربي. وفي مايو 2021 تحول إلى مركز مواجهة دبلوماسية تجاوزت البلدين إلى الاتحاد الأوروبي، ثم عاد منذ 2022 ليصبح أحد المؤشرات التي تقاس بها عودة العلاقات إلى طبيعتها.


انتقل معبر سبتة تدريجياً إلى قلب الصراع السياسي داخل إسبانيا. إذ كشفت أزمة العبور الجماعي في مايو 2021 هذا التحول بوضوح. فقد أعادت طرح المعبر اختباراً لقدرة الدولة على حماية حدودها وسيادتها، وفي الوقت نفسه معياراً لتقييم سياسة الحكومة مع المغرب. 

لم تولد المخاوف الإسبانية من سبتة وحدودها مع المغرب مع أزمة 2021، بل سبقتها بعقود. في كتابه "لا أولتيما غيرا كون مارويكوس سيوتا أي مليلية" (الحرب الأخيرة مع المغرب، سبتة ومليلية) المنشور سنة 1983، تنبأ الصحفي الإسباني دومينغو ديل بينو بأن الحرب الأخيرة لإسبانيا مع المغرب ستكون بسبب سبتة ومليلية. يرى ديل بينو أن المطالب المغربية بسبتة ومليلية والجزر المتوسطية ليست ظرفية أو طارئة، وأنها ليست ورقة للتفاوض، لاقتناع المغاربة بأن وحدتهم الترابية لن تستكمَل دون إلحاق هاتين المدينتين بالمغرب. 

مع ترسيخ النظام الديمقراطي الإسباني بعد عودة الملكية، استقرت سبتة ومليلية ضمن القضايا التي يصعب على الأحزاب الرئيسة الخروج فيها عن الإجماع الوطني. ففي كتابه "سيوتا إي مليلية، كويستيون دي استادو" (سبتة ومليلية، قضية دولة) الصادر سنة 1999، اعتبر الباحث الإسباني بجامعة كومبلوتنسي في مدريد ديونيسيو غارثيا فلوريس أن "وضع المدينتين تحول، منذ مرحلة الانتقال الديمقراطي، إلى قضية دولة، فلا يكاد حزب سياسي إسباني رئيسي يضع سيادة إسبانيا عليهما موضع تساؤل".

لكن الإجماع على السيادة لم يعنِ إجماعاً على الطريقة التي ينبغي بها حمايتها، ولا على كيفية إدارة العلاقة مع المغرب أو الهجرة عبر حدودهما. ومع تعاقب الأزمات عند معبر سبتة، أخذت هذه الاختلافات تتضح. فمن منظور الحكومة الاشتراكية، ارتبط استقرار الحدود بالحفاظ على علاقة قابلة للتعاون مع المغرب، بينما جعل الحزب الشعبي اليميني المحافظ من أمن سبتة وقدرة الحكومة على مواجهة الضغوط المغربية معياراً للحكم على سياستها الخارجية. أما حزب فوكس اليميني، فذهب أبعد من ذلك، إذ وضع المعبر داخل خطاب يقوم على التهديد والسيادة والغزو وعسكرة الحدود. 

بدأت هذه التباينات تظهر بوضوح مع التحولات التي عرفها المعبر بين سنتي 2019 و2020. فبعد الإجراءات المغربية التي أنهت تدريجياً نموذج التهريب المعيشي، ثم إغلاق الحدود مع انتشار جائحة كورونا، وجد اقتصاد سبتة نفسه أمام وضع غير مسبوق. لم يعد الخلاف يدور فقط على الأضرار التي أصابت التجارة المحلية، بل على الطريقة التي ينبغي لإسبانيا أن تتعامل بها مع قرارات مغربية تُغيِّر بصورة أحادية - من وجهة النظر الإسبانية- شروط الحياة على حدود المدينة. 

تعاملت الحكومة الاشتراكية مع إغلاق الحدود بسبتة ومليلية في إطار الظروف الاستثنائية التي فرضتها جائحة كورونا، متجنبةً تحويله إلى مواجهة دبلوماسية مفتوحة مع المغرب. وصرح وزير الداخلية الإسباني ضمن جلسة بمجلس الشيوخ في شهر مارس 2022 أن إغلاق المعبر الحدودي بسبتة نتيجة اتفاق بين البلدين يعطي الأولوية لمواجهة الجائحة.

في المقابل، اتخذ الحزب الشعبي موقفاً أكثر حدة من طريقة الحكومة في إدارة أزمة الحدود. ولأنه يحكم مدينة سبتة منذ سنوات طويلة، تحرك على مستويين، محلي ووطني. فطالب الحكومة المركزية بالتعامل مع ما يجري مشكلةً تتجاوز إجراءات العبور المؤقتة. ودعا إلى إنشاء لجنة وزارية مختلطة خاصة بسبتة ومليلية، لمواجهة ما اعتبره قرارات أحادية الجانب من المغرب. وطلب وضع نموذج اقتصادي بديل للمدينتين بعد تراجع الاقتصاد الحدودي الذي اعتمد لعقود على الحركة التجارية مع المغرب. وكانت القراءة السائدة داخل اليمين التقليدي في سبتة ترى أن تقليص الحركة الحدودية يهدد بخنق المدينة اقتصادياً، وأن على إسبانيا ألا تكتفي برد فعل ظرفي، بل أن تعيد التفكير في موقع سبتة داخل الاقتصاد الإسباني وفي طبيعة علاقتها بمحيطها المغربي.

أما حزب فوكس، فنقل النقاش منذ البداية من الاقتصاد وإدارة الحدود إلى الهجرة والسيادة والتهديد الأمني. فمنذ صعوده انتخابياً في المدينة، ربط الحزبُ بين الهجرة والسيادة والأمن القومي، وطالب بتشديد التحصينات الحدودية وإقامة "جدار أكثر صرامة" يفصل سبتة ومليلية عن المغرب. بل دعا سنتياغو ابسكال زعيم حزب فوكس في 29 مارس سنة 2019 إلى أن يتحمل المغرب تكلفة تشييده. وطالب في مناسبات مختلفة بعسكرة الحدود وتشديد سياسة التأشيرات على المغاربة. أصبح هذا القاموس أكثر حضوراً بعد أزمة مايو 2021، إذ وجد الحزب فيما وقع عند معبر سبتة حدثاً يمكِّنه من توظيف الخطاب الذي بناه طوال السنوات السابقة عن الحدود والهجرة. 

شكلت أحداث مايو 2021 نقطة التحول الكبرى في تسييس معبر سبتة داخل إسبانيا. فدخول نحو عشرة آلاف شخص إلى المدينة في فترة زمنية وجيزة لم يُقرأ مجردَ أزمةِ هجرة، بل سرعان ما انتقلت اللغة المستخدمة من الحديث عن تدفق المهاجرين إلى سلامة الأراضي الإسبانية والسيادة الوطنية. وأكد رئيس الحكومة بيدرو سانشيز أن حكومته تضمن وحدة أراضي سبتة وأمن مواطنيها، وأنها ستستخدم الوسائل الضرورية لذلك. وفي ذروة الأزمة، زار سانشيز المدينة، وانتشرت القوات الإسبانية في شوارعها وعلى حدودها. وهكذا تحولت أزمة بدأت في سياق خلاف دبلوماسي مع المغرب إلى اختبار لقدرة الدولة الإسبانية على حماية حدودها الخارجية وسيادتها. 

لكن الإجماع على ضرورة حماية سبتة لم يمنع الخلاف على المسؤول عن وصول العلاقات مع المغرب إلى تلك النقطة. استخدم الحزب الشعبي الأزمة لمهاجمة حكومة سانشيز، معتبراً أن سوء إدارة العلاقة مع المغرب جعل الحدود عرضة للضغط المغربي. ووصف حاكم المدينة خوان خيسوس بيباس ما وقع بالغزو، وطالب بوضع سبتة ومليلية تحت حماية أكبر، واستُحضرت داخل خطابه عبارات ذات حمولة تاريخية عن الصراع بين إسبانيا والمغرب. لم يعد المهاجر في هذا الخطاب فرداً يحاول اجتياز الحدود، بل أصبح جزءاً من تهديد أوسع للسيادة الإسبانية. 

وذهب حزب فوكس أبعد من الحزب الشعبي في تفسير الأزمة والرد عليها. فدعا عبر لجنة الدفاع في البرلمان الإسباني إلى تعزيز حماية سبتة ومليلية في إطار حلف شمال الأطلسي. 

وكشفت الأزمة بذلك عن تنافس داخل اليمين الإسباني نفسه على من له الخطاب الأقدر على الدفاع عن الحدود والسيادة. فبينما دفع فوكس النقاش نحو الهجرة والهوية والتهديد الخارجي، حاول الحزب الشعبي مجاراته في ملف الأمن من دون تبني خطاب قد يفاقم الانقسام الاجتماعي داخل المدينة التي يديرها.

وعلى الجانب الآخر من الخريطة السياسية، كشفت الأزمة أيضاً اختلافاً داخل اليسار. تبنى حزب بوديموس موقفاً أكثر ارتباطاً بقضية الصحراء الغربية وحق تقرير المصير، وهو موقف مغاير لموقف الائتلاف اليساري الحاكم. ولم يكن هذا الاختلاف جديداً، إذ سبق أن أثارت ماريا ايزابيل مورا، عضو مجلس الشيوخ الإسباني عن بوديموس (أحد أحزاب الائتلاف الحاكم)، جدلاً واسعاً بإسبانيا بعدما نقل عنها أنها شككت في إسبانية مدينة سبتة أثناء مشاركتها في ندوة بمدينة مارتيل المغربية في مارس 2016. ما دفع الحزب في مناسبات لاحقة إلى التأكيد على انتماء المدينتين إلى الدولة الإسبانية وتجنب الخروج عن الإجماع القائم على سيادتهما. 

تحول هذا الاختلاف إلى أزمة سياسية داخل الائتلاف الحاكم نفسه في مارس 2022، عندما أعاد سانشيز صياغة موقف إسبانيا من قضية الصحراء، معلناً تأييد حكومته مبادرةَ الحكم الذاتي المغربية. أنهى هذا التأييدُ الأزمةَ مع المغرب ومهد لإعادة فتح الحدود، لكنه فتح في الوقت نفسه مواجهة سياسية جديدة داخل إسبانيا. إذ عارض حزبُ بوديموس التحولَ وتمسك بالدفاع عن حق تقرير المصير في الصحراء الغربية. أما الحزب الشعبي اليميني، فهاجم سانشيز بسبب الطريقة التي اتُخذ بها القرار، معتبراً أن رئيس الحكومة غيّر سياسة إسبانية استمرت عقوداً من دون توافق داخلي واسع أو نقاش كافٍ داخل المؤسسات. تحول ملف المغرب بذلك إلى إحدى نقاط الضعف التي استخدمتها المعارضة ضد الحكومة. ولم يعد السؤال عن الصحراء وحدها، بل بالثمن الذي دفعته إسبانيا مقابل استعادة علاقة مستقرة مع المغرب.

ظل معبر سبتة حاضراً في خلفية هذا الصراع حتى عندما كان الجدل المعلن يدور حول الصحراء. إذ كانت إعادة فتحه وتنظيم حركة الأشخاص والبضائع وإنشاء الجمارك التجارية من أبرز المؤشرات العملية التي قدمتها الحكومتان لإثبات عودة العلاقات إلى طبيعتها. وبقدر ما أصبح المعبر في أزمة 2021 دليلاً على انهيار الثقة، أصبح تشغيله بعد المصالحة دليلاً تستخدمه الحكومة للدفاع عن نجاح سياستها مع المغرب. 


أعادت أزمة عبور آلاف المغاربة الحدود في صيف 2026 معبر سبتة إلى موقعه نقطة حدودية ملتهبة. إذ تحول المعبر مجدداً إلى مساحة اختبار لعلاقات البلدين، تنكشف عبرها الانقسامات السياسية داخل إسبانيا، وتمتد ارتداداتها إلى الاتحاد الأوروبي. 

اندلعت الأزمة في سياق كان يوحي باستقرار نسبي في العلاقات بين المغرب وإسبانيا. فمنذ عودة التقارب بين البلدين في أعقاب أزمة الحدود السابقة، وتعزيز هذا التقارب بإعلان السابع من أبريل 2022 الذي التزم فيه الطرفان بتجنب الإجراءات الأحادية وتدبير الخلافات بالحوار، بدت الحدود هادئة. لكن جاء تدفق ثمانين ألفاً من المهاجرين نحو سبتة في أغسطس 2026 مفاجئاً، خصوصاً أنه تزامن مع احتفال العاهل المغربي بعيد العرش على بعد كيلومترات قليلة من المعبر الحدودي. 

حوّل حجمُ التدفق معبرَ سبتة سريعاً إلى حدث إخباري وسياسي دولي. في ساعاتٍ قليلةٍ، تناقلت وكالات الأنباء ووسائل الإعلام العالمية العبور الكبير، واضطر رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز إلى قطع إجازته في جزر الخالدات والعودة إلى مدريد، قبل أن ينتقل إلى سبتة لمتابعة تطورات الوضع ميدانياً. 

قادت الأزمة إلى توترٍ سياسيٍ سريع في العلاقات مع المغرب الذي وُجِّهَت إليه اتهامات إسبانية بتهديد سيادة جارته الشمالية على لسان سانشيز نفسه، مع حرص البلدين على الإبقاء على شعرة معاوية على المستوى الدبلوماسي والرسمي. ومن جهة ثانية ألقت الأزمة وقودها على مشهد داخلي سياسي مشتعل في إسبانيا، وحشرت رئيس الحكومة بيدرو سانشيز في زاوية ضيقة. إذ أطلق قبل شهور قليلة من هذه الأحداث، عملية تسوية استثنائية لأوضاع المهاجرين طالت مليوناً ومئتي ألف شخص، وهي السياسة التي انتقدها اليمين الأوروبي انتقادات واسعة داخل أروقة الاتحاد الأوروبي. ومع انفجار الوضع في سبتة، وجد خصوم الحكومة في المعبر دليلاً عملياً يربطون به بين اختيارات سانشيز في الهجرة وبين ما وصفوه بفقدان السيطرة على الحدود. 

وامتدت أزمة المعبر من سؤال الدخول إلى سؤال مصير من تمكنوا من الوصول إلى سبتة. فقد دافع الحزب الشعبي عن ترحيل جميع من دخلوا بطريقة غير نظامية، سواء كانوا بالغين أم قاصرين. واصطدم هذا الطرح بالتزامات إسبانيا القانونية الوطنية والدولية. إذ تنص المادة 35 من قانون الأجانب الإسباني ولوائحه التنفيذية على توفير حماية خاصة ورعاية استثنائية للفئات القاصرة، مما يجعل طرح الترحيل التلقائي أمراً غير قانوني. ثم انتقلت أزمة القاصرين من حدود سبتة إلى الجهات والأقاليم الإسبانية. فقد رفض الحزب الشعبي في عدد من المناطق التي يحكمها استقبالَ القاصرين أو توزيعهم من غير المصحوبين القادمين من المدينة ضمن الخطط التي وضعتها الحكومة، وانتقد قرار نقل خمسمئة فتاة قاصر إلى شبه الجزيرة الإيبيرية. وبذلك امتدت تداعيات ما وقع عند المعبر من مدينة حدودية صغيرة إلى مستويات مختلفة من الحكم داخل إسبانيا. 

ودفعت حدة الأزمة وما لاقته من هجوم واسع - حتى من داخل معسكرها اليساري- الحكومة الاشتراكية إلى تحويل ملف المعبر إلى مساءلة حكومية واسعة. فدعت إلى جولة من جلسات الاستماع أمام مجلسي النواب والشيوخ يشارك فيها ما يصل إلى سبعة وزراء، لتقديم توضيحات عن كيفية إدارة الأزمة. وحضرت وزيرات الشباب والدفاع والصحة لشرح الإجراءات التي اتخذتها وزاراتهن، وأسباب غيابهن في الأسبوعين الأولين من الأحداث. 

وثبتت وسائل الإعلام الإسبانية معبر سبتة رمزاً للسيادة أكثر منه مجرد فضاء للهجرة. فانتقلت التغطية سريعاً من أعداد المهاجرين ومسارات عبورهم إلى أسئلة عن قدرة الدولة على حماية حدودها، وعن المغرب مصدرَ ضغط محتمل، وعن إسبانية سبتة ومليلية. وتحول المعبر بذلك إلى نقطة يلتقي عندها خطاب اليمين عن الأمن والسيادة مع دفاع الحكومة الاشتراكية عن طريقة إدارتها العلاقةَ مع المغرب. 

وتجاوز المعبرُ سريعاً الإطارَ المغربي الإسباني ليصبح جزءاً من الخلاف الأوروبي على الهجرة. فقد دخلت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني على خط الأزمة في ظل خلافات سياسية فكرية أوسع مع حكومة سانشيز. اتخذت ميلوني إجراءاتٍ قيدت التنقل بين إيطاليا وإسبانيا، تحديداً بعض المسافرين غير الأوروبيين القادمين من الأراضي الإسبانية. فانتقلت تداعيات المعبر إلى داخل فضاء أوروبي يعاني أصلاً من انقسامات حادة على إدارة الهجرة والحدود. 

وكشفت وقائع معبر سبتة في 2026 اختلافاً أساساً عن أزمة 2021 في طبيعة العلاقة بين المغرب والاتحاد الأوروبي. وكان التعاون المغربي في الأزمة عاملاً أساساً في تجنب تحول الأحداث إلى مواجهة سريعة بين المغرب والاتحاد الأوروبي. وعلى ذلك، لم ينصِّب الاتحاد الأوروبي نفسه هذه المرة خصماً للمغرب مثلما حدث قبل خمس سنوات. إذ تزامنت الأزمة مع حديث عن زيادة التمويل المخصص للمغرب لمراقبة الحدود وإدارة الهجرة، ومع مساع أوروبية لإبرام شراكة استراتيجية وشاملة مع المغرب بحلول نهاية السنة. 

ويعكس تغير طريقة التعامل مع معبر سبتة تحولاتٍ أوسع في موقع المغرب وإسبانيا داخل التوازنات الإقليمية والدولية. فقد عزز المغرب علاقاته بالإدارة الأمريكية بقيادة دونالد ترامب سياسياً ودبلوماسياً وعسكرياً، ووسع حضوره في ملفات مضيق جبل طارق والساحل والصحراء وإفريقيا. مقابل ذلك، تعمقت بعض الخلافات بين إسبانيا وأمريكا على خلفية الحرب على غزة والحرب على إيران. وقابلت إسبانيا هذا التحول بتقوية علاقاتها مع الصين، ما أضاف بعداً جديداً إلى البيئة الدولية المحيطة بالمعبر. 

هذه التحولات جعلت معبر سبتة قابلاً للاستخدام في صراعات سياسية بعيدة عن حدود سبتة نفسها. فقد استغل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب صور التدفق الجماعي للمهاجرين، وبينهم أطفال وقاصرين، للدفاع عن تشديد الرقابة على الحدود داخل الولايات المتحدة. وقدّم ما حدث في سبتة مثالاً على المخاطر التي قد تنتج عن سياسات أكثر تساهلاً في ملف الهجرة. 

ويساهم غياب تفسير واضح لما وقع في أزمة 2026 بقدر من الغموض مقارنة بأزمة 2021. فقد اندلعت هذه المرة في ظل علاقة رسمية يطبعها التعاون منذ سنة 2022، الذي دعا إلى عدم اتخاذ إجراءات أحادية الجانب وتدبير الخلافات بالحوار، ومن دون صدور تفسير مغربي يوضح دوافع التدفق الجماعي. ورآه الجانبُ الإسباني هجوماً مغربياً على سيادته، إذ بات موضوع السيادة محور نقاش السياسيين ووسائل الإعلام الإسبانية، بينما حضرت قضية الصحراء بقلةٍ في النقاشات مقارنة بأزمة 2021. وكشف معبر سبتة أيضاً عن تحول داخل المجتمع السبتي نفسه في علاقته بالمهاجرين القادمين من المغرب. فقد برز موقف جزء من سكان سبتة المسلمين ذوي الأصول المغربية أثناء عمليات طرد المهاجرين غير النظاميين وملاحقتهم ورفض بقائهم داخل المدينة، وهو ما ساهم في ظهور توتر جديد بينهم وبين مغاربة يقيمون في المناطق المحيطة بالمعبر. وانتقل هذا التوتر إلى شبكات التواصل الاجتماعي في صورة خطابات حادة ومتبادلة، ما أظهر أن أثر المعبر لم يعد سياسياً ودبلوماسياً فقط، بل امتد إلى العلاقات الاجتماعية على جانبي الحدود. 

الرواية الرسمية الإسبانية لما جرى عند المعبر أخذت تتغير مع مرور الأسابيع. فبعد شهر من التدفق الجماعي، نفى رئيس الحكومة بيدرو سانشيز في حديث لإذاعة "كادينا سير"، مسؤوليةَ السلطات المغربية عن دفع المهاجرين نحو سبتة. واتهم اليمين المتشدد وشبكات مرتبطة بإسرائيل وروسيا بترويج معلومات زائفة عن دور المغرب. نقل هذا الموقفُ النقاشَ من سؤال المسؤولية المغربية المباشرة إلى الصراع على تفسير الأزمة نفسها. وأظهر أن معبر سبتة لم يعد ميداناً للخلاف بين المغرب وإسبانيا وحسب، بل أصبح أيضاً مادة في صراعات إسبانية ودولية على الهجرة والمعلومات والتدخل الخارجي. 

في الجانب المغربي، لم يؤد تحسن العلاقات مع إسبانيا إلى إبعاد سبتة عن القاموس السياسي والرمزي للسيادة. فقد استعادها وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد التوفيق، في كلمةٍ رسميةٍ ألقاها أمام الملك محمد السادس في سبتمبر 2025. إذ أشار التوفيق إلى أن كتاب "دلائل الخيرات" (كتاب يحوي نصوص دعوات منسوبة للنبي محمد) كان في القرن الخامس عشر من المصادر التي واكبت تعبئة المغاربة من أجل تحرير الأراضي المحتلة. ولاستحضار سبتة وتاريخ علمائها في هذا السياق دلالة تتجاوز البعد الديني أو التاريخي، لأنه أعاد ربط المدينة بذاكرة مقاومة الاحتلال واستكمال وحدة الأرض. وتكشف هذه الإشارة أن التعاون العملي بين المغرب وإسبانيا في الحدود والهجرة والتجارة لم يُنهِ اختلافهما في تعريف سبتة نفسها.


ما تزال الرؤية التقليدية لمسألة سبتة ومليلية تحكم التفكير السياسي الإسباني، الذي يقرأ كل أزمة عند الحدود تهديداً للسيادة، أو خطوة يسعى بها المغرب إلى استكمال وحدة أراضيه. في 15 يوليو 2026، أُزيل السياج الحدودي التاريخي الفاصل بين جبل طارق والأراضي الإسبانية، عقب اتفاق سياسي بين المملكة المتحدة وإسبانيا لتنظيم حركة العبور بعد خروج لندن من الاتحاد الأوروبي. وصف رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز الخطوة بأنها آخر جدار مادي في القارة الأوروبية.

على بعد كيلومتراتٍ قليلةٍ، في الضفة الجنوبية من المضيق، يروي معبر سبتة قصة مختلفة. فمنذ عقود، لم يكن مجرد بوابة يعبر منها الأشخاص والبضائع، بل تحوّل مع كل تبدل في العلاقات المغربية الإسبانية إلى شيء آخر. فمرة منفذاً اقتصادياً، ومرة جداراً أمنياً، ومرة أداة ضغط، ومرة عنواناً للمصالحة. تتغير وظيفته كلما تغيرت السياسة، حتى بات من الممكن قراءة حالة العلاقة بين المغرب وإسبانيا بما يحدث عند بواباته.

لهذا فإن قصة معبر سبتة ليست في النهاية قصة سياج حدودي. إنها قصة معبر صغير تتراكم فوقه قضايا أكبر منه، كالسيادة والهجرة والتجارة والأمن والدبلوماسية. قد تُفتح بواباته أو تُغلق، تتغير الجمارك من حوله وتتحرك الأسوار، لكن المعبر يظل في مكانه، شاهداً على علاقة متقلبة، ومؤشراً يكشف في كل مرة المسافة السياسية الفعلية بين ضفتيه. 

اشترك في نشرتنا البريدية