وأنا مثل أمي لا أحتاج إلى ضبط المنبّه كي أستيقظ كل صباح. فالوهن الذي ما إن أتهيأ للنوم حتى يعدّ عدّته، بارعٌ في تقمص دور المنبّه، منضبطٌ ونشيط. ومَن خاصمه النوم لا يجد صعوبةً في الاستيقاظ، إنما في النهوض، وشتّان بينهما. إنهاكٌ يسكن كل خليةٍ بلا هدنةٍ، فيوقظني على مراحل، لأقرر ببطءٍ ما إذا كنت أملك القوة الكافية لبدء يومٍ جديد. ليت الاستنزاف يكمن في الألم وحسب. إنه يتبدّى في محاولات إثباته حين لا تُلتقط المعاناة في صور الأشعّة ولا تؤكدها تحاليل الدم. كانت لحظةَ إدراكٍ صادمةً حين تحوّل سؤالي عن حالي منذ أعوامٍ إلى عبءٍ ثقيل. فمنذئذٍ صرت أحمل جسدي مغتربةً ومرغمةً، أتأبط ابتسامتي لأقول: أنا بخير.
رحلة البحث عن تفسيرٍ علميٍّ للآلام الخفية كانت طويلة: فحوصاتٌ متكررةٌ، وأطباء مختلفون، واحتمالاتٌ تتبدل مع كل زيارة. وفي كل مرةٍ كانت النهاية متشابهة: "شوية تشنجات. عليكِ بتجنّب الضغوطات النفسية". وجعٌ يستوطن مختلف أنحاء جسدي، لكنّه شبه غائبٍ عن الأوراق الطبية. حتى نصحتني صديقةٌ بأن أبحث في احتمال "الفايبروميالجيا" التي تعاني هي منها. كان هذا أول عهدي بِاسمٍ يمكن أن أضع تحته شيئاً مما يحدث في جسدي: متلازمة الألم العضلي الليفي. وهي حالة ألمٍ مزمنٍ ينتشر في أنحاء الجسم، وخصوصاً الأنسجة الضامة والعضلية. لم يكن الاسم جواباً نهائياً، لكنه بدا حينئذٍ اعترافاً أوليّاً بأن ما أشعر به ليس وهماً.
من هنا بدأتُ أبحث أكثر عن تفسيرٍ لما يحدث لأجسادٍ تشبه جسدي، ولنساءٍ صرن فيما صرتُ إليه، في المسافة الرمادية بين ألمٍ حقيقي وفحوصاتٍ لا تقول كثيراً. كلما اتسعت دائرة البحث، بدا لي أن قصتي ليست منفصلةً عن أسئلةٍ أكبر: كيف يفهم الطب آلام النساء؟ وماذا يحدث حين لا يجد لها تفسيراً واضحاً؟ وهل ما نعيشه بأجسادنا مرتبطٌ، ولو جزئياً، بما نعيشه خارجها؟ هذه الأسئلة لم تبدأ عند التشخيص المحتمل بالفايبروميالجيا، لكنها قادتني إليه. ومن ثم بدأتُ أعود إلى تاريخٍ طويلٍ من البحث الطبي، وأستبين كيف استُبعِدَت أجساد النساء في عمليات البحث وإنتاج المعرفة الطبية، وواقعٌ أنها أقل تصديقاً حين تتحدث عن الألم.
دفعتني الحيرة إلى مواصلة البحث، إلى أن اكتشفتُ أن تجربتي صفحةٌ في كتابٍ كبيرٍ من الحيف على النساء في المجال الطبي. فتاريخياً، لم تكن النساء ممثَّلاتٍ حقَّ التمثيل في جوانب مهمةٍ من الأبحاث الطبية والتجارب السريرية، فيما اتُّخذت أجساد الذكور في كثيرٍ من الدراسات مرجعاً أساساً لفهم المرض والاستجابة للعلاج. ففي الولايات المتحدة، قُيّدت مشاركة النساء القادرات على الإنجاب في بعض التجارب الدوائية – ولاسيما في المراحل المبكرة – أعواماً عديدةً، كما ذكر تقريرٌ نشره اتحاد المؤسسات الصحية بالولايات المتحدة في إبريل 2024 بعنوان "أن آي أتش إنكلوجن آوتريتش بوكلِت" (دليل التوعية والإدماج التابع للمعاهد الوطنية للصحة). ما حدا الكونغرس الأمريكي سنة 1993 إلى إلزام المعاهد الوطنية قانونياً بإدراج النساء في الأبحاث السريرية المموّلة حكومياً، وبإتاحة تحليل الفروق في تأثير التدخلات بين النساء والرجال.
لا يعني ذلك أنّ النساء غِبنَ عن البحث الطبي كلياً، لكنه يعترف بالفجوات التاريخية في التمثيل ودراسة الفروق بين الجنسين في مجالات الطب والدواء، وهي فجواتٌ لا تزال آثارها موضع بحثٍ ونقاش. وتشير روبن نورتون أستاذة الصحة العامة والشريكة المؤسسة لمعهد جورج للصحة العالمية في أستراليا، في تقريرٍ صحفيٍ نشرته "بي بي سي" في يوليو 2024 إلى أن "الرجال البيض لا يزالون يشكلون أكثر من 70 في المئة من المشاركين في المراحل المبكرة من التجارب السريرية عالمياً، فيما تُستخدم الخلايا المأخوذة من الذكور والحيوانات معياراً أساساً في المختبرات".
تتسع الفجوة لتشمل عينات الأبحاث وما يستحق أن يُبحَث فيه ويموَّل. ففي دراسةٍ للطبيبة والباحثة أنيتا هولدكروفت التي تركز في إنتاجها العلمي على إدماج منظور النوع الاجتماعي في الأبحاث الطبية، بعنوان "جندر بايَس إن ريسرتش [. . .]" (التحيز الجندري في البحث [. . .])، المنشورة سنة 2007، يشار إلى أن "تمويل البحث العلمي نفسه يعكس أنماطاً متجذرةً من التمييز". وتضرب مثالاً بمرض الشريان التاجي (القلب التاجي)، قائلةً إن الأبحاث المتعلقة بالمرض لدى الرجال حظيت بتمويلٍ أكبر بكثيرٍ من تلك المتعلقة به لدى النساء، مع أن معدلات إصاباتهن أعلى، خصوصاً في الأعمار المتقدمة، وتزيد احتمالات وفاتهن بسبب المرض.
كذلك، يشير تقريرٌ بعنوان "ذا جندر هِلث غاب" (الفجوة الصحية الجندرية) نشره موقع "ذا بلود" (الدم) في مايو 2026، إلى أن أبحاث الأمراض المقتصرة على النساء تحظى بتمويلٍ أقلّ من نظيرتها المقتصرة على الرجال، أو بأمراضٍ أخرى تصيب الجنسين. ويلفت إلى أنّ "بطانة الرحم المهاجرة، التي تصيب امرأةً من كل عشر نساءٍ حول العالم، تحظى بتمويلٍ بحثيٍ أقل من الصلع الوراثي لدى الرجال، على ما تسببه من آلامٍ مزمنةٍ ومضاعفاتٍ قد تصل إلى سرطانات الجهاز التناسلي والعقم. هذا النقص في الاستثمار ينتج عنه بطءٌ في تطوير وسائل التشخيص والعلاج. فتُترك ملايين النساء طيلة أعوامٍ من دون تشخيصٍ، أو مع تشخيصاتٍ مغلوطة. وهو ما برز أخيراً من خلال الجدل الطبي في متلازمة تكيّس المبايض، إذ كشف تغيير اسمها المقترح دولياً إلى "متلازمة المبيض الأيضية متعددة الغدد الصماء" عن قصور التسمية التي تختزل حالةً هرمونيةً وأيضيةً معقدةً في مجرد وجود تكيّساتٍ على المبيض.
وتكشف هذه الفجوة عن تأثير أولويات السوق والاستثمار في تحديد المجالات التي تحظى باهتمام الممولين في حقل التجارب والابتكار الطبي. فبحسب دراسةٍ صادرةٍ عن "معهد ماكينزي للصحة" في يناير 2024 بعنوان "كلوزِنغ ذا ويمنز هِلث غاب" (سدّ الفجوة في صحة النساء)، "حصلت إحدى عشر شركةً ناشئةً تعمل على تطوير حلولٍ لضعف الانتصاب وقضايا أخرى تتعلق بصحة الرجال على 1.24 مليار دولارٍ من التمويل بين سنتي 2019 و2023. في حين حصلت ثماني شركاتٍ ناشئةٍ تعمل على تطوير حلولٍ لبطانة الرحم المهاجرة على أربعٍ وأربعين مليون دولارٍ فقط، رغم العبء الصحي الكبير الذي يفرضه المرض على ملايين النساء". وقدّرت الدراسة نفسُها الفجوة في تمويل الدراسات المعنية بصحة النساء بنحو مليار دولار.
ونتيجة تلك الفجوة التي لم تجسّرها التشريعات بما يكفي، صار مفهوم "الميزوجينية الطبية"، أي "كراهية النساء في الطب"، حاضراً في الأدبيات والسياسات الصحية للإشارة إلى تحيّزٍ جنسيٍ داخل النظام الصحي والبحث العلمي، يؤدي إلى التقليل من شأن أعراض النساء أو تجاهل آلامهن وإرجاعها لأسبابٍ نفسيةٍ أو وهمية. وتبنّت الحكومة الاتحادية الأسترالية في سنة 2022 هذا المصطلح رسمياً ضمن برامجها لمعالجة الأزمات الهيكلية في الرعاية الصحية المقدمة للنساء.
أطالع هذه المعطيات والأرقام وأنا أفكر في رحلتي الصغيرة بين العيادات والفحوصات. أفكّر في كمّ الأوجاع التي لا تظهر في صورة الأشعة، ولا تعطي الطبيب علامةً واضحةً، والتي تحتاج أصلاً إلى أن تُبحث ليمكن فهمها. وأفكّر في النساء اللواتي يصلن إلى العيادة بعد أعوامٍ من محاولة تفسير أجسادهن، ثم يسمعن الجملة نفسها التي سمعتُها: "تشنجات عضلية .. خففي ضغط". ربما لهذا لم يكن اقتراح صديقتي عابراً حين نصحتني بأن أبحث في احتمال الفايبروميالجيا. كانت هي أيضاً تعيش معها، وتعرف شيئاً عن تلك المنطقة المربكة التي يصبح فيها الألم واضحاً لمن يعيشه، وغامضاً لمن يحاول قياسه. ومن هنا بدأتُ أقترب من هذا التشخيص أكثر فأكثر.
تشير المعرفة الطبية الحالية إلى أنها حالةٌ متعددة العوامل، يرتبط جزءٌ منها بطريقة معالجة الجهاز العصبي لإشارات الألم، بما قد يجعل الألم أكثر شدةً أو استمراراً. وتُبحث في هذا السياق عوامل عديدةٌ، بينها الاستعداد الوراثي وبعض العوامل الأحيائية، إضافةً إلى العوامل الاجتماعية والضغوط المزمنة والتجارب الصادمة، من دون اختصاص أيٍّ منها وحده أو مباشرةً بتسبيب المتلازمة.
ولا يوجد إلى الآن فحصٌ مخبريٌ أو صورةٌ شعاعيةٌ قادرةٌ وحدها على تأكيد الإصابة بالفايبروميالجيا. لذلك، يعتمد التشخيص على تقييم الأعراض والمعايير السريرية، مع إجراء الفحوص اللازمة لاستبعاد حالاتٍ أخرى قد تفسر الأعراض. وتُشخَّص المتلازمة لدى النساء بمعدلاتٍ أعلى من الرجال، بحسب المعهد الوطني الأمريكي لالتهاب المفاصل والأمراض العضلية الهيكلية والجلدية، فيما لا تزال أسباب هذا التفاوت موضع بحث.
لكن المعرفة الطبية العامة لا تبدد بالضرورة الالتباس الذي يرافق من تعيش مع هذه الأعراض. فالتجربة لا تخلو غالباً من الضبابية والتخبط اللذَيْن لا يقلّان أذىً عن الأعراض. إذ تجد المشخَّصات بالفايبروميالجيا أنفسهن أمام تشخيصٍ لا يجيب دائماً عن كلّ ما يحدث في أجسادهن، ولا يضع بالضرورة حداً لمعاناتهن. وفي المقابل، تختصر معظم الإجابات الطبية المسألة في عبارتين: "لا يوجد علاج"، و"المشكلة نفسية".
تصف ماريا غفري، لبنانيةٌ في الثانية والثلاثين، هذه التجربة في حديثٍ مع الفراتس بأنها "أبعد من أن تكون تقييماً طبّياً عابراً، بل هي تجاهلٌ ممنهجٌ لما نمرّ به نحن النساء". فبعد تفاقم معاناتها مع الإحساس بالوخز والخدر والثقل في الساقين، وفي ظلّ غياب تفسيرٍ طبّيٍ للأعراض، كان أول ما قاله طبيبها: "أنتِ بحاجةٍ إلى علاجٍ نفسيّ". قبل أن يُتبع ذلك بأسئلةٍ عمّا إذا "كنت سعيدة في حياتي، أو أنّني حساسة أكثر من اللازم'". مدفوعةً باليأس والخوف، أبدت ماريا عدم تقبّلها للإحالة النفسية، ليجيبها الطبيب المختص في جراحة الأعصاب بحدّة: "لا تعلّميني كيف أقوم بعملي".
أصرّت ماريا على إجراء صورٍ وفحوصاتٍ لفهم آلامها، ليخبرها طبيبٌ آخر بأنها "غير ضرورية"، وأن عليها أن تتعلّم كيف تتعايش مع مرضٍ "لا علاج له"، وأن تتناول عند الحاجة مضادات اكتئابٍ، إلى جانب نصائح حول "الابتعاد عن الضغط النفسي، وممارسة الرياضة، تحديداً السباحة إذا أمكن".
ما حصل مع ماريا يتقاطع كثيراً مع تجربة جهاد، وهي مصريةٌ في السابعة والثلاثين. تقول للفراتس: "كنت عاجزةً عن المشي من شدة الألم الذي امتد من رقبتي وكتفي إلى ساقَيّ. ليالٍ تمرّ وأنا أجهش بالبكاء وحدي. فكيف لا يمكن لهذا الطب أن يفهم آلامي وأنا غير قادرةٍ حتى على النوم رغم كل المسكنات ومراهم العضلات؟". تضيف: "كنت أسمع تفسيراتٍ تستهين بمعاناتي من قبيل 'إنتي بتدلّعي'، أو هذا مجرد تشنجٍ عضلي. وحتى في لحظاتٍ ما بدا تعاطفاً، كنت أُسأل عما إذا تعرّضتُ لصدماتٍ عاطفيةٍ، مع التلميح إلى أنّ كل ما أعانيه ليس سوى نتيجةٍ طبيعيةٍ لضغطٍ نفسيٍ وعصبي". تتابع جهاد بغصّة: "لم يكن الألم وحده ما أنهكني، بل أيضاً الطريق الطويل لإقناع الآخرين بأنه حقيقي". أما العلاج الذي قُدّم لها فكان أدويةً تخفف إشارات الألم العصبية، في حين يبقى المرض نفسه بلا علاجٍ شافٍ.
عند ماريا وجهاد، لم تكن المشكلة في الاعتراف بإمكان تأثير العامل النفسي في الأعراض الجسدية، لكن في أن يتحوّل هذا العامل إلى تفسيرٍ جاهزٍ للألم، يعوق عن فهم المرض والبحث عن أفضل سبل علاجه أو التعاطي مع أعراضه المعيقة للحياة. فضلاً عن محاولات زجّ آلام النساء في خانة التشكيك والتسخيف إلى حدّ تصويرها كما لو أنها أوهامٌ داخل أدمغتهن.
تنضم فاطمة، وهي لبنانيةٌ تبلغ ثلاثةً وثلاثين عاماً، إلى ماريا وجهاد في الامتعاض من "النظرة الطبية التسطيحية التي تنمّ عن تجاهلٍ واستهانةٍ" بأوجاعها. وتشرح للفراتس أنّ المتلازمة ترافقها أعراضٌ كثيرةٌ تصفها بأنها "مدمّرةٌ إذا لم نعرف كيف نتعامل معها". ومن تلك الأعراض "الشعور بتخشّب الجسم عند الاستيقاظ، وحساسيةٌ مفرطةٌ في المعدة، ونفخةٌ دائمةٌ، وألمٌ شديدٌ أثناء الحيض، وارتفاعٌ مفاجئٌ في حرارة الجسم، وحساسيةٌ، وغباشٌ في العينين، ونسيانٌ مفرطٌ، وصداعٌ مزمنٌ، وتورّمٌ في العضلات". لكن أكثر ما يؤلمها، مثل كثيرٍ من المصابات، الشعور بعدم التصديقِ والتشكيك الضمنيُّ بمعاناتها خلال المراجعات الطبية.
في الحقيقة، هذا التشكيك لاحقني أيضاً. كلّما زرت عيادةً طبيةً، أو اضطررت لإجراء اختباراتٍ وصورٍ وتحاليل، وتظهر النتيجة "نظيفة بالكامل" أو "تشنجات عضلية طبيعية"، كنت أصرخ في نفسي: ولكنني أشعر بأن حياتي معطلةٌ، فجسدي يؤلمني، وهذه ليست أوهاماً. ولا أبالغ إن قلت إنّه حتّى كتابة هذه السطور احتاجت إلى تحدٍّ للشد العضلي الذي يعيق حركة معصم يدي. ذات اليد التي أدوّن بها كل هذا، يُظهر التخطيط العصبي لها أنّ "كل الأمور على ما يرام"، لأبدو بمظهر "المرأة المبالغة" أو "الحساسة أكثر من اللازم".
تشكيكٌ مثل هذا، يجسّد إمكان تحوّل النساء إلى شاهداتٍ ضدّ أنفسهن. تقول جهاد: "وصل بي الأمر إلى حدّ محاولة تجاهل آلامي والاعتقاد أحياناً أنني أتوهّم، وأنه سيزول إن كففتُ عن تضخيم الموضوع". بينما ارتأت ماريا تحدّي الخدر والتيبّس ومعهما الإحباط الطبي الذي يُبعد أيّ أملٍ بالتحسّن، من خلال "الطب البديل والعودة العميقة إلى ذاتي التي لا تشفي لكن تجعلني أقوى نفسياً". أما فاطمة، فاختارت تجنب العلاج الدوائي، معتبرةً آثاره الجانبية لا تقل قسوةً عن الآلام التي يُفترض أن يخففها، إذ إنه قد يسبب "تقلّبات في المزاج، وخمولاً".
ولا تقتصر محاولة فهم الفايبروميالجيا على العوامل الجسدية، إذ تبحث دراساتٌ أيضاً في علاقتها بالضغوط والتجارب الصادمة. ففي مراجعةٍ علميةٍ جمعت نتائج عشرين دراسةً بعنوان "ذا رول أوف لايف تايم سترسورز [. . .]" (دور الضغوطات الحياتية الممتدة في الإصابة بالفايبروميالجيا)، نُشرت سنة 2021، وجد الباحثون ارتباطاً بين المتلازمة وتلقّي أنواعٍ مختلفةٍ من الضغوط والصدمات في الحياة، من بينها الاعتداء الجسدي والجنسي والإساءة العاطفية والصدمات الطبية. وتضع الدراسة هذه التجارب ضمن مجموعةٍ من العوامل التي قد ترتبط بالفايبروميالجيا، من دون اعتبارها سبباً مباشراً لها.
ولا تتوقف هذه الفرضيات عند التجارب الفردية، بل تمتد إلى الظروف الاجتماعية التي تعيشها النساء. إذ خلصت دراسةٌ بعنوان "إنفزيبيل باين، فزيبيل إنيكواليتيز [. . .]" (ألمٌ غير مرئيٍ، لامساواةٌ مرئية) نشرت سنة 2025، إلى أن تراكم مسؤوليات العمل المأجور والمنزلي والرعاية، إلى جانب الهشاشة الاقتصادية وصعوبة الوصول المتكافئ إلى الرعاية الصحية، قد يزيد من أعباء المرض على النساء. وتؤكد الدراسة أن فهم صحتهن لا ينفصل عن سياقهن الاجتماعي والاقتصادي والجندري.
لكن الحديث عن علاقة الفايبروميالجيا بالضغوط والتجارب الصادمة يحتاج إلى قدرٍ من الحذر. فوجود هذا الارتباط لا يعني أن الألم نفسيٌّ أو متخيَّلٌ، ولا أن الصدمات تفسّر وحدها الإصابة بالمتلازمة. وهو تمييزٌ أعرف أهميته جيداً، لأنني عشتُ بنفسي كيف يمكن لغياب العلامة الواضحة في صورةٍ أو تحليلٍ أن يجعل الألم يبدو لمن ينظر إليه من الخارج أقلّ حقيقةً مما هو عليه لمن يسكنه.
ولا تبدو هذه الفجوة في المعرفة الطبية منفصلةً عن الصعوبة التي تحيط بتشخيص الفايبروميالجيا وعلاجها. فحتى تسعينيات القرن الماضي، كان هناك نقصٌ في التجارب السريرية للعلاجات الدوائية للمتلازمة، بحسب مقالةٍ علميةٍ بعنوان "فيبروميالجيا سيندروم موديول [. . .]" (وحدة متلازمة الفايبروميالجيا [. . .]) صادرةٍ سنة 2009 عن مجموعة عمل الفيبروميالجيا التابعة لمنظمة "أوميركات" التي تعنى بتوحيد طرق قياس أعراض الأمراض الروماتيزمية. وتربط المقالة هذا النقص بعدم وجود معايير تصنيفٍ واضحةٍ، وبضعف فهم آليات المرض، وعدم اليقين بشأن الأعراض التي يمكن قياسها بموثوقيةٍ، وغياب مؤشراتٍ موضوعيةٍ لنشاط المرض وشدته.
ومع أنّ البحث في الفايبروميالجيا توسّع لاحقاً، فإنّ فجواتٍ جوهريةً لا تزال قائمة. وتشير دراسةٌ منشورةٌ سنة 2025 في مجلة الطب السريري الدولية بعنوان "فايبروميالجيا: أندرستاندنغ [. . .]" (الفايبروميالجيا: الفهم، التشخيص، والمقاربات الحديثة للعلاج)، إلى استمرار التحديات المتعلقة بالتشخيص. وتتحدث عن محدودية فهم الأسس الأحيائية للمتلازمة، والحاجة إلى مزيد من البحث في دور الالتهاب العصبي. كذلك، تلفت إلى محدودية الدراسات التي تبحث في الجمع بين العلاجات الدوائية وغير الدوائية، وإلى أنّ جانباً من الأبحاث لا يزال يركّز على خفض الأعراض أكثر من تركيزه على تحسين جودة الحياة ورضا المرضى.
وتزداد هذه الفجوات تعقيداً حين تتداخل العوامل الأحيائية والنفسية والاجتماعية في تشكيل تجربة الألم.
تشرح أخصائية علم النفس السريري والمعالجة النفسية آية مهنّا للفراتس أنّ "العلاقة بين الدماغ والجهاز العصبي والجسد معقّدةٌ للغاية. وقد تؤثر الصدمات والضغوط المزمنة في الطريقة التي يعالج بها الجسمُ الألمَ. لكن هذا لا يعني أنّ الألم متخيَّلٌ، ولا أنّ الصدمة هي السبب الوحيد للأوجاع. علينا أن ننظر إلى الصورة الكاملة التي تشمل عوامل بيولوجيةً ونفسيةً واجتماعيةً وسياسيةً على حدٍّ سواءٍ، فجميعها تتفاعل معاً، ولا يُلغي أحدها الآخر".
ويتّفق معها الطبيب الاستشاري في الصحة النفسية خالد ناصر، الذي يؤكّد في حديثٍ مع الفراتس أن "الصحة منظومةٌ متكاملةٌ، فلا يمكن فصل الصحة النفسية عن الصحة الجسدية أو الاجتماعية، فجميعها تؤثر في بعضها بعضاً، إلى جانب العوامل الوراثية ونمط الحياة والتغذية". ويشدد على ضرورة "عدم إنكار تأثير الصدمات والضغوط المزمنة على الجسد، لأنها تؤثر في الجهاز العصبي وقد تؤدي إلى آلامٍ وأعراضٍ جسديةٍ حقيقية".
يتّفق كلاهما على أنّ القاعدة الأهم هي أنّ النفس والجسد ليسا في مواجهة بعضهما، ولا ينبغي استخدام العامل النفسي ذريعةً لتجاهل الألم أو التغاضي عن الظروف التي تجعل الجسد يعيش كل هذا الضغط. وإذ يشددان على ضرورة إدخال البُعد الاجتماعي في التشخيص والعلاج عند دراسة الأمراض المرتبطة بالضغوط المزمنة، ووجوب مراعاة الظروف الاجتماعية، والقمع والتمييز ونصيب المريضة من الدعم الاجتماعي، وليس الاكتفاء بالجانب الطبي أو النفسي، تستنكر مهنا التعامل مع النساء كما لو أنهن "كائناتٌ مريضةٌ داخل مجتمعٍ سليم".
لكن المشكلة لا تكمن دائماً في فهم العلاقة بين النفس والجسد، بل في طريقة استخدام العامل النفسي لتفسير الألم. تقول مهنّا إن "أخطر ما يحدث هو أنه عندما لا يظهر سببٌ واضحٌ في الفحوصات، تُشخَّص المريضات من دون ترددٍ باضطرابٍ نفسيٍ بدلاً من تقديم تفسيرٍ منطقيٍ وعلميٍ، أو على الأقل المصارحة بأنّ السبب العلمي لم يُعرف بعد". تضيف: "هناك فرقٌ كبيرٌ، فعدم وجود تفسيرٍ طبيٍ علميٍ اليوم لا يعني أن الألم غير موجود".
ويلاحظ ناصر أنّ "النساء أكثر عرضةً من الرجال للإحالة السريعة إلى الطب النفسي، بسبب صورٍ نمطيةٍ تصفهن بأنهن أكثر عاطفيةً وتعبيراً عن مشاعرهن". لكنه يرى في المقابل أنّ "ميل الطب إلى إرجاع الأعراض الغامضة إلى أسبابٍ نفسيةٍ لا يقتصر على النساء، إذ يشمل الرجال أيضاً". ومع ذلك، قد يحمل هذا الميل بحسب قوله "تقليلاً من معاناة المريضات، خصوصاً عندما يشعرن بأن ألمهنّ غير مُصدَّقٍ أو يُستهان به، ما قد يتحول إلى شكلٍ من أشكال العنف الطبي".
وتحت وطأة الحاجة المستمرة لإثبات أنّ آلامهنّ حقيقيةٌ، تدخل كثيرٌ من النساء العيادات الطبية وهنّ يفكرن ليس فقط فيما يشعرن به، بل أيضاً في الطريقة التي سيصفن بها هذا الشعور لإقناع الطبيب بأنهن حقاً يتألمن. توضح مهنّا أنّ "المراجِعات يخبرنني بأنهن يتهيّأن نفسياً قبل كل زيارة: كيف سيتحدثن، وإلى أيّ حدٍّ سيُظهِرن ألمهنّ. فإن بَكَيْن، قيل إنّ المشكلة نفسيةٌ، وإذا حافظن على هدوئهن، قيل إنهن لا يعانين شيئاً". والأسوأ، بحسبها، أن تصل المرأة إلى تصديق أنّها تبالغ وأنّ ما تشعر به طبيعيٌّ أو أنّها هي الضعيفة، ما قد يدفعها إلى تجاهل إشارات جسدها والتأخر في طلب المساعدة. وهذا بالضبط ما جعل التشكيك جزءاً من تجربتي أنا أيضاً. فمع الوقت، لم يعد الأمر يتعلق بالألم وحده، إنما بقدرتي على الوثوق بما أشعر به وبجسدي.
يؤكد ناصر أهمية الثقة بين المريضة والطبيب، لأن العلاقة العلاجية المتوترة قد تؤثر في مسار العلاج وتعمّق الشعور بالألم. ويرى أن أحد أسباب هذا التوتر هو التخصص الطبي المفرط، حين ينظر الطبيب إلى جزءٍ محددٍ من الجسم ويفقد الرؤية الأوسع التي تربط بين العوامل الجسدية والنفسية والاجتماعية. وتوضح مهنّا ذلك بدورها من خلال الإشارة إلى الظروف التي قد تعيشها النساء، قائلةً إنه "إذا كانت امرأةٌ تعيش علاقةً عنيفةً، أو تعمل اثنتي عشرة ساعةً يومياً أو تتحمل وحدها مسؤوليات المنزل والأطفال، أو تعيش في بلدٍ يرزح تحت الحروب والأزمات، ثم يُقال لها فقط: 'أنتِ تعانين من القلق أو الاكتئاب'، فإننا نفصل ألمها عن الظروف التي أنتجته".
وأنا أستمع إلى هذا الكلام، أعود إلى تجربتي الأولى مع عبارة "خففي ضغط". أنا أصدّق أن الضغط يمكن أن يؤثّر في جسدي، ولكن أين هذا من النظر في ألمي كاملاً.
أما أنا، فبعد أعوامٍ من الفحوصات والزيارات والاحتمالات المتبدلة، وبعد أن تكررت أمامي الإجابات نفسها، لم أعد أجد في نفسي القدرة على مواصلة البحث عن تشخيصٍ، حتى حين ظهر أمامي احتمال الفايبروميالجيا. بقي الاحتمال مفتوحاً، لكنني لم أتابع المسار الطبي إلى أن يصبح تشخيصاً مؤكداً. وربما لهذا بقيت عبارة أمي تلاحقني: "هذا الجسد ليس لي". لعلها لم تكن تصف الألم وحده، بل تصف شعوراً طويلاً بالغربة عن جسدٍ يؤلم ومنظومةٍ لا تعرف كيف تُصغي إليه. وأحياناً أشعر أنني أفهمها أكثر مما كنت أظن.

