حرب غزة وصمود أهلها يفرضان إعادة قراءة الإسلام في الغرب

هزت حرب غزة وصمود أهلها الصورة الذهنية التي رُسمت عن الإسلام لعقود، ودفعت كثيرين في الغرب إلى إعادة قراءته.

Share
حرب غزة وصمود أهلها يفرضان إعادة قراءة الإسلام في الغرب
مرآة أخلاقية أعادت طرح أسئلة القيم والعدالة | تصميم خاص بالفراتس

تخرج امرأة من بين أنقاض منزلها في قطاع غزة تحمل طفلها القتيل وتردد وسط الدموع: "الحمد لله". وعلى الجانب الآخر من العالم يتوقف شاب أمريكي يبلغ من العمر واحداً وعشرين سنة أمام هذا المشهد، لا يسأل عن تفاصيل الحرب بل عن السر الذي يجعل أُمّاً تحمد الله في لحظة فقد كهذه. وبعد أيام، يفتح نسخة من القرآن للمرة الأولى ليوثق رحلته على "تيك توك"، وينضم إلى الآلاف الذين قادتهم مشاهد الصمود الفلسطيني إلى البحث عن الإسلام.

منذ اندلاع الحرب على غزة بعد السابع من أكتوبر 2023، تحولت منصات التواصل الاجتماعي وعلى رأسها "تيك توك"، إلى فضاء يشارك فيه شباب غربيون رحلاتهم الأولى في قراءة القرآن. فقد دفعتهم مشاهد صمود الفلسطينيين إلى البحث عن مصدر الإيمان الذي استند إليه أهل غزة فثبّتهم في أكثر لحظات الفقد قسوة.

تحوَّل الاهتمام بالإسلام في أعقاب حرب غزة إلى ظاهرة تتجاوز الأفراد لتدرسها مراكز البحث والدراسات. فقد خلصت دراسة أصدرها معهد تأثير الإيمان في الحياة بلندن في ديسمبر 2025 بعنوان "المشهد المتغير للإيمان في بريطانيا"، إلى أن الصراعات العالمية وعلى رأسها حرب غزة كانت دافعاً رئيساً للتحول للإسلام، إذ اعتنق الإسلام متأثراً بها ما لا يقل عن 20 بالمئة من المتحولين للإسلام في بريطانيا. 

لا تبدو هذه النتائج معزولة عن التحولات التي أحدثتها الحرب في نظر كثير من الغربيين للإسلام من جهة وإسرائيل من جهة أخرى. فقد دفعت مشاهد الحرب الكثيرين لإعادة النظر في الدعم والانحياز الغربي لإسرائيل. ودفعت بعضَهم لاعتناق الإسلام، وآخرين إلى مراجعة تصوراتهم السابقة عنه. 

أعادت الحرب الإسرائيلية على غزة تشكيل صورة الإسلام والموقف منه عند جماعة من الغربيين، على نحو تجسده مساراتُ ثلاث شخصيات أمريكية بارزة تنتمي إلى خلفيات دينية وفكرية متباينة. فقد دفعت الحرب دارياليزا أفيلا شوفالييه، السياسيَّة الأمريكية المنحدرة من أسرة كاثوليكية والفائزة في الانتخابات التمهيدية سنة 2026 للحزب الديمقراطي عن الدائرة الثالثة عشرة في نيويورك، لاعتناق الإسلام. وفتحت الطريق لإسلام الناشطة اللادينية ميغان رايس متأثرة بمشاهد صبر أهل غزة وصمودهم. أما الإعلامي اليميني المحافظ تاكر كارلسون فأعلن تراجعه عن عدد من مواقفه السابقة المعادية الإسلامَ والمسلمين. وتكشف المسارات على اختلافها مراجعة أعمق لصورة الإسلام داخل المجتمعات الغربية، بعيداً عن الصور النمطية والخطابات التي ربطته لسنوات بالعنف والتطرف.


كشف فوز دارياليزا أفيلا شوفالييه في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي بولاية نيويورك في يونيو 2026 عن قصة أكثر إثارة من الفوز نفسه. فالشابة البالغة من العمر اثنين وثلاثين عاماً اعتنقت الإسلام قبل ثلاث سنوات، بعد رحلة بدأت بالقضية الفلسطينية. تعود بداية هذه الرحلة إلى سنة 2014، عندما كانت طالبة في جامعة كولومبيا والتحقت ببرنامج تدريبي في مدينة نابلس بالضفة الغربية، حيث أمضت نحو شهرين تدرّس اللغة الإنجليزية للأطفال. ولم تكد تعود إلى الولايات المتحدة حتى اندلعت الحرب الإسرائيلية على غزة في صيف ذلك العام. أعادت هذه التجربة تشكيل وعيها السياسي، كما يورد موقع "سيتي أند ستيت نيويورك" في تعريفه بدارياليزا. وتصف دارياليزا هذه المرحلة بقولها: "لقد كانت حاسمةً في تكوين شخصيتي، لأنني كنت أعيش في قلب الاحتلال وأشاهد كيف كان على الفلسطينيين التعامل مع كل هذه الأنظمة. عندما عدت، لم أستطع تجاهل كل تلك المشاهد. وبدأت أراها في أنظمتنا المحلية وأنظمة الشرطة والترحيل والسيطرة على حركتنا".

نشأت دارياليزا في أسرة من أصول دومينيكية، وقضت سنوات طفولتها في ولاية فلوريدا قبل أن تنتقل إلى مدينة نيويورك للدراسة في جامعة كولومبيا. عاشت مع والدتها ماريا التي عملت في أكثر من وظيفة لإعالة الأسرة، بينما انصب اهتمام البيت على التعليم أكثر من الدين. ومع أن معظم أفراد عائلتها كاثوليك إلا أنها لم تنشأ في بيئة دينية.

لم تبدأ دارياليزا حياتها العامة ناشطة في القضية الفلسطينية. لكن رحلتها إلى الضفة الغربية سنة 2014 شكّلت نقطة التحول في رؤيتها للعالم. فقد أمضت قرابة شهرين تعمل في "توموروز يوث أورغانيزيشن " (منظمة شباب الغد) تُدرّس اللغة الإنجليزية لأطفال بعضهم لم يتجاوز الثالثة من العمر. وتقول إن التجربة غيّرت نظرتها للولايات المتحدة نفسها، وأسهمت في تشكّل وعيها السياسي.

منذ ذلك الوقت، احتلت القضية الفلسطينية موقعاً مركزياً في نشاطها العام. فانضمت إلى فرع منظمة "ستودنتس فور جاستس إن بالستين" (طلاب من أجل العدالة في فلسطين) بجامعة كولومبيا، وشاركت في تأسيس حملة لسحب استثمارات الجامعة من الشركات المرتبطة بإسرائيل. ثم اتجهت لدراسة الدكتوراه في علم الاجتماع بمركز الدراسات العليا بجامعة مدينة نيويورك. وركزت أبحاثها على العلاقة بين نظام العدالة الجنائية وسياسات ترحيل المهاجرين. امتد أثر القضية الفلسطينية إلى اهتمامها بالهجرة ومراقبة مكافحة الإرهاب والعدالة العرقية، لتصبح العدسة التي تقرأ بها مختلف القضايا السياسية والاجتماعية.

ومع انخراطها المتزايد في النشاط السياسي، أحاطت بدارياليزا دائرة واسعة من الأصدقاء المسلمين، ومع أنها لم تنشأ في بيئة دينية إلا أنها وجدت شعورها بالروحانية في العمل المجتمعي، قبل أن تقرر تجربة صيام شهر رمضان بدافع الفضول. وقد واصلت صيام رمضان أربع سنوات متتالية، إلى أن سألتها إحدى صديقاتها المسلمات في السنة الرابعة: "هل ستعتنقين الإسلام أم لا؟ ولماذا تواصلين الصيام؟". دفعها السؤال إلى الاعتراف لأول مرة بأنها ترغب في اعتناق الإسلام. وبعد أيام حضرت حلقة لتدبر القرآن، سمعت الإمام يقول خلالها: "إن الله يعرّف نفسه لنا بأنه الرحمن الرحيم، وسيظل كذلك دائماً، وكلما راودك أي شك، فعد إلى هذه الحقيقة". تستعيد هذه اللحظة بقولها: "انفجرت بالبكاء، وقلت لنفسي هذا هو الإذن الذي كنت أبحث عنه".

ومع اندلاع الحرب على غزة بعد السابع من أكتوبر 2023، برزت دارياليزا في الحراك المؤيد الفلسطينيين داخل نيويورك. ففي اليوم التالي للهجمات، شاركت في مظاهرة بميدان "تايمز سكوير" في مدينة نيويورك مرتدية الكوفية الفلسطينية. ثم انخرطت في تنظيم اعتصامات جامعة كولومبيا منذ يومها الأول، وكانت تمضي نهارها في التدريس، قبل أن تعود مساءً إلى مخيمات الاعتصام. ودافعت عن الناشط الفلسطيني محمود خليل، الذي قبضت عليه السلطات الأمريكية وطالبت بترحيله، وعدّت دارياليزا اعتقاله نتيجة صورٍ نمطية عن العرب. ظهر هذا المنظور في خطاب دارياليزا السياسي. ففي حملتها الانتخابية ربطت بين سياسات الهجرة وقضية محمود خليل، وأيضاً ربطت أزمة غلاء المعيشة بالإنفاق العسكري الأمريكي. وهاجمت منافسها أدريانو إسبايلات بسبب تلقيه دعماً من لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية "إيباك". 

امتد أثر التجربة إلى سائر خيارات دارياليزا السياسية. فدفعتها إلى تبني مواقف أقوى مع قضايا العدالة والسلطة ومؤسسات الدولة. ظهر هذا في مواقفها العلنية، إذ انتقدت شخصيات بارزة من الحزب الديمقراطي مثل المرشحة الرئاسية السابقة كامالا هاريس، ودعت إلى إعاد النظر في دور الشرطة وبنية مؤسسات إنفاذ القانون. 

يُظهر صعود دارياليزا تحولاتٍ أوسع في الحضور السياسي للمسلمين والمؤيدين الحقوقَ الفلسطينية في السياق الأمريكي. برزت هذه التحولات من قبل في صعود زهران ممداني عمدة مدينة نيويورك. ويرى نهاد عوض، المدير التنفيذي لمجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية (كير) هذا الصعود من آثار حرب غزة على المجتمع الأمريكي. ويضيف في تصريحات للفراتس أن المسلم الأمريكي كان على مدى عقود "يُجبر على الدفاع عن هويته ودينه، خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر سنة 2001، وكان يُطلب منه باستمرار أن يثبت براءته أو ولاءه. أما اليوم فقد تغير المشهد بصورة ملحوظة، فكشفت الحرب على غزة تناقضات عميقة في الخطاب السياسي والإعلامي الأمريكي، وفي المواقف التي تبناها عدد من صانعي القرار والرأي العام".


لم تحتج المؤثرة الأمريكية ميغان رايس إلى السفر لفلسطين حتى تبدأ رحلتها إلى الإسلام. بل كانت شاشات هاتفها بوابتها الأولى إلى غزة. دفعتها مشاهد الحرب وصمود أهل غزة في مواجهة القصف والموت إلى التساؤل عن مصدر هذه القوة. وعبَّرت مراراً في حسابها على "تيك توك" عن دهشتها من فلسطينيين كانوا يحمدون الله ويستعينون بالصبر في أصعب الظروف الإنسانية. وعندما سألت متابعيها عن سر هذا الثبات تلقّت إجابة واحدة تكررت باستمرار: الإيمان والقرآن. 

قادها الفضول إلى قراءة القرآن باللغة الإنجليزية. ثم أسست على منصة "ديسكورد" نادياً بعنوان "ورلد ريليجن بوك كلوب" (نادي كتاب الأديان العالمية)، ودعت أشخاصاً من خلفيات مختلفة إلى قراءة القرآن معها ومناقشته. بعد فترة ظهرت مرتدية الحجاب ونطقت الشهادتين معلنة اعتناقها الإسلام. 

وجد فضول ميغان أرضية مهيأة من تجربتها السابقة مع قضايا التمييز والعدالة الاجتماعية. فصانعة المحتوى الأمريكية المقيمة في مدينة شيكاغو اشتهرت قبل ذلك بنشر مراجعات الكتب في مجتمع القراءة على "تيك توك" المعروف باسم "بوك توك". وعُرفت أيضاً باهتمامها بقضايا العدالة الاجتماعية.  إذ رأت أن تجربتها امرأةً سوداء في الولايات المتحدة الأمريكية جعلتها أكثر تشككاً في الصور النمطية التي تُروج عن الأقليات. وقالت في مقال  نشرته صحيفة "غارديان" في نوفمبر 2023 إنها اعتادت رؤية الحكومة الأمريكية تنشر تصورات خاطئة عن مجتمعها، لذلك لم تصدق الخطاب المعادي المسلمين الذي انتشر عقب هجمات الحادي عشر من سبتمبر. وأضافت أنها لم تدرك تأثير هذا الخطاب إلا بعد شروعها في قراءة القرآن، فكانت تعتقد أن الإسلام دين شديد الصرامة، قبل أن تغير قراءتُها للنص القرآني هذه القناعةَ. 

ويرصد تقرير غارديان ظاهرة لجوء عدد من الشباب الأمريكي إلى قراءة القرآن بعد الحرب على غزة، مدفوعين برغبتهم في فهم مصدر الصمود والإيمان الذي أظهره الفلسطينيون في الحرب. واستعرض التقرير قصص عدد من هؤلاء، من بينهم ميغان، واستدل بأكاديميين يرون الظاهرة تحولاً في الطريقة التي ينظر بها بعض الأمريكيين إلى الإسلام، مقارنة بما كان عليه الحال بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر.

تكشف هذه الروايات مفارقة في علاقة الغربيين بالقرآن بين مرحلتين تاريخيتين متباعدتين. ففي أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر سنة 2001، اتجه كثيرون إلى قراءة القرآن لأنهم أرادوا فهم الدين الذي ربطته وسائل الإعلام والتنظيمات المتطرفة بالإرهاب. أما بعد حرب غزة، فاتجهوا إلى قراءته بعد أن شعروا بوجود فجوة بين الصورة التي تلقوها عن الإسلام والمسلمين، وبين ما شاهدوه من معاناة الفلسطينيين وصمودهم.

وترى الأستاذة المشاركة في جامعة ييل زارينا غريوال، في حديثها إلى غارديان، أن هذا هو الفارق بين اللحظتين. فلا يتجه الناس إلى القرآن لفهم هجوم السابع من أكتوبر، بل الصمود والإيمان والصلابة التي يرونها في الفلسطينيين المسلمين. وتضيف أن كثيراً من رواد الفضاء الرقمي يُقبلون على النص القرآني للبحث عما فيه من قيم العدالة والمساواة. وترى أن الناس غالباً ما يبدؤون قراءة النصوص على أمل العثور فيها على ما يدعم رؤيتهم المسبقة للعالم. فمثلما يبحث العنصريون عن آيات تؤكد تحيزاتهم العرقية، ينظر أشخاص من اليسار إلى هذا الكتاب بحثاً عن رسائل تؤكد أفكارهم التقدمية. 

التحول عبر الفضاء الرقمي يسلط الضوء على دور التقنية في كسر هيمنة الخطاب التقليدي المعادي الإسلامَ. يعزو نهاد عوض نجاح منصات مثل "تيك توك" في تجاوز الإعلام التقليدي لكسرها احتكار الرواية. فلسنوات طويلة بنتْ مؤسساتٌ إعلاميةٌ كبرى، وخبراء وسياسيون صورةَ الإسلام، وهم يتحدثون عن المسلمين أكثر مما يتحدثون معهم. وبعد حرب غزة شاهد المواطن الأمريكي مباشرة طبيباً في غزة أو صحفياً أو أمّاً فقدت أبناءها، أو شاباً مسلماً يشرح القرآن ويجيب عن الأسئلة بهدوء وموضوعية. ويضيف عوض إن وسائل التواصل ليست السببَ الوحيد، بل هي أداة سرّعت انتقال المعلومة، خاصة عند جيل الشباب الذي يعتمد على تدفق المعلومات الهائل عبر الهاتف، التي خرجت تماماً عن سيطرة وسائل الإعلام التقليدية.

وإن كانت دارياليزا وميغان قد سلكتا طريق اليقين الروحي، ففي المقابل جاء الإعلامي الأمريكي تاكر كارلسون نموذجاً لمؤثر وناشط يميني محافظ يتراجع علناً عن كراهيته الإسلامَ. إذ أقرّ بخطئه كونه كان أحد أدوات الترويج الموجه لرهاب الإسلام (الإسلاموفوبيا).


اقتصر أثر حرب غزة في بعض الأحوال على مراجعة الموقف العدائي من الإسلام دون اعتناقه. يظهر هذا في حالة الإعلامي اليميني تاكر كارلسون، الذي ردد سنواتٍ على شاشة التلفزيون أن "المشكلة هي الإسلام والمشكلة هي المسلمون، إنهم جميعاً يريدون قتلنا". وفي مقابلة إعلامية مع شبكة سكاي نيوز في يونيو 2026 تراجع كارلسون عن هذا الموقف بقوله: "لقد شعرت بهذا السلوك الانفعالي بنفسي، وكنت في حالة هستيرية وأصدق ذلك، لكنني أدرك الآن أن هذا غير صحيح على الإطلاق". وانتقد الترويجَ الموجهَ الذي وظفته أطراف خارجية ومنها إسرائيل لخدمة مصالح سياسية وتوجيه الرأي العام الأمريكي إلى صراعات عبثية.

يُعد تاكر كارلسون أحد أبرز الإعلاميين المحافظين في الولايات المتحدة الأمريكية وأكثرهم تأثيراً في تشكيل الرأي العام اليميني. بدأ مسيرته صحافياً في صحف ومجلات محافظة، قبل أن ينتقل إلى العمل التلفزيوني في شبكات عدة، ليستقر في "فوكس نيوز"، حيث تحول برنامجه "تاكر كارلسون تونايت" الذي انطلق سنة 2016 إلى أحد أكثر البرامج السياسية مشاهدة في البلاد. وفي تلك الفترة برز مدافعاً عن سياسات الرئيس دونالد ترامب، وأسهم في ترسيخ كثير من الخطابات اليمينية، بما في ذلك الخطاب المعادي الإسلامَ، قبل أن يبدأ لاحقاً مراجعة علنية لهذه المواقف.

يرى نهاد عوض هذا التراجع الذي تكرر من شخصيات محافظة دليلاً على تصدع أصاب الروايات التقليدية عن الإسلام بعد اصطدامها  بالواقع. ويقول: "بعد عشرات الآلاف من الضحايا في غزة، وانتشار الصور والفيديوهات المباشرة إلى الملايين، أصبح من الصعب الدفاع عن الروايات التقليدية التي هندستها إسرائيل وأمريكا لشيطنة العرب والمسلمين. بعض الشخصيات المحافظة مثل تاكر كارلسون أعادت النظر في مواقفها، ليس بالضرورة حباً بالمسلمين، وإنما لأن الواقع فرض نفسه، ولأن جمهورهم بدأ يطرح أسئلة أخلاقية وسياسية صعبة لم تكن تُطرح سابقاً".


لم تقتصر مراجعة المواقف من الإسلام على الإعلاميين والمثقفين والمؤثرين، بل امتدت إلى أشخاص عاديين دفعتهم مشاهد الحرب على غزة إلى قراءة القرآن وإعادة النظر في تصوراتهم السابقة. من بينهم الشابة البريطانية آبي حافظ، التي تأثرت بمشاهد الأمهات والآباء في غزة وهم يودعون أطفالهم، لتعلن إسلامها وترتدي الحجاب بعد أسابيع من قراءة القرآن بالإنجليزية، مؤكدة أنه أجاب عن كل تساؤلاتها الوجودية. وسلكت جاك ويلدز، وهي شابة أمريكية يهودية، مساراً مشابهاً بعدما أثار الصمود الاستثنائي لأهل غزة فضولها، فقرأت القرآن وقارنت بين تعاليمه وقصصه وبين ما ورد في التوراة والإنجيل. وفي مقطع مصور على "تيك تيك" نقلته الجزيرة نت في نوفمبر 2023 قالت إنها تتأكد مع استمرار قراءتها القرآنَ أنه ليس ضد حقوق النساء. وفي مقطع آخر شجعت على الانضمام لوقفة في شيكاغو ضد استمرار العدوان الإسرائيلي على غزة. وفي نوفمبر 2023 أعلنت إسلامها.

تكررت القصة مع آخرين شاركوا في التضامن مع غزة ميدانياً. فقد أعلن المحامي والحقوقي الأمريكي الفرنسي فرانك رومانو، أحد المشاركين في "أسطول الحرية" الساعي لكسر الحصار المفروض على قطاع غزة، أن صمود الفلسطينيين أحد أهم الأسباب التي دفعته لاعتناق الإسلام. وقال في لقاء مع موقع "عربي 21" في أكتوبر 2025: "لقد علّمتني غزة أن الإيمان ليس مجرد كلمات أو طقوس، بل قوة روحية عميقة تمنح الإنسان القدرة على الصمود والمقاومة في أحلك اللحظات". وسلكت الناشطة البريطانية ريتشيل المسار نفسه، فأعلنت إسلامها أثناء مشاركتها في مظاهرة داعمة غزةَ في العاصمة لندن في ديسمبر 2024، مشيرة إلى أن سؤال ابنتها عن سر صمود الفلسطينيين،  دفعها للتعمق في معرفة الإسلام وفهمه، وهو ما قادها في النهاية إلى الإيمان به.

ومع هذه الحالات، يصعب قياس حجم الظاهرة في ظل غياب جهات توثقها منهجياً. يقول طه سليمان عامر، رئيس هيئة العلماء والدعاة في ألمانيا: "لا توجد لدينا إحصاءات رسمية توثق هذه الظاهرة، وأي أرقام تُتداول في هذا السياق بسبب غياب جهات متخصصة تتولى توثيقها. لكن المتابعة الميدانية والاستقراء يشيران إلى تغير ملحوظ. ما يمكن قوله هو أن هناك فارقاً واضحاً بين مستوى التعرف على الإسلام والإقبال على اعتناقه قبل حرب غزة وبعدها".


تحولت حرب غزة لكثيرين في الغرب إلى لحظة مراجعة عميقة لما اعتقدوا أنهم يعرفونه عن الإسلام والمسلمين. وليس الأثر الأبرز لهذه المراجعة عدد من أعلنوا إسلامهم، وإنما عدد من  تغيرت لديهم الصور النمطية عن الإسلام والمسلمين لعقود. فالحرب دفعت آلاف الأشخاص إلى مراجعة تصوراتهم المسبقة، لتصبح إعادة اكتشاف الإسلام وتصحيح صورته جزءاً من الظاهرة نفسها، حتى عند من لم يعتنقوه.

أظهرت حرب غزة أن القوة الأخلاقية للمظلومين قد تتجاوز في أثرها مليارات الدولارات التي تنفقها الحكومات على الدعاية السياسية والإعلامية. فمن معاناة الفلسطينيين وصمودهم، لم تعد فلسطين مجرد قضية سياسية أو بقعة جغرافية صامتة، بل تحولت إلى مرآة أخلاقية أعادت طرح أسئلة القيم والعدالة في الوعي الغربي، واكتشف بها آلاف الغربيين طريقاً جديداً للإيمان والسلام الداخلي.

اشترك في نشرتنا البريدية