من قرى مصر إلى شوارع أثينا.. مسارات هجرة الأطفال المصريين 

يسلك الأطفال مسارات متعددة إلى اليونان، بتمويل أسرهم وتنسيق الوسطاء، ليواجهوا منظومة محدودة الطاقة الاستيعابية.

Share
من قرى مصر إلى شوارع أثينا.. مسارات هجرة الأطفال المصريين 
واقعٌ لا يشبه الصور التي دفعتهم إلى الرحيل | تصميم خاص بالفراتس

قبل وصوله ساحة محطة مترو موناستيراكي في قلب العاصمة اليونانية أثينا، حيث يعمل ويقيم حالياً، قطع عبده رحلةً كانت قد بدأت في مايو 2024 من قريته كفر الشيخ باتجاه اليونان حين كان في السادسة عشرة من عمره. دفع والده ستين ألف جنيه لأحد سماسرة الهجرة في القرية مقابل ترتيب سفر ابنه إلى تركيا، وكان سعر الدولار آنذاك يقترب من ثمانيةٍ وأربعين جنيهاً. في تركيا انتظر عبده نحو شهرٍ قبل أن تبدأ محاولاته عبور الحدود البرّية إلى اليونان. يقول عبده: "السمسار قال لِنا إننا هنسافر بالطيارة لتركيا، ومن هناك هنروح اليونان برّي". ويضيف: "وصلت إسطنبول وقعدت شهر مستخبّي في مخازن تابعة لمصنع ملابس، وبعدها طلب منّي السمسار أمشي مع مجموعة في الغابات بالليل". قضى في المحاولة الأولى أربعة عشر يوماً داخل الغابات، على شحٍّ شديدٍ في الطعام ومياه الشرب. يتذكّر عبده: "مشينا مع دليل، وقعدنا وسط الأشجار من غير أكل أو مَيّة، لدرجة إننا كنا بنشرب من أي مصرف [ممرّ مائي ضيق] يصادفنا".

لم تكن الغابة سوى بداية رحلة عبده، فقد أوقفته السلطات وأعادته إلى الجانب التركي. تكررت الواقعة ستّ مراتٍ، وتكرر ما وصفه عبده بالتفتيش القسريّ وتجريده من متعلّقاته وملابسه، وإصابته في عمليات التوقيف والترحيل. وقبل كلّ محاولةٍ جديدةٍ للوصول إلى اليونان كان السمسار يحصل على ألف وخمسمئة يورو. ومع تكرار المحاولات، يقول عبده إنّ ما دفعه لشبكات التهريب وصل إلى تسعة آلاف يورو.

في المحاولة السابعة تمكّن عبده من الوصول إلى اليونان مختبئاً في شاحنة نقل بضائع عَبَرت به إلى مدينة سالونيك شمالي اليونان. أُودع في أحد مراكز الرعاية المخصّصة للقُصّر، قبل أن يبدأ مرحلةً مختلفةً من حياته عند بلوغه ثمانية عشرة عاماً حين حصل على أوراقٍ رسميةٍ تتيح له العمل. وبحسب روايته، كان قبل الحصول على الإقامة وأوراق العمل يتقاضى أجراً زهيداً مقابل أعمالٍ شاقةٍ تصل إلى اثنتي عشرة ساعة يومياً. ومعظم الشباب يفضّلون الصمت أمام ظروف العمل القاسية، خوفاً من الشرطة ومن فقدان فرصة البقاء.

هجرة عبده من بلدته في شمال مصر إلى شمال اليونان واحدةٌ من مساراتٍ متعددةٍ بات يسلكها أطفالٌ مصريون للوصول إلى اليونان، بوابة أوروبا. بعضها يبدأ بالنقل جوّاً إلى تركيا قبل محاولة العبور برّاً إلى اليونان من خلال الحدود والغابات، فيما يبدأ مسارٌ آخر من ليبيا باتجاه الجزر اليونانية. وتختلف الرحلة بحسب قدرة أهل الطفل المالية، وشبكة الوسطاء، والطريق الذي تختاره شبكات التهريب.

وفي كلّ هذه المسارات التي يسلكها الطفل وحيداً، هناك أسرةٌ توافق وتموِّل ووسيطٌ يتولى التنسيق وشبكةٌ تنقل الطفل من مرحلةٍ إلى أخرى. وعلى الجهة المقابلة توجد منظومة استقبالٍ وحمايةٍ يونانيةٌ يُفترض أن توفّر له الإيواء والرعاية، لكنّها تواجه قيوداً في القدرة الاستيعابية وتفاوتاً في ظروف الاستقبال.

أما الطريق الذي لا يظهر في خرائط الهجرة، فهو الذي يبدأ داخل الأسرة نفسها: حين يقتنع الأب أو الأم بأنّ سفر الابن رغم المخاطر استثمارٌ أفضل من بقائه في مصر. عند عبده، لم تعُد الرحلة ذلك الطريق الذي سلكه من كفر الشيخ إلى اليونان. لقد أصبحت دَيناً تدفعه الأسرة، وطفولةً ضاعت بين الغابات ومراكز الإيواء والعمل، ومستقبلاً يتوقف على أوراقٍ قانونيةٍ لا تكفي وحدها لضمان حياةٍ مستقرّة.


تتعدد مسارات هجرة الأطفال والقصّر المصريين إلى اليونان. وبينما كان البحرُ الطريقَ المعهودَ، فتحت الثغرات في إجراءات السفر مساراتٍ جديدةً، تبدأ بالسفر جواً إلى دولٍ أخرى، ومنها محاولة الوصول إلى اليونان عبر الحدود البرية أو البحرية.

من جهتها، تتشدد السلطات المصرية منذ يناير 2024 في السماح للقصّر بالسفر من دون ذويهم. وتشترط سلطات الطيران المدنية حصول القاصر المصري على موافقةٍ أمنيةٍ من إدارة الاتصال، التابعة للإدارة العامة للجوازات والهجرة والجنسية في وزارة الداخلية، فلجأ كثيرون إلى خياراتٍ أكثر تساهلاً.

في الإمارات وتركيا مثلاً، تتركز القيود أكثر على سنّ الطفل ومتطلبات شركات الطيران، وتسمح القواعد في البلدين بسفر القاصر دون أسرته، وبموافقةٍ كتابيةٍ من أحد الوالدين أو كليهما.

أما كامل (13 سنة) فقد كان السفر بالطائرة عاملاً أساساً لإقناع والده بتمويل رحلته. يعيش كامل في القاهرة، لكنه دائم التواصل مع عائلة والده في قرية الاتلات بالمنيا. ومن خلال أصدقائه في القرية، تعرّف إلى آخرين سافروا إلى اليونان.

في حديثٍ مع الفراتس، يقول والده مجدي: "إبني عرف إن فيه كتير ناس سافروا اليونان وبقوا مرتاحين ومعاهم فلوس. وقال لي إنّه عايز يسافر وإنّ الرحلة آمنة بعيد عن البحر، وإنّ الطريق الجديد عن طريق تركيا. بس لازم أسافر معاه للإمارات، ومن هناك يروح لوحده تركيا، ومنها اليونان عن طريق الغابات".

يشير مجدي إلى أنّه تردد في البداية، ثم وافق بعدما شرح له كامل أنّ الرحلة ستكون بالطائرة، وتواصل مع أصدقائه بحثاً عن وسيط. فعثر على شخصٍ من المنيا تولى تنسيق الرحلة مقابل دفعةٍ مقدَّمةٍ قدرها عشرة آلاف جنيه. ويضيف: "لمّا شرح لي الدنيا سهلة، وافقت أساعده. وفعلاً حجزت تذكرة إلى الإمارات وسافرت مع إبني ثلاثة أيام. وهناك قابلت شخص هيسفَّره لتركيا. طلب تسعين ألف جنيه، جزء بعد الوصول لتركيا وآخر عند الوصول لليونان. سلّمته ابني، وفي اليوم التالي رجعت القاهرة".

في ديسمبر 2025، غادر كامل الإمارات بمفرده متجهاً إلى تركيا. عند وصوله، قابل شخصاً آخر اصطحبه إلى مكانٍ يحوي أطفالاً آخرين من جنسياتٍ مختلفةٍ جاؤوا للهدف نفسه. وبعد ثلاثة أيامٍ من وصوله، ألحقه الوسيط التركيّ بالعمل في مخزنٍ كبيرٍ لتغليف الملابس حيث أقام خمسةً وخمسين يوماً. بعد ذلك، طلب الوسيط من كامل أن يحوّل والدُه مبلغ مئتين وثمانين ألف جنيه لتغطية تكاليف نقله إلى اليونان. لكن الوالد لم يستطع تدبير المبلغ، فطلب كامل من الوسيط التركيّ إمهاله حتى يجد والده سبيلاً لتوفير المال، أو أن يوفّر له الوسيط عملاً يستطيع من خلاله تدبير المبلغ بنفسه. في تلك الأثناء، تعرّف كامل إلى تفاصيل المسار الذي كان من المفترض أن يسلكه إلى اليونان، وهو المسار نفسه الذي سلكه بعض أصدقائه. يقول: "الخطة اللي زمايلي سافروا بيها إنك تجري في الغابات في منطقة فتحية بتركيا، ونستخبى [نختبئ] في مخزن هناك على البحر حتى الفجر. وبعدين ناخد مركب يتحرك ساعتين أو تلاتة ويوصل جزيرة رودس في اليونان، أو طريق تاني أقلّ شويّة في التكلفة، بس أكثر خطورة عشان غابات فقط، هنمشي فيها لمدة ثلاثة أو أربعة أيام ونوصل اليونان".

تراجع كامل عن استكمال الرحلة بعدما سمع أن عصابةً خطفت أحد أطفال المنيا في أثناء محاولة الهرب عبر الغابات من تركيا إلى اليونان. ويقول: "عرفنا إنها خطر وفيها مافيا بتخطف الأطفال وبيطلبوا فدية أو يبيعوهم، أو يتعرّضوا للقتل من مداهمات الشرطة، أو القبض عليهم وترحيلهم".

الخوف من خوض رحلةٍ مماثلةٍ شعورٌ تُشاطره جميع الأسر التي تفكّر بتهجير أحد أبنائها. هاني الذي خاض تجربةً مشابهةً عبر المسار نفسه يقول للفراتس إنّ ما عايشه في رحلة ابن أخيه رامز (15 عاماً) جعله ينصح الجميع بعدم تكرارها. يقول هاني: "يجب استغلال فلوس السفر في مشروع في الوطن".

كانت والدة رامز، المقيمة في قرية الاتلات بالمنيا، قد طلبت من هاني التوجّه إلى منطقة النزهة الجديدة في القاهرة ومقابلة شخصٍ يتولى سفر ابنها من القاهرة إلى تركيا، ومنها إلى اليونان مقابل ربع مليون جنيه. يخبرنا هاني: "السمسار طلب منّي أقابله في شقة سكنية بمنطقة قباء في النزهة الجديدة. ولمّا وصلت كانت هناك أسرة ثانية تدفع لتهجير ابنها". أوضح هاني أنّ السمسار ضمن له وللأسرة الأخرى وصول الطفلين، وأنّ وظيفته التسهيل فقط. وأضاف أنّه، أي السمسار، أعطاه رمزاً ليسلّمه إلى رامز. وحتى يُنقل إلى اليونان، على رامز أن يسلّمه عند وصوله إسطنبول إلى الوسطاء الأتراك الذين يعملون في شبكةٍ واحدةٍ مع الوسيط المصري. وأردف هاني: "السمسار قال لِنا في حال الفشل تُرَدّ أموالكم. دفعنا واستلمنا الكود [الرمز] ومشينا".

بحسب هاني، وصل رامز إلى تركيا في ديسمبر 2024، واحتُجز في مصنع ملابس أياماً قبل أن يلتقي بالوسطاء الأتراك ويسلّمهم الرمز. بعدها انضمّ إلى مجموعةٍ من الشباب من جنسياتٍ مختلفة نُقلوا عبر الغابات والبحر إلى اليونان. وبمجرّد وصول رامز إلى الأراضي اليونانية، سَلّم نفسه إلى الشرطة اليونانية وفق الاتفاق مع الوسطاء المصريين والأتراك.

يقول هاني إن عدداً من الأطفال من قرية الاتلات في المنيا سافروا بالطريقة نفسها. لكن بينما وصل كثيرون اليونان وأقاموا فيها، لم يصل آخرون وانقطع التواصل بينهم وبين ذويهم، ولا يعلمون مصيرهم حتى اللحظة.

بالتوازي مع المسارات التي ظهرت في السنوات الأخيرة، ومنها سفر القصّر إلى تركيا عبر الإمارات تمهيداً لعبورهم اليونان، يوجد مسارٌ آخر يبدأ برّاً من مصر باتجاه ليبيا، ثم بحراً نحو الجزر اليونانية.

في حديثه مع الفراتس يقول يوسف (17 عاماً) إنّ رحلته بدأت في أكتوبر 2025 بموافقة والديه. سافر من القاهرة إلى ليبيا، حيث عمل نحو شهرين قبل أن يطلب منه الوسيط الليبيّ دفع 180 ألف جنيه مقابل نقله إلى اليونان. يضيف يوسف: "عندما حلّ الليل، تحرّكنا مع أطفالٍ كثيرين وشباب. كنّا 93 شخصاً على مركب صيدٍ صغيرٍ، بلا أيّ وسائل أمان. واللي كانوا بيسوقوا المركب شابّين سودانيين بيشتغلوا عند اللي بيهرّبنا. شفت الموت في رحلة استمرّت 38 ساعة"، مشيراً إلى أنّ الرحلة شهدت عواصف وأمطاراً قبل أن يصل القارب شواطئ جزيرة كريت اليونانية، حيث بقيَ في أرضٍ خلاءٍ إلى أن وصلت السلطات.

تُعدّ كريت إحدى نقاط وصول المهاجرين واللاجئين الرئيسة إلى اليونان. وبحسب تقرير لمفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين سنة 2025، استحوذت كريت على 25 في المئة من إجماليّ الواصلين، تَلَتها ليسفوس بنسبة 23 في المئة، ثم جزر دوديكانيسيا بنسبة 17 في المئة، وساموس بنسبة 14 في المئة، وأخيراً خيوس بنسبة 12 في المئة.


لم تعُد الهجرة غير النظامية إلى اليونان تقتصر على حالاتٍ فردية. فالبيانات الأوروبية واليونانية والأممية منذ سنة 2024 تكشف عن تزايد للقصّر المصريين الواصلين إلى البلاد، وعن تحدياتٍ تواجههم بعد الوصول.

خلال سنة 2024، رصدت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وصول 16,820 طفلاً إلى اليونان عبر البحر والبرّ، من بينهم 3,834 طفلاً غير مصحوبٍ، بزيادةٍ قدرها 34 في المئة مقارنةً بسنة 2023. وكانت مصر، إلى جانب أفغانستان وسوريا، من بين أكثر جنسيات الأطفال الواصلين إلى اليونان. وفي العام نفسه، سجّلت وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء 3400 طلب لجوءٍ من قصّرٍ مصريين في دول الاتحاد الأوروبي والدول المرتبطة به، تركّز معظمها في اليونان. واحتلّت مصر المرتبة الثالثة بين جنسيات هذه الفئة، بعد سوريا وأفغانستان.

أما بيانات وزارة الهجرة واللجوء اليونانية، فتُظهر حجم حضور القصّر داخل منظومة الحماية والإيواء. فوفق بيانات الأمانة العامة للأشخاص المعرّضين للخطر والحماية المؤسسية في اليونان، بلغ تقدير عدد القصّر 2,408 مع نهاية سنة 2024. وفي العام نفسه، قالت نائبة وزير الهجرة اليوناني صوفيا فولتيبسي لوكالة "أسوشيتد برس" إنّ من بين 2,588 قاصراً مسجّلاً في البلاد، كان هناك 1,341 مصرياً، أي أكثر من نصف المجموع. وربطت فولتيبسي وصول هؤلاء الأطفال بشبكاتٍ تنقلهم من قرىً فقيرةٍ في مصر إلى طبرق في ليبيا. وقالت، استناداً إلى شهاداتٍ تلقّتها السلطات، إنّ بعضهم سِيم ضرباً وسوء معاملةٍ في مخيّماتٍ هناك بهدف إشراكهم في أنشطةٍ إجرامية.

وخلال سنة 2025، أحالت منظومة الهجرة اليونانية 1,716 قاصراً إلى نظام الإيواء، وفق الإحصاءات الصادرة عن الأمانة العامة. ومثّلت الجنسية المصرية 53 في المئة منهم، أي ما يقارب 910 قاصراً مصرياً وفق النسبة المنشورة. ويعكس هذا الرقم حجم القصّر المصريين الذين أُحيلوا إلى منظومة الإيواء خلال العام، ولا ينبغي اتخاذه إجماليّاً لعدد القصّر المصريين الموجودين في اليونان.

وعلى نطاقٍ أوسع، قدّرت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين عدد الواصلين إلى اليونان بحراً خلال سنة 2025 بنحو 41,696 لاجئاً وطالب لجوء. ومثّل المصريون 20 في المئة من إجماليّ الواصلين، في حين شكّل الأطفال 20 في المئة من الوافدين بحراً. وصنف 32 في المئة من بين هؤلاء الأطفال الواصلين بحراً بتصنيفِ "غير مصحوب".

استمرّ حضور المصريين بقوة في بيانات اللجوء خلال الأشهر الأولى من سنة 2026. ففي بيانات المفوضية عن يناير وفبراير، جاءت مصر في المرتبة الثانية بين جنسيات طالبي اللجوء في اليونان بعد سوريا، بواقع 5,768 طالب لجوء مقابل 6,134 سورياً و3,834 أفغانياً.

وفي المقابل، تشير بيانات المفوضية في مطلع 2026 إلى تصدّر مصر الجنسيات العربية في اليونان. ولا تكمن دلالة الأرقام في حجم الوصول وحده، وإنما تمتدّ إلى ما يحدث لملفات هؤلاء الأطفال بعد وصولهم. فقد بلغ عدد ملفات القصّر المصريين — التي كانت في انتظار قرار مع نهاية سنة 2024 — نحو 2100 ملفٍ، بزيادةٍ قدرها 154 في المئة مقارنةً بنهاية سنة 2023. أما نسبة الاعتراف بالحماية، في القرارات الابتدائية الخاصة بالقصّر المصريين، فلم تتجاوز 3 بالمئة.

للوقوف على دور السلطات المصرية في التعامل مع الظاهرة، زرتُ السفارة المصرية في اليونان، من دون أن أنجح في مقابلة السفير المصري عمر عامر. لكن مساعِدة السفير، كريسولا موسوناكي، طلبت في اتصالٍ هاتفيٍّ إرسال أسئلة التحقيق إليها، وهو ما فعلتُه في الأول من مايو 2026. هذا ولم تردّ السفارة ولا السفير على الأسئلة حتى موعد نشر التحقيق.


بعد عبور الحدود والوصول إلى اليونان، يواجه الطفل عقبةً من نوعٍ آخر. إذ يدخل عالماً مختلفاً ومنظومةً قانونيةً يُفترض أن توفّر له الحماية باعتباره قاصراً غير مصحوب: مراكز استقبالٍ وإيواءٍ، مع إجراءاتٍ رسميّةٍ لتسجيل هويّته وتحديد سنّه، ثم رعاية صحية ونفسية.

يقول يوسف إنّه عندما وصل اليونان عبر البحر من ليبيا، اقتادته الشرطة اليونانية مع مجموعةٍ كبيرةٍ من الأطفال إلى مركزٍ للاستقبال والتعريف حيث خضعوا لإجراءات التحقق من الهوية والفحص الأمنيّ. ويضيف أنّ الشرطة تحفظت على هاتفه وهواتف الأطفال الذين كانوا معه، إلى جانب مقتنياتهم الشخصية، من أجل فحصها. بعد ذلك، نُقل إلى أحد مراكز الإيواء المخصّصة للقاصرين حيث بقي نحو أربعين يوماً مع قيودٍ على حركته، إلى حين استكمال أوراقه الثبوتية وإجراءات تحديد سنّه.

بعد استكمال تلك الإجراءات، نُقل إلى دار رعاية أو ما يسمّيه الأطفال "الكامب"، حيث تلقى — بحسب روايته — خدمات الرعاية الصحية الأساس مع مخصّصاتٍ ماليةٍ محدودةٍ، وكان يُسمح له بالخروج من المركز فترةً محدّدةً كلّ يوم.

يلخص فادي (15 عاماً) وضع الأطفال الذين لم يبلغوا السنّ القانونية قائلاً: "يا نعيش في الكامب يا في الشارع". في حديثه مع الفراتس، بينما كان برفقة مجموعةٍ من القصّر المصريين في ساحة محطة مترو موناستيراكي بأثينا، قال: "لغاية ما نكمّل السنّ القانوني، هنفضل قاعدين في الكامب. بيأكّلونا ويعلّمونا اللغة وصنعة، وهيدّونا ورق إقامة رسمي".

يشير فادي إلى أنّ بعض الأطفال لا يتحمّل البقاء داخل مراكز الإيواء والامتثال للقوانين، فيقرر المغادرة: "فيه أطفال بتهرب، بيكونوا عايزين يسافروا إيطاليا". ويلفت إلى أنّ من ينوي الهرب عادةً لا يتفاعل كثيراً مع زملائه أو المشرفين داخل المركز، "تلاقي الطفل جاي مع المجموعة اللي سلّمت نفسها لشرطة الحدود اليونانية ويدخل الكامب وميرضاش يتكلّم، فنعرف إنّه هيهرب عشان يكمّل سفر إلى إيطاليا".

يتفق يوسف وفادي على أنّ الهروب من الكامب هو أسوأ قرار يتخذه الطفل بعد الوصول إلى اليونان. يقول فادي: "كلّنا عارفين إنّ اللي بيهرب من الكامب بيعيش طول عمره متبهدل، عشان الكامب هو اللي بيظبط لنا الورق". ويوضّح أنّ من يهرب عادةً هو من ارتكب مخالفةً أو جريمةً وصدر بحقّه قرار بحرمانه من المصروف اليومي أو من مغادرة الكامب، مضيفاً: "اللي بيهرب بيروح يشتغل في الممنوع أو في وظايف من غير ورق ولا حقوق، وكتير منهم بيتقبض عليهم بعدين".

الطفل الذي يصل البلاد قبل بلوغه الثامنة عشرة، من دون أحد والديه ولا شخصٍ بالغٍ مسؤولٍ عن رعايته، يعامَل باعتباره قاصراً غير مصحوب بموجب منظومة الحماية اليونانية. ومنذ الأول من يناير سنة 2024 بدأ تطبيق نظامٍ وطنيٍّ جديدٍ للوصاية على القصّر غير المصحوبين يهدف إلى تعيين وصيٍّ لكلّ طفلٍ تلبيةً لاحتياجاته المتعلّقة بالحماية والتمثيل ومتابعة مصالحه. يشمل ذلك المساعدة في إجراءات الحماية الدولية، وغيرها من المسائل القانونية، إلى جانب الوصول إلى التعليم والخدمات الصحية والاجتماعية.

ولا يقتصر نظام الإيواء على نوعٍ واحدٍ من المراكز. فبعد إجراءات الاستقبال والتعريف، يمكن إحالة الطفل إلى مرافق إقامةٍ طويلة الأمد مخصّصة للقصّر غير المصحوبين، أو إلى شققٍ شبه مستقلّةٍ أو إلى الرعاية الأسرية. أما الطفل الذي يجد نفسه في أوضاعٍ غير آمنةٍ، فيمكن إحالته إلى مراكز تهتمّ بإجراء ترتيبات إيواءٍ طارئةٍ قبل العمل على ترتيبات إقامةٍ طويلة الأمد.

لكنّ هذا النظام يواجه ضغوطاً في التطبيق. ففي أبريل 2025، ردّاً على انتقاداتٍ حقوقية، قالت السلطات اليونانية إنّ أعداد القصّر تجاوزت في فتراتٍ معيّنةٍ عدد الأماكن المتاحة في مرافق الإقامة طويلة الأمد. أدى ذلك إلى ضغطٍ على نظام الاستقبال، والحاجة إلى وضع معايير لترتيب أولوية نقل الأطفال وفقًا للعمر والنوع والحالة الصحية ودرجة الهشاشة. وأشارت إلى اتخاذ إجراءاتٍ لنقل الأطفال من مناطق الاستقبال المكتظة، من بينها المنطقة الآمنة المخصّصة للقصّر في ساموس.

تظهر الانتقادات أكثر حدّةً في بعض مراكز الاستقبال على الجزر. ففي يناير 2026، أدانت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان اليونان في قضيةٍ تخصّ سبعة قصّرٍ غير مصحوبين أقاموا في مركز الاستقبال والتعريف القديم في ساموس خلال سنتَي 2019 و2020. وخلصت المحكمة إلى أنّ ظروف إقامتهم، بما شمل الاكتظاظ وعدم كفاية المرافق الصحية والرعاية الطبية والنفسية ونقص الحماية والوصاية المناسبة، لم تستوفِ المعايير المطلوبة وبلغت حدّ انتهاك المادة الثالثة من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان.

لا يتعلّق الحُكم بالمركز الحاليّ في ساموس فقط، إذ أُغلق المركز القديم وانتقلت عمليات الاستقبال إلى المنشأة الجديدة في زيرفو. ومع ذلك، استمرت الانتقادات المتعلّقة بأوضاع القصّر في المنشأة الجديدة حتى نهاية يونيو 2025. فاتخذت المحكمة الأوروبية تدابير مؤقتةً في قضايا تخصّ قصّراً داخل مركز ساموس، على خلفية فترات إقامةٍ طويلةٍ وظروفٍ وُصفت في ملفات تلك القضايا بأنّها غير ملائمةٍ، مع طلب نقل الأطفال إلى أماكن إقامةٍ مناسبة. من جهتها، وثّقت منظمة هيومن رايتس ووتش انتقاداتٍ تتعلّق بالقيود على حركة القصّر داخل مراكز الوصول والاستقبال، وبإقامتهم مُدداً أطول مما هو مقرر في بعض الحالات.

ومع ذلك، لا تنتهي العقبة التي يواجهها الطفل عندما يبلغ الثامنة عشرة، ويحصل على مكانٍ في أحد مراكز الإيواء، وإنما يبدأ أصعب مراحله مع توقّف القانون عن معاملته طفلاً.


بعد وصوله السنّ القانونية، تبدأ مرحلةٌ أكثر تعقيداً. فالحماية والترتيبات الخاصة التي حصل عليها باعتباره قاصراً ستتغير، بينما يبقى وضعه القانوني مرتبطاً في المقام الأول بمسار طلب الحماية الدولية الذي تَقدّم به. وفي الوقت نفسه، يجد نفسه مطالباً بالاعتماد على نفسه أكثر في بلادٍ لا يزال غريباً عنها.

يوسف، الذي وصل اليونان في السادسة عشرة من عمره، عاش هذه المرحلة وهو يدرك أنّ بلوغه الثامنة عشرة سيغيّر كثيراً من تفاصيل حياته. يقول للفراتس إنّه حصل على أوراقٍ رسميةٍ أتاحت له العمل عند بلوغه السنّ القانونية، لكن بشروطٍ وإجراءاتٍ محدّدة. يضيف: "اشترطوا عدم انتقالي إلى مدينةٍ أخرى لثلاث سنوات، حتى يُتاح لي تقديم طلب إقامة".

لكنّ الأوراق التي تسمح بالعمل لا تعني بالضرورة أنّ الشاب محميٌّ من دائرة الاستغلال. يقول عبده: "متوسط يومية العمل لمن يملك إقامة خمسون يورو. من لا يملكها، يتقاضى ثلاثين أو أربعين يورو مقابل ساعات عملٍ يوميةٍ شاقةٍ تصل إلى اثنتي عشرة ساعة. وبعض رجال الشرطة يتعامل معنا بشدّةٍ بالغةٍ مع تفتيشٍ مستمرّ. وإذا تجرأنا على الكلام، ممكن يلفقوا لنا تهمة ويرحّلونا. الواحد منّا يكتم الوجع في قلبه حتى لا يقهر أهله اللي استلفوا لتوفير كلفة سفره".

بمجرّد تسجيل طلب الحماية الدولية، يحصل طالب اللجوء على بطاقة طالب الحماية الدولية التي تتيح له الإقامة قانونياً في اليونان إلى حين انتهاء فحص طلبه. ويحقّ له العمل والحصول على خدماتٍ ضروريةٍ كالرعاية الصحية والسكن ضمن منظومة الاستقبال. لا يصدر قرار منح الحماية أو رفضها عن المحكمة في المرحلة الأولى، وإنما عن دائرة اللجوء. وفي حال الرفض، يحق لطالب الحماية الطعن في القرار خلال المواعيد المحددة قانوناً. أما إذا حصل على صفة لاجئ أو على الحماية الفرعية، فينتقل إلى وضعٍ قانونيٍّ مختلفٍ يمكّنه من الحصول على تصريح إقامةٍ وفق نوع الحماية الممنوحة له. وإذا رُفض طلب الحماية نهائياً، ولم يكن لدى الشاب أساسٌ قانونيٌّ آخر للبقاء، يمكن أن تبدأ إجراءات إبعاده من اليونان.

لا ينفصل التعليم عن هذا المسار القانونيّ. فالقانون اليوناني يتيح للبالغين، الذين دخلوا البلاد وهم قصّرٌ الحصولَ على تصريح إقامةٍ لمدة عشرة أعوام. ويمنحهم كذلك حق الوصول الكامل إلى سوق العمل، إذا كانوا قد أتمّوا بنجاحٍ ثلاث سنواتٍ دراسيةٍ على الأقلّ في التعليم الثانوي داخل مدرسةٍ يونانيةٍ قبل بلوغهم ثلاثةً وعشرين عاماً. ولا يكفي مجرد الانتظام في الدراسة، إذ يشترط إثبات إتمام الصفوف الدراسية والانتقال إلى الصف التالي بنجاح.

تكتسب هذه القاعدة أهميةً خاصةً بالنسبة للأطفال الذين يصلون اليونان في سنّ السادسة عشرة أو السابعة عشرة، لأنّ الوقت المتاح لهم لاستكمال سنوات الدراسة المطلوبة محدود. وفي ظلّ وجود معوقاتٍ، مثل نقص الكوادر المدربة على التعامل مع الأطفال المهاجرين واللاجئين وتأخر إنضماهم إلى برامج التعلم، إضافةً إلى محدودية بعض خيارات التعليم المهني، قد تتعثر قدرتهم على الانتظام في الدراسة، ما يدفع بعضهم إلى الانقطاع المبكر. وهو ما يجعل المسار الذي يفترض أن يربط التعليم بإمكانية الحصول لاحقاً على تصريح إقامةٍ أصعب في التطبيق على بعض الأطفال.

وهنا تظهر المفارقة التي تكشفها رحلة يوسف ورفاقه. بلوغ الثامنة عشرة لا يعني بالضرورة فقدان الحق في البقاء، بل انتهاء مرحلة الحماية المخصصة للأطفال والانتقال إلى منظومةٍ يعتمد فيها مستقبل الشاب أكثر على وضعه القانونيّ، واستمراره في التعليم أو التدريب وقدرته على العمل وبناء حياةٍ مستقرة.


في خلفية مسارات هجرة القصّر إلى اليونان، لا يظهر السمسار وحده، فهناك الأسرة والمجتمع. تدرك الأسرة بدرجاتٍ متفاوتةٍ مخاطر الرحلة كالغابات والتهريب والاختفاء واحتمال الموت. ومع ذلك، قد يتغلّب حلم الوصول وتحسين الوضع الاقتصادي على الخوف.

ويبدو أنّ العلاقة بين بعض الأسر والهجرة غير النظامية بدأت تشهد تحولاً. هذا ما يفسره للفراتس استشاري الطب النفسي وزميل الكلية الملكية للطب النفسي في لندن، خليل فاضل. إذ يقول إن هناك آباءً كانوا يخشون من القوارب في السابق، أصبح بعضهم يشارك أبناءه قرار الهجرة مدفوعين، بحسب تفسيره، بالضغوط الاقتصادية والاجتماعية وبنماذج النجاح التي يرونها حولهم.

هذا ما يسمّيه فاضل "الإنكار الدفاعي". فالأسرة تعرف مخاطر الرحلة، لكنها تميل إلى التركيز على القصص التي انتهت بالوصول والنجاح مقابل تهميش قصص الموت والاختفاء. وفي هذه البيئة قد تصبح صور الأصدقاء الذين وصلوا أوروبا أكثر تأثيراً من التحذيرات من مخاطر الطريق.

وهذا ما ظهر في شهادة كامل (13 عاماً) الذي لم يتعرّف إلى اليونان من خلال تقارير الهجرة ولا تحذيرات السلطات، وإنما من صور أصدقائه. عندها يمكن أن يتحوّل الطفل من ابنٍ يحتاج إلى الحماية إلى مشروعٍ يُعوَّل عليه اقتصادياً. وليس بالضرورة نتيجة غياب الرغبة في حمايته، وإنما لأن الضغوط المعيشية قد تجعل من الهجرة استثماراً من شأنه أن يغيّر وضعها بالكامل. لكن كلفة هذا "الاستثمار" يدفعها الطفل أولاً.

يتشكل هذا القرار داخل الأسرة جزءاً من مجتمعٍ محليٍّ تنتقل فيه قصص الهجرة من أسرةٍ إلى أخرى. تقول أستاذة علم الاجتماع في جامعة عين شمس، سامية خضر، إنّ "حركة الهجرة قد تبدأ من فردٍ يسافر ثم ينقل تجربته إلى آخرين، فتتحول التجربة الفردية تدريجياً إلى نموذجٍ تتبعه الأسر والأصدقاء". وتشرح خضر كيف يمكن لنجاح مهاجرٍ واحدٍ أن يؤثر في البيئة المحيطة به: "الناس في القرى تشوف أهله ظهر عليهم الفلوس وشراء البيوت والأراضي، فتشعر إن المستوى الاجتماعي تحوّل بسبب ابنهم اللي هاجر". هذا التصور عن التحسن المادي قد يدفع بعض الأسر إلى بيع ما تملك أو الاستدانة لتمويل سفر أبنائها.

تشير سامية كذلك إلى أن هذا الحلم يرتبط بجغرافيا الفقر وفرص العمل، وتقول إن "حلم الثراء السريع" يظهر بدرجةٍ أكبر في مناطق من صعيد مصر، التي تصفها من أكثر مناطق البلاد فقراً. وتربط بين الضغوط الاقتصادية وبين تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، التي تتيح للأطفال والشباب الاطلاع المستمر على أنماط حياةٍ مختلفة. وتقول إنّ بعض المؤثرين يعرضون صورةً مبسطةً أو مضللةً عن سهولة السفر والعيش في الخارج، بما يعزّز عند بعض الأطفال تصوراً بأن الوصول إلى أوروبا يمكن أن يكون أقرب وأسهل مما هو عليه في الواقع.

وهكذا لا يُصنع قرار الهجرة في لحظةٍ واحدةٍ، والمسؤولية لا تقع على السمسار وحده. هو قرارٌ يتشكّل عند تقاطع الحاجة الاقتصادية وقصص النجاح المتداولة داخل المناطق، إضافةً إلى توقعات الأسرة وتأثير الأصدقاء ووسائل التواصل الاجتماعي. وبينما يرى الكبار في الهجرة احتمالاً لتغيير الوضع المعيشيّ، قد يراها الطفل أقصر طريقٍ إلى حياةٍ أخرى. لكن ماذا عن الدولة؟


السلطات المصرية من جانبها تعلم أنّ توقف القوارب عن الانطلاق من سواحلها منذ سنة 2016 لم ينهِ ظاهرة الهجرة غير النظامية، وإنما دفع المهرّبين إلى تغيير مساراتها. 

بحسب رئيس اللجنة الوطنية التنسيقية لمكافحة ومنع الهجرة غير الشرعية والاتجار بالبشر، السفير عمرو رمضان، نجحت مصر منذ 2016 في وقف انطلاق قوارب الهجرة غير النظامية من سواحلها. وقال رمضان للفراتس إنّ المسارات الحالية للمصريين، الراغبين في الوصول إلى أوروبا، تعتمد بدرجةٍ أكبر على دولٍ أخرى من بينها ليبيا وتركيا.

تؤكد الرواية الرسمية المصرية أن سنة 2016 شكلت نقطة تحولٍ في التعامل مع الهجرة غير النظامية عبر البحر. فقد أعلنت القوات المسلحة آنذاك ضبط آلاف الأشخاص ومنع محاولاتٍ عديدةٍ للانطلاق من السواحل المصرية، في حين أكدت الحكومة لاحقاً عدم تسجيل انطلاق قوارب هجرة غير نظاميةٍ من الساحل المصري منذ ذلك العام.

وفق رمضان، تتابع اللجنة البيانات الصادرة عن المنظمات الدولية وحرس الحدود الأوروبي، لكنها تتعامل معها باعتبارها مؤشراتٍ استرشاديةً وليست أرقاماً نهائيةً، نظراً لاختلاف طرق احتساب الهجرة غير النظامية. فقد تعتمد بعض الجهات على أعداد الواصلين إلى أوروبا، في حين تشمل مصادر أخرى من اعترضتهم السلطات قبل المغادرة، أو من فقدوا حياتهم في البحر.

وبحسب تقديرات اللجنة التي عرضها رمضان، يبلغ عدد المهاجرين غير النظاميين من مصر نحو ثمانية عشر ألف شخصٍ سنوياً من مختلف الفئات العمرية، مقابل نحو ستةٍ وثلاثين ألفاً من بنغلاديش. ويقول رمضان إنّ هذا الرقم، مع اعتباره غير مقبولٍ، لم يشهد زيادةً بل انخفض خلال الربع الأول من سنة 2026. وهو ما يعزوه إلى إحكام السيطرة على طرق الهجرة الخارجة من مصر.

يلفت رمضان إلى أن اللجنة تحاول، مع رصد حجم الظاهرة، تحديد الفئات العمرية والمحافظات الأكثر تصديراً للمهاجرين لفهم دوافع الهجرة. ويضع العاملَ الاقتصاديَّ في مقدّمتها، قائلاً إنّ جهود التوعية تستهدف إقناع الراغبين في الهجرة بالمخاطر المرتبطة بالمسارات غير النظامية، وتعريفهم بالمسارات القانونية المتاحة وفرص التدريب والتأهيل التي يمكن أن تفتح لهم طرقاً أخرى للسفر والعمل.

وفق رمضان، تتغيّر مسارات الهجرة مع تغيّر إجراءات الرقابة. فكلّما ضُيّق على أحد الطرق، تبحث شبكات التهريب عن طريقٍ بديلٍ، بما في ذلك عبر ليبيا أو تركيا. ويرى أنّ مواجهة الظاهرة تتطلب، إلى جانب الإجراءات المصرية، تعاوناً مع دول العبور والاستقبال وتشديد الرقابة على شبكات التهريب العابرة للحدود.

ولا تقتصر جهود اللجنة، بحسب رمضان، على الملاحقة الأمنية. فهي تشمل حملاتٍ للتوعية ودوراتٍ تدريبيةً تستهدف الجهات الحكومية المعنية، إلى جانب الأطفال والشباب وأسرهم. ويقول إنّ اللجنة تنظم ورش عملٍ وفعالياتٍ توعويةً في المحافظات بانتظامٍ، وإنّ تقديراتٍ سابقةً نوقشت في مجلس النواب أشارت إلى أنّ قاعدة الشباب الذين يمكن أن تستهدفهم حملات التوعية تصل إلى نحو عشرين مليون شخص، بخلاف الأطفال الذين يصعب رصد أعدادهم بدقة.


بينما تؤكد الرواية الرسمية المصرية نجاحها في منع مغادرة قوارب الهجرة غير النظامية من سواحلها، تواصل شبكات التهريب إعادة رسم طرقها عبر دولٍ أخرى. فما زالت منظومةٌ كاملةٌ ترسل أطفالها إلى رحلةٍ تبدأ من مكانٍ وتنتهي في آخر، ولا تنتهي مخاطرها عند الوصول.

في ساحة موناستيراكي، ينتظر أطفالٌ مصريون عبروا كلّ هذه المسافة بين منزلهم واليونان مصيراً لا يعرفون شكله. يحملون في هواتفهم صوراً يرسلونها إلى أسرهم تأكيداً على أنّهم "بخير"، لكنّ الصورة لا تفصح عن كلّ شيء. وخلفها خوفٌ من الشارع، واستغلالٌ في العمل، وقلقٌ من الأوراق ومن بلوغ الثامنة عشرة قبل أن يجدوا موطئ قدمٍ ثابتاً في البلاد التي وصلوا إليها.

بعضهم وجد في مراكز الإيواء مكاناً آمناً وطريقاً إلى التعليم والرعاية واستكمال أوراقه، في حين غادر آخرون بحثاً عن طريقٍ آخر في أوروبا أو هرباً من قيود الإقامة والانتظار. وبين هؤلاء وهؤلاء، أطفالٌ عالقون بين حلم أسرةٍ ترى في الهجرة فرصةً لحياةٍ أفضل وواقعٍ يونانيٍّ لا يشبه الصور التي دفعتهم إلى الرحيل.

اشترك في نشرتنا البريدية