كان ريّس المركب حمزة جعفر، البالغ أربعة وعشرين عاماً، قد غادر بوغاز دمياط (ممر مائي يربط النيل بالبحر المتوسط) في الخامس من فبراير، متجهاً إلى مناطق الصيد الواقعة بين السواحل التركية والقبرصية. اصطحب معه شقيقه الأصغر عثمان، البالغ ثمانية عشر عاماً، وخمسة بحارة آخرين. وقد ترك حمزة خلفه طفلاً رضيعاً لم يتجاوز عمره ثلاثة أشهر. وحتى مساء 21 فبراير، لم يكن هناك ما يثير القلق. فقد كان المركب يصطاد إلى جوار مركب مصري آخر هو "حامد ومحمود 166"، يقوده الريس خالد الجمل، في المياه العميقة قبالة خليج مرسين جنوب تركيا في المتوسط، وكانت أجهزة اللاسلكي تنقل الأحاديث المعتادة بين الطاقمين. ومع بزوغ فجر اليوم التالي، كان أبو حمزة قد اختفى، فيما ظل طاقم حامد ومحمود يناديه عبر اللاسلكي لساعات دون أي رد، وبقي في المنطقة بحثاً عن أي إشارة أو أثر للمركب. لكن البحر لم يُجب، فطفقوا عائدين لدمياط.
وبعد يومين من اختفاء مركب أبو حمزة، كان على الطرف الآخر وسط البحر المتوسط مركب صيد تونسي يسمى "إن إيه نسيم الحسن" على موعد مع المصير نفسه. كان على متنه ستة صيادين، بعد إبحاره من ميناء قليبية باتجاه جزيرة بانتيليريا الإيطالية، قبل أن ينقطع الاتصال به ولم تصل منه أي إشارة استغاثة. ولم تسفر عمليات البحث عن أي علامة تقود له، ليصير اختفائه هو أيضاً لغز غمرته مياه البحر.
اختفى أبو حمزة ونسيم الحسن في وقت كانت فيه منطقة شرق المتوسط تشهد ما يُرجح أنها موجة واسعة من التشويش الإلكتروني والعسكري، أربكت أنظمة تحديد المواقع (جي بي إس) والاتصالات اللاسلكية، وشوشت بيانات الملاحة البحرية. وفي حالة أبو حمزة ظهرت مؤشرات على اضطراب في الملاحة والاتصال، بينما تكشف حالة نسيم الحسن عن تزييف بيانات المركب وانتحال هويته، بما أدى إلى إرباك منصات تتبع الملاحة.
وفي البحر حيث تعتمد مراكب الصيد الصغيرة على عدد محدود من وسائل الملاحة والاتصال، قد يتحول الاضطراب في هذه الوسائل إلى خطر داهم. إذ تتضاءل فرص وصول نداءات الاستغاثة في اللحظات الحرجة، ويتعذر تتبع مصير المراكب وطاقمها بدقة. وبهذا يجد الصيادون أنفسهم الحلقة الأضعف والأقل حماية، يدفعون ثمن حرب أو تحركات عسكرية ليسوا طرفاً فيها، فيما تدفع عائلاتهم في البر الثمن انتظاراً لعودة أحبتهم.
ومع اتساع استخدام هذه التقنيات خلال العقد الأخير، بدأت آثارها تظهر جليةً خارج ساحات القتال، لاسيما في المناطق التي تتقاطع فيها طرق الملاحة المدنية مع النشاط العسكري. فمثلاً في صيف 2024، تعرضت سفينة تبحر في شرق المتوسط باتجاه ميناء حيفا للتشويش والتزييف. ومع اقترابها من إسرائيل، فقدَ جهاز تحديد المواقع قدرته على تحديد موقعها، وبدأ يعرض مواقع وهمية، من بينها مطار بيروت. وقد أورد تقرير صحفي لشبكة إي بي سي الاسترالية في سبتمبر من ذلك العام أن مصدراً محتملاً لإحدى إشارات التزييف كان مطار عين شيمر العسكري شمال إسرائيل.
في الأيام التي سبقت اختفاء المركبين المصري والمركب التونسي، كان البحر المتوسط يتحول تدريجياً إلى مسرح لتحركات عسكرية متسارعة، فيما كانت طبقة أخرى من الصراع تُبنى في الخفاء فوق سطحه. إذ عززت الولايات المتحدة الأمريكية حضورها العسكري في الشرق الأوسط في فبراير 2026 بإرسال حاملة الطائرات يو إس إس جيرالد فورد، أكبر وأحدث حاملات الطائرات في العالم، للانضمام إلى الحاملة أبراهام لينكولن، وسط توترات متصاعدة مرتبطة بالحرب على إيران. وفي 23 فبراير، وصلت جيرالد فورد إلى جزيرة كريت اليونانية، بعد أن عبرت مضيق جبل طارق قادمة من المحيط الأطلسي.
في الوقت نفسه، حرّكت وزارة الدفاع التركية قطعاً بحرية باتجاه جزيرة صقلية الإيطالية للمشاركة في مناورات حلف شمال الأطلسي (الناتو) السنوية "ديناميك مانتا"، التي استمرت من 23 فبراير إلى 6 مارس. ويستلزم تحريك هذه القوات حمايتها بتقنيات الحرب الإلكترونية، أو ما يُعرف بـاسم "الدرع غير المرئي"، الذي يشمل بث إشارات للتشويش على رادارات واتصالات الخصوم، بما يحصّن القطع العسكرية من الهجمات المحتملة.
طال هذا التشويش الملاحة البحرية في البحر المتوسط وشمال البحر الأحمر. ورصدت شركة ويندوارد للذكاء الاصطناعي والاستخبارات البحرية 978 ألف حادثة تشويش منفصلة أصابت السفن خلال الربع الأول من 2026، بين تداخل في أنظمة جي بي إس وانتحال هوية نظام التعرف التلقائي. وتكثفت هذه الحوادث بشكل لافت، وفقاً لوندوارد، مع اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير.
لا يعمل التشويش بالطريقة نفسها في جميع الحالات، بل يتخذ شكلين رئيسين: الأول حجبي، يهدف إلى حجب الموجات والتداخل معها أو إغراقها، ما يقطع الاتصالات التي تلتقطها أجهزة الملاحة والهوائيات وتعتمد عليها أنظمة تتبع مراكب الصيد والسفن. أما النوع الثاني، وهو انتحال الإشارة، فيبث إشارات زائفة تستقبلها الأجهزة على أنها حقيقية، فتُظهر مواقع ومسارات غير صحيحة للمركب.
وبحسب دانا غوارد عضو المجلس الاستشاري الفيدرالي لشؤون تحديد المواقع والملاحة، ورئيس مؤسسة الملاحة والتوقيت المرنة (آر إن تي) لرصد حوادث التشويش الإلكتروني وتحليلها، والمدير الأسبق في خفر السواحل الأمريكي، لا يُحدث التشويش ضرراً ملحوظاً في السفن العملاقة، المجهزة بأحدث وسائل الملاحة والمزوَّدة بأطقم مدربة على استخدام الخرائط الورقية والحسابات الزمنية عند التيه.
ولكنه يستدرك بأن الضرر الأكبر يطال مراكب الصيد الصغيرة، التي لا يملك بحارتها تدريباً ولا أجهزة حديثة تواجه بها تقنيات الحرب الإلكترونية. ويقول بأن جهات الاختصاص لا تُلزم القوارب في أغلب الأحيان بامتلاك جهاز إرسال نظام التعرف الآلي، الذي يُبلغ تلقائياً عن موقعها في حال حدوث أي مشكلة. وبدلاً من ذلك، تعتمد على أجهزة اللاسلكي و"جي بي إس"، التي كثيراً ما تقع ضحية التضليل بمواقع خاطئة. ويصبح صيادو مناطق النزاع بقواربهم المتواضعة الحلقة الأضعف والضحايا المنسيين على هامش التشويش.
يضيف غوارد: "حيثما يوجد صراع عسكري يوجد تشويش [حرب إلكترونية]". لذلك على البحارة خصوصاً في شرق البحر المتوسط توقع انقطاع الملاحة عبر الأقمار الاصطناعية، والاستعداد لإيجاد طريق عودتهم إلى ديارهم من دونها.
يخالف هذا التشويش الراداري العسكري الذي يهدد الملاحة والأرواح لائحة الاتحاد الدولي للاتصالات. وتكمن خطورته أيضاً في سرعة انتشاره واتساع نطاقه. إذ ينطلق بسرعة الموجات الكهرومغناطيسية اللاسلكية، أي نحو ثلاثمئة ألف كيلومتر في الثانية بحسب دليل هندسة الحرب الإلكترونية وأنظمة الرادار. وفي المقابل، تحمي الدول التي تبث التشويش طائراتها وسفنها العسكرية من "نيرانها الإلكترونية" ذاتها، بتزويدها بشفرات خاصة محمية.
أما فيما يخص دوافع عمليات التشويش، فتتجاوز ساحات القتال المباشرة. فهي تشمل حماية الشخصيات المهمة أثناء عبورها في منطقة ما، وتأمين المطارات والمنشآت الحساسة، ومواجهة الطائرات المسيّرة. كذلك تُستخدم في التدريبات العسكرية، وحماية القطع الحربية المشاركة خلال مرورها أو بقائها في البحر، عبر بث مواقع تضليلية تخفي وجهتها الحقيقية وتحركاتها عن أنظمة الرصد والمراقبة لدول تتداخل معها في نزاعات أو عمليات تجسس.
يسترجع حسين جعفر، عمّ حمزة وأخيه عثمان وأحد مشايخ الصيادين بعزبة البرج، تفاصيل بداية رحلة البحث. يقول إن أحد أقارب حمزة وعثمان تلقى اتصالاً هاتفياً في 11 فبراير من أحد أقارب مركب الصيد حامد ومحمود، يسأله عن موقع الصيد الذي يعمل فيه مركب أبو حمزة، فأخبره أنه يصطاد في خليج مرسين بالمياه الإقليمية بين تركيا وقبرص. ووفقاً لحسين، يظل هذا الأمر عادةً سراً بين صيادي عزبة البرج، لأن رحلات الصيد هناك غير قانونية لعدم وجود تصريح بها.
وبعد أيام اتجه مركب حامد ومحمود إلى الموقع نفسه، وبحسب خالد الجمل التقى بأبو حمزة للصيد معاً. استمر المركبان معاً مدة أربعة أيام، بدءاً من 17 فبراير 2026، قبل أن يختفي أبو حمزة، ويعود حامد ومحمود بمفرده إلى بوغاز دمياط في الثاني من مارس، وكانت عائلات مركب أبو حمزة في انتظاره لسؤاله عن مصير أبنائهم الذين كانوا يصطادون بجوارهم.
تتذكر ناهد السبع، زوجة محمود أبو رجب، أحد صيادي مركب أبو حمزة، لحظات وداع زوجها قبل رحلته الأخيرة: "ودعني في الخامس من فبراير، وكان من المفترض أن أستقبله فجر 24 فبراير". تضيف أن خالد الجمل (ريّس مركب حامد ومحمود) كان يعمل معهم في الموقع نفسه، قبل أن يختفي مركب زوجها فجأة من أمامهم.
وأمام التكهنات بشأن مصير زوجها، ترفض ناهد تصديق رواية غرق المركب، وتقول: "الريّس حمزة ابن بحر وخبير بدروبه، ومش هيضحي بحياته أو حياة الناس اللي معاه من أجل طرحة سمك". ثم تردف: "جوزي محمود كان أكبرهم سناً، عمره سبعة وثلاثين عاماً، لكن الباقيين شباب صغيرين".
غياب المركب "كسر ظهر" أم حمزة وعثمان، التي فقدت معيلَيها الوحيدين في لحظة واحدة. وترك هذا الغياب أهالي الصيادين في ساحل عزبة البرج في حالة ذهول، منتظرين خبراً من مركب حامد ومحمود يُنهي ضبابية الحادث إما إعلان غرق المركب، أو معجزة تُعيد الريّس حمزة ورفاقه إلى عزبة البرج.
وعن تفاصيل الساعات التي قضاها إلى جانب مركب أبو حمزة، يروى الجمل في حديثه إلى الفراتس أنه كان يُبحر ويصطاد مدة أربعة أيام أمام شاطئ مدينة البرلس بمحافظة كفر الشيخ، إذ يملك تصريحاً رسمياً بالصيد فيها. لكن نظراً لشح الأسماك وقلة الإنتاج، قررا التوجه إلى خارج الحدود للصيد في المياه العميقة التي تتميز بخلوها من العوائق وبوفرة "الجمبري الأحمر" باهظ الثمن.
يردف: "أبحرتُ من البرلس متجهاً إلى المياه الإقليمية لتركيا وقبرص في 14 فبراير، وقد استغرقت الرحلة خمسين ساعة، بسرعة سبعة أميال بحرية في الساعة". وصل الجمل إلى وجهته يوم 16 فبراير، وفي صباح اليوم التالي التقى بمركب أبو حمزة على بعد نحو عشرين ميلاً بحرية من ميناء مرسين التركي. وكانت المسافة الأفقية بين المركبين لا تزيد على ميلين بحريين اثنين.
يقول الجمل: "كنا نتحرك ظلّين في شرق المتوسط، نلقي شباكنا في حركة مدّ وجزر، نقترب تارة ونبتعد تارة أخرى [. . .] كانت المسافة بين مركبَينا عادةً من خمسة إلى ثمانية أميال بحرية، تتقلص أحياناً إلى ميل أو ميل ونصف وربما أقل. تجمعنا نقطة إحداثيات واحدة، نبتعد ونقترب درجات منها. في عمق مياه بلغ 616 متراً، ومن خلفنا البر التركي، ومن الجهة الأخرى البر القبرصي".
رواية الجمل تطابقت مع رسالة صوتية أرسلها صياد سوري مقيم في تركيا، كان يصطاد في مياه خليج مرسين التركي مع مركبي أبو حمزة وحامد ومحمود، إلى أسرة حمزة وعثمان. وقد حصلت الفراتس على نسخة منها. يقول الصياد في الرسالة إنه رأى المركبين المصريين مع زملائه في خليج مرسين، قبل أن تطاردهما قوات خفر السواحل التركي وتجبرهما على الابتعاد عن المياه التركية. وقد أرسل الصياد السوري للأسرة إحداثيات الموقع الذي شاهد فيه المركبين.
مركبا حامد ومحمود وأبو حمزة يوم 17 فبراير، في التاسعة صباحاً.
الصور ملتقطة بواسطة منظومة الأقمار الاصطناعية سِنْتِنِل تُو
كان الموقع الذي أرسله الصياد السوري نقطة البداية لنا للتحقق من رواية وجود المركبين معاً في خليج مرسين. وبمطابقة الإحداثيات التي ذكرها مع إحداثيات حصرية أرسلها لنا الجمل التقطها في المكان نفسه، أمكن تضييق نطاق البحث وتحديد المنطقة التي ينبغي فحصها.
وقد تعزز هذا التحقق بالاستناد إلى صور أنظمة أقمار اصطناعية متخصصة في تتبع مراكب الصيد الصغيرة والمخفية "المظلمة" عبر تقنيات استشعار ترصد الهياكل المعدنية وأحجامها ومساراتها وسرعتها، مستعينين ببيانات بحرية وتوثيق زمني دقيق.
وفقاً لما التقطته الصور، ظل المركبان من 17 فبراير إلى مساء 21 فبراير يبحران جنباً إلى جنب، على مسافة أفقية تراوحت بين ميلين وأربعة أميال بحرية. وتبيّن أنه في الساعة السادسة صباح يوم 22 فبراير، ظهر على الخريطة مركب واحد لا مركبان في الإحداثيات نفسها. وظل المركب الواحد يدور في الإحداثيات تقريباً حتى الثالثة عصراً، لكنه خرج منها في الرابعة عصر اليوم نفسه.
نقطة الإحداثيات خالية أمام مرسين التركية بعدما أجبر خفر السواحل التركي مركبي أبو حمزة وحامد محمود على التراجع للخلف. الصور عن منظومة الأقمار الاصطناعية (سِنْتِنِل تُو) يوم 18 فبراير 10 صباحاً.
رصد مركبي حامد ومحمود وأبو حمزة يومي 20 و21 فبراير في التاسعة صباحاً قبل اختفاء الأخير.
الصور ملتقطة بواسطة منظومة الأقمار الاصطناعية سِنْتِنِل تُو
وتتقاطع بعض هذه المعطيات مع ما يقوله حسين جعفر، أحد مشايخ الصيادين في عزبة البرج. قال للفراتس إن سلطات التحقيق المصرية اطلعت على مسار مركب حامد ومحمود في يوم اختفاء أبو حمزة. واكتشفت، وفقاً لبيانات جي بي إس للمركب، أنه ظل طوال نهار 22 فبراير يُبحر دائرياً، وكأنه يدور حول نفسه. وقد دفع هذا السلوك، حسبما أخبرنا حسين، أحد أقارب صيادي مركب أبو حمزة إلى القلق بشأن مركب حامد ومحمود ذلك اليوم، إذ لم يكونوا يعلمون شيئاً عن حقيقة ما حدث لمركب أبنائهم. فالصيد يتم عادةً على خط مستقيم لا دائري.
مركب حامد ومحمود بمفرده بنقطة الإحداثيات بعد اختفاء مركب أبو حمزة. الصور ملتقطة يوم 22 فبراير 2026 بأوقات مختلفة خلال اليوم وحتى مغادرته المكان. المصدر: منظومة الأقمار الاصطناعية إس إيه أر
بدورنا، وجدنا أن بيانات الموقع وعمق المياه والتوقيت والتاريخ التي سجّلها جهاز جي بي إس على متن مركب حامد ومحمود يوم 22 فبراير في الساعة التاسعة وسبع دقائق صباحاً، يتطابق مع ما رصدته الأقمار الاصطناعية لمساره. وما بدا واضحاً لنا أن التواصل بين مركبَي حامد ومحمود وأبو حمزة فُقد قبل إحدى عشرة ساعة من التقاط خالد تلك الإحداثيات، في وقت يقترب مما ذكره خالد عن آخر تواصل بينهما مساء 21 فبراير.
في تلك الأثناء، اختفى أثر أبو حمزة وظهرت نقطة على منظومة الأقمار الاصطناعية "سنتينل-2" تُشير إلى مركب حامد ومحمود يُبحر منفرداً في الموقع نفسه تقريباً، فوق عمق ستمئة وعشرين متراً. واستند ذلك إلى لقطات وثقت بتقنية رصد السفن بصرياً.
في هذا السياق، يقول الجمل معقباً: "استيقظنا صباح 22 فبراير، ولم نجد مركب أبو حمزة بجوارنا. نادينا عليه عبر اللاسلكي من الفجر ولكن لم يرد أحد. ثم انشغلنا بشباكنا التي علقت بأجسام غريبة في عمق البحر، وكان لا بدّ أن يدور المركب حول نفسه لفك هذه العقدة ببطء لكي لا ينقلب". وهو بهذا قد وضع تفسيراً للحركة الدائرية للمركب التي ذكرها حسين جعفر.
يضيف الجمل: "عندما فقدت التواصل مع أبو حمزة، ظننت أنهم غادروا المكان في طريقهم إلى مصر دون أن يخبروني، خجلًا منّي". ويشرح أنه "قبل أن أفقد أثرهم كنت قد طلبت منهم أن يأخذوا حصيلة صيدي من الأسماك معهم إلى مصر، لرغبتي في استكمال الصيد في الموقع ستة أيام أخرى، لاسيما أنني كنت أعلم أنهم يغادرون للعودة في بداية يوم 22 فبراير، وأن آخر تواصل معهم كان بين الساعة التاسعة والعاشرة مساء يوم 21 فبراير [. . .] بعدها انقطعت الإجابة على جهاز اللاسلكي".
لقطتا شاشة في 18 و22 فبراير 2026 تظهران التشويش الراداري العسكري يغطي بكثافة منطقة خليج مرسين والمياه الإقليمية لقبرص وتركيا، شرق البحر المتوسط. عن مشروع جامعة ستانفورد لرصد التشويش
بحسب ما توصلنا له عبر بيانات مختبر ستانفورد الذي طور بالتعاون مع إدارة الطيران الفيدرالية الأمريكية (إف إيه إيه) ومؤسسة إيروسبيس، أداة تفاعلية لرصد وتتبع التشويش والتداخل الذي يؤثر في أنظمة الملاحة عبر الأقمار الصناعية (جي إن إس إس)، بالاعتماد على بيانات الطائرات التي تُرسل عبر نظام بث الاستطلاع التلقائي (إيه دي إس-بي). وتُظهر الأداة على خريطة تفاعلية المناطق التي ترصد فيها الطائرات تراجعاً في دقة أو موثوقية إشارات الملاحة، بما يساعد على تحديد نطاقات التشويش ومتابعة انتشارها.كان موقع مركب أبو حمزة قبيل اختفائه، في 21 فبراير 2026، يقع ضمن إحدى بؤر التشويش العسكري المكثف.
ويعتمد المختبر في رصد التشويش على بلاغات ترسلها الطائرات التي تحلّق فوق المناطق المتأثرة به، وتظهر باللون البني على خريطة المختبر، وهو ما يعني أن نسبة الطائرات المتضررة من انهيار دقة الملاحة تجاوزت 20 بالمئة، خصوصاً حول موقع اختفاء المركب، إضافة إلى امتداد هذا التشويش ليغطي أجزاء واسعة من حوض شرق المتوسط. وجدير بالذكر بأن الطائرات التي يُعتمد عليها في رصد التشويش تحلق على ارتفاعات تصل إلى أربعين ألف قدم فوق سطح البحر، ما يتيح رصد تأثيرات التداخل على ارتفاعات ومساحات مختلفة فوق المنطقة.
هذه الخرائط الرقمية بينت أن شرق البحر المتوسط كان محاطاً بنقاط أرضية وبحرية عسكرية تبث تشويشاً تخطى مداه مئات الكيلومترات، ليطال أماكن خارج حدود الدول المصدرة له. وهي نقاط كان لها تأثير مباشر على المكان الذي تواجد فيه المركب المفقود. لوحظ أيضاً أن النقاط التي صدر منها التشويش، وفقاً لبيانات مختبر ستانفورد، كانت ثماني في دول متعددة بشرق وجنوب أوروبا، واحدة أخرى في الأردن.
علاوةً على ذلك، جاءت بيانات مختبر ستانفورد متوافقة مع رواية الريس خالد الجمل، الذي أخبرنا أنه بعد وصوله إلى خليج مرسين لاحظ "هلوسة" في شاشة التحكم الملاحي الأوتوماتيكي المتصلة بجهاز "جي بي إس" على المركب. كان الجهاز يُظهر في بعض الأحيان أنهم يبحرون قرب شواطئ بيروت، وأحياناً أخرى أنهم في ميناء بورسعيد المصري، بينما كانوا لا يزالون بين الحدود البحرية التركية والقبرصية. ويضيف أن الجهاز كان يبث معلومات خاطئة عن المسار، ويفقد الإشارة ساعة أو ساعتين يومياً ثم يعود مجدداً.
ومع هذه "الهلوسة"، دخل المركبان أحياناً، وفقًا للجمل، في حالة من التيه. فقد تعذّر عليهم تحديد الاتجاهات والسرعة والمسافة المتبقية للوصول إلى أي بر. يقول: "عملية صيد الجرف التي يعتمد عليها مركبنا وأبو حمزة تتطلب السير بسرعة ميلين ونصف الميل في الساعة، لأن الشباك تكون ملامسة للقاع. ومع غياب الإحداثيات، نضطر إلى اعتماد التقدير الذهني للسرعة والمكان بناءً على حسابات الوقت والمسافة المتوقعة، ما يمثل خطورة بالغة ويُعرّض المركب للغرق أو الانقلاب".
يسهب الجمل شارحاً أوجه الخطر: "مراكبنا الصغيرة تمتلك هوائيات قديمة لا تدعم الاتصال بتعدد الأقمار الاصطناعية، ولا تمتلك القوة الكافية لمواجهة التشويش. لذلك كنا نشعر أحياناً أن صوتنا يبتلعه البحر، رغم أن مراكبنا كانت قريبة من بعضها على مسافة خمسة إلى ثمانية أميال بحرية فلا نسمع نداء اللاسلكي، بينما في أحيان أخرى كانت المراكب تتباعد مسافة ستين ميلاً بحرياً ونستطيع الاتصال".
ما ساقه ريس مركب حامد ومحمود يكشف أن مركب أبو حمزة اختفى دون أن يتمكن طاقمه من إرسال نداء استغاثة أو الاتصال بأقرب مركب إليه بسبب تشويش عسكري أخرس اتصالاته، وقيّد أجهزته الملاحية، وأغرقها بمعلومات مغلوطة.
ولم يقتصر تأثير التشويش العسكري على إخراس أجهزة اللاسلكي و"جي بي إس"، بل هاتف الثريا، المتصل مباشرة بالأقمار الاصطناعية بالأماكن التي تنعدم فيها الشبكات الأرضية أو تتعذر تغطيتها، ويتيح إرسال نداءات استغاثة أو تنسيق التحركات. وهو الأثر الذي يؤكده تقرير صادر عن المعهد الملكي للملاحة، المتخصص في تطوير ممارسات الملاحة وتحديد المواقع ومراقبتها، في يناير 2026، بعنوان "ذي إمباكتس أوف جي إن إس إس [. . .]" (آثار التشويش على أنظمة الملاحة العالمية عبر الأقمار الاصطناعية).
يقول حسين جعفر إن ابن أخيه حمزة كان يحمل سراً جهاز اتصال ثريا، خصّصه للاتصال بأسرته أثناء مكوثه في المياه الدولية للصيد. لكنه هذه المرّة لم يتصل، ولم تكن الأسرة تعرف السبب حتى سمعت بخبر فقدهم.
يستحوذ شرق المتوسط على نصيب الأسد من إجمالي أسطول مراكب الصيد التي تمر في البحر المتوسط، بنسبة 28.2 بالمئة، إذ تشكّل مراكب الصيد في البحر المتوسط ككل نسبة 87 بالمئة، بما يعادل 72 ألفاً و275 من أصل 83 ألفاً و75 سفينة وقارب. وتُعد القوارب الصغيرة الأكثر انتشاراً في وسط وشرق المتوسط، وفقاً لأحدث تقرير صادر عن الهيئة العامة لمصايد أسماك البحر الأبيض المتوسط.
لكن هذه المعطيات لا تحسم بالضرورة مصير أبو حمزة. إذ يستبعد شاهد العيان الريّس خالد الجمل، فرضية اصطدام مركب "أبو حمزة" بسفينة شحن، بسبب عدم وجود حطام خشبي من الجزء العلوي للمركب على سطح الماء. ورجّح أن المركب انقلب، إذ كان في آخر يوم عمل قبل العودة إلى مصر يرفع كل الشباك المعبأة بوزن ثقيل من عمق 618 متراً. وربما تركّز الوزن الهائل على جانب واحد بسبب سوء حالة البحر، فانقلب المركب وابتلعه البحر. ويرى أن غرق مركب حديدي في هذه المنطقة يعني اختفاءه تماماً بسبب عمق القاع، ومن المستحيل أن تطفو أي من أجزائه على السطح مرة أخرى.
حسين جعفر، في المقابل، يقول: "خبرتي في البحر تمتد لأكثر من أربعين عاماً، ولا يمكن أن يغرق مركب أبو حمزة ذو البدن الحديدي وطول خمسة وعشرين متراً دون أن تكون له فرصة الاستغاثة أو القفز من المركب، إضافة إلى أنه لا يمكن أن يبتلع البحر المركب في أقل من دقيقة دون أن يُحدث أي أثر".
بدورها تتساءل أم الصياد المفقود عبد الرحمن جعفر: "لماذا لم يرسلوا نداء استغاثة لحظة غرق مركبهم؟ كان مركبهم مجهّزاً بهاتف ثريا ولاسلكي، فما الذي منعهم؟ وكان يُبحر معهم مركب حامد ومحمود، فلماذا لم ينقذهم أو يساعدهم؟"
ولتقصي ما حدث أكثر، تواصلت الفراتس مع سلطات خفر السواحل القبرصي والتركي للاستفسار عن مصير المركب، وهل وصلتهما استغاثة منه قبل فقدان أثره، وعن أحداث التشويش المتزامنة مع ذلك. حصلنا على رد مركز لارنكا للإنقاذ البحري، بوصفه جهة البحث والإنقاذ المختصة في جمهورية قبرص، مؤكداً أنهم لم يتلقوا أي إشارة استغاثة أو معلومات من السفن أو الدول المجاورة عن العثور على حطام لمركب الصيد المشار إليه، أو أي بيانات تشير إلى وقوع حادث في المنطقة المذكورة خلال هذا التاريخ.
وبالنسبة لخفر السواحل التركي، فقد أحال استفساراتنا إلى المكتب الإعلامي لرئاسة الجمهورية التركية، الذي أفاد بأنه لم يستقبل أي نداء استغاثة يتعلق بالحادث. وأضاف أن قيادته تلقت إخطاراً عبر البريد الإلكتروني في الخامس من مارس من مركز التنسيق المشترك للإنقاذ في مصر، يفيد بعدم استقبال أي بيانات أو أخبار عن المركب لمدة اثني عشر يوماً بعد فقده في منطقة قريبة من السواحل التركية. وعلى إثر ذلك، كُلّف زورق بتنفيذ عمليات بحث على امتداد سواحل شرق البحر المتوسط وفي المياه الدولية، لكن لم يُعثر على أي أدلة تشير إلى حطام المركب أو جثامين البحارة.
يروي نوفل أن المؤونة التي زُوِّد بها الطاقم لم تكن لتكفي سوى ثلاثة أيام، لذا كان يُفترض أن يعودوا في 27 فبراير 2026. ومع تأخر وصولهم حتى الأول من مارس، قلقت العائلات وأبلغت خفر السواحل، الذي نفّذ عمليات بحث في البحر لم تسفر عن أي أثر.
دورساف، شقيقة الطيب بنسعيد، أحد المفقودين على مركب نسيم الحسن، قالت للفراتس إن آخر اتصال عبر الهاتف المحمول بين شقيقها وزوجته كان في الحادية عشرة صباح 24 فبراير، بعد إبحار المركب من ميناء قِليبية باتجاه جزيرة بانتيليريا الإيطالية، التي تبعد عن السواحل التونسية نحو خمسة وسبعين ميلاً بحرياً.
وتروي أن شقيقها كان يعمل صياداً منذ ثلاث سنوات، وأن مركبه مجهز بلاسلكي في حال وجود أي طارئ، يتيح الجهاز للطاقم إرسال نداء استغاثة وطلب المساعدة من المراكب القريبة. ورغم هذه الجاهزية للتواصل، أكدت أن أحداً لم يتلقَ من المركب أي إشارة استغاثة.
من ناحيته، أخبرنا الصياد والبحار التونسي سيف الدين الزغواني بأن جميع مراكب الصيد التونسية، وخاصة في قِليبية، ملزمة بتسجيل نفسها لدى خفر السواحل قبل مغادرة الميناء عبر المناداة بجهاز الاتصال اللاسلكي. ويوضح أن خفر السواحل تفرض رقابة تمنع خروج أي مركب إلا بعد هذا التسجيل والتأكد من امتلاكه وسيلة اتصال لاسلكية وجهاز "جي بي إس"، لضمان إرسال نداء الاستغاثة وتحديد الإحداثيات بدقة في حالات الطوارئ والغرق. ويُخصص لكل مركب أيضاً تردد، أو "موجة"، يتبادله الصيادون فيما بينهم، ما يسهّل إرسال استغاثة من مركب إلى آخر قريب منه، أو إلى مركز استغاثة خفر السواحل مباشرة.
تتفق أمينة سفسافي شقيقة مهدي، أحد الصيادين المفقودين، مع دورساف على أن مركب نسيم الحسن كان مجهزاً بجهاز اتصال لاسلكي. وأن قبطانه رؤوف القلعي كان معتاداً على الذهاب للصيد في المياه الإقليمية الإيطالية لجزيرة بانتيليريا.
تقول أمينة: "عرفت من شقيقي قبل رحلته الأخيرة أنه خرج للصيد كثيراً مع القلعي". والأمر نفسه تؤكده دورساف، التي تصف المنطقة بأنها ذات مياه عميقة لا تذهب إليها مراكب الصيد التونسية عادة لخطورة الموقع. لكن نسيم الحسن كان يخاطر بالإبحار هناك لصيد فصيل من السمك باهظ الثمن يسمونه في تونس "الدودة" أو "بلحية".
سألنا خفر السواحل الإيطالي عبر بريده الإلكتروني عما إذا كان رصد استغاثة أو قام بالبحث والإنقاذ أو توقيف المركب التونسي، لكن لم نتلقَّ رداً حتى كتابة هذه السطور.
في 26 فبراير، رصدت الفراتس – باستخدام منصة رصد وتحليل التشويش لجامعة ستانفورد – تشويشاً صادراً من ست جهات في ثلاث دول، إضافة إلى سفينتين حربيتين متمركزتين قرب مضيق جبل طارق. ووصل مدى هذا التشويش بقوة إلى سواحل جزيرة بانتيليريا الإيطالية، حيث فُقد أثر مركب الصيد التونسي. ووصل التشويش، بحسب المنصة، إلى تزييف موقع القارب وبياناته. ما يعني أن استغاثته لو نجح في بثها أصلاً ما كانت لتصل إلى جهات الإنقاذ لا بالموقع الصحيح ولا ببيانات المركب الصحيحة.
وتُظهر صور منظومة القمر الاصطناعي "سار" مسار إبحار عشوائي لمركب نسيم الحسن منذ منتصف ليل 25 فبراير حتى الثالثة عصر 26 فبراير، إذ توقف بعدها عن الإبحار وظل في حالة ثبات. وفي الساعة الحادية عشرة مساء 26 فبراير ظهر مجدداً يُبحر لدقائق ثم اختفى. وكان نمط سير المركب عبارة عن خطوط متشابكة غير مستقيمة. وهو تشابك ترصده منصة "مارين ترافيك" – المتخصصة في تتبع حركة السفن والمراكب اعتماداً على بيانات نظام التعرف الآلي – في حالات أخرى لتتبع السفن ومراكب الصيد على أنه قد يكون تيه ناتج عن تشويش راداري عسكري على أنظمة الاتصالات وبث بيانات مضللة أربكت خط السير.
ويرجح هذا التصنيف المصحوب بتحذيرات من المنصة حول هذا النمط، وقوع مركب نسيم الحسن داخل دائرة تزييف بدا معها وكأنه يدور حول نفسه في البحر.
فوفق تقارير ودراسات متخصصة في الأمن البحري ومراقبة حركة السفن – مثل مركز الدراسات الدفاعية المتقدمة ومنظمتي "غلوبال فيشينغ ووتش" و"أوشيانا"، ومقرها جميعاً الولايات المتحدة – يعمل هذا النوع من التزييف عبر بث سفن حربية ونقاط عسكرية أرضية إشارات تشويش تضرب نظام التعريف الآلي، الذي يتيح للسفن بث بيانات هويتها وموقعها وحركتها تلقائياً.
هذا يولد بيانات وهمية تُغرق شاشات الرادارات والأقمار الاصطناعية بمئات البيانات التعريفية وأرقام الهوية البحرية (مكونة من تسعة أرقام، تبدأ برمز الدولة، لتعريف السفن ومحطات الاتصال البحرية). وهذه الهوية تقع ضمن التوصيات القانونية الصادرة عن الاتحاد الدولي للاتصالات إلى أن الهوية الفريدة المخصصة لكل مركب، ولا يمكن استخدامها لعدة مراكب. وتشير دراسات أوشيانا وغلوبال فيشينغ ووتش، إلى أن هذا التشويش يُغذي الأقمار الاصطناعية ببيانات مغلوطة ومتداخلة تلتقطها الهوائيات التي تعتمد عليها مواقع تتبع الملاحة، ما يتسبب في انتحال هوية المراكب وربط بيانات مركب بآخر لإخفاء أنشطة غير قانونية أو عسكرية.
وهذا ما يبدو أن مركب نسيم الحسن واجهه، وفق تقصٍّ استندنا فيه إلى تاريخ إبحاره وموقعه ومطابقته مع سرعة القارب وطوله وهيكله (البدن الحديدي)، إضافة إلى شهادات أسر الضحايا. إذ رصدت منظومة سار المركب من الساعة الخامسة صباحاً يوم 25 فبراير وحتى لحظة اختفائه في الحادية عشرة مساء يوم 26 فبراير، لكنها صنّفته "مجهول الهوية". وبسبب خلل أحدثه التشويش في منظومة سار، فإن هذه المنظومة رغم تصنيفها المركب التونسي مجهول الهوية، ربطت في الوقت نفسه هيكله ببيانات مركب صيد آخر يُدعى "محرز".
المصدر: منظومة الأقمار الاصطناعية إس إيه أر
من هنا، وسّعنا دائرة التوثيق بالبحث في منصات تتبع السفن وتراخيصها عن بيانات مركب الصيد الذي نُسبت بياناته لبدن مركب نسيم الحسن. ووجدنا أن تصريح عمل مركب محرز ورقم هويته (إم إم إس آي 672000000) انتهى في ديسمبر 2025، وجُدد بالاسم نفسه في الأول من أبريل 2026. ما يرجح أن محرز كان ربما متوقفاً عن الصيد طوال تلك الفترة. وبما أن مركب نسيم الحسن هو من كان يُبحر فعلياً من 24 إلى 26 فبراير، فربما مركب محرز لم يكن موجوداً في البحر خلال فبراير. ورغم ذلك، وبسبب التشويش الراداري وتزييف البيانات وانتحالها، اختلطت بياناته ببدن المركب المفقود نسيم الحسن.
عمّقنا التقصي للتأكد من انتحال البيانات، وتتبعنا في منصة مارين ترافيك رقم الهوية نفسه الذي يخص مركب محرز والتصق بنسيم الحسن، فوجدنا أنه مرتبط أيضاً بمركبين آخرين. الأول اسمه "ديانا إيه آي آي"، مركب صيد منسوب لتونس رُصد آخر مرة في المياه الإقليمية الإيطالية لجزيرة بانتيليريا في 24 فبراير عند الساعة 11:11، أي في المكان والتاريخ نفسيهما اللذين أبحر فيهما نسيم الحسن.
ورغم أن الموقع سجّل المركب ديانا في مياه إيطاليا، كما تُظهر الخريطة، فإنه يشير في الوقت نفسه إلى أنه غادر ميناء سان جورج بجزر الكاريبي في الثالث من أغسطس 2022. ما قد يعني أن التشويش أدى إلى تسجيل بيانات توحي بأن رحلته من الكاريبي إلى المياه الإيطالية استغرقت نحو ثلاث سنوات ونصف.
المركب الأخير الذي ارتبط بدنه بالبيانات التونسية نفسها لمركب محرز اسمه "ليدي أيانا"، وهو مركب نزهة لا صيد. و تُظهر خريطة التتبع أنه خرج من ميناء سان جورج في 17 ديسمبر عند الساعة 17:41 ليصل جزيرة كارياكو المجاورة في 18 ديسمبر 2021 عند الساعة 16:50. أي أن الرحلة استغرقت ثلاثاً وعشرين ساعة، في حين أن المسافة بين الميناءين خمسة وثلاثين ميلاً بحرياً ولا تستغرق أكثر من أربع ساعات.
تتبع أثر هذه البيانات يكشف مفارقة أخرى. فقد نشرت منصة مارين ترافيك العديد من التحذيرات عن تعرضها نفسها للتشويش وانتحال بيانات المراكب والسفن. وبالتالي دققنا البحث في منصة "ماي شيب تراكينغ"، المتخصصة في التتبع المباشر لحركة السفن حول العالم اعتماداً على بيانات نظام التعرف التلقائي، لاحظنا أن مركب ديانا لا وجود له أصلاً، وأنه مجرد اسم وهمي وبيانات غُذيت للهوائيات الأرضية وهوائيات الأقمار الاصطناعية التي تعتمد عليها مواقع تتبع السفن في جمع بياناتها. ما يضع احتمال أن التشويش الذي ضرب مركب نسيم الحسن تسبب في إرباك بعض منصات تجميع بيانات الملاحة البحرية عموماً.
بدوره، يؤكد غوارد تأثّر البوصلات وأجهزة" جي بي إس" ونظام التعريف الآلي، وأنظمة الاتصال الجماعي الرقمي، والهواتف الفضائية بالتشويش المستمر على السفن والمراكب. وهذا هو ما دفع المعهد الملكي للملاحة إلى إصدار تقريره، مؤكداً أن التشويش والتزييف أصبحا ثغرة سيبرانية وخطراً كبيراً على السلامة البحرية. ويتسبب هذا الخطر في حوادث تصادم وجنوح للسفن. ولهذا حول التشويش من مجرد اضطراب ملاحي إلى شبح يهدد الأرواح.
في عزبة البرج، تحول هذا الانتظار إلى طقس يومي. تراقب ناهد المراكب العائدة من البحر كل صباح، وتسأل السؤال نفسه: "حد شاف مركب أبو حمزة؟". وكذا تفعل أم عبد الرحمن جعفر، التي تقصد يومياً ساحل البحر في انتظار عودة ابنها الذي "أنجبته بعد ستة عشر عاماً من الحرمان من الإنجاب". بل وحتى ذهبت يوماً إلى الريّس خالد الجمل وهو يُرمم الشباك على الشاطئ، صرخت فيه ليخبرها أين ابنها، لكنه وضع رأسه في الأرض ولم ينظر إليها، واستكمل عمله.
وفي تونس كما مصر، لا تملك أسر البحارة إجابة تمنحهم يقين الفقد ولا أمل النجاة، فقط بحر احتفظ بأسراره وظل صامتاً، حاملاً في أعماقه ما لم تستطع الخرائط ولا أجهزة الرصد ولا إشارات الأقمار الاصطناعية أن تكشفه.





