شريف مراد صحفي استقصائي مصري
أُنتج هذا التحقيق بالشراكة مع شبكة المساءلة في مجال الذكاء الاصطناعي التابعة لمركز بوليتزر.
في مايو 2023، شهد رئيس الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة في مصر حسام هيبة، توقيع مذكرة تفاهم بين مجموعة "بنية" المصرية، وشركة "خزنة داتا سنترز" الإماراتية، ومنطقة المعادي التكنولوجية التابعة للهيئة، لإنشاء "أول مركز بيانات فائق السعة في مصر في المنطقة التكنولوجية بالمعادي، بقدرة خمسة وعشرين ميغاواط واستثمارات تبلغ مئتين وخمسين مليون دولار، على مساحة أربعين ألف متر مربع".
قدّم أطراف الاتفاق المشروع بوصفه توسعاً كبيراً في قطاع مراكز البيانات. فقد قال رئيس "بنية" أحمد مكي إن الشراكة مع "خزنة" ستتيح لمجموعته دخول قطاع مراكز البيانات فائقة القدرة بقوة. ووصفه رئيس "خزنة" التنفيذي حسن النقبي بأنه علامة فارقة في توسع الشركة إقليمياً. أما رئيس منطقة المعادي التكنولوجية فوصف المشروع بأنه الأول من نوعه في مصر من حيث القدرة والمساحة، وموجّه إلى استضافة أعمال مراكز البيانات واسعة النطاق في مصر ومنطقة الشرق الأوسط وإفريقيا، مشيراً إلى الحوافز الضريبية التي توفرها المنطقة للمستثمرين في قطاعات الاتصالات والبيانات.
لكن بيان الهيئة لم يُشِر إلى ما هو أبعد من توقيع مذكرة التفاهم. ولم يذكر اسم المشروعِ التجاريُّ، ولا هيكل ملكيته، ولا الجهة التي ستتولى تشغيله في مصر، والجهات التي يتاح لها الوصول للبيانات التي سيستضيفها المشروع ومعالجتُها.
"بنية" مجموعة مصرية تنشط في البنية التحتية الرقمية والاتصالات، ويرأس مجلس إدارتها أحمد مكي، الذي ظهر أيضاً مديراً في أحد الكيانات المسجلة لاحقًا في أبوظبي. أما "خزنة"، فتعمل في قطاع مراكز البيانات ضمن منظومة مؤسسية ترتبط بمجموعة "جي 42" الإماراتية، التي تمتد أنشطتها إلى الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي والصحة الرقمية وتحليل البيانات والسلامة العامة. ويرأس مجلس إدارتها مستشار الأمن الوطني الإماراتي، الشيخ طحنون بن زايد، وتحيط بأنشطتها شبهات واتهامات تتصل بالتجسس وجمع بيانات العملاء جمعاً غير مرخّص.
بعد نحو تسعة عشر شهراً، في 24 ديسمبر 2024، ظهر في أبوظبي كيان قانوني يجمع طرفي الشراكة المعلنة في القاهرة، حين باتت شركة مرتبطة بمجموعة "بنية" مساهماً في كيان مسجل في سوق أبوظبي العالمي باسم "خزنة داتا سنتر مينا 818 هولدينغز ليمتد". وكان الكيان قد تأسس في أبريل 2024، أي قبل انضمام الشركة المصرية بثمانية أشهر. وظهر في سجله منذ التأسيس مساهم آخر هو "الشركة القابضة خزنة لمراكز البيانات".
تكشف سجلات أبوظبي عن هذا الكيان القانوني الذي اجتمع داخله طرفا الشراكة التي أعلنت في القاهرة. وتكشف السجلات المصرية التي حصلت عليها الفراتس عن عدد من الشركات المرتبطة ببنية وخزنة. لكن السجلين معاً لا يسمحان بإعادة بناء خريطة مكتملة لملكية مشروع المعادي أو تشغيله. فالشركة المسؤولة عن تشغيل المركز في مصر غير معلنة، إذ يفصل القانون المصري بين الملكية والإدارة. كذلك فإن وضع الترخيص غير واضح، ومصير أعمال الإنشاء التي أُعلن أنها ستبدأ مطلع 2024 مجهول. ولا يُعرف الدور الذي يؤديه الكيان الناشئ في أبوظبي: أهو أداة استثمارية لتجميع مساهمات الشركاء؟ أم كيان يرتبط مباشرة بملكية المركز وتشغيله؟
على مدار عام تقريباً، تتبعت الفراتس مسار الشراكة بين مجموعة "بنية" وشركائها الإماراتيين، بالاعتماد على الإعلانات الرسمية وسجلات الشركات في مصر وأبوظبي، وإعلانات مكاتب المحاماة المشاركة في الصفقة، إلى جانب مقابلات مع موظفين حاليين وسابقين وخبراء في سوق مراكز البيانات. وكشف التتبع عن شبكة من الشركات والكيانات والأطراف القانونية المرتبطة، لكنه لم يصل إلى التوزيع الكامل للملكية والتمويل والتشغيل والمسؤولية داخل المشروع. ولم تقدم أطراف الشراكة ولا الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات إجابات عن هذه الأسئلة رغم تكرار طلبات التعليق على مدى أشهر. وبعد أكثر من ثلاث سنوات على الإعلان، تظل الصورة واضحة بشأن حجم المشروع وقدرته واستثماراته وشركائه المعلنين، ومحجوبة بشأن مالكه ومشغّله وترخيصه، وهو ما يجعل الشفافية والمساءلة العامة موضع السؤال.
أعلنت G42 وبنية في أكتوبر 2022 شراكة استراتيجية قائمة على استثمار المجموعة الإماراتية في بنية، مع حصول G42 على مقعد في مجلس إدارة المجموعة المصرية. المصدر:جي 42/بنية تكنولوجيز
أعلنت G42 وبنية في أكتوبر 2022 شراكة استراتيجية قائمة على استثمار المجموعة الإماراتية في بنية، مع حصول G42 على مقعد في مجلس إدارة المجموعة المصرية. المصدر:جي 42/بنية تكنولوجيز
إفصاح عن اتفاق جي 42 ومجموعة اتصالات لإنشاء كيان موحد لمراكز البيانات المصدر: إفصاح اتصالات، 20 أكتوبر 2021
إفصاح عن اتفاق جي 42 ومجموعة اتصالات لإنشاء كيان موحد لمراكز البيانات المصدر: إفصاح اتصالات، 20 أكتوبر 2021
إفصاح عن اتفاق جي 42 ومجموعة اتصالات لإنشاء كيان موحد لمراكز البيانات المصدر: إفصاح اتصالات، 20 أكتوبر 2021
إفصاح عن اتفاق جي 42 ومجموعة اتصالات لإنشاء كيان موحد لمراكز البيانات المصدر: إفصاح اتصالات، 20 أكتوبر 2021
مستخرج السجل التجاري رقم 89066 لشركة فيبر إيجيبت للاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، المعروفة باسم "بنية تكنولوجيز"
مستخرج السجل التجاري رقم 89066 لشركة فيبر إيجيبت للاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، المعروفة باسم "بنية تكنولوجيز"
لفهم الطريق الذي أدّى إلى ظهور "خزنة" الإماراتية و"بنية" المصرية داخل هيكل واحد في أبوظبي، لا بد من متابعة الخط الزمني من وقت يسبق إعلان مشروع مركز بيانات المعادي في 2023 بنحو سبعة أشهر.
في أكتوبر 2022، أعلنت مجموعة "جي 42" الإماراتية ومجموعة "بنية" المصرية شراكة استراتيجية تستثمر بموجبها الشركة الإماراتية في رأسمال "بنية" ومشروعاتها. وعليه حصلت المجموعة الإماراتية على مقعد في مجلس إدارة الشركة المصرية. شملت الشراكة مجالات الحوسبة السحابية، والذكاء الاصطناعي، ومراكز البيانات، والبنية التحتية الرقمية.
بهذه الخطوة، دخلت "جي 42" إلى السوق المصرية من بوابة شراكة مباشرة مع مجموعة محلية تنشط في قطاعات الاتصالات والبنية التحتية الرقمية. وعندما ظهر مشروع مركز بيانات المعادي بعد ذلك، كانت العلاقة بين "بنية" و"جي 42" قائمة فعلاً على مستويي الاستثمار والإدارة.
ويكتمل هذا السياق بالطرف الآخر الذي ظهر لاحقاً في المشروع. فعند إعلان مشروع المعادي في مايو 2023، كانت "خزنة" مملوكة بنسبة 60 بالمئة للمجموعة الإماراتية "جي 42"، و40 بالمئة لمجموعة اتصالات، وفق إعلان الطرفين عن هيكل ملكية الشركة.
أي إنه عند ظهور مشروع المعادي، كانت هناك علاقتان سابقتان تصلانه بمجموعة "جي 42" الإماراتية، الأولى هي كونها مستثمراً في "بنية" وصاحبة مقعد في مجلس إدارتها، والثانية كونها صاحبة حصة الأغلبية في ملكية "خزنة". قد لا يعني ذلك أن "جي 42" طرف مباشر في مشروع المعادي أو مالكة له، لكنه يوضح أن الشراكة بين "بنية" و"خزنة" لإتمام مشروع المعادي نشأت داخل شبكة علاقات حضرت فيها المجموعة الإماراتية بأذرع متعددة.
تكتسب القدرة المعلنة لمركز بيانات المعادي، البالغة خمسة وعشرين ميغاواط، دلالة فنية أكبر عند تفكيكها. ويقول نائب رئيس مجلس إدارة الشركة العربية للاستثمار في البنية التحتية لمراكز البيانات والمستشار التقني في أسواق الشرق الأوسط وإفريقيا، أحمد عبد اللطيف، إن الرقم يشير إلى "القدرة التصميمية للحمل التشغيلي لتجهيزات تقنية المعلومات" داخل المركز، أي الطاقة اللازمة لتشغيل الخوادم ووحدات التخزين والشبكات والمعالجات. وبإضافة أنظمة التبريد والمرافق المساندة، يقدّر عبد اللطيف أن إجمالي الحمل الكهربائي على الشبكة القومية للكهرباء في مصر قد يصل إلى نحو 35 ميغاواط (تصل قدرتها الإجمالية 60 ألف ميغاواط).
ويقول عبد اللطيف للفراتس إن مركزاً بهذه القدرة قد لا يبدو استثنائياً في أسواق أوروبا والولايات المتحدة وبعض دول الخليج، لكن دلالته تختلف في الحالة المصرية. فإجمالي القدرة التقريبية لمراكز البيانات القائمة في مصر، بحسب تقديره، يتراوح بين ثلاثين واثنين وثلاثين ميغاواط، ما يعني أن مركزاً واحداً مصمماً بقدرة خمسة وعشرين ميغاواط يمثل إضافة كبيرة إلى البنية التحتية لمراكز البيانات في مصر، حتى وإن لم يكن حجمه استثنائياً على المستوى العالمي.
ويشرح لنا أنه "إذا نُفذ وفق القدرة المعلنة، فإنه يتجاوز كونه توسعة تقنية عادية لشركة اتصالات أو مؤسسة حكومية، ليصبح جزءاً من بنية تحتية رقمية أوسع قادرة على استضافة وتشغيل أحمال وخدمات رقمية على نطاق كبير". وهو ما يُكسِب – في رأيه – الإعلان عن المشروع في مايو 2023 أهمية تتجاوز قيمة الاستثمار المعلنة. "شريك مصري معروف في قطاع البنية التحتية الرقمية، وشركة إماراتية متخصصة في مراكز البيانات، وموقع داخل منطقة تكنولوجية قائمة، واستثمار كبير وقدرة تصميمية محددة".
لكن الإعلان لم يحسم هيكل المشروع القانوني والمالي. لم يتضح ما إذا كان سيُنفذ على يد شركة مصرية جديدة، أو كيان تابع لبنية، أو شركة قابضة خارجية. ولم تحدد أدوار الأطراف المختلفة: من يملك الأصول؟ من يموّل المشروع؟ من يتولى الإنشاء والتطوير؟ ومن يدير المركز ويتعاقد لاحقاً مع العملاء؟
وهذه ليست تفاصيل إدارية هامشية. ففي مشروع بهذا الحجم، يصبح هيكل الملكية والتشغيل جزءاً أساساً من القصة، إذ تمثل مراكز البيانات بنية تحتية تستضيف الخدمات الرقمية وتدير التطبيقات والشبكات والبيانات الخاصة بمؤسسات ومستخدمين على نطاق واسع.
ما تلا من توقيعات وإعلانات بين الطرفين المصري والإماراتي لم يُزِل شيئاً من غموض الصفقة، لاسيما ما يتعلق بالكيان الذي سيدير المشروع مباشرة، ومدى إسهام كل من الطرفين في الملكية والإدارة، وإلى أي جهة تميل حصة الأغلبية في الملكية والإدارة.
ظهرت أول إشارة إلى تجاوز مشروع مركز بيانات المعادي مرحلة مذكرة التفاهم في نوفمبر 2023، حين أعلنت "خزنة" و"بنية" خلال معرض القاهرة الدولي للتكنولوجيا "كايرو آي سي تي" عن توقيع اتفاق ذي صيغة تنفيذية بشأن المركز. وصفت "خزنة" الخطوة في بيانها بأنها اتفاقية مساهمين تمهّد لبدء تنفيذ المشروع، ووصفها مستشارا الطرفين القانونيان بأنها صفقة مشروع مشترك.
أعلنت شركة الاستشارات القانونية "معتوق بسيوني وحناوي" أنها مثّلت شركة "خزنة داتا سنتر هولدينغز ليمتد" في اتفاق المشروع المشترك مع شركة "فايبر مصر للاتصالات وتكنولوجيا المعلومات" التابعة لمجموعة "بنية"، لإنشاء مركز البيانات المعلن باستثمارات تتجاوز 250 مليون دولار. ومن الجهة المقابلة، أعلن مكتب "حافظ وشركاه" للاستشارات القانونية عن تمثيله "بنية" في توقيع المشروع نفسه مع "خزنة". وظهرت الصفقة لاحقاً ضمن سجلات أعمال قانونية وتغطيات متخصصة، بينها "ليغال كوميونيتي مينا" المختص في أخبار شركات الاستشارات القانونية والمحاماة، ومنصة"آي إف إل آر" المختصة في أخبار وتحليلات سوق الاستشارات القانونية للشركات، ونشرة "إنتربرايز" المختصة في شؤون المال والأعمال. وصُنفت الصفقة كذلك في قاعدة بيانات "بيتش بوك" باعتبارها صفقة مشروع مشترك.
بهذه الإفصاحات تجاوزت العلاقة بين "بنية" و"خزنة" مرحلة إعلان النوايا إلى اتفاق قانوني تفاوض عليه عن كل طرف مستشارون مستقلون. لكن لم يكشف أي منهما عن نص الاتفاق، ولا نسب مساهمة كل طرف، ولا الالتزامات المالية والتنفيذية.
وبقيت نقطة قانونية لم تحسمها الإفصاحات: هل كانت "اتفاقية المساهمين" التي أعلنت عنها "خزنة" هي الوثيقة ذاتها التي وصفها المستشاران بأنها "اتفاق مشروع مشترك"، أم هما وثيقتان مختلفتان ضمن حزمة اتفاقات؟ وهذا التفريق مهم في حالة المعادي، لأن الاتفاق القانوني بين "خزنة" و"بنية" يثبت أن الطرفين تجاوزا إعلان النوايا. أما الوعاء الذي سيحمل الأرض والأصول والتراخيص والعقود داخل مصر ونسب الملكية، ومساهمات كل طرف، والجهة التي ستتولى البناء والتشغيل، وشروط التمويل، فيظل خارج ما تكشفه هذه الوثائق.
المحاسب المصري المتخصص في شؤون الشركات، عبد الرحمن محمود، أوضح أن استعانة كل طرف بمكتب محاماة مستقل أمر معتاد في الصفقات التي تتضمن التزامات تفصيلية، مثل الدفعات، ومراحل التنفيذ والتسليم، والجزاءات، وضمانات الأعمال. لكن إبرام مثل هذا الاتفاق لا يعني بالضرورة تأسيس شركة جديدة تحمل اسم المشروع، فقد تُنفذ الصفقة من خلال شركة قائمة تتمتع بسجل تجاري وبطاقة ضريبية وممثل قانوني.
بالتوازي مع تطور الاتفاق، أظهرت السجلات التجارية المصرية التي حصلت عليها الفراتس سلسلة من الزيادات في رأس مال شركة "أكو ينوكس إيجيبت" المعدل اسمها إلى "فايبر إيجيبت للاتصالات وتكنولوجيا المعلومات"، المعروفة تجارياً باسم "بنية سيستمز"، وهي الشركة التي ظهر اسمها طرفاً في اتفاق المشروع المشترك.
بعد الإعلان عن الشراكة بين "بنية" و"جي 42" في أكتوبر 2022، ارتفع رأس المال المصدر والمدفوع (قيمة رأس المال الذي أصدرته الشركة في صورة أسهم أو حصص وسدّد المساهمون قيمته فعلياً، بما يمثل الأموال التي دخلت الشركة مقابل ملكية المساهمين فيها) إلى نحو 314.4 مليون جنيه في مطلع ديسمبر من السنة نفسها، ثم إلى نحو 461 مليون جنيهاً بنهاية الشهر نفسه (ديسمبر 2022)، قبل أن يصل خلال 2024 إلى نحو 661 مليون جنيه. تثير هذه الزيادات تساؤلات جديدة، على رأسها كيف انعكس استثمار "جي 42" المعلن على هيكل مساهمي "بنية"؟ ومن موّل الزيادات التي أعقبت الشراكة؟ وهل كان لأيّ منها صلة باتفاق "خزنة" أو بالمشروع المعلن في المعادي؟ وهي أسئلة تتصل مباشرة بمسألة الحوكمة والإدارة. فبحسب قانون الشركات المصري (159 لسنة 1981) يمارس رأس المال سيادته على الإدارة من خلال حصص الأسهم، ما يجعل الكيان صاحب الحصة الأكبر في رأس المال هو صاحب الصوت المرجح في القرارات التنفيذية.
يوضح عبد الرحمن محمود أن زيادة رأس المال أمر شائع في شركات المساهمة، وقد ترتبط باحتياجات تمويلية، أو بدخول مستثمر جديد، أو باستكمال مساهمين قائمين حصصهم، أو بمتطلبات تتعلق بالملاءة المالية والتأهل لبعض المناقصات الحكومية. ولا يكشف السجل التجاري، بحسب محمود، بالضرورة عن هوية المكتتبين في كل زيادة ولا مصدر الأموال التي دخلت الشركة، فهذه التفاصيل تظهر أدقّ في محاضر الجمعيات العمومية وعقود تعديل رأس المال. وجميع تلك المستندات غير مفصح عنه حتى لحظة إعداد هذا التحقيق للنشر، على أن القانون المصري (159 لسنة 1981) يلزم شركات المساهمة بنشر محاضر جمعياتها العمومية وهيكل الأرباح (أو الخسائر) سنوياً أو حسبما تقتضي الدورة المحاسبية.
بعد أقل من شهر على اتفاق المشروع المشترك، اتسع الحديث عن مراكز البيانات في مصر، وتجاوز الاحتفاء بشراكة تجارية محددة إلى إطار استثماري حكومي مصري إماراتي أوسع.
في 18 ديسمبر 2023، وبحضور رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، وقّع وزير الاستثمار الإماراتي محمد حسن السويدي ووزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات المصري عمرو طلعت مذكرة تفاهم لوضع إطار شامل للتعاون الاستثماري في البنية التحتية الرقمية، وخاصة مشاريع مراكز البيانات.
قال طلعت إن التعاون يتضمن "التقييم المشترك للإمكانيات الفنية والاستثمارية لتطوير مشروعات مراكز البيانات في مصر"، على أن تشمل المرحلة الأولية مشروعات بقدرة إجمالية تبلغ مئة ميغاواط، مع استهداف الوصول مستقبلاً إلى ألف ميغاواط.
تضع هذه الأرقام مشروع المعادي في سياق مختلف. فالمركز الذي أُعلن في مايو بقدرة خمسة وعشرين ميغاواط يعادل ربع القدرة المستهدفة في المرحلة الأولى من الإطار الحكومي المعلن، وجزءاً واحداً من أربعين من الهدف النهائي.
وبمقارنة ذلك بالسوق المصرية القائمة، التي قدّر عبد اللطيف إجمالي قدرتها بنحو ثلاثين إلى اثنين وثلاثين ميغاواط، فإن القدرة المستهدفة في المرحلة الأولى من الاتفاق الحكومي تعادل وحدها أكثر من ثلاثة أمثال القدرة القائمة، في حين يصل الهدف النهائي إلى ما يقارب واحداً وثلاثين ضعفاً لحجم السوق الحالية.
تضمنت مذكرة التفاهم المصرية الإماراتية الثانية بنداً ينصّ بحسب البيان على أن "يعمل البلدان على تسهيل إقامة علاقات أوثق مع الجهات الحكومية ذات الصلة والحكومات الفرعية والسلطات التنظيمية المستقلة، ومؤسسات القطاع الخاص في كلا البلدين للتعاون في مشروعات مراكز البيانات". وفي مصر، يقع الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات في قلب كلّ توسع في هذه البنية التحتية، وهو الجهاز الذي عاد إليه هذا التحقيق بطلب تعليق لم يُجَب.
في أبريل 2024 ظهرت في سجل سوق أبوظبي العالمي كيانات قانونية تحمل ضمن مسمياتها اسمَي "خزنة" أو "بنية"، متخصصة جميعها في قطاع مراكز البيانات، دون الإشارة إلى مشروع المعادي.
في 16 أبريل، سُجلت شركة "خزنة داتا سنتر مينا 818 هولدينغز ليمتد" ولندعُها اختصاراً "مينا 818"، شركة خاصة محدودة الأسهم ومصنفة في سجل سوق أبوظبي العالمي كياناً ذا غرض خاص. ومنذ تأسيسها ظهرت "خزنة داتا سنتر هولدينغز ليمتد" ولنسمِّها اختصاراً "خزنة القابضة" مساهماً مؤسسياً فيها. وهذه هي الشركة نفسها التي ورد اسمها طرفاً في اتفاق المشروع المشترك مع "بنية" في نوفمبر 2023، ومثلها مكتب "معتوق بسيوني وحناوي". ولم يتضمن اسم الكيان أو بياناته العامة إشارة إلى مصر أو المعادي، ولم يحدد المشروع أو الأصول التي أُنشئ من أجلها، لكن قائمة الشركاء تجمع كل من "بنية" و"خزنة".
بعد نحو أسبوعين من تسجيل "مينا 818"، أي في الأول من مايو 2024، سُجل في أبوظبي كيان آخر هو "بنية داتا سنترز إس بي في ليمتد" ولندعُها اختصاراً "بنية إس" شركة خاصة محدودة الأسهم. وأظهر سجلها "فايبر مصر للاتصالات وتكنولوجيا المعلومات"، المعروفة تجارياً باسم "بنية سيستمز"، مساهماً فيها منذ تاريخ التسجيل، كما ظهر أحمد محمد أحمد طه مكي، رئيس مجموعة "بنية"، مديراً للشركة. إلا أن صفحة السجل العامة لم تنطوِ على صلة صريحة بين تلك الشركة المؤسسة في الإمارات ومركز بيانات المعادي.
وحتى 24 ديسمبر 2024، أظهر السجل العام "خزنة القابضة" مساهماً رئيساً وحيداً في"مينا 818". وبذلك أصبحت المينا 818 المؤسسة في أبريل 2024 تضم في هيكلها المعلن، كياناً تابعاً لمنظومة "خزنة" وآخر تابعاً لمنظومة "بنية".
عند وضع التواريخ جنباً إلى جنب، يظهر مسار قانوني محدد: اتفاق مشروع مشترك بين "خزنة" و"بنية" في نوفمبر 2023، ثم تأسيس كيان في أبوظبي مرتبط بخزنة في أبريل 2024، يليه كيان آخر في الإمارة نفسها متخصص في مراكز البيانات ومرتبط ببنية في مايو، ثم دخول "بنية داتا سنترز إس بي في ليمتد"مساهماً في "مينا 818 هولدينغز ليمتد" الأول في ديسمبر 2024.
وهذا أثر سجليّ على أن العلاقة بين الطرفين لم تتوقف عند الاتفاق المعلن في 2023، بل انتقلت لاحقاً إلى هيكل قانوني مشترك في أبوظبي.
سجل سوق أبوظبي العالمي يظهر بنية وخزنة ضمن مساهمي"مينا 818" مع تسجيل كيان بنية مساهماً في 24 ديسمبر 2024
سجل سوق أبوظبي العالمي يظهر بنية وخزنة ضمن مساهمي"مينا 818" مع تسجيل كيان بنية مساهماً في 24 ديسمبر 2024
لكن السجلات لم تجب عن السؤال الأهم، هل هذا الهيكل هو الوعاء القانوني لمشروع المعادي تحديداً؟
ما يمكن إثباته من سجل سوق أبوظبي العالمي هو أن كيانين مرتبطين بخزنة وبنية اجتمعا داخل هيكل قانوني واحد بعد إعلان الشراكة واتفاق المشروع المشترك. أما الغرض الجغرافي لهذا الهيكل ونسب ملكية كل طرف فيه، والأصول التي يحملها، وصلته التعاقدية بمشروع المعادي، والجهة التي ستملك المركز أو تديره في مصر، جميعها أمور لا تكشفها الصفحة العامة للسجل. المحامي المصري الممارس أمام محاكم المراكز المالية الإماراتية، أحمد الكتبي، يشير إلى أن إنشاء طبقة ملكية أو كيان ذي غرض خاص خارج الدولة التي يوجد فيها المشروع أمر شائع في الاستثمارات عابرة الحدود. لكن وجود هذا الكيان لا يلغي الحاجة إلى وجود شركة محلية داخل مصر تتولى التشغيل.
ويشرح الكتبي أن الطبيعي في هذه الحالة أن توجد شركة في مصر تؤدي وظيفة الشركة المشغلة، وهي التي تتولى النشاط الفعلي، بما في ذلك التعامل مع التراخيص والضرائب والتأمينات والعملاء والجهات المختلفة. ويتسق ذلك مع القواعد المنشورة لسوق أبوظبي العالمي بشأن الكيانات ذات الغرض الخاص، التي تعرّف باعتبارها "كيانات قابضة سلبية" تُنشأ لعزل أصول والتزامات محددة، ولا يجوز استخدامها لممارسة نشاط تشغيلي أو لتوظيف العاملين. ويبين الكتبي أن المسؤولية المباشرة داخل مصر تقع على الكيان الذي يحصل على التراخيص، ويمارس النشاط، ويتعاقد مع العملاء والجهات المختلفة. أما الشركات القابضة والكيانات المالكة التي تقع في طبقات أعلى، فتجيب عن سؤال مختلف يتعلق بتوزيع الملكية والسيطرة الاقتصادية.
بيانات السجل التي تعيدها بوابة سوق أبوظبي العالمي لكيان"مينا 818"تتضمن عنوان اتصال ينتهي بنطاق "جي 42 دوت أيه أي"
بيانات السجل التي تعيدها بوابة سوق أبوظبي العالمي لكيان"مينا 818"تتضمن عنوان اتصال ينتهي بنطاق "جي 42 دوت أيه أي"
وعليه، فإن تصنيف "مينا 818" كياناً ذا غرض خاص لا يجعله بديلاً عن الشركة التي ستدير مركز البيانات فعلياً، وتتحمل كافة المسؤوليات القانونية والمالية عنه في مصر. فإذا كان المشروع قد انتقل إلى مرحلة التشغيل، يفترض أن يظهر في الجانب المصري كيان يتولى النشاط المحلي، ويحمل التراخيص اللازمة، ويتعاقد مع العاملين والعملاء ومقدمي الخدمات.
وهنا يعود البحث إلى الحلقة المفقودة في هيكل المشروع: ما الشركة التي تؤدي تلك الوظيفة التشغيلية في مصر، هل هي شركة مصرية قائمة؟ أم كيان جديد أُنشئ لهذا الغرض؟ أم فرع لكيان أجنبي؟ وما علاقتها بـكل من "بنية" و"خزنة" والكيانات التي ظهرت في أبوظبي؟
وتظهر إشارة أخرى تستدعى التساؤل في بيانات الاتصال المسجلة للكيان في سوق أبوظبي العالمي، وهي عنوان بريد إلكتروني ينتهي بنطاق ذي لاحقة دالة على دولة الإمارات (جي 42 دوت أيه إي). هذه المعلومة تثبت وجود صلة إدارية أو تنظيمية في بيانات الاتصال لشركة "مينا 818" بمنظومة "جي 42"، لكنها لا تثبت أن "جي 42" مساهم مباشر فيها أو أنها تسيطر عليها، أو أنها تتولى تشغيل مركز البيانات في المعادي.
هذه الإشارة تضيف طبقة جديدة إلى شبكة العلاقات التي يتعين تتبّعها، خصوصاً مع وجود "خزنة" داخل منظومة مرتبطة مع"جي 42".
تعمل "جي 42" في مجالات تقع عند تقاطع الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية ومراكز البيانات والصحة الرقمية وتحليلات البيانات الضخمة. وهذا التداخل هو ما يمنح وجودها داخل منظومة شريكة في بنية تحتية رقمية حساسة دلالة تتجاوز الاستثمار التقني.
وتشير المسارات المهنية لبعض قيادات المجموعة إلى خلفية في قطاع الأمن السيبراني. فالرئيس التنفيذي لجي 42، بنغ شياو، يذكر في سيرته المهنية أنه شغل بين عامي 2015 و2018 منصباً تنفيذياً في شركة تحمل اسم "بيغاسوس". وأهمية هذه المحطة تأتي من ارتباطها ببيئة "دارك ماتر"، شركة الأمن السيبراني الإماراتية، التي ظهر اسمها في تقارير وتحقيقات دولية تناولت عمليات اختراق ومراقبة.
وذكرت "رويترز" أن شياو عمل سابقاً في شركة تملكها "دارك ماتر"، التي وظفت ضباط استخبارات سابقين وتعاقدت مع هيئة الأمن السيبراني الإماراتية. وارتبط اسم الشركة ببيئة "مشروع ريفن دريد"، وهي وحدة عمليات سيبرانية هجومية في أبوظبي، ضمت مسؤولين أمنيين إماراتيين ومتعاقدين أمريكيين سابقين في أجهزة الاستخبارات. وكشفت رويترز في يناير 2019 عن استخدام الوحدة أداة اختراق عُرفت باسم "كارما" لاستهداف هواتف "آيفون" تعود إلى ناشطين ودبلوماسيين ومسؤولين وشخصيات سياسية في المنطقة، وتوصلت "كارما" إلى بيانات خاصة تمثلت في صور ورسائل قصيرة ورسائل بريد إلكتروني وبيانات موقع جغرافي، من دون حاجة المستهدف إلى الضغط على رابط فيما يُعرف "زيرو داي أتاك".
امتدت الأسئلة حول منظومة "جي 42" إلى تطبيق محادثات ترفيهي يدعى "توتوك". ففي أواخر 2019، ربطت تقارير وتحقيقات دولية تطبيق المحادثات بشبكة من الشركات والأشخاص المرتبطين بالشيخ طحنون بن زايد و"جي 42" وبنغ شياو، ونقلت عن مسؤولين وتقييمات أمنية غربية أن التطبيق كان يُشتبه في استخدامه لجمع بيانات المستخدمين ومراقبتهم.
وفي تحليلٍ مفتوح المصدر نشره بيل ماركزاك الباحث في "سيتيزن لاب"، المنصة الكندية المختصة في الأمان الرقمي، في الثاني من يناير سنة 2020 بعنوان "آ بريج تو فار: [. . .] " (الجسر البعيد: كيف أخفى شيخ التجسس في أبوظبي تطبيق محادثاته على مرأى من الجميع)، تتبّع ماركزاك البنية المؤسسية والتقنية المحيطة بتطبيق توتوك. وبالبحث في بيانات النطاقات وشهادات التشفير ونسخ محفوظة من التطبيقات وسجلات منصة "غيت هاب" (منصة للتطبيقات المستقلة وعرض وتحميل النسخ المفتوحة للبرمجيات) وجد أن نطاقاً تابعاً لـ"جي 42" كان يستضيف تطبيقاً تجريبياً باسم "جي 42 آي إم"، قبل أن يبدأ لاحقاً في إعادة التوجيه إلى نطاق "توتوك"، مع ظهور آثار تقنية ومطورين مشتركين بين التطبيقين.
وفي تحليل تقني مستقل نشرته صحيفة نيويورك تايمز في 22 ديسمبر 2019، وجد الباحث الأمني باتريك واردل في "توتوك" ما هو أبعد من البرمجة الخبيثة، فالتطبيق يحصل عبر أذونات النظام (ما يتيحه جهاز المستخدم) على صلاحيات حساسة مثل رصد الموقع ومتابعة نشاط لاقط الصوت وجهات الاتصال والتقويم. وتوضح هذه الحالة جانباً من القدرات مزدوجة الاستخدام في البنية الرقمية، فالصلاحيات والبنية التي تخدم وظيفة مدنية مشروعة يمكن أن تتيح أيضاً جمعاً واسعاً للبيانات بحسب من يسيطر عليها وقواعد الوصول إليها.
وفي الوقت نفسه، لم تكن "جي 42" تعمل في مجال البيانات والذكاء الاصطناعي بمعزل عن قطاعات الأمن والدفاع. ففي أبريل 2021، أعلنت المجموعة مشروعاً مشتركاً مع "رافائيل للأنظمة الدفاعية المتقدمة"، شركة الدفاع الإسرائيلية المملوكة للدولة، لتطوير وتسويق منتجات تعتمد على الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة في مجالات من بينها الرعاية الصحية والسلامة العامة.
ثم أصبحت "جي 42" نفسها موضع تدقيق في صراع التكنولوجيا بين الولايات المتحدة والصين. ففي يناير 2024، طلب رئيس لجنة مجلس النواب الأمريكي المعنية بالمنافسة الاستراتيجية مع الحزب الشيوعي الصيني من وزارة التجارة الأمريكية فحص علاقات المجموعة وشركاتها التابعة، محذراً من مخاطر تتعلق بضوابط التصدير وعلاقات تجارية، بحسب اللجنة، مع شركات عسكرية صينية وكيانات مملوكة للدولة وأجهزة مرتبطة بالاستخبارات الصينية.
وقالت اللجنة إن وثائق راجعتها أظهرت أن بنغ شياو "يدير ويرتبط" بشبكة واسعة من الشركات الإماراتية والصينية العاملة في تقنيات مزدوجة الاستخدام، تجمع بين الاستخدامات المدنية والاستخباراتية، واعتبرت أن بعض هذه العلاقات قد تدعم انتهاكات حقوقية. لكن "جي 42" نفت هذه الاتهامات، وأنكرت مزاعم ارتباطها بالحكومة الصينية أو بالمجمع الصناعي العسكري الصيني، ووصفت علاقاتها مع الشركات الصينية بأنها جزء من شبكة شراكات عالمية اعتيادية. مضيفة أنها "منذ 2022 اتبعت استراتيجية للتوافق الكامل مع شركائها الأمريكيين".
بعد أشهر من هذا التدقيق، أعلنت مايكروسوفت في أبريل 2024 عن استثمار 1.5 مليار دولار في "جي 42" مقابل حصة أقلية، مع حصول رئيس مايكروسوفت براد سميث على مقعد في مجلس إدارتها. وشمل الاتفاق نقل أجزاء من منصات بيانات "جي 42" وبنيتها التقنية إلى خدمات "مايكروسوفت أزور".
لكن هذا التحول في علاقات "جي 42" الدولية لا يلغي الأسئلة المرتبطة بطبيعة البنية التحتية التي تدخل إليها. فهو يوضح أن المجموعة تعمل في مساحة تتقاطع فيها الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي والبيانات، مع قطاعات الصحة والسلامة العامة والأمن والدفاع، وأن علاقاتها المؤسسية كانت موضع تدقيق من حكومات وأجهزة تشريعية وشركات تقنية كبرى.
يضع مستشار البنية التحتية الرقمية أحمد عبد اللطيف المسألة في إطار أوسع. فبحسب تصوره، "السيادة الرقمية ليست مجرد بقاء البيانات داخل الحدود، هي طبقات مبنية رأسياً فوق بعضها، تبدأ من الطاقة، ثم البنية التحتية، ثم البيانات، ثم النماذج، وتنتهي بالتطبيقات. ومراكز البيانات تقع في طبقة تأسيسية من هذه السيادة".
ووراء مكان تخزين البيانات يمتد السؤال إلى من يملك البنية التي تستضيفها، ومن يديرها، ومن يقدم الخدمات المبنية على معالجتها، ومن يملك مفاتيح الوصول، وما القواعد التي تحكم استخدام البيانات وحمايتها. ما يعيدنا من جديد إلى فجوة المعلومات المتصلة بمشروع مركز بيانات المعادي، والخلفية المؤسساتية للشريك الإماراتي "خزنة" المملوك بالكامل من "جي 42". فهي لا تثبت في حد ذاتها أن "جي 42" تملك أو تدير مشروع المعادي، ولا أن لها صلاحيات على البيانات التي قد تُخزن فيه. لكنها ترفع مستوى الأسئلة التي ينبغي طرحها حول الهيكل الذي سيحمل المشروع، خصوصاً عندما تكون طبقات الملكية والتشغيل موزعة بين كيانات في مصر وأبوظبي.
كلما ازدادت حساسية البنية التحتية وقوة الأطراف المشاركة فيها، يصبح الإفصاح عن المالك والمشغل ونطاق الترخيص وصلاحيات الوصول والجهة المسؤولة قانونياً جزءاً من المساءلة، وليس تفصيلاً يمكن اختزاله تحت عنوان "السرية التجارية".
لا يعني ذلك أن كل تفاصيل تشغيل مركز البيانات يجب أن تكون متاحة للجمهور. فعبد اللطيف لا يتوقع نشر بيانات العملاء أو الأحمال التفصيلية أو التطبيقات التي ستعمل على البنية التحتية. لكنه في المقابل يرى أن الحد الأدنى من الشفافية يجب أن يشمل إعلان نطاق الترخيص، وطبيعة الخدمات التي سيقدمها المركز، والجهة التي تتحمل المسؤولية عن تشغيله، والضمانات المتعلقة بالوصول إلى البيانات وحمايتها.
ويقول الباحث ومؤسس مبادرة مسار للحقوق الرقمية، محمد طاهر، إن بقاء البيانات داخل مصر "لا يكفي وحده ضماناً" ما لم تكن الجهة التي تجمع البيانات ومكان تخزينها، والجهة التي تعالجها ومن يملك صلاحية الوصول إليها والضمانات الأمنية والقانونية المحيطة بها، أموراً معلومة.
وتزداد أهمية هذه المعلومات في مشروع أُعلِن بحضور هيئة حكومية مصرية، ويُقام داخل منطقة تكنولوجية عامة، وتبلغ استثماراته مئتين وخمسين مليون دولار وقدرته التصميمية خمسة وعشرين ميغاواط. ويضيف إنه في مثل هذا المشروع لا يكفي أن نعرف اسمَي الشريكين، فقد يكون المستثمر غير مالك الأرض، ومالك الأصول غير المشغل، والمشغل غير مقدم الخدمات السحابية، والشركة المتعاقدة مع العملاء مختلفة عن الكيان الذي يملك صلاحيات الإدارة التقنية. لذلك فالأسئلة أكثر تحديداً: هل "خزنة" ممول ومستثمر فقط أم شريك في التشغيل؟ هل تحمل "بنية" الأصول والتراخيص داخل مصر؟ هل يملك "مينا 818" حصة في المشروع المصري أم يؤدي وظيفة قابضة إقليمية أوسع؟ وأي كيان سيكون مسؤولاً قانونياً أمام السلطات والعملاء إذا وقع إخلال تشغيلي أو أمني أو تعاقدي؟
بحلول نهاية 2024، كان مشروع المعادي قد ترك وراءه سلسلة موثقة: مذكرة تفاهم، ثم اتفاق مشروع مشترك، ثم كيانات متخصصة في مراكز البيانات ظهرت في أبوظبي وانتهى مسارها إلى هيكل يجمع طرفين مرتبطين مع "بنية" و"خزنة". لكن السلسلة لم تكشف ما حدث على الأرض.
كان الجدول الزمني المعلن طموحاً. فالتغطيات التي أعقبت اتفاق نوفمبر 2023 تحدثت عن الاتفاق على بدء أعمال الإنشاء خلال الربع الأول من 2024. لكن البحث في الإفصاحات اللاحقة للشركات، والمواقع الحكومية المصرية والسجلات وقواعد البيانات المفتوحة، لم يسفر عن إعلان موثق عن وضع حجر الأساس أو بدء أعمال البناء أو اكتمال التجهيزات أو دخول المركز الخدمة.
لا يعني هذا بالضرورة أن شيئاً لم يحدث، فقد تُنفذ مراحل من المشروع بعيداً عن التغطية العامة، أو من خلال شركة قائمة تحمل اسماً مختلفاً عن أسماء الشركاء أو المشروع. لكن غياب الوثيقة التي تربط كياناً محدداً بالمشروع يظل قائماً. اختبر التحقيق هذه الفجوة عبر منشورات هيئة الاستثمار، وسجلات الشركات المتاحة، وصحيفتي الجريدة الرسمية والوقائع المصرية (جريدتان تصدرهما الحكومة، المصرية وتسجلان القوانين والقرارات التشريعية والتنفيذية)، والمواقع الحكومية المعنية بالاستثمار والاتصالات. وكذلك لم يسفر البحث في الأسماء القانونية والتجارية لخزنة وبنية والكيانات المرتبطة بهما، واسم منطقة المعادي التكنولوجية والصيغ المختلفة المستخدمة لوصف المشروع عن أية معلومات تكشف عن الكيان المسؤول عن إدارة المركز وتشغيله. لم تكن المشكلة في غياب السجلات بقدر ما كانت في غياب الحلقة التي تربط السجل بالدور الفعلي داخل المشروع.
ويوضح الكتبي أن الشركة العاملة لا يشترط أن تحمل اسم المشروع أو الشركاء، فقد يختار المستثمرون هيكلاً مختلفاً بحسب ترتيبهم القانوني والمالي، ولذلك لا يحسم العثور على شركات مصرية مرتبطة مع "بنية" هوية المشغل ما لم تكشف الشركة أو الجهة المرخِّصة عن صلته بالمشروع. ويضيف أن السجل التجاري المصري يتيح الحصول على مستندات الشركات مقابل رسوم، لكنه لا يوفر أداة بحث إلكترونية عامة مماثلة لسجل سوق أبوظبي العالمي. لكن هذه الصعوبة الإجرائية لا تفسر وحدها الفجوة، فالمعضلة أن اسم الكيان الذي يفترض أن يحمل المشروع داخل مصر لم يُعلن أصلاً.
في المقابل، فإن قاعدة بيانات "باكستل" المتخصصة في مراقبة سوق مراكز البيانات والبنية التحتية الرقمية تصف المشروع بأنه "قيد الإنشاء"، وتضع سنة 2027 موعداً مخططاً له. لكن التحقيق لم يعثر في المصادر المصرية المفتوحة أو الإفصاحات المتاحة للشركات على إعلان موثق يؤكد بدء أعمال البناء أو يحدد المرحلة التي وصل إليها التنفيذ فعلياً.
تكشف السجلات التي حصلت عليها الفراتس عن أكثر من وعاء مصري يمكن نظرياً أن يؤدي دوراً في المشروع. منها "فايبر إيجيبت للاتصالات وتكنولوجيا المعلومات" (بنية سيستمز)، الطرف المصري في اتفاق المشروع المشترك والمساهم في "بنية داتا سنترز إس بي في ليمتد". ويظهر كيان آخر باسم "بنية للخدمات والحلول السحابية" (بنية كلاود). ويؤكد مُستَخرَج السجل التجاري أنها شركة مساهمة خاضعة لقانون الاستثمار، وأن أنشطتها تشمل تنفيذ وإدارة شبكات نقل البيانات، وخدمات الإنترنت والاتصالات، وتصميم وتشغيل خدمات تقنية رقمية.
يثبت ذلك أن داخل "بنية" كيان مصري يمارس أنشطة قانونية قريبة من طبيعة خدمات مركز البيانات، لكنه لا يثبت أن "بنية كلاود" هي مشغّل مركز المعادي أو مالكة أصوله أو حاملة تراخيصه. وتبقى الحلقات مجهولة: أي شركة تستأجر الأرض أو تملكها؟ أي كيان يتعاقد على الكهرباء والإنشاء؟ من يحمل التراخيص؟ ومن الطرف المتعاقد مع العملاء إذا دخل المركز الخدمة؟
وبينما ظلت الوثائق العامة محدودة، قدّم مسؤول سابق في إحدى شركات مجموعة "بنية" قراءة أقرب إلى الوضع العملي للمشروع. قال هيثم حسين، مدير تسليم الخدمات السابق في "بنية إنجينيرنغ"، والذي شغل مناصب إدارية داخل شركات المجموعة منذ 2017، إن المشروع "ما زال قائماً" لكنه تأخر بسبب ملف التصاريح وبعض الاختلافات في وجهات النظر بين الأطراف، من دون أن يخوض في تفاصيل هذه الخلافات.
وبحسب حسين، تمثل "خزنة" شريكاً أساسياً في المشروع، ومن المتوقع أن توفر كوادر فنية وتشغيلية لها خبرة في مراكز البيانات الكبيرة، وهي خبرات يرى أنها أقل توافراً في السوق المصرية. ووصف القدرة التصميمية المعلنة للمشروع، البالغة خمسة وعشرين ميغاواط، بأنها "رقم خيالي بالنسبة لمصر".
ويشرح عبد اللطيف أن مشروعات بهذا الحجم تمرّ قبل التشغيل بسلسلة طويلة من الترتيبات، تبدأ من تخصيص قدرة كهربائية كبيرة، وتصميم أنظمة التبريد والاعتمادية، وإقامة الربط الشبكي، والحصول على الموافقات وتوقيع عقود الإنشاء والتشغيل والصيانة، واختبار الطلب المتوقع من العملاء. لذلك قد تبقى القدرة التصميمية المعلنة منفصلة عن القدرة التي دخلت الخدمة فعلياً مدة طويلة.
بدأت محاولات الفراتس للحصول على إجابة من داخل "بنية" في فبراير 2026. أرسل معدّ التحقيق عبر البريد الإلكتروني استفساراً إلى قسم الاتصالات والشؤون المؤسسية بشأن حالة مشروع "خزنة-بنية" وأثره القانوني والتنفيذي، من دون أن يتلقى رداً. ومع اقتراب موعد النشر، أعادت الفراتس إرسال طلبات حق الرد الرسمية عبر البريد الإلكتروني.
وفي مرحلة سابقة من العمل على التحقيق، تواصل معدّ التحقيق هاتفياً مع ناجي أنيس رئيس "بنية داتا سنترز" التنفيذي، فقال إن مشروع مركز البيانات "يمر بمرحلة حرجة" مرتبطة بالعلاقة مع الحكومة و"الوزارة" و"الشريك الأجنبي"، من دون أن يحدد أي وزارة يقصد، أو طبيعة المرحلة، أو ما إذا كانت مرتبطة بالتراخيص أو الأرض أو التمويل أو اتفاقات الشركاء. واكتفى بالقول إن الشركة تفضل عدم التصريح قبل اكتمال هذه المرحلة.
ومع اقتراب موعد النشر، عاد معدّ التحقيق إلى "بنية" لطلب حق الرد النهائي. وبعد سلسلة من الاتصالات ورسائل ومكالمات واتساب مع مكتب رئيس مجلس الإدارة، تواصل مع مديرة المكتب ومديرة التسويق والعلاقات العامة عفاف شيحة، التي امتنعت عن تقديم تفاصيل عن المشروع وأحالته إلى ناجي أنيس باعتباره المسؤول عن ملف مراكز البيانات. وفي هذه الجولة الثانية، جرى التواصل مع أنيس عبر واتساب، فأحال أسئلة التحقيق إلى مستشار التواصل الإعلامي محمد لطفي. وقال لطفي إنه لا توجد "أي أخبار جديدة في الوقت الحالي"، وأشار بالعودة إلى البيانات الصحفية المنشورة سابقاً، وهي البيانات نفسها التي أعلنت عن المشروع واتفاقه دون تفاصيل تجيب عن أسئلة الفراتس.
ووجّهت الفراتس طلبات تعليق عبر البريد الإلكتروني إلى "خزنة" و"جي 42" في أواخر يونيو 2026، ثم أعادت إرسال طلبات توضيح نهائية مع اقتراب النشر في أواخر أغسطس. وسألت "خزنة" عن موقف المشروع من التنفيذ وعن صلته بكيان "مينا 818"، وسألت "جي 42" عن علاقتها بمشروع المعادي وبالأطراف والكيانات المرتبطة به. ولم يصل رد من الشركتين حتى وقت إعداد التحقيق للنشر.
أما الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، فوجّه إليه معدّ التحقيق في أواخر يونيو 2026 استفساراً عبر البريد الإلكتروني إلى إدارة الإعلام الرقمي، مع نسخ إلى المكتب الصحفي والبريد العام للجهاز، بشأن الوضع التنظيمي والترخيصي للمشروع والجهة المختصة بتنظيم النشاط وفق الخدمات التي سيقدمها، خصوصاً أن مذكرة التفاهم المصرية الإماراتية الموقعة في 18 ديسمبر 2023 نصّت صراحة على التعاون مع الجهات التنظيمية المستقلة. لكن لم يصل ردّ من الجهاز حتى وقت إعداد التحقيق.
وبذلك لم تحسم الاتصالات مع "بنية" و"خزنة" و"جي 42" والجهاز القومي لتنظيم الاتصالات صلة "خزنة داتا سنتر مينا 818 هولدينغز ليمتد" بمشروع المعادي، ولا نسب ملكية "خزنة" و"بنية" في الهيكل الذي ظهر في أبوظبي، ولا اسم الكيان المصري الذي يفترض أن يحمل التشغيل والتراخيص.
بعد أكثر من ثلاثة أعوام على الإعلان الأول، أصبحت بعض عناصر القصة قابلة للتوثيق: مشروع بقدرة معلنة قدرها خمسة وعشرين ميغاواط، واستثمارات تتجاوز مئتين وخمسين مليون دولار، واتفاق مشروع مشترك بين "بنية" و"خزنة"، ثم كيانات قانونية في أبوظبي تربط منظومتي الشركتين .لكن عند الانتقال من البيانات إلى الأرض، تتسع الفجوة.
تقول قاعدة بيانات تجارية إن المشروع "قيد الإنشاء". ويقول مسؤول سابق في "بنية" إنه "ما زال قائماً"، في حين لم يعثر التحقيق على إعلان مصري موثق يثبت بدء البناء أو التشغيل، ولم تكشف الوثائق العامة عن الشركة التي تحمل المشروع داخل مصر.
ولا يحسم كيان أبوظبي هذه المسألة. فقد يكون جزءاً من هيكل الاستثمار في المشروع، وقد يكون كياناً مستقلاً نشأ بالتوازي معه. والسجل العام وحده لا يكفي للفصل بين الاحتمالين. ولا تسمح الأدلة المتاحة بالجزم بأن "خزنة داتا سنتر مينا 818 هولدينغز ليمتد" هي الوعاء القانوني لمشروع المعادي، أو أن أعمال البناء بدأت، أو أن المركز حصل على تراخيص التشغيل، أو أن "جي 42" مساهم مباشر في المشروع أو مشغل له.
لكن ما تكشف عنه السجلات يكفي لإظهار شبكة ملكية مصرية إماراتية عابرة للحدود تحيط بأول مركز بيانات فائق السعة في مصر، من دون أن تكون الوظائف التي تؤديها كل طبقة منها معلنة. وهنا لا تعود المسألة مجرد تأخر في تنفيذ مشروع استثماري. فكلما اتسع المشروع، وتوزعت بنيته القانونية بين كيانات في مصر وأبوظبي، ازدادت أهمية معرفة أي كيان يملك الأصول، وأي كيان يحمل التراخيص، وأي كيان يشغّل المركز، ومن يقف في النهاية وراء هذه الطبقات.
في البنية التحتية الرقمية، تبدأ الشفافية قبل تشغيل الخادم الأول بوقت طويل: من اللحظة التي تتحدد فيها الملكية، وتتوزع المسؤولية، وتُمنح صلاحيات الوصول واتخاذ القرار. وحتى الآن، لم تقدم الوثائق العامة ولا ردود الأطراف إجابة عن أي من ذلك.
