كيف مهّد تجريف الحياة الحزبية في سوريا لدولة الاستبداد

مرّت سوريا منذ الاستقلال بتقليص مستمر للحياة الحزبية والسياسية لصالح المؤسسة العسكرية انتهى بحكم استبدادي طويل الأمد.

Share
كيف مهّد تجريف الحياة الحزبية في سوريا لدولة الاستبداد
لم يعد السؤال كيف يعود الخاسر إلى السياسة | تصميم خاص بالفراتس

جمع اغتيال العقيد عدنان المالكي، نائب رئيس أركان الجيش السوري، في 22 أبريل سنة 1955 مسارين أعادا تشكيل الدولة السورية. ففي أقل من خمس وأربعين دقيقة على اغتياله في مباراة لكرة القدم بدمشق برصاص عضو في الحزب السوري القومي الاجتماعي، أطلق عبد الحميد السراج، الضابط الذي تولى حديثاً شعبة الاستخبارات العسكرية، حملة اعتقالات واسعة. دُهمت مقرات الحزب وأُحرقت جريدته، قبل أن تنتهي الملاحقات إلى اجتثاثه من الحياة السياسية. وفي مساء اليوم نفسه واجه هاشم الأتاسي، رئيس الجمهورية وأحد أبرز رجال الحركة الوطنية، ضباطاً شباناً طالبوه بتوسيع صلاحياتهم في التحقيق، فصرخ فيهم: "أنا لا أعدل القوانين والدساتير من أجل شخص". ضيّق المسار الأول المجال الذي تنتظم داخله القوى السياسية، وكشف الثاني انتقال مركز القوة داخل الدولة.

ولم يبدأ أي من المسارين يومها. فقد عرفت الجمهوريةُ السورية قبل اغتيال المالكي تقييدَ الصحافة والتدخلَ في الانتخابات ومحاولات إقصاء الخصوم. ودخل الجيش النزاعَ السياسي قبل انقلابه الأول سنة 1949. وكانت الدولة نفسها حديثة الاستقلال، لم تستقر بعد حدود هويتها ومرجع الولاء فيها، فيما حملت نخبتها وأحزابها أعطاباً ظاهرة. فقد اختلطت الزعامة بالتنظيم، والعائلة بالحزب، والمصلحة الخاصة بالموقع العام. وفي مجتمع أعاد التعليم والحراك الاجتماعي تشكيلَه، فتحت المؤسسة العسكرية في المقابل مساراً للترقي والوصول إلى الدولة، وتحولت الرتبة العسكرية إلى مورد قوة داخل الصراع عليها.

ومن هذه الأعطاب تنطلق قراءة تُحمِّل اضطراب الحياة الحزبية جانباً من مسؤولية سقوط الجمهورية. فالأحزاب ضعيفة والزعامات متنافسة وانقسامات فكرية وإقليمية، وتدخل في الانتخابات والصحافة، وعجز متكرر عن إخضاع الجيش لسلطة مدنية مستقرة. وتكتسب هذه القراءة أهميتها من استدعائها في سوريا اليوم لتأجيل بناء الحياة الحزبية والبرلمانية، بحجة أن التعددية المبكرة قد تنتج انقسامات داخلية وتعيد إنتاج ضعف الجمهورية السابقة حكمَ البعث وفوضاها.

لكن أعطاب الجمهورية لا تفسر وحدها المصير الذي انتهت إليه. إذ تبقى معها بعض الأسئلة بلا إجابة. مثلاً: لماذا أمكن استئناف التنافس السياسي بعد انقلابات الخمسينيات، ثم انتهى هذا التنافس بعد انقلابات الستينيات. تكمن إجابة السؤال في تتبع ما فقدته القوى السياسية بين التجربتين. فالمسار السلطوي الذي استقر مع حكم حافظ الأسد، الضابط البعثي الذي تولى السلطة سنة 1970، لم تصنعه الحياة الحزبية بقدر ما صنعه تجريفها المتراكم. 

لم تكن الحزبية ناضجة ولا المؤسسات محصنة، لكن بقاء القوة موزعة بين أحزاب وصحف وبرلمان ونقابات وشبكات اجتماعية أتاح للخاسر أن يبقى في المجال السياسي ويعيد تنظيم نفسه للعودة. وما تغير تدريجياً هو أن الإقصاء لم يعد خسارةً مؤقتةً يمكن الرجوع عنها، بل صار خسارة لأدوات الرجوع نفسها. ومع كل جولة من التجريف تقلصت الموارد التي يستطيع بها الخاسر أن يعيد تنظيم نفسه ويعود - حزباً أو صحيفةً أو نقابةً أو برلماناً أو قاعدة اجتماعية - وانخفضت معها كلفة الإقصاء التالي. 


ثمة قراءة تُحمّل مشكلاتِ الحياةَ الحزبيةَ في سوريا مآلَ سقوط الجمهورية وقيامَ الاستبداد. وتجلّى ذلك في الخطاب السلبي ضد الأحزاب الذي انتشر بعد سقوط نظام الأسد في الثامن من ديسمبر 2024. مثلاً، قال مستشار الرئاسة السورية للشؤون الإعلامية أحمد موفق زيدان في مقابلة إعلامية في أغسطس سنة 2025 إن "الأحزاب والفصائل والجماعات تشتت جهد الدولة السورية". وقبيل انعقاد مجلس الشعب السوري الجديد في يوليو 2026، نشر أحد الإعلاميين المؤيدين الحكومة مقطعاً مصوراً يدعو النواب إلى عدم إدخال الأحزاب والتكتلات السياسية إلى البرلمان. وتضمنت المسوّدة الأولى للنظام الداخلي للمجلس بنداً تضمّن حظر التكتلات السياسية والحزبية في المجلس، قبل أن تلغى لاحقاً في القانون الذي أقرّه المجلس.

 تجد هذه القراءة في تجربة الأربعينيات مادة وافرة لحجتها. فمع استئناف الحياة الدستورية سنة 1943 انتقلت مؤسسات الدولة تدريجياً إلى النخب التي قادت العمل الوطني ضد الانتداب، لكنها لم تدخل الجمهورية كتلة واحدة. انقسمت الكتلة الوطنية بعد الجلاء بين الحزب الوطني ذي الثقل الدمشقي وحزب الشعب الذي ضم نسبة أكبر من أعيان حلب وحمص، وتداخل الخلاف السياسي مع جغرافيا المصالح وشبكات الزعامة.

وأعطت حدود الدولة الجديدة لهذا الخلاف أبعاداً تتجاوز توزيع المناصب. فقد تضررت صلات حلب التجارية بمجاليها العراقي والأناضولي، واكتسب التقارب مع العراق الهاشمي جاذبية لدى قطاعات من نخبتها. ووجدت قوى دمشقية في مصر والسعودية سنداً في مواجهة النفوذ الهاشمي. دخلت هذه الخيارات في حسابات الأحزاب والضباط معاً. لذلك دارت المنافسة على تعريف مجال الدولة وحدود سيادتها الترابية والولاء ووجهتها الإقليمية، فيما لم تستقر بعد قواعد تجعل تغيير سياستها الخارجية ممكناً دون تهديد نظامها السياسي.

وحملت الجمهورية توتراً بين منطق المؤسسة ومنطق الشخص. فقد أطلق سعد الله الجابري، رئيس الحكومة وأحد زعماء الكتلة الوطنية، على شكري القوتلي، رئيس الجمهورية، لقب "الزعيم الرئيس". وقرأ عدنان الأتاسي، السياسي والحقوقي الحمصي، الواقعة تردداً بين "الفكرة الشخصية وفكرة القانون"، قبل أن يشخّص ما سماه "داء الزعامة"، في كتابه "أزمة الحكم في سورية" المنشور سنة 1954. وفي حلب لاحظ نجيب الريّس، الصحفي والسياسي السوري، في الفترة نفسها تداخل الانقسامات الحزبية والعائلية، حتى تشابك الانتماء السياسي مع شبكات القرابة والنفوذ. وحال هذا كله دون هيمنة ثقافة الجمهورية، وجعل الولاءات الشخصية منافسة الالتزامَ المؤسسي. 

ورافق بناءَ المؤسساتِ صراعٌ على مواردها. فقد توسعت وظائف الدولة ومشروعاتها وجهازها المالي وإطارها القانوني، وأُقر الانتخاب المباشر للنواب، لكن هذا التوسع جعل موارد الدولة نفسها موضوعاً للمنافسة والمحسوبية. ويعرض محمد جمال باروت، المؤرخ السوري، هذا التزامن بين بناء الدولة وتعثرها في بحثه "الإخفاق في بناء الدولة ونهاية الجمهورية البرلمانية الأولى والأخيرة في سورية"، ضمن كتاب "الدولة العربية المعاصرة: بحوث نظرية ودراسات حالة" المنشور سنة 2023. ورأى خالد العظم، السياسي السوري الذي تولى رئاسة الحكومة مرات عدة، في توزيع العملة الأجنبية الموجودة بخزينة الدولة على شركات خاصة أحد أسباب تضعضع جهاز الدولة وفقدان الثقة بالطبقة الحاكمة، كما ذكر في "مذكرات خالد العظم" المنشورة سنة 1972.

وامتد الخلل إلى قواعد المجال السياسي. فبين أغسطس 1945 ويناير 1946 عطلت الحكومة ما لا يقل عن ثماني عشرة صحيفة من أصل ثلاثين صحيفة سياسية، وأُغلق "نادي اتحاد الأحرار" واعتُقل رئيسه فهمي المحايري، السياسي الدمشقي المعارض، وأعيد إخضاع الأحزاب والجمعيات لإجراءات الترخيص. وفي انتخابات يوليو سنة 1947 سُجل تدخل حكومي وضغوط واسعة، ثم عُدلت المادة 68 من الدستور لتتاح للقوتلي ولاية ثانية، وسط اعتراض المعارضة.


تحصي هذه الرواية عيوبَ المنافسة وأوجه القصور في الحياة الحزبية في الجمهورية السورية، لكنها تغفل جوانب بارزة فيها ضمنت استمرارها. فهي لا تميز بين نظام تُخرق قواعده ويبقى خصوم السلطة قادرين على التنظيم والعودة، ونظام يفقدون فيه الوسائل التي تجعل العودة ممكنة. فمع الخروقات المتكررة، لم تحتكر الحكومة المواردَ التي يستطيع خصومها الرد بها. فلم يكن الإقصاء في ظل الجمهورية نهائياً.

وفي تفسيره هشاشة الجمهورية البرلمانية، يربط باروت نجاح انقلاب سنة 1949 بأعمال نخبتها الحاكمة، ومنها خرق الدستور وإضعاف الحريات وإشراك الجيش في النزاعات الداخلية. وتفسير هشاشة نظام برلماني بهذه الأفعال يختلف عن تحميل وجود الأحزاب نفسه مسؤولية انهياره. فكثير مما أضعف الجمهورية كان تضييقاً على التعددية من داخلها. وحين استخدم أصحابُ السلطة الإدارةَ والجيشَ ضد خصومهم، أضعفوا الضمانات التي سيحتاجون إليها هم أنفسهم عندما يصبحون في المعارضة.

وتظهر حدود الإقصاء في قدرة خصوم الحكومة على مواجهتها. فقد تجمعت المعارضة في "جبهة الدفاع عن الدستور والحريات العامة"، وساهمت حملتُها في إسقاط حكومة الجابري الثالثة، ودفعت التحركات النيابية والمظاهرات وإغلاق الأسواق في حمص وحماة وحلب باتجاه تعديل قانون الانتخابات. كانت الحكومة تستطيع استخدام الإدارة والتضييق على الصحافة، لكنها لم تكن تملك الصحف والأحزاب والبرلمان والشبكات الاجتماعية كلها. لذلك ظل خصومها قادرين على تحويل الاعتراض إلى ضغط سياسي.

وتكمن أهمية هذا التوزع في اختلاف وظائف أطرافه. إذ أتاحت الصحيفة نشرَ الخلاف، ومنح الحزب المعترضين تنظيماً، ووصل النائب بين المطالب الاجتماعية ومؤسسات القرار، وأعطت الأسواق والشبكات المحلية للاحتجاج قدرة على الاستمرار. وقد استُخدمت هذه الموارد لحماية امتيازات الأعيان أيضاً، وكان الوصول إليها متفاوتاً. لكن امتلاكها خارج الحكومة جعل إسقاط وزارة أو تغيير سياسة أمراً ممكناً. بذلك احتفظ المجتمع السياسيُ بمسافة عن الجهاز الذي يدير الدولة، واستطاع إنتاج مبادرات لا تبدأ بأمر منه.

كذلك، لم يغلق إدخالُ الجيشِ إلى النزاع المجالَ فوراً. ففي ديسمبر سنة 1948 فُرضت الأحكام العرفية وكُلّف حسني الزعيم، قائد الجيش السوري، بحفظ الأمن. نزل الجيشُ إلى الشارع وساق مدنيين إلى السجون العسكرية وفرّق المظاهراتِ بالقوة. ثم حسم الزعيمُ النزاعَ في 30 مارس سنة 1949 بانقلابه على القوتلي، فاعتقل الرئيسَ ورئيسَ الحكومة خالد العظم وحل مجلسَ النواب. دخل بذلك فاعلٌ له موردٌ ليس عند الأحزاب والزعامات مثله، مؤسسةٌ منظمةٌ ومسلحةٌ.

لم يجعل انقلابُ الزعيم الخروجَ من الحكم خروجاً نهائياً من السياسة. إذ أطاح به سامي الحناوي، الضابط الذي قاد الانقلاب الثاني سنة 1949، ثم عادت إدارةُ الدولة سريعاً إلى المدنيين، وتشكلت حكومة هاشم الأتاسي، وعادت الانتخابات والبرلمان والائتلافات، ووُضع دستور سنة 1950. وحين تحرك أديب الشيشكلي، الضابط الذي حكم سوريا لاحقاً، في ديسمبر سنة 1949 واعتقل الحناوي وضباطَ جناحه، أبقى الأتاسي والحكومةَ والجمعية التأسيسية في مواقعهم. صار الجيش قادراً على تعطيل خيارات السياسة، لكنه لم يكن قد احتكر المجال الذي تجري فيه.

وتكشف هذه العودةُ حدودَ ما استطاع الجيش فرضه. فقد كانت للضباط القدرةُ على اعتقال أصحاب المناصب، لكن إدارة البلاد استدعت سياسيين لهم شرعية وخبرة وشبكات تتجاوز الثكنات. وظلت المؤسسة العسكرية نفسها موزعةً بين مراكز قوة متنافسة. وأتاح اجتماعُ عاملي بقاء التنظيم المدني وتعذر احتكار الجيش، استعادةَ المؤسسات. لذلك تختلف دلالة إسقاط الحاكم عن دلالة تأسيس نظام جديد، فقد ينجح الانقلاب الأول سريعاً، فيما يحتاج تثبيت الثاني إلى تفكيك القوى التي تستطيع منازعته.

واختبرت سنواتُ الشيشكلي هذه القابليةَ للعودة. فقد اعتُقل معروف الدواليبي، السياسي الحلبي ورئيس الحكومة، مع وزراء ونواب سنة 1951، وحُل البرلمان، ثم حُلّت الأحزاب سنة 1952 وأُنشئت "حركة التحرير العربي"، قبل أن ينتقل الشيشكلي سنة 1953 إلى الرئاسة المباشرة. ومع ذلك بقي خارجه مجتمع سياسي مستقل، فتقاربت قوى كانت متنافسة، وتحرك حزب الشعب وهاشم الأتاسي وزعامات محلية، وتصاعدت الحركة الطلابية والإضرابات، واتسعت المعارضة في جبل الدروز بقيادة سلطان باشا الأطرش، قائد الثورة السورية الكبرى وأحد أبرز زعماء الدروز.

بنى الشيشكلي لحكمه وسائلَ وقاية تعلّمها من مصير سابقيه. وفق "مذكرات أكرم الحوراني" المنشورة سنة 2000، ودراسة أحمد مأمون "صراع الأجنحة السياسية داخل المؤسسة العسكرية السورية 1954–1958: الانقلابات والتعددية السياسية"، المنشورة سنة 2022، فقد أعاد توزيع الضباط، واهتم بالوحدات الضاربة، وقرّب الرتب الوسطى والدنيا، ووسع المراقبة والشرطة العسكرية. لكن النقل والتسريح زادا عدد المتضررين القادرين على الاتصال بالمعارضة، فيما احتفظت حاميات خارج مركز الحكم بقدرة على الحركة. 

وفي فبراير سنة 1954 تحرك ضباط حامية حلب، ثم انضمت إليهم حاميات أخرى، وربط العصيانُ العسكري نفسَه بمعارضة سياسية واجتماعية أوسع. ومع اقتراب البلاد من مواجهة داخلية غادر الشيشكلي، فعاد الأتاسي إلى الرئاسة واستؤنفت الحياة الدستورية. أثبتت التجربة أن وجود الانقلاب، وحل الأحزاب والحكم العسكري المباشر، لا يفسر وحده نهاية الجمهورية. فالسلطة استطاعت إسكات خصومها، لكنها لم تستطع بعدُ إزالة المواقع المستقلة التي يعيدون منها تنظيم أنفسهم.


كان الفرق الحاسم بين الجمهورية والسلطوية في معنى الخسارة السياسية. في الجمهورية أمكن أن يخسر الفاعلُ الحكومةَ أو البرلمان، بل أن يُعتقل أو يُحل حزبه مؤقتاً، من دون أن تفقد القوى السياسية كلها مواردها المستقلة عن الدولة. أما المسار السلطوي فحوّل الخسارة تدريجياً إلى خروج من السياسة نفسها، لأن من استولى على الدولة أخذ يضم إلى قبضته الموارد التي يحتاج إليها خصومه للعودة.

توزعت هذه المواردُ في الجمهورية بين مؤسسات لا يملكها طرف واحد. فهناك أحزاب وصحف وبرلمان ونقابات وزعامات محلية وشبكات مصالح وقواعد اجتماعية. ولم تكن استقلاليتها كاملة أو متساوية، لكنها منعت المنتصر من تحويل تفوقه السياسي إلى احتكار دائم. ولذلك كانت استعادة المؤسسات بعد الانقلاب ممكنة، لأن المجتمع الذي تقوم عليه تلك المؤسسات لم يكن قد أُعيد تنظيمه كله من داخل الدولة.

غيّر صعودُ الجيش بنيةَ هذا التوازن. فالسلاح والتنظيم الهرمي جعلا المؤسسةَ العسكرية مورداً من نوع مختلف، يمكن لمن يسيطر عليه أن يحسم صراعاً لا يستطيع حسمه بالانتخابات أو الصحافة. ويشرح صمويل فاينر، عالم السياسة البريطاني، هذه القدرة الكامنة للمؤسسة المسلحة في كتابه "الرجل على صهوة الجواد" المنشور سنة 1962: لا يكفي امتلاك الجيش للسلاح والتنظيم كي يتدخل، بل يحتاج أيضاً إلى استعداد داخله وفرصة يوفرها ضعف المجال المدني. وفي سوريا اجتمع الشرطان بعد حرب سنة 1948.

فتح دخولُ الجيشِ السياسةَ بابَ انتقال الصراع على الموارد إلى داخله ثم انتقال أدواته إلى الدولة. فقد استخدمت الكتلُ العسكرية سياساتِ النقل والتسريح والإبعاد. وبحثت القوى المدنية عن حلفاء بين صفوف الضباط. واستعان الضباط بالأحزاب والزعامات. ومع كل جولة من جولات الصراع، اتسع مجال انخراط الجيش في السياسة، وتبدلت قاعدته الاجتماعية. فصار الطريق العسكري إلى الدولة أكثر جاذبية لفئات كان حضورها أضعف في شبكات الأعيان المدينية. وترصد هذا التحول أمل بشور، الباحثة في التاريخ السوري، في كتابها "دراسة في تاريخ سوريا السياسي المعاصر" المنشور سنة 2003، وحنا بطاطو، عالم الاجتماع الفلسطيني، في كتابه "فلاحو سورية" الصادر بترجمته العربية سنة 2014.

ولهذا لا يمكن اختزال الانتقال إلى السلطوية في انقلاب واحد. إنه مسار تراكمي، كل إقصاء ينتزع من الخاسر مورداً كان يمكن أن يعود به، فيجعل الإقصاء التالي أقل كلفة. وما كان متاحاً بعد انقلاب سنة 1949 لم يبق كله متاحاً سنة 1958، وما عاد بعد الانفصال سنة 1961 كان أضعف مما عاد بعد سقوط الشيشكلي سنة 1954. 


يكشف تاريخ سوريا بين اغتيال المالكي سنة 1955 واستقرار حكم الأسد بعد سنة 1970 هذا التحول المتراكم. ففي كل محطة خرج فاعلون من السلطة، لكن طريق عودتهم صار أضيق لأن القوة والموارد انتقلت إلى الدولة والجيش والأجهزة. لم تكن المراحل متطابقة، ولم يكن كل إقصاء نهائياً، لكن اتجاهها العام كان من المنافسة على الدولة إلى احتكار أدوات المنافسة نفسها.

بدأ التحول النوعي بعد اغتيال المالكي، حين اتسعت الملاحقة من القاتل إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي وامتداداته في الجيش والدولة والمجتمع. استُخدمت الوثائق المصادرة في "التطهير"، ثم حُل الحزب وصودرت أصوله. لم يعد الإقصاء عقوبة على فاعل أو خسارة في منافسة، بل صار اقتطاعاً لمؤسسة سياسية كاملة من المجال. ومن الفراغ الذي تركه المالكي صعد عبد الحميد السراج، رئيس الشعبة الثانية ثم رجل الأمن الأبرز في أواخر الخمسينيات، ووسع نشاط الجهاز من مراقبة الجيش إلى الأحزاب والصحافة والفاعلين المدنيين.

وتكشف شهادة المحامي والوزير أسعد الكوراني في كتابه "ذكريات وخواطر" المنشور سنة 2000 امتداد العنف إلى ما وراء المتهمين المباشرين. فقد كتب عن تعذيب أركان الحزب ومعتقلين من أعضائه في منطقة اللاذقية، ووضع السراج في صلب المسؤولية. وأصبح ارتباط الفرد بحزب قرينة تستدعي الملاحقة، فتغيرت كلفة الانتساب السياسي نفسه.

ساعد تركيب الدولةِ السورية نفسِها على تمدد هذا المسار. فقد كانت في منتصف الخمسينيات دولة "مخترقة"، بتعبير ريموند هينبوش، أستاذ العلوم السياسية المتخصص في سوريا، في كتابه "تشكيل الدولة الشمولية في سورية البعث" الصادر بترجمته العربية سنة 2014. يرى الكاتبُ أن سوريا كانت تتنازعها اتجاهات تتجاوز مؤسساتِها وحدودَها، فيما تتصل الانقسامات الداخلية بالتنافس المصري العراقي والصراع مع إسرائيل واستقطاب الحرب الباردة. أعطى ذلك تهم التآمر والعمالة والاتصال بالخارج قوة استثنائية، وسهّل نقل الخصم من مجال المنافسة السياسية إلى الملف الأمني.

وكان للتهديد الخارجي والحرب والصراع على موقع سوريا أثر حقيقي في الخيارات الداخلية. لكن إدخال الخلاف على التحالفات في تعريف الولاء الوطني وسّع مجال الملاحقة. فصار الاعتراض على اتجاه إقليمي عرضة لأن يُقرأ اتصالاً بمعسكر معادٍ، وأصبح الضابط الذي عنده المعلومات والتحقيق قادراً على ترجيح من يُعترف به شريكاً سياسياً. وتفسر هذه الصلةُ بين الخارج والداخل سرعةَ نمو الوظيفة السياسية للاستخبارات، وعجز المؤسسات المدنية عن إبقائها ضمن مهمة محددة.

وفي الجيش أخذت الكتل تكسر بعضها تباعاً. خرج القوميون السوريون من المعادلة، ثم استخدمت القوى الباقية النقل والتسريح والإبعاد والسجن. وبحسب ما حصرتُ، فقد الجيشُ بين سقوط الشيشكلي والوحدة أكثر من ثلاثمئة وعشرين ضابطاً وضابط صف لأسباب سياسية وأمنية في أقل من أربع سنوات. 

وبحلول سنة 1957 بلغ التنافس نقطة خطرة، حين اقتربت معسكرات قطنا والقابون من مواجهة مسلحة. انتهت الأزمة بإنشاء مجلس قيادة تمثلت فيه الكتل العسكرية، وإلى جانبه لجنة من خمسة ضباط أخذت تحضر اجتماعات مجلس الوزراء، وفق ما يرويه خالد العظم في مذكراته. أخرجت التسويةُ توازناتِ الثكنات إلى قلب العمل الحكومي. فالحكومة التي يفترض أن تعين القيادة العسكرية وتحاسبها باتت تجتمع مع ممثلي مراكز القوة فيها، وتفاوضهم على قرارات يفترض أنها من اختصاصها.

وفي هذا الاستعصاء صار للوحدة مع مصر، إلى جانب جاذبيتها القومية والشعبية، وظيفةٌ داخلية. إذ صارت مخرجاً من أزمة الجيش. وحين ذهب ثلاثة عشر ضابطاً إلى القاهرة في يناير سنة 1958 لمفاوضة جمال عبد الناصر، الرئيس المصري، من دون تكليف حكومي، قال خالد العظم لواحد منهم: "أما كان الأجدر بكم إخبار الحكومة؟ إن هذا انقلاب على الحكم"، كما يروي في "مذكراته. وبهذا انتقل الجيش في أربع سنوات من موازنة المؤسسات الدستورية إلى تقرير مصيرها.


مثلت الوحدة مع مصر سنة 1958 انتقالاً من اجتثاث تنظيم بعينه إلى تفكيك المجال الذي يمكن أن تنتظم داخله المعارضة. حُلّت الأحزاب، وتقلصت الصحافة السياسية، وأعيد ترتيب النقابات والاتحادات، وحل "الاتحاد القومي" محل المنافسة الحزبية. ولم يؤد إغلاق التنظيمات إلى زوال السياسة، بل دفع بعضها إلى إعادة إنتاج نفسها داخل الجيش. فمن بين الضباط البعثيين الذين طالتهم عمليات النقل والتهميش تشكلت منذ سنة 1959 نواة اللجنة العسكرية، التي ضمت محمد عمران وصلاح جديد وحافظ الأسد وعبد الكريم الجندي وأحمد المير، وهم ضباط بعثيون أدى بعضهم أدواراً حاسمة بعد سنة 1963. وهكذا أعاد الحزبُ الذي حُل في المجتمع إنتاجَ نفسه داخل المؤسسة المسلحة، فيما كانت موارده المدنية تتآكل.

وامتد التحول إلى القاعدة الاقتصادية والاجتماعية للجمهورية. فأعاد الإصلاح الزراعي والتأميم توزيع مصالح وحقوق واسعة، وأضعفا في الوقت نفسه الموارد الاقتصادية لكبار الملاك وأصحاب المصارف والصناعات الذين خرج منهم قسم من النخب القديمة ومولوا الصحافة والانتخابات وشبكات الزعامة. لم تكن المشكلة في الإصلاح الاجتماعي نفسه، بل في تزامن إعادة توزيع الموارد مع تركز متزايد للقرار والتنظيم في الدولة، بحيث صار المجال المستقل عنها أضيق.

وهنا ينبغي تتبع استقلال المستفيدين الجدد أيضاً. كانت زيادة حقوق الفلاحين والعمال كفيلة بترسيخ قاعدتهم السياسية، وظهور تنظيمات تمثل مصالحهم وتفاوض السلطة عليها. لكن تزامن الإصلاح مع حل الأحزاب وإخضاع قنوات التمثيل مكّن الدولة من زيادة الحقوق الاجتماعية وتضيق الاستقلال السياسي في آن واحد. تراجعت قوة الأعيان، من دون أن يقابلها اتساع مماثل في حرية تنظيم الفئات الصاعدة. بذلك تغير توزيع الثروة والتمثيل باتجاهين مختلفين، واكتسبت الإدارة قدرة أكبر على التوسط بين المواطن ومصلحته.

وظهر ذلك في التحالف الذي صنع الوحدة. خرج البعثيون من مواقع الحكم، وانتقل الحوراني إلى معارضتها، وتراكم تذمر ضباط من إدارة الجيش، وقلق أصحاب مصالح اقتصادية من التأميم، فيما احتفظت الوحدة بتأييد قومي وشعبي وارتبطت بها مصالح اجتماعية جديدة. زاد عدد الساخطين، وإن اختلفت أسباب سخطهم والبديل الذي يريدونه. وحين انتهت الوحدة عسكرياً، لم يتوفر تلقائياً اتفاق سياسي على إدارة آثارها. بذلك ورث الانفصال خلافاً على شكل الدولة وعلى توزيع السلطة والثروة فيها في الوقت نفسه.

وتُبرز تجربةُ السراج هذا المعنى، عند قراءة شهادة الكوراني في "ذكريات وخواطر" إلى جانب تحليل هينبوش في "تشكيل الدولة الشمولية في سورية البعث". فقد صعد جهازه الأمني وامتد إلى الحياة السياسية والاجتماعية قبل استقرار حكم البعث، وكان ضابطاً سنياً من حماة خارج اللجنة العسكرية التي صعدت لاحقاً. تتجاوز دلالة تجربته سيرة رجل الأمن، فقد كانت تتراكم أدوات إخضاع التنظيم المدني وتنتقل بين سلطات مختلفة. ويمكن تتبع هذا الاستمرار من دون افتراض مشروع واحد متفق عليه منذ البداية أو رد تطور الدولة الأمنية إلى جماعة أهلية وطائفية بعينها.


كشف الانفصال سنة 1961 حدود إمكان العودة بعد هذا التجريف. أعاد عبد الكريم النحلاوي، الضابط الذي قاد انقلاب الانفصال، العلم والنشيد السوريين والانتخابات ومجلس النواب، وانتُخب ناظم القدسي، السياسي الحلبي وأحد قادة حزب الشعب، رئيساً للجمهورية. لكن المؤسسات عادت من دون أن يخرج الجيش من الحكم. 

عاد رجال الجمهورية إلى مجتمع تبدلت موارده ومصالحه. وواجهت مراجعة الإصلاح الزراعي والتأميم فئات تخشى خسارة ما اكتسبته من حقوق، فيما تضررت الموارد التي استندت إليها النخب القديمة. كان الاتفاق على استئناف البرلمان أيسر من الاتفاق على القاعدة الاجتماعية والسياسية التي حُكم باسمها.

واستمر الضباط في تقرير حدود السلطة المدنية. أُنشئ مجلس للأمن القومي ضم كبار السياسيين والعسكريين. ونسق الضباط مواقفهم قبل لقاء المدنيين. واستمر النقل والتسريح أداة لإدارة التنافس العسكري، فتراجع احتمال بناء قيادة تستطيع تنفيذ قرار الحكومة على جميع الوحدات.

وفي مارس سنة 1962 اعتقل النحلاويُ القدسيَ وعدداً من الوزراء ونحو مئة نائب، قبل أن تنقسم عليه وحدات الجيش ويُعاد الرئيس. ثم انتخب كبارُ الضباطِ قيادةَ الجيش بالتصويت، في واقعة وصفها عبد الكريم زهر الدين، قائد الجيش في عهد الانفصال، بأنها "بدعة" لم يعرفها تاريخ الجيوش، في كتابه "مذكراتي عن فترة الانفصال في سورية" المنشور سنة 1968. عادت الشرعية الدستورية هذه المرة بقرار تسوية داخل الجيش، وظلت قدرتها على العمل رهينة الوحدات التي أعادتها. 

ترافق ذلك مع تضييق سياسي أصاب شرعية الجمهورية نفسها. التصقت برجالها صفة "الانفصاليين"، واتصل الدفاع عن مؤسساتها في خصومات المرحلة باتهام التخلي عن الوحدة. تراكمت أزمة التمثيل الاجتماعي مع الوصاية العسكرية والطعن القومي في شرعية النظام. وفي يناير سنة 1963، حين استنفرت قطاعات جديدة للضغط على السلطة، ينقل مطيع السمّان في كتابه "وطن وعسكر: قبل أن تُدفن الحقيقة في التراب"، المنشور سنة 1995، غضب القدسي من العسكريين وخشيته أن يضيعوا استقلال البلاد. كان الرئيس يواجه مؤسسة لا يستطيع فرض الطاعة عليها، فيما كانت أدوات حشد التأييد خارجها أضعف مما كانت عليه قبل الوحدة.

وتختلف بذلك شروط العودتين. سنة 1954 أمكن جمع خصوم الشيشكلي حول مرجعية دستورية وقيادات وشبكات ما زالت حاضرة. أما سنة 1961 فاقتضى استئناف الجمهورية بناء تسوية مع نتائج سنوات الوحدة، ومع أنصارها وخصومها داخل المجتمع والجيش. وتقدم هذه الفجوة معياراً ملموساً للتجريف، فتقاس قدرة المؤسسات المستعادة بما تستطيع إنتاجه من اتفاقات وما لديها من وسائل لتنفيذها. فوجود مجلس منتخب يبقى هشاً إذا استطاع ضابط اعتقال أعضائه وتعطيل قراراته، ثم قرر ضباط آخرون متى يستأنفون العمل.


منذ انقلاب الثامن من مارس سنة 1963 انتقل المسار من إضعاف موارد العودة إلى احتكارها. أُعلنت حالة الطوارئ، وانتقلت سلطات واسعة إلى مجلس قيادة الثورة، وانكمشت الحياة البرلمانية والصحافة المستقلة، وأعيد تنظيم النقابات والاتحادات والمنظمات المهنية والشعبية. قام الانقلاب على تعاون بعثيين وناصريين ووحدويين داخل الجيش، ثم تصدعت هذه الشراكة سريعاً على السلطة ومشروع الوحدة الجديدة. 

ازداد عنف الإقصاء داخل الجيش وخارجه. فأُقصي الناصريون من الجيش بعنف غير مسبوق بعد محاولة الانقلاب التي قادها الضابط الناصري جاسم علوان في 18 يوليو سنة 1963. دارت معارك في دمشق، وأعقبتها إعدامات وتصفيات وتسريحات. ضيق تصاعدُ العنف هامشَ التسوية والإبعاد الذي أتاح لبعض الخاسرين البقاء. وبعد خروج الناصريين، انتقل مركزُ التنافس إلى البعث نفسه، في مسار يعرضه عزمي بشارة في كتابه "الجيش والسياسة" المنشور سنة 2017، وبطاطو في "فلاحو سورية". احتفظت القيادة القومية، التي مثلها ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار ومنيف الرزاز، بتاريخ الحزب وشرعيته التنظيمية، وكان للّجنة العسكرية وحلفائها النفوذ داخل الوحدات. حُسم الصراع بالقوة في فبراير سنة 1966 وأُطيح بالقيادة القديمة. أصبح الضباط قادرين على إسقاط القيادة التي يفترض أنهم يعملون تحت سلطتها. فقدَ بذلك الحزب وسيلة حماية قراره من تنظيمه العسكري. وضاقت المواقع التي كان يمكن أن تتحول فيها الشرعية الحزبية المدنية إلى قوة عامة. صار الخلاف على من يقود الحزب يُحسم بمن يسيطر على الوحدة المسلحة. ثم تكرر التفاوت داخل السلطة الجديدة، بين جهاز الحزب الذي استند إليه صلاح جديد والجيش الذي رسخ حافظ الأسد سيطرته عليه.

وبعد هزيمة يونيو سنة 1967 انقسمت السلطةُ بين صلاح جديد، الضابط البعثي الذي استند إلى الجهاز الحزبي، وحافظ الأسد، وزير الدفاع الذي رسخ سيطرته على المؤسسة العسكرية، حتى حسم الأسد الصراع باعتقال جديد والرئيس نور الدين الأتاسي في نوفمبر سنة 1970.

يكمن الفارق بين الشيشكلي والأسد في الفارق بين إسكات المجتمع السياسي وابتلاعه. حل الشيشكليُ الأحزابَ وأقام تنظيماً تابعاً للسلطة، لكنه ظل في مواجهة مجتمع سياسي مستقل استطاع أن يتجمع ضده سنة 1954. أما النظام الذي استقر بعد سنة 1970 فقد ورث مؤسساتٍ سياسيةً ومدنيةً أُضعفت على مدى عقدين، ثم أعاد تنظيم جانب واسع منها داخله. فعاد مجلس الشعب، وأُنشئت الجبهة الوطنية التقدمية، وأعيد ترتيب النقابات والاتحادات والمنظمات الشعبية، ونص دستور سنة 1973 على قيادة حزب البعث الدولةَ والمجتمع. وبالتوازي بُنيت أجهزة أمنية متعددة ومتداخلة، بحيث لم تعد القوة معلقة بوحدة عسكرية واحدة يستطيع خصم السيطرة عليها. بقيت بذلك أسماء وتنظيمات، لكن قواعد المشاركة أغلقت التنافس على قيادة الدولة. وصارت وظيفة التمثيل وصل قطاعات المجتمع بالسلطة ضمن شروطها، مع احتفاظ البعث بالمجالات التي تنتج كوادره وتحمي تفوقه. جمع النظام الجديد بين استمالة مصالح اجتماعية ومنع تحولها إلى مراكز سياسية مستقلة، وبين توزيع القوة المسلحة على قيادات يصعب أن تجتمع ضد رأس السلطة.

ولم يلغ ابتلاعُ المجالِ السياسي الاعتراضَ، بل غيّر موضعه وموارده. تُوج حراك النقابات المطالب بإلغاء حالة الطوارئ والمحاكم الاستثنائية وإطلاق المعتقلين السياسيين بإضراب النقابات والتجار في مارس سنة 1980، فأعقبته اعتقالاتٌ وإجراءات أتاحت حل مجالسها المنتخبة وإعادة تشكيلها، ثم استكملت قوانين سنة 1981 إخضاعها.

وبعد ثلاثة عقود من انقلاب الزعيم، لم يعد السؤال كيف يعود الخاسر إلى السياسة، بل أين توجد سياسة مستقلة يمكنه أن يعود إليها.


تغيّر هذه القراءةُ معنى الدرس الذي يمكن استخلاصه من سقوط الجمهورية السورية. لم يصل حافظ الأسد إلى الحكم لأن سوريا عرفت حياة حزبية تعددية بعد الاستقلال، بل بعد أن أُضعفت تلك الحياة تدريجياً وانتقل مركز القوة والقرار إلى المؤسسة العسكرية والأمنية والزعامة الشخصية. كانت الجمهورية معطوبة بالفعل، لكن علاج أعطابها لم يكن إلغاء المجال الذي كشفها وأتاح الاعتراض عليها.

فالتعددية التي حصنت الجمهورية، بقدر ما حصنتها، لم تكن مجرد تعدد أسماء الأحزاب أو انتظام الانتخابات، بل بقاء موارد سياسية واجتماعية مستقلة يستطيع الخاسر أن يحافظ بها على حضوره. كالحزب والصحيفة والنقابة والبرلمان والشبكة الاجتماعية وقواعد تسمح له بأن يخسر اليوم من دون أن تعني خسارته خروجه النهائي من السياسة. وحين انتقلت هذه الموارد إلى يد الدولة، وانتقل مركز الحسم إلى الجيش والأجهزة، تحولت المنافسة على إدارة الدولة إلى صراع على امتلاكها.

يُظهر هذا التاريخ أهمية الحزبية في سوريا المعاصرة. فإذا كانت السلطوية قد تشكلت تاريخياً عبر تجريف التنظيمات المستقلة وتركيز الموارد وأدوات القوة في الدولة والجيش، فإن بناء الحزبية وحماية استقلال الصحافة والنقابات والمؤسسات الاجتماعية، وإبقاء الجيش خارج المنافسة السياسية، ليست ترفاً يمكن تأجيله إلى ما بعد استقرار الدولة. إنها الآليات التي تجعل الخسارة السياسية قابلة للعكس، وتحول دون أن يصبح الوصول إلى السلطة طريقاً لاحتكار السياسة نفسها.

اشترك في نشرتنا البريدية