بين قروض أوروبية واعتراضات محلية.. هكذا يغيّر تطوير ترام الإسكندرية وجه المدينة

أوقفت وزارة النقل المصرية تشغيل ترام الرمل بالإسكندرية لتنفيذ مشروع تطويرٍ يقلّص محطاته ويرفع نصفها على جسورٍ خرسانيةٍ، بعد أكثر من 150 عاماً من تاريخ الترام، دون التفاتٍ لاحتياجات السكان ورؤية باحثي التراث والعمران.

Share
بين قروض أوروبية واعتراضات محلية.. هكذا يغيّر تطوير ترام الإسكندرية وجه المدينة
مستقبل المدينة من دون ذاكرتها | تصميم خاص بالفراتس

اعتاد جورج نجار، ذو الستين عاماً، المشي من محلّ سكنه في منطقة محمد محفوظ خمسَ دقائق إلى محطة الترام القريبة ليستقله إلى محطة الرمل الشهيرة بوسط مدينة الإسكندرية. لا يتذكر بالضبط كم كانت تستغرق الرحلة، لكنّ الباقيَ في ذاكرته تفاصيلُها الصغيرة: "كنّا نتفرّج على الناس والشجر"، كما يقول مستعيداً إيقاع الترام الهادئ الذي كان يمنحه فرصة تأمّل المدينة خلال الرحلة.

بعدما كانت تذكرة الترام لا تتجاوز خمسة جنيهاتٍ، أصبح جورج يستقلّ الأتوبيسات البديلة التي وفّرتها محافظة الإسكندرية، بتكلفة أربعة عشر جنيهاً للرحلة نفسها (نحو ثلاثة أضعاف سعر تذكرة الترام). ومع عدم انتظام الخدمة وطول فترات الانتظار، يضطر أحياناً إلى استخدام سيارات الأجرة عبر التطبيقات الذكية، بتكلفةٍ تتراوح بين سبعين جنيه ومئةٍ للرحلة من محطة الرمل إلى منطقته. يقول: "في إحدى المرات انتظرتُ أكثر من نصف ساعةٍ حتى يكتمل عدد الركاب بالأتوبيس"، قبل أن يقرر العودة سيراً على قدميه.

كانت محطة محمد محفوظ واحدةً من أربع عشرة محطةً أُلغيت ضمن المرحلة الأولى من مشروع إعادة تأهيل وتطوير ترام الرمل، الذي بدأت الحكومة المصرية تنفيذه مطلع سنة 2026، ومن المقرر أن يستمرّ عامين.

أوقفت وزارة النقل المصرية في أبريل 2026 تشغيل ترام الرمل، لتنفيذ مشروع تطويرٍ يشمل تقليص محطاته ورفع نصفها على قواعد خرسانية، بدلاً من القضبان الحديدية على مستوى الأرض. وبذلك توقّف الترام الذي ظل أكثر من 150 عاماً يربط شرق المدينة بغربها عبر مسارٍ يمتد نحو 13 كيلومتراً مارّاً بأشهر أحيائها، الشاطبي وجليم وسان ستيفانو وباكوس وسيدي بشر وصولاً إلى فيكتوريا. إلا أن جورج ما انفكّ يتساءل: "هنستفيد إيه من التطوير؟ والحكومة هتستفيد إيه من شحططتنا [زيادة مشقّتنا في التنقُّل]؟".

ومع أن الجدل ذاته تصاعد سنة 2016 مع بدء تفكيك ترام مصر الجديدة في القاهرة، إلا أن ترام الإسكندرية له وضعٌ خاص. إذ يشكّل جزءاً من هوية المدينة وعمرانها منذ انطلاق أولى رحلاته سنة 1863. فضلاً عن مساره الذي خلق بيئةً اجتماعيةً يلتقي فيها السكندريون بمختلف طبقاتهم.

الترام الذي كان عنواناً على تطور المدينة، وأحد أقدم وسائل النقل الجماعي في إفريقيا والشرق الأوسط، أصابه الوهن فتهالكت عرباته وتكررت أعطاله. وعدّته الدولة في سعيها لتحقيق "السيولة المرورية" أحد أسباب الزحام. ما وضع وزارة النقل ومحافظة الإسكندرية، المسؤولتين عن إزالة خطوط الترام وإقامة مشروع القطار المعلق البديل، في مواجهة مواطنين رافضين تغيير نظام الترام، ومعهم معماريون ومؤرخون عمرانيون وحقوقيون. وتواجه الطرفان في خلافٍ امتدّ إلى ساحات القضاء.

يقدَّم مشروع التطوير رسمياً باعتباره محاولةً لإنقاذ ترام الإسكندرية بعد عقودٍ من تراجع كفاءته، إذ يستهدف إدخال عرباتٍ جديدةٍ وتطبيق أنظمة تشغيلٍ حديثةٍ على أن يتغير نظام الترام ومحطاته إلى قطارٍ خفيفٍ ذي محطاتٍ معلّقةٍ يقلّص زمن الرحلة إلى النصف، مع زيادة الطاقة الاستيعابية. لكن معارضي المشروع يرون أن هذا التصور يحصر القضية في مؤشرات الكفاءة التشغيلية ويرون أن صيانة عربات وخطوط الترام الحالي وإضافة عرباتٍ أخرى كفيلٌ بحلّ تلك المشكلات التشغيلية، وأن مشروع التطوير يتجاوز أبعاد الترام التراثية والعمرانية والبيئية فضلاً عن الحق في المدينة. ويتساءلون عن طبيعة المشروع نفسه: أهو تحديثٌ لشبكةٍ تاريخيةٍ مع الحفاظ على قيمتها كما أكّد مجلس الوزراء المصري في فبراير 2026، أم استبدالها بمنظومة نقلٍ مختلفةٍ، بما يحمله ذلك من انعكاساتٍ على النسيج العمراني والتاريخي لأحياء الإسكندرية والمسارات التي تشكلت حول ترامها على مدار قرنٍ ونصف القرن تقريباً؟  فيما تكشف وثائق تنفيذ المشروع عن فجوةٍ بين الخطة التي قدّمتها الحكومة لمؤسسات التمويل، وبين ما يحدث على أرض الواقع. 


خُصّصت لمشروع تطوير ترام الرمل ميزانيةٌ تصل إلى 592 مليون يورو (نحو 708 ملايين دولار أمريكي) جمعتها الحكومة المصرية بالاقتراض من البنك الأوروبي للاستثمار والوكالة الفرنسية للتنمية، إضافةً إلى مساهماتٍ من الحكومة المصرية نفسها. وبحسب المعلن، يهدف المشروع إلى تقليص زمن الرحلة بين طرفي الخط من ستين دقيقةً إلى ثلاثٍ وثلاثين دقيقةً، بخفض عدد المحطات من ثمانٍ وثلاثين محطةً إلى أربعٍ وعشرين، نصفها معلّقٌ على جسورٍ خرسانية. لتصل المسافة بين المحطات إلى نحو خمسمئة مترٍ، بعد أن كانت نحو مئةٍ وستين متراً. ويستهدف المشروع كذلك تقليل زمن التقاطر والانتظار إلى أقلّ من أربع دقائق، بما يسمح برفع الطاقة الاستيعابية إلى 13800 راكب في الساعة لكلّ اتجاهٍ، بإجماليٍّ يقارب 450 ألف راكبٍ يومياً. 

وبينما تصف الحكومةُ المشروعَ بأنه نقلةٌ نوعيةٌ تغيّر شكل التنقل في عروس البحر المتوسط، يشارك معماريون ومؤرخون تساؤلَ جورج نجار وغيره من المواطنين المتضررين من المشروع، عن الثمن الذي تدفعه المدينة مقابل هذا التطوير.

بحسب المعماري والفنان التشكيلي محمد عادل دسوقي، أصبح الترام على مدار أكثر من قرنٍ ونصفٍ جزءاً من نسيجٍ عمرانيٍ تشكلت حوله أحياءٌ وأسواقٌ ومساراتٌ للحياة اليومية، فالمشروع يتضمن إلغاء أربع عشرة محطةً، يرتبط بعضها بمناطق تجاريةٍ وأسواقٍ شعبيةٍ مهمةٍ، منها سوق "زنانيري" الشهير بمنطقة كليوباترا. ويرى دسوقي أن محطات الترام "ليست مجرد نقاط توقف، بل مراكز تشكلت حولها حركة المشاة والتجارة والتنقل عبر عقود طويلة". لذلك يؤكد أن العبرة ليست بتقليص زمن الرحلة، وإنما باستفادة المستخدمين من هذا التقليص. موضحاً أن كثيراً من مستخدمي الترام، وخاصةً كبار السنّ وذوي الاحتياجات الخاصة يفضّلون قرب المحطات من منازلهم وأماكن عملهم على اختصار زمن الرحلة. متسائلاً "ما الفائدة من تقليل زمن الرحلة إذا كان الراكب سيضطر إلى استخدام وسيلة نقل إضافية للوصول إلى المحطة".

ويضيف أن المشروع يلغي أيضاً فرعاً كاملاً من الترام يمتد بين محطتي سبورتنج ومصطفى كامل، المعروف بِاسم "فرع سيدي جابر الشيخ"، ما يحرم سكانها من خدمات النقل العام التي قدمها لهم الترام. ويرى أن هذا القرار يعكس فلسفةً تخطيطيةً تمنح الأولوية لحركة السيارات الخاصة على حساب النقل الجماعي، في حين بدأت مدنٌ عديدةٌ حول العالم تتراجع عن هذا النهج بعد أن ثبتت آثاره السلبية على المجال العام وجودة الحياة داخل المدن.

أما المسار المعلّق، فلا يعُدّه المعماري المختص مجرّد حلٍّ هندسيٍّ لتجاوز التقاطعات المرورية، بل إضافة مزيدٍ من المنشآت الخرسانية إلى مدينةٍ شهدت فعلاً سلسلةً واسعةً من التدخلات العمرانية التي غيرت معالم شوارع رئيسةٍ وسط ضيق السكان. ويضيف دسوقي أن السؤال لا يتعلق فقط بالشكل العمراني، وإنما أيضاً بقدرة المدينة على إدارة هذه المنظومة مستقبلاً، إذ تعتمد المحطات المرتفعة على مصاعد وسلالم متحركةٍ وتجهيزاتٍ تقنيةٍ تحتاج إلى صيانةٍ مستمرةٍ، وهو ما يثير شكوكه بشأن قدرة الجهات المشغلة على الحفاظ على كفاءتها على المدى الطويل.

ويتفق معه المؤرخ العمراني محمد عوض، مضيفاً للمخاوف ما قد تلاقيه تلك الأنظمة من تعطلٍ يؤثر على السكان، إذا ما تجددت دورات شحّ العملة الأجنبية اللازمة لاستيراد قطع الغيار، والتي شهدتها مصر مع بدء أزمتها الاقتصادية الحادة في 2022. ويرى أن هذا التحول يثير تساؤلاتٍ حول مدى الاعتماد مستقبلاً على شركاتٍ أجنبيةٍ وتكنولوجيا مستوردةٍ مرتفعة التكلفة.

من زاويةٍ تاريخيةٍ، يرى محمد عوض، الذي شغل في السابق منصبَيْ مدير مركز الدراسات بمكتبة الإسكندرية ورئيس اللجنة الفنية للحفاظ على التراث المعماري بالإسكندرية، أن ترام الرمل تجاوز منذ أواخر القرن التاسع عشر مفهوم وسيلة النقل العام، ليصبح مؤسسةً اجتماعيةً ساهمت في تشكيل حياة السكندريين اليومية والثقافية. ويعُدّ عوض المولودُ بالإسكندرية سنة 1949 نفسَه شاهداً على التحولات التي مرّ بها الترام، مؤكداً في حديثه للفراتس أنه كان أحد الفضاءات العامة النادرة التي جمعت سكان المدينة بمختلف طبقاتهم، بينما تحولت محطاته مع الوقت إلى مراكز للحركة والخدمات واللقاءات الاجتماعية. لذلك، في رأيه، لا يمكن تقييم الترام بعدد الركاب أو زمن الرحلة فقط، لأن دوره تجاوز النقل إلى المساهمة في تشكيل الحياة الحضرية نفسها.

تتفق ملاحظات المؤرخ العمراني مع ما جاء في دراسة "مايغريشن آند أركيتكتشوال ترانسفورميشن إن ألكساندريا، إيجبت" (الهجرة والتحول العمراني في الإسكندرية) الصادرة سنة 2023 للباحثَين محمد عاطف ومحمد وهبة. في الدراسة يتعرض الباحثان لأهم المستجدات التي طرأت على الإسكندرية وسببت تحولاتٍ واسعةً في عمرانها وجذب الهجرات الداخلية والخارجية إليها. ويركز الباحثان في أحد فصول دراستهما على الترام الذي ينسبان له الفضل في نشأة أحياءٍ جديدةٍ اجتذبت الأثرياء والمستثمرين المصريين والأجانب، وسرّعت من تحويل الأنشطة الرئيسة في الإسكندرية ليضاف إليها التصنيع التحويلي، إلى جانب الزراعة وخدمات الموانئ وما يرتبط بها من تجارة. تقول الدراسة: "تحسُّن سبل المواصلات مع دخول الترام، شجّع المقتدرين من أبناء الإسكندرية على هجرة أحياءها القديمة إلى مناطق يمكنهم فيها التوسع في البناء، وكان خط الترام بما يوفره من سهولة التنقل هو العمود الفقري لذلك التوسع، فبُنيت الأحياء الجديدة حول الترام الناشئ في محطة الرمل". تلك الأحياء الجديدة اجتذبت أثرياء آخرين من خارج الاسكندرية، سكنوها وعززوا نشاطيها الاقتصادي والعمراني.

بالعودة للحاضر، يرى محمد عوض أن تراجع الترام لا يمكن فصله عن التراجع الأوسع الذي أصاب منظومة النقل العام" في المدينة. يقول: "مع انحسار دور الأتوبيسات العامة وتراجع الاستثمارات في النقل الجماعي، ملأت الميكروباصات وسيارات الأجرة الفراغ داخل المدينة. لذلك فإن مواجهة الفوضى المرورية لا تتحقق بإضعاف وسائل النقل الجماعي، بل ببناء منظومة نقل عام قوية وفعالة تستوعب احتياجات السكان اليومية".


وراء الجدل الذي يحيط اليوم بمستقبل ترام الرمل، تمتد رحلةٌ بدأت باتفاقيات التمويل، مروراً بالدراسات الفنية والبيئية والمشاورات المجتمعية، وانتهت إلى مشروعٍ يختلف في جوانب عديدةٍ عن حصيلة تلك الدراسات والمشاورات التي ضُمِّن بعضها في تصوّرٍ طرحته الحكومة على جهات التمويل ثم تجاهلته عند التنفيذ.

تكشف مراجعة الفراتس لوثائق المشروع أن هذا التطور صاحَبَتْه تساؤلاتٌ لم تُحدَّد إجابتها بعدُ بشأن آثاره الاجتماعية والعمرانية، ومدى أخذ ملاحظات السكان والفئات المتأثرة في الاعتبار عند إقرار تصميمه النهائي. 

تُظهر اتفاقية التمويل الموقعة بين الحكومة المصرية والوكالة الفرنسية للتنمية في مايو 2017، والتي وافق عليها مجلس النواب وصدّق عليها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في نوفمبر من العام نفسه، أن المشروع الذي طرح على الوكالة وموّلته بقرض مئة مليون يورو كان يستهدف إعادة تأهيل وتحديث خط ترام الرمل القائم بين محطة الرمل وفيكتوريا، من خلال رفع كفاءته التشغيلية وتقليص زمن الرحلة، وليس إنشاء منظومة نقلٍ بديلةٍ بالكامل. ووفقاً لملحق الاتفاقية الفنّي، شمل المشروع شراء ثلاثين عربةً جديدةً، وتحديث البنية الأساس، وتطوير أنظمة الإشارات والتحكم، وإعادة تنظيم عددٍ من المحطات، وإنشاء وصلةٍ بطول تسعمئة مترٍ تربط محطة الرمل بمنطقة المنشية، إلى جانب تبسيط مسار التشغيل عبر إلغاء بعض التفريعات لزيادة سرعة الخدمة وانتظامها. وشملت الاتفاقية أيضاً إنشاء ستة مساراتٍ علويةٍ بإجماليّ أربعة كيلومتراتٍ، للفصل بين حركة الترام والسيارات عند أكثر التقاطعات ازدحاماً.

وتشير الاتفاقية كذلك إلى أن المشروع جاء ثمرة دراسةٍ شاملةٍ لشبكة النقل الحضري بالإسكندرية بدأت سنة 2013، في حين موّلت الوكالة الفرنسية للتنمية دراسة الجدوى بمنحةٍ مستقلةٍ قبل إقرار القرض. وقدّرت اتفاقيةُ الحكومة مع الوكالة الفرنسية تكلفةَ المشروعِ الإجماليةَ بنحو 363 مليون يورو، منها قرضٌ فرنسيٌ بقيمة مئة مليون يورو، على أن تتولى الحكومة المصرية ومؤسساتُ تمويلٍ دوليةٌ أخرى مثل بنك الاستثمار الأوروبي استكمال باقي التمويل.

لكن مقارنة هذا التصور الأوّلي بالوثائق البيئية والفنية الصادرة عن شركات الحلول البيئية التي عهدت إليها الحكومة المصرية وشركاؤها الأوروبيون بدراسة آثار المشروع، كشفت عن تغيراتٍ ملحوظةٍ في نطاق المشروع. فبينما ورد في اتفاقية التمويل أربعة كيلومتراتٍ فقط من المسارات العلوية، تصِف الدراسة الإطارية التي أعدتها شركة "إيكو كونسيرف للحلول البيئية" في أغسطس 2022 وحصلت الفراتس على نسخة منها مشروعاً يرفع نحو نصف خط الترام على جسورٍ علويةٍ، بما يعادل نحو 7.2 كيلومتر من إجماليّ مساره البالغ 14.4 كيلومتراً، بهدف تقليل التعارض مع حركة السيارات وزيادة سرعة التشغيل. كذلك تكشف الدراسة نفسها عن تقليص عدد المحطات من إحدى وثلاثين إلى خمسٍ وعشرين محطةً، مع الإقرار بأن المسارات العلوية ستترك أثرا بصرياً على المشهد العمراني، مع أن فلسفة المشروع التصميمية في مراحله الأولى كانت تقوم على الإبقاء على الترام على مستوى سطح الأرض كلّما أمكن، وعدم اللجوء إلى المنشآت العلوية إلا عند الضرورة.

آثار المشروع الجديد وتداعياته لا تقف عند العمران وكفاية التشغيل لاحتياجات السكان، بل تمتد إلى آثارٍ بيئيةٍ واقتصاديةٍ واجتماعيةٍ، منها تأثير المشروع الجديد على العمالة الدائمة والمؤقتة بالترام. ومنها أن تنفيذه سيترتب عليه تأثيراتٌ اجتماعيةٌ مباشرةٌ، تشمل تضرّر عشرات العاملين إلى جانب فئاتٍ تعتمد أنشطتها اليومية على مسار الترام ومحطاته. وبينما تتضمن الخطة برامج تعويضٍ وإجراءاتٍ للتخفيف من هذه الآثار، فإن ملفاتٍ رئيسةً في مقدمتها أوضاع العاملين الحاليين بالترام ما تزال مؤجلةً إلى خططٍ تنفيذيةٍ تفصيليةٍ لم تُنشر حتى الآن.

وتفصح مَحاضر جلسات المشاركة المجتمعية عن جانبٍ من هذه المخاوف. فقد أبدى سكان المناطق الواقعة على امتداد الخط قلقهم من تأثير أعمال الحفر على المباني القديمة، ولاسيما في المناطق مرتفعة الكثافة العمرانية. وطرح المشاركون أسئلةً بشأن مصير المحطات الملغاة وأثر ذلك على سكان محيطها المستفيدين منها، وكذلك تساءلوا عن مستقبل العاملين وأسعار التذاكر وتأثير المشروع على البيئة العمرانية المحيطة. وتشير وثيقة المشاركة المجتمعية إلى أن أكثر من مئة شخصٍ شاركوا في جلسات التشاور، إلا أن نسبةً محدودةً منهم كانوا من الفئات المتأثرة مباشرةً بالمشروع، في حين مثّلت الجهات الحكومية والاستشاريون والهيئات الفنية غالبية الحضور. ولا توضح الوثائق المنشورة بالتفصيل كيف انعكست هذه الملاحظات على التصميم النهائي للمشروع، أو ما إذا كانت قد أسفرت عن تعديلاتٍ جوهرية.

ويرى أستاذ العمارة والتخطيط وتاريخ المدن بجامعة كاليفورنيا في بيركلي، نزار الصياد، أن ما قُدّم باعتباره مشاركةً مجتمعيةً لم يرقَ إلى مستوى حوارٍ حقيقيٍ حول مستقبل الترام أو البدائل الممكنة، بل جاء في إطار إجراءاتٍ مطلوبةٍ لموافقة الممولين على مشروعٍ حُسمت ملامحُه الأساسُ سلفاً. ويقول للفراتس إن قراءة دراسات الجدوى توحي بأن المشروع سبق الدراسة، لا العكس. مضيفاً "هناك فرق بين أن يكلَّف الاستشاري بدراسة مشكلة قائمة واقتراح بدائل متعددة للمفاضلة بينها، وبين أن يُطلب منه إعداد دراسة تُبرِّر مشروعاً اختير مسبقاً".

الجدل حول مشروع "تطوير" الترام لا يتعلق فقط بما انتهت إليه دراسات الجدوى، وإنما يمتد إلى الأدوار التي أدّتها مؤسسات التمويل والشركات الاستشارية في ترجيح مسارٍ تنفيذيٍ بعينه منذ المراحل الأولى لوضع خطط المشروع. 

فبحسب الصياد هناك مؤسساتٌ فرنسيةٌ، مثل الوكالة الفرنسية للتنمية، والتحالف الاستشاري بقيادة شركة سيسترا الذي تولّى نيابةً عن الهيئة القومية للأنفاق إعداد التصميم المبدئي للمشروع وإعداد وتقييم مستندات الطرح والإشراف على التنفيذ. تنظر هذه المؤسسات إلى مشروع تطوير الترام من زاويةٍ اقتصاديةٍ ترتبط بالقروض والاستثمارات وتشغيل الخبرات والشركات التابعة لها. وهو ما يطرح – من وجهة نظره – تساؤلاتٍ مشروعةً حول الأولويات التي تحكم هذه المشروعات.
ويشير أستاذ العمارة والتخطيط بجامعة كاليفورنيا إلى مفارقة التباين بين أولويات مؤسسات التمويل بشأن مشروع الترام قائلاً "بينما يعمل مركز الدراسات السكندرية التابع لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي الفرنسية على توثيق أرشيف ترام الإسكندرية وتاريخه جزءاً من التراث العمراني العالمي، تشارك جهاتٌ فرنسيةٌ أخرى، مثل الوكالة الفرنسية للتنمية، في تمويل وتقديم الاستشارات لمشروعٍ سيؤدي إلى تغيير هذا التراث جذرياً".

يدعم الرأيَ نفسَه أستاذ العمارة والتصميم العمراني بكلية الهندسة بجامعة القاهرة، نبيل الهادي، الذي كشف للفراتس أنه ناقش المشروع مع مسؤولين فرنسيين منذ سنة 2017، عندما كانت المقترحات الأولية تقوم على الإبقاء على مسار الترام في مستواه الأرضي مع تطويره عبر أنظمة إشاراتٍ وتحكمٍ حديثةٍ تسمح بزيادة السرعة وتحسين الكفاءة، دون إنشاء مسارٍ معلقٍ أو تقاطعاتٍ متعددة المستويات. وبحسب الهادي، لم يظهر خيار رفع الترام إلا في مرحلةٍ لاحقةٍ، بعد أن تبنّته الإدارة المحلية، قبل أن يتحول تدريجياً إلى التصميم التنفيذي للمشروع.

وينتقد الهادي موافقة الجهات الاستشارية على هذا التحول، معتبراً أن دورها لا ينبغي أن يقتصر على تنفيذ رغبات الجهة المالكة للمشروع (وزارة النقل المصرية)، وإنما يشمل الدفاع عن البدائل التي تراها أكثر ملاءمةً من الناحية المهنية والعمرانية، لاسيما في مدينةٍ تاريخيةٍ مثل الإسكندرية. ويضيف أنه أثار هذه الملاحظات مع المسؤولين الفرنسيين سنة 2017، معتبراً أن "الجهات الممولة والاستشارية لم تمارس دوراً كافياً في الدفاع عن البدائل التي طُرحت في المراحل الأولى".

وتتفق هذه الرواية مع شهادة مسؤولٍ سابقٍ بترام الإسكندرية، تحدث إلى الفراتس بشرط عدم ذكر اسمه، موضحاً أن تصورات المشروع الأولى لم تتضمن إنشاء مسارٍ معلقٍ، وأن هذا الخيار طُرح في مراحل لاحقةٍ بهدف تجاوز التقاطعات المرورية وتحسين انسيابية الحركة، بعد سلسلةٍ من التعديلات التي شهدها المشروع في سنوات إعداده.                           


ومثلما لم تلتفت الحكومة المصرية والجهات المانحة الشريكة للأضرار العمرانية والاجتماعية والاقتصادية إلى مشروع تطوير الترام، وأغفلت تداعياته على تراث المدينة وتاريخها، لم تحظَ القيمة البيئية للمسار التاريخي وما نشأ حوله من غطاءٍ نباتيٍ باهتمامٍ يكافئ أهميتها.

فبحسب أستاذ العمارة والباحث في قضايا التغير المناخي والعمراني نبيل الهادي، أتاح امتداد قضبان الترام، على مدار أكثر من قرنٍ، نشوء غطاءٍ نباتيٍ طبيعيٍ بين القضبان وعلى جانبيها، يضمّ أنواعاً متعددة من النباتات البرية التي أصبحت جزءاً من المشهد البيئي. ويُتوقع أن إزالة المسار التاريخي للترام يعني اختفاء هذا الغطاء الذي تشكل تدريجياً عبر عشرات السنين.

وحددت الباحثة المهتمة بالنباتات البرية رنا المحلاوي في حديثها إلى الفراتس، النباتات الأكثر انتشاراً على امتداد خط الترام، ومنها الخُبيزة والرِجلة إلى جانب أنواعٍ أخرى من النباتات البرية المرتبطة تاريخياً ببيئة حوض البحر المتوسط. وتوضح الباحثة أن علاقتها بالغطاء النباتي المحيط بالترام بدأت من رحلاتها اليومية عليه، إذ انتبهت لظهور نباتاتٍ واختفاء أخرى مع تغير الفصول.

بدأت المحلاوي توثيق تلك النباتات البرية في 2020، وجمعت عشرات العينات النباتية، وعملت على تصنيفها ومراجعتها بالتعاون مع متخصصين. لكن مع بدء أعمال إزالة مسار الترام، وجدت نفسها في سباقٍ مع الزمن. المناطق التي اعتادت زيارتها بدأت تختفي تباعاً، في حين غطّت الأتربة والركام أجزاءً واسعةً من المسار، ما صعّب مواصلة الرصد مع اختفاء مساحاتٍ من الغطاء النباتي الذي كانت تتابعه منذ أعوام. وتقول: "نحاول أن نسجل للتاريخ أن هذه المنطقة كانت تضم نباتاتٍ وأشجاراً في يومٍ من الأيام". 

تعُدّ المحلاوي هذه النباتات جزءاً من علاقة سكان المدينة بمحيطهم الطبيعي. وتقول: "هذه الأنواع تمثل جزءاً من علاقتنا بالمكان الذي نعيش فيه. أشعر أننا فقدنا جزءاً من علاقتنا بالأرض والكائنات التي تعيش حولنا، مع أن هذه النباتات كانت موجودةً أمامنا كل يومٍ دون أن ننتبه إليها".


بدأت محاولات أبناء محافظة الإسكندرية الضغط على الحكومة للحفاظ على الترام ومساره ومحطاته التاريخية قبل أن تشرع الحكومة في التنفيذ. في البداية انخرط في جهود مطالبة الحكومة بالحفاظ على الترام والمسار مثقفون وفنانون وناشطون في مبادراتٍ مجتمعيةٍ للحفاظ على التراث، ومنها مبادرة "ديوان العمران". لكن مع بدء عمليات الإزالة والهدم، اتسعت دائرة الاعتراضات. وفي يونيو 2026 انضمت منظماتٌ حقوقيةٌ إلى قوائم المعترضين، وطالبت سبعُ منظماتٍ في بيانٍ مشتركٍ، بوقف أعمال إزالة الترام وتفكيكه مؤقتاً إلى حين مراجعة المشروع مراجعةً شاملةً، مع وضع الحوار المجتمعي واحتياجات أبناء الإسكندرية في قلب فلسفة المشروع.

انتقلت محاولات إنقاذ الترام إلى ساحات القضاء، عندما لجأ بعض المتضررين إلى محكمة القضاء الإداري بالإسكندرية مطالبين بوقف تنفيذ المشروع، وأقاموا دعوى على المسؤولين عنه بدايةً من وزير النقل والهيئة القومية للأنفاق ومحافظ الإسكندرية ووصولاً إلى رئيس الجمهورية. غير أنه في يوليو 2026، قضت المحكمة برفض الدعوى، فيما أعلن مقيموها اللجوء إلى المحكمة الإدارية العليا للطعن على الحكم، غير أن هذا الطعن لن يوقف المضيّ في تنفيذ المشروع، ولا إزالة عربات الترام.

جوهر النزاع بحسب أحد مقيمي الدعوى، المحامي محمد فتوح، لا يتعلق برفض تطوير الترام أو تحديثه، وإنما بمدى التزام الجهات المنفذة بالإجراءات القانونية المنظمة لحماية المباني والمنشآت ذات القيمة التراثية. ويشير فتوح في حديثه إلى الفراتس، إلى أربع محطاتٍ بها مبانٍ تعود لأكثر من مئة عامٍ هي بولكلي (بوكلي) ومصطفى كامل "مبنى الورشة" وكوبرى الجامعة إضافةً إلى محطة سبورتنج . وهي مدرجةٌ جميعاً في سجلّ المباني والمنشآت ذات القيمة التراثية. وهو ما يستوجب وفقاً للقانون الحصول على موافقةٍ مسبقةٍ من الجهاز القومي للتنسيق الحضاري قبل تنفيذ أيّ أعمالٍ تمسها.

ويضيف فتوح أنه طلب من الهيئة القومية للأنفاق تقديم ما يثبت حصولها على هذه الموافقة، إلا أنها لم تقدم أي مستندات بهذا الشأن للمحكمة. ويرى أن الجهاز القومي للتنسيق الحضاري لم يتدخل في المشروع إلا بعد بدء أعمال الهدم، مستشهداً بما جرى في محطة بولكلي، التي أثارت إزالة أجزاء منها جدلاً واسعاً بين المهتمين بالتراث العمراني في الإسكندرية.

يتفق معه المؤرخ السكندري محمد عوض، المدير الأسبق لمركز الدراسات بمكتبة الإسكندرية ورئيس اللجنة الفنية للحفاظ على التراث المعماري سابقاً، إذ يقول للفراتس إنه بعد هدم محطة بولكلي، التي تحمل اسم الإنجليزي جون بولكلي أحد مؤسسي شركة ترام الإسكندرية، وتعدّ من أقدم محطات المدينة، تواصل معه الجهاز القومي للتنسيق الحضاري طالباً إعداد تقييمٍ لقيمتها التراثية، لكنه رفض ذلك قائلاً: "كيف يُطلب الرأي في أهمية محطة تراثية بعد هدمها بالفعل؟ كان من المفترض اللجوء إلى الخبراء قبل إزالة المحطة لا بعدها".

في المقابل، رفض رئيس الجهاز القومي للتنسيق الحضاري، محمد أبو سعدة، الاعتراضات الموجهة للمشروع. وقال للفراتس إن العناصر المعمارية ذات القيمة التراثية داخل المحطات لم تُمسّ، وإن الهدف من تطوير الترام لم يكن إزالة التراث، وإنما معالجة أوضاعٍ عمرانيةٍ تراكمت على مدى عقودٍ، مع الحفاظ على المكونات التي تستحق الحماية. مشيراً إلى أن الحفاظ على التراث لا يعني تجميد المرافق العامة أو منع تطويرها، بل البحث عن حلولٍ تتيح استمرار استخدامها وتحديثها بما يتوافق مع احتياجات المدينة. ويقول: "كثير من المدن التاريخية شهدت تطويراً واسعاً لشبكات النقل، مع الحفاظ في الوقت نفسه على عناصرها التراثية الأساسية". ويضيف أن التحدي الحقيقي لا يكمن في الاختيار بين التطوير والحفاظ، وإنما في تحقيق التوازن بينهما بما يصون هوية المدينة وطابعها التاريخي. 

وفيما يتعلق بالمحطات التراثية، أكد أبو سعدة أن بعض محطات ترام الإسكندرية مسجلةٌ فعلاً ضمن نطاق الحماية الذي يشرف عليه الجهاز، إلا أن المعاينات التي أجرتها لجانه أظهرت أن أعمال الإزالة التي أثارت الجدل لم تَطَل المبانيَ الأصلية المسجلة، وإنما انصبّت على إضافاتٍ وتعدّياتٍ أُنشئت في فتراتٍ لاحقة. ويضيف أن الجهاز أعدّ تقارير تفصيليةً عن المحطات والمنشآت المرتبطة بالمشروع، خلصت إلى ضرورة التمييز بين العناصر التراثية الأصلية والإضافات المستحدثة التي لا تتمتع بالقيمة التاريخية نفسها.

حاولت الفراتس الحصول على ردٍّ من الجهات الأخرى المعنية بالمشروع. فتواصلت مع الوكالة الفرنسية للتنمية، الممولة الرئيسة له، وطرحت عليها أسئلةً بشأن الدراسات التي استند إليها التمويل والاعتراضات المثارة حول المشروع، إلا أننا لم نتلقَّ أيّ ردٍّ حتى موعد النشر. وتواصلنا مع مدير مشروع ترام الرمل بالإسكندرية المهندس سيد كامل، لكنه رفض التعليق.                                                


تلخّص أستاذة التخطيط العمراني جليلة القاضي الجدل حول استبدال ترام الإسكندرية التاريخي بمشروع ترامٍ معلقٍ بديلٍ بقولها: "جوهر الجدل الدائر حول ترام الإسكندرية لا يتعلق بوسيلة النقل في حدّ ذاتها، بل بالسياسات العمرانية التي تعيد تشكيل المدينة". وترى مديرة الأبحاث السابقة بالمعهد الفرنسي للبحوث من أجل التنمية أن "المشكلة ليست في الترام نفسه، وإنما في [تصور] المدينة التي يُراد بناؤها". فالترام الذي اختفى من الشوارع باعتباره عائقاً أمام التطوير، عاد ليصبح عنصراً جاذباً داخل مشروعاتٍ عمرانيةٍ جديدةٍ موجهةٍ لشرائح اجتماعيةٍ شديدة الثراء. وهكذا يتحول النقاش من مستقبل وسيلة نقلٍ إلى سؤالٍ أوسع: لمن تُصمَّم المدينة الجديدة، ومن يُستبعد منها؟

تستند جليلة في هذا التحليل إلى تجربةٍ ذاتيةٍ بحثيةٍ ومهنيةٍ امتدت عقوداً. وحين تستعيد قصة ترام الإسكندرية، فإنها تبدأ من القاهرة، المدينة التي عرفتها حين كانت شبكة الترام والترولي والأتوبيسات العامة تشكل العمود الفقري للحياة اليومية، وجزءاً من هوية المدينة العمرانية. وتتذكر كيف أدّى اختفاء ترام مصر الجديدة وترام حلوان إلى فقدان أكثر من مجرد وسيلة نقلٍ، قائلةً: "مع إزالة ترام مصر الجديدة وترام حلوان لم تختفِ وسيلة نقلٍ فقط، بل اختفى جزءٌ من ذاكرة المدينة". ومن هذا المنطلق، تعُدّ ما يجري في الإسكندرية امتداداً لمسارٍ شهدته مدنٌ مصريةٌ أخرى، وليس حالةً استثنائيةً أو قراراً معزولاً.

وتعزّز جليلة هذا الطرح بخبرةٍ عمليةٍ اكتسبتها بين سنتَيْ 2000 و2006، عندما شاركت ممثلةً لمركز البحوث الفرنسي من أجل التنمية في المشروع الأوروبي "هيركومانيس"، المعنيّ بالحفاظ على تراث مدن القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين وإدارته في مصر وسوريا. وضمّ المشروع مؤسساتٍ أكاديميةً وبحثيةً من مصر وسوريا وفرنسا وإيطاليا، من بينها كلية الهندسة بجامعة القاهرة، وكلية العمارة بجامعة حلب، وكلية الهندسة بجامعة البندقية، وجامعة ليون الفرنسية.

كان هدف المشروع مساعدة صناع القرار على وضع رؤىً لإحياء المناطق التاريخية، ومنها وسط القاهرة ومنطقة العزيزية في حلب، من خلال مقترحاتٍ تخطيطيةٍ تجمع بين الحفاظ على التراث العمراني وتحسين جودة الحياة.

توضح القاضي أن أحد أبرز المقترحات الخاصة بوسط القاهرة كان تقليل الاعتماد على السيارات الخاصة، عبر إعادة تشغيل خط الترام التاريخي الذي كان يمرّ بشوارع الجلاء ورمسيس و26 يوليو، باعتباره وسيلة نقلٍ جماعيٍ صديقةً للبيئة، وفي الوقت نفسه أداةً للحفاظ على طابع المنطقة العمراني وإعادة الاعتبار للمجال العام.

وتضيف جليلة أن نتائج المشروع، بما تضمنته من مقترحاتٍ وقاعدة بياناتٍ متكاملةٍ عن المنطقة المركزية في القاهرة، سُلّمت إلى الجهات المعنية، ومنها محافظة القاهرة التي شاركت في المشروع، غير أن هذه المخرجات لم تُستثمر. وتقول: "قدّمنا قاعدة بياناتٍ كاملةً عن المنطقة، لكن في النهاية لم يستخدمها أحدٌ، ثم أُعيد تنفيذ أجزاءٍ من العمل لاحقاً بصورةٍ منفصلةٍ، وهذه الدراسات محفوظةٌ الآن في جامعة القاهرة".

ومن هذه الخلفية البحثية تنظر جليلة بحذرٍ إلى المشروعات التي تُطرح اليوم بديلاً عن الترام التقليدي. فهي ترى أن المنظومات المعلقة، مثل المونوريل، تختلف في علاقتها بالمدينة عن الترام، فهي قد تنقل الركاب بكفاءةٍ أعلى، لكنها لا تنتج العلاقة نفسها مع الشارع والمجال العام. 

غير أن المفارقة التي تراها أكثر دلالةً تتمثل في عودة الترام نفسه داخل عددٍ من المشروعات العمرانية الجديدة، في حين اختفائه من المدن التاريخية. وتشير إلى مشروع "ذا سباين"، الذي أعلنت شركة رجل الأعمال المصري هشام طلعت مصطفى تنفيذه على أطراف القاهرة بالشركة مع الحكومة في أبريل 2026، بوصفه مثالاً على هذه المفارقة. فبالتزامن مع وقف تشغيل ترام الرمل، عاد الترام ليظهر داخل مشروعٍ عمرانيٍ جديدٍ باعتباره رمزاً للاستدامة وجودة الحياة، ومكوناً أساساً في مدينةٍ مصممةٍ للمشاة والمساحات الخضراء. وتقول: "الوسيلة نفسها التي اعتُبرت عائقاً أمام التطوير في المدينة التاريخية، تُقدَّم اليوم باعتبارها جزءاً من مستقبل المدينة الجديدة. والترام الذي لم يعد يجد مكاناً في الشارع، يجد مكانه بسهولةٍ داخل مشروع تطويرٍ عقاريٍ جديد".

وبالنسبة للقاضي، فإن الفارق لا يكمن في وسيلة النقل ذاتها، وإنما في الدور الذي تؤديه. فالترام كان في الماضي جزءاً من مرفقٍ عامٍّ مفتوحٍ يخدم المدينة وسكانها جميعاً، لكنه يظهر اليوم داخل مشروعاتٍ تستهدف شرائح اجتماعيةً محددةً، وتُسوَّق باعتبارها نموذجاً مختلفاً للحياة الحضرية. لذلك، ترى أن النقاش الحقيقي لا يتعلق بمصير الترام وحده، بل بنموذج المدينة الذي يجري إنتاجه، ولمن تُصمَّم هذه المدينة ومن المستبعَدون منها. 

ترام ذا سباين الجديد | عن الموقع الرسمي للمدينة

لا يعتقد جورج نجار أن وسائل النقل البديلة ستنجح في تعويض ما كان يوفره له الترام من سهولة الحركة وانخفاض التكلفة، ولا تلك الألفة التي ارتبطت برحلته اليومية التي كانت تبدأ بالسلام على سائق الترام والكمساري (محصّل التذاكر)، ثم لقاء جيرانه الذين اعتاد مصادفتهم في الموعد نفسه خلال رحلتي الذهاب والعودة.

وبينما تنتظر الإسكندرية حكم الإدارية العليا، يبقى السؤال معلقاً: هل يمكن للمدينة أن تعيد رسم مستقبلها من دون أن تفقد المسارات التي صنعت ذاكرتها؟ وهل تُصمَّم هذه المدينة، في نهاية المطاف، لمن عاشوا فيها عقوداً، مثل جورج نجار، أم لمن يستطيعون شراء مكانٍ في نسختها الجديدة؟

اشترك في نشرتنا البريدية