الحماية المؤقتة.. سنوات استقرار تنتهي بقرار يهدد البقاء في أمريكا

يواجه مستفيدو الحماية المؤقتة فقدان تصاريح العمل وحق البقاء، بعدما فتحت قرارات ترامب وأحكام المحكمة العليا الطريق أمام إنهاء حمايتهم.

Share
الحماية المؤقتة.. سنوات استقرار تنتهي بقرار يهدد البقاء في أمريكا
حالٌ معلّق ومسارٌ غامض | تصميم خاص بالفراتس

تجاذَب صوتَه الألمُ والدهشةُ، وتتخلّلت كلماتِه لحظاتُ صمتٍ وهو يستعيد الطريق الذي قطعه حتى وصل إلى هذه اللحظة. تارةً ينقطع كلامه، وتارةً تعلو نبرته حين يذكر خططه البسيطة التي خالَها مضمونةً، أي بناء عائلةٍ وإنجاب أطفال.

وصل الشاب اليمني يزن عبد الله إلى الولايات المتحدة سنة 2016. فبعد اندلاع الحرب في اليمن سنة 2015، انتقلت عائلته إلى المملكة العربية السعودية، ومن ثمّ حمل حقائبه متجهاً للدراسة بمدينة لوس أنجلوس بولاية كاليفورنيا لتحقيق ما رآه حلماً. تحقق الحلم سنة 2021 وأنهى دراسته الجامعية، لكنه سرعان ما اصطدم بسؤالٍ لم يخطر على باله من قَبل: إلى أين سيعود؟

مع استمرار الحرب في اليمن، وتعذّر عودة يزن إلى السعودية حينئذٍ، ومحدودية المهلة المتاحة له لترتيب وضعٍ قانونيٍ ما بعد دراسته في الولايات المتحدة، استشار محامياً متخصصاً في الهجرة. نصحه المحامي بالتقدم إلى "وضع الحماية المؤقتة"، الذي سمح لليمنيين آنذاك البقاء في الولايات المتحدة والحصول على تصريح عمل. وبه حصل يزن، البالغ ثلاثين عاماً، على الحماية سنة 2021. وبعد أشهرٍ بدأ العمل في تخصصه وأسّس شركةً صغيرةً للتصميمات.

استمرت حياته في كاليفورنيا بين العمل والرسم والتخطيط لمشاريع جديدةٍ، إلى أن تعرّف سنة 2024 إلى الفتاة التي أراد الزواج بها، وبدأ الاثنان الترتيب لحفل زفافهما وحياتهما المقبلة. لكن الحال تغيّر بعدها بعامين، إذ اتخذت إدارة الرئيس دونالد ترامب في ولايته الثانية قراراتٍ متتاليةً بإنهاء الحماية المؤقتة لمواطني عدة دول. وأثارت هذه القرارات نزاعاتٍ قضائيةً بدأت أمام المحاكم الاتحادية ووصلت إلى المحكمة العليا، لتمتد تداعياتها إلى قضية اليمن. أما يزن فقد هدّدت هذه القراراتُ تصريحَ العمل الذي تعتمد عليه شركته، وإمكانيةَ بقائه في البلد الذي عاش فيه عقداً كاملاً، والمستقبلَ الذي بدأه مع شريكة حياته.

أُقرّ قانون الحماية المؤقتة مطلع التسعينيات ليمنح مواطني الدول التي تواجه الحروب والكوارث حق الإقامة والعمل في الولايات المتحدة إلى حين تحسن الأحوال في بلدانهم. ومع توالي تمديد الحماية أعواماً، استقر مئات الآلاف من المستفيدين وكوّنوا أسراً وحياةً كاملةً داخل البلاد، حتى تجاوز عددهم مليون شخصٍ مطلع سنة 2025. ومع ولاية ترامب الثانية سعى لإنهاء الحماية عن معظم الدول المصنفة ضمنه، ما وضع القانون في قلب معركةٍ تتجاوز مصير المهاجرين إلى سلطة الرئيس في إنهاء هذه التصنيفات، وقدرة القضاء على مراجعة قراراته والمعايير التي تحدد مَن تستمر حمايته ومن يفقدها. وبين القرار القانوني والحياة التي تشكلت في ظلّه، بقي مصير كثيرٍ من المستفيدين معلقاً.


أنشأ الكونغرس الأمريكي نظام وضع الحماية المؤقتة بموجب قانون الهجرة في نوفمبر سنة 1990. وقد جاء بعد أعوامٍ من الجدل في أوضاع مهاجرين من أمريكا الوسطى، لاسيما من السلفادور، الذين فرّوا من الحروب الأهلية ووصل بعضهم إلى الولايات المتحدة إبان الثمانينيات. وبرز ضمن أسئلةٍ عن أوضاع الفارين من بلدانهم التي لم يعد نظام اللجوء التقليدي قادراً على الإجابة عنها، وليضع للمرة الأولى إطاراً تشريعياً موحداً للتعامل مع أوضاعٍ جماعيةٍ تنشأ عندما تحول ظروف بلدٍ ما دون عودة مواطنيه آمنين. 

حدّد القانون ثلاث حالاتٍ رئيسةٍ يجوز على أساسها منح هذا التصنيف لدولةٍ ما: إما نزاعٌ مسلحٌ مستمرٌ يشكل خطراً جسيماً على سلامة الأشخاص العائدين، أو كارثةٌ بيئيةٌ تتوافر فيها الشروط التي حددها القانون، أو ظروفٌ استثنائيةٌ ومؤقتةٌ تمنع مواطني الدولة من العودة بأمان. في المقابل، يجوز لوزير الأمن الداخلي الامتناع عن منح الحماية إذا رأى أن بقاء هؤلاء الأشخاص مؤقتاً يتعارض مع المصلحة الوطنية للولايات المتحدة. 

حمل القانون منذ نشأته تصوراً مزدوجاً. فمن جهةٍ، استجاب لفكرةٍ إنسانيةٍ تستنكر إعادة الدولة أشخاصاً إلى حربٍ أو كارثةٍ تجعل عودتهم غير آمنةٍ، حتى إن لم يستوفوا شروط اللجوء الفردي. ومن جهةٍ أخرى، حرص المشرعون على ألا تتحول هذه الحماية إلى مسارٍ جديدٍ للهجرة أو الإقامة الدائمة، فاقتصرت على الموجودين داخل الولايات المتحدة، وربطت استمرارهم ببقاء الأزمة.

ضمن هذا التصور، لا يمنح وضع الحماية المؤقتة من تلقاء نفسه إقامةً دائمةً، ولا يفتح طريقاً مباشراً إلى الجنسية. لكنه يتيح للمستفيد البقاء في الولايات المتحدة طوال مدة التصنيف، ويحميه من الترحيل استناداً إلى هذا الوضع، إلى جانب السماح له بالحصول على تصريح بالعمل. وقد حدد القانون مدةً مؤقتةً لهذا التصنيف، وألزم وزير الأمن الداخلي بمراجعة الأوضاع في الدولة المشمولة بالحماية قبل انتهاء مدتها، بعد التشاور مع الجهات الحكومية الأمريكية المختصة. فإذا تبين له أن الشروط القانونية لم تعد قائمةً وجب عليه إنهاء التصنيف، أما إذا استمرت، فيجوز تمديده ما بين ستة أشهرٍ وثمانية عشر شهراً. كذا عند إنهاء تصنيف دولةٍ، فتختلف النتائج بحسب الوضع القانوني لكل مستفيد. 

وضع الكونغرس كذلك قيداً إجرائياً في مجلس الشيوخ على التشريعات التي تسعى إلى تعديل الوضع القانوني لمستفيدي الحماية المؤقتة بصورةٍ جماعية. إذ يتطلب تجاوز الاعتراض الإجرائي عليها موافقة ثلاثة أخماس أعضاء المجلس. ولا تمنع هذه القاعدة المستفيد من الحصول فردياً على الإقامة الدائمة إذا استوفى شروطها، لكنها تزيد صعوبة إقرار تسويةٍ تشريعيةٍ جماعيةٍ لأوضاع المستفيدين. 

وتعكس هذه القيود فلسفةً قانونيةً محددةً قامت عليها الحماية المؤقتة منذ إنشائها، وتقدم ملاذاً إنسانياً محدوداً لمن أصبح ترحيلهم إلى بلدانهم خطراً بسبب الحروب أو الكوارث الكبرى. لكنها في الوقت نفسه تأثرت بالخوف من أن تصبح الحماية عامل جذبٍ يغري أعداداً كبيرةً بالقدوم إلى الولايات المتحدة. ولهذا اقتصرت الحماية على أبناء الدولة الذين كانوا موجودين داخل الولايات المتحدة عند صدور قرار تصنيفها، في حين لم تشمل من وصلوا بعد ذلك، حتى إن كانوا قد فروا من الحرب أو الأزمة نفسها. 

في بحثه حول هذا الطرح، وجد أستاذ الحقوق في جامعة جورجتاون، أندرو آي شونهولتز في دراسته سنة 2019 بعنوان "ذا بروميس آند تشالينج [. . .]" (وعد الحماية الإنسانية وتحدياتها في الولايات المتحدة [. . .]، أن برنامج الحماية لم يُحدث أثراً ملموساً، حتى بعد 26 تصنيفاً و122 تمديداً شملت 22 جنسيةً مختلفةً، وإعادة تصنيف 11 جنسيةً 20 مرةً، بما أتاح الحماية لبعض الوافدين الجدد. وقد ظهرت المشكلة عندما طال أمد الأزمات التي توقّع القانون انتهاءها في أجلٍ قريب. ففي نحو نصف الجنسيات المشمولة، استمر الصراع وعدم الاستقرار، فتكررت التمديدات وتحولت الحماية عملياً إلى وضعٍ طويل الأمد. وخلال هذه الأعوام، رسخ المستفيدون جذورهم داخل المجتمعات الأمريكية من خلال العمل والأسرة والتعليم والمؤسسات الدينية، في حين ظل وضعهم القانوني مؤقتاً ولم يوفر لهم طريقاً يعترف بما تكوّن من ارتباطٍ فعليٍ بالمجتمع.

وتقدم أستاذة الأنثروبولوجيا في جامعة دايتون بولاية أوهايو، ميراندا كادي هاليت، زاويةً مختلفةً لهذه النتيجة. إذ تصف في دراستها المعنونة "تمبريري بروتكشن [. . .]" (حماية مؤقتة، تناقض مستمر [. . .]) المنشورة سنة 2014، وضع الحماية المؤقتة باعتباره "وضعاً معلّقاً". وتشرح من خلال بنيته القانونية وتجارب مهاجرين سلفادوريين أن البرنامج يدمج المستفيدين في المجتمع والاقتصاد جزئياً. يعترف بهم عمالاً قانونيين ويحميهم من الترحيل، لكنه يُبقي إقامتهم ومستقبلهم وحقوقهم السياسية معلّقة.

هنا تتجاوز المفارقة ضمن فلسفة قانون الحماية مسألة طول المدة إلى بنية النظام نفسه. ففي تحليله لأنظمة الحماية المؤقتة، يرى جان فرانسوا دوريو في دراسته المحكمة "تمبريري بروتكشن: هوفرين أت ذا إيدج [. . .]" (الحماية المؤقتة: التحليق على تخوم قانون اللاجئين) الصادرة سنة 2014، أن هذه الأنظمة تكشف فجوةً بين مرحلتين يفترض أن تتصلا. المرحلة الأولى تشمل توفير الحماية الفورية من الخطر، والثانية الوصول إلى حلٍّ طويل الأمد عندما تستمر أسباب النزوح. وفي السياق نفسه، تضع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين المبدأ بصورة أوضح، إذ تعدّ الحماية المؤقتة أداة استجابةٍ طارئةٍ ينبغي أن تكون محددة زمنياً وموجهةً نحو الحلول، مع الاستعداد للانتقال إلى أوضاع حمايةٍ أطول أمداً إذا طال النزوح. 

 لذا، إن وفرت المرحلة الأولى وضعاً قانونياً يسمح بالحياة والعمل، فهي لا تحدد بالضرورة المسار الذي ينتقل عبره المستفيد من هذه الحماية إلى وضعٍ أكثر استقراراً إذا استمرت الأزمة. وفي حالة نظام الحماية الأمريكي، يعني ذلك أن آلية الاستجابة للخطر لا تقابلها آليةٌ واضحةٌ بالقدر نفسه للتعامل مع استمراره، ولا يصبح استمرار الأزمة في حد ذاته نقطة انتقالٍ إلى وضعٍ قانونيٍ آخر.


التحول لم يقع في نص القانون وحده، وإنما في طريقة فهمه وإنفاذه في مراحل لاحقة. ومع تغير الإدارات في البيت الأبيض واستمرار الأزمات في بعض الدول، ابتعد مسارُ البرنامجِ العمليُّ تدريجياً عن الإطار الزمني القصير الذي تصوره المشرعون عند إقراره.

ففي مايو 2017 إبان ولاية ترامب الأولى، مدّد وزير الأمن الداخلي آنذاك جون كيلي الحماية المؤقتة لمواطني هايتي، بعد سبعة أعوامٍ من منحهم إياها إثر الزلزال المدمر الذي ضرب البلاد سنة 2010. واقتصر التمديد على ستة أشهرٍ فقط من يوليو 2017 إلى يناير 2018، وهي أقصر مدةٍ يتيحها القانون. وأرجعت الوزارةُ القرارَ إلى التقدم الذي أحرزته هايتي في التعافي، مع إقرارها بأن الظروف التي استدعت الحماية لم تنتهِ تماماً، وطالبت المستفيدين بالاستعداد لاحتمال إنهائها. وخلال الأشهر التالية، اتجهت الإدارة إلى إنهاء الحماية لمواطني السودان ونيكاراغوا وهايتي والسلفادور، ثم نيبال وهندوراس.

أثارت هذه القرارات خلافاً على المعايير التي اعتمدتها الإدارة في مراجعة أوضاع الدول. قال المعترضون إن وزارة الأمن الداخلي تخلّت عن نهج الحكومات السابقة، الذي كان يأخذ في الحسبان مجمل الظروف القائمة في الدولة، وحصرت تقييمها في السبب الذي أدى إلى منح الحماية أول مرة. وتجلّى أثر هذا التغيير في حالة السلفادور، التي حصل مواطنوها على الحماية عقب زلزالٍ وقع سنة 2001. إذ رأت إدارة ترامب أن زوال آثار الكارثة الأصلية يبرر إنهاء التصنيف، في حين طالب المدافعون عن المستفيدين بالنظر أيضاً إلى المشكلات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية التي ما زالت تجعل عودتهم محفوفةً بالمخاطر.

انتقل الخلاف إلى القضاء عندما رفع بعض المستفيدين من الحماية المؤقتة وأبناؤهم دعوىً على وزيرة الأمن الداخلي آنذاك كيرستين نيلسن، اعتراضاً على قرارات إنهاء الحماية لمواطني السلفادور ونيكاراغوا وهايتي والسودان. وعُرفت الدعوى بِاسم "راموس ضد نيلسن"، نسبةً إلى أحد المدعين والوزيرة التي رُفعت القضية ضدها. رفض القاضي الفيدرالي إدوارد تشين طلب الحكومة إسقاط الدعوى، وأصدر في أكتوبر 2018 أمراً مؤقتاً أوقف تنفيذ قرارات الإنهاء إلى حين حسم القضية. 

ومع وصول جو بايدن إلى الرئاسة في يناير 2021، تغيّر اتجاه السياسة مرةً أخرى. وواصلت إدارته حماية مواطني عدة دولٍ، وأعادت وزارة الأمن الداخلي النظر في قرارات الإنهاء التي اتخذتها إدارة ترامب الأولى. ثم في يونيو 2023، ألغى وزير الأمن الداخلي أليخاندرو مايوركاس قرارات إنهاء الحماية لمواطني السلفادور وهندوراس ونيبال ونيكاراغوا، ومدّد تصنيف الدول الأربع ثمانية عشر شهراً إضافياً. كذلك في يناير 2024، مدّد مايوركاس تصنيف سوريا وأعاد منح الحماية للسوريين الذين وصلوا إلى الولايات المتحدة في فترةٍ أحدث. وأرجعت الوزارة ذلك إلى استمرار النزاع المسلح والظروف الاستثنائية، ومنها الدمار الواسع والنزوح وانعدام الأمن الغذائي والانتهاكات الحقوقية وتداعيات زلزال 2023.

لم يكن هذا نهاية المطاف، فقد اتخذت إدارة بايدن خطوةً مماثلةً تجاه اليمن في يوليو 2024. إذ مددت التصنيف القائم مدة ثمانية عشر شهراً، بدءاً من سبتمبر، وأعادت تصنيف اليمن، ما أتاح ليمنيين آخرين كانوا موجودين في الولايات المتحدة التقدم بطلب الحماية إذا استوفوا شروط الإقامة والحضور المستمر. وبحلول نهاية ولاية بايدن مطلع 2025، كان برنامج الحماية يضم نحو 1.1 مليون شخصٍ من سبع عشرة دولة.


فُتح باب مواجهةٍ جديدةٍ حول تصنيفات برنامج الحماية مع عودة ترامب إلى البيت الأبيض في يناير 2025. فبعد ثمانية أيامٍ فقط من تنصيبه، ألغت وزيرة الأمن الداخلي الجديدة كريستي نويم تصنيف فنزويلا لسنة 2023، الذي كان يشمل نحو 348 ألف شخص. وسوّغت القرار بأن استمرار الحماية لم يعُد يخدم المصلحة الوطنية للولايات المتحدة، بعد مراجعة أوضاع فنزويلا والتشاور مع الجهات الحكومية. وأدخل هذا التبرير اعتبارات الهجرة والأمن والسياسة الخارجية ضمن تقييم استمرار الحماية، إلى جانب أوضاع الدولة وإمكان عودة مواطنيها بأمان.

هذا الإلغاء أثار نزاعاً قانونياً حول حدود سلطة الوزارة في التراجع عن قرارٍ سبق أن أقرّته الإدارة ونشرته رسمياً. ففي 19 فبراير 2025، رفع التحالف الوطني لوضع الحماية المؤقتة وسبعة مستفيدين فنزويليين دعوىً أمام محكمةٍ اتحاديةٍ في كاليفورنيا، طعنوا فيها في إلغاء التمديد وإنهاء التصنيف.كانت النتيجة بعد أسابيع أن أوقف القاضي إدوارد تشين تنفيذ القرارين مؤقتاً إلى حين النظر في القضية. وعندما طعنت الحكومة في حكمه في 18 أبريل، رفضت محكمة الاستئناف طلبها، فظل وقف الإنهاء سارياً.

لم يبقَ النزاع محصوراً في المحاكم الأدنى، إذ لجأت إدارة ترامب إلى المحكمة العليا بطلبٍ طارئٍ في الأول من مايو. ثم في 19 مايو، أوقفت المحكمة أمر القاضي تشين خلال نظر الاستئناف، ما سمح للإدارة بتنفيذ قرارها مؤقتاً، دون أن تبتّ في مدى قانونيته.

لكن لم ينتهِ النزاع هنا، ففي الخامس من سبتمبر 2025، أصدر تشين حكماً جزئياً لصالح المدعين، واعتبر إلغاء التمديد وإنهاء الحماية مخالفين للقانون. وهو ما دفع الحكومة للجوء مجدداً إلى المحكمة العليا، التي أوقفت الحكم مطلع الشهر التالي، فتمكنت الإدارة من مواصلة تنفيذ قرارها. وفي الوقت نفسه، تحركت لإنهاء تصنيف فنزويلا لسنة 2021، مستندةً إلى اعتبارات الهجرة والأمن والسياسة الخارجية والمصلحة الوطنية.

مع اتساع قرارات الإنهاء خلال 2025، امتد هذا المسار إلى تصنيفاتٍ أخرى لتشمل دولاً أخرى، مستندةً في كلّ حالةٍ إلى تطوراتٍ مختلفةٍ داخل البلد المعنيّ. ففي سوريا، وجدت الإدارة في سقوط نظام بشار الأسد نهاية 2024 مسوغاً لإعادة تقييم الحماية التي استمرت منذ 2012، وكانت قد تجددت عدّة مراتٍ منذئذ. آخر هذه القرارات كان في عهد بايدن 2024، عندما مُددت الحماية حتى نهاية سبتمبر 2025 بسبب استمرار النزاع والظروف التي تمنع العودة الآمنة.

كان الإجراء أن أعلنت وزيرة الأمن الداخلي في 19 سبتمبر 2025 عن إنهاء الحماية المؤقتة للسوريين، وحددت 21 نوفمبر موعداً لدخول القرار حيز التنفيذ. واستندت إلى أن التحولات السياسية التي شهدتها سوريا أزالت حسب تقدير الوزارة الشروطَ القانونية اللازمة لاستمرار التصنيف، وأن تمديده لم يعُد يخدم المصلحة الوطنية للولايات المتحدة.

وبينما كان السوريون يطعنون في قرار إنهاء حمايتهم أمام محاكم نيويورك، كانت الإدارة الأمريكية تستعد أيضاً لمراجعة تصنيف اليمن. غير أن مسوغات الإنهاء كانت أكثر تعقيداً، فلَم تشهد البلاد تحولاً سياسياً حاسماً يشبه سقوط نظام الأسد، كذلك أقرت وزارة الأمن الداخلي باستمرار بعض الأخطار التي تعيق العودة الآمنة. وكانت الإدارات الأمريكية المتعاقبة مددت التصنيف مراتٍ عديدةً منذ 2015، بينها تمديدان خلال ولاية ترامب الأولى، قبل أن تمدده إدارة بايدن حتى الثالث من مارس 2026.

في حديثه مع الفراتس، يقول المحامي اليمني الأمريكي إبراهيم القعطبي، المتخصص في قضايا الهجرة في نيويورك، إن الظروف التي دفعت الولايات المتحدة إلى منح اليمنيين، على سبيل المثال، الحماية لم تختف. وأوضح أن كثيراً من المستفيدين أمضوا أعواماً في الولايات المتحدة، وأسسوا أسراً وأعمالاً وحياةً مهنية. وكان بعضهم قد دخل البلاد طالباً أو زائراً أو ضمن برامج تبادلٍ، فيما جاء آخرون من دول الخليج التي لا يحملون فيها حقّ إقامةٍ دائمةٍ يتيح لهم العودة إليها. 

لكن وزارة الأمن الداخلي وصلت إلى تقييمٍ مختلف. ففي الثالث من مارس 2026، نشر قرار الوزيرة كريستي نويم بإنهاء تصنيف اليمن، وحددت الرابع من مايو موعداً لدخوله حيز التنفيذ. وأقرّت الوزارة استمرار بعض الظروف التي تجعل العودة الآمنة صعبةً، لكنها خلصت إلى أن النزاع لم يعد يشكل، في تقديرها، مستوى التهديد الذي يشترطه القانون، وأن استمرار الحماية يتعارض مع المصلحة الوطنية للولايات المتحدة. 

على الأثر، رفع مستفيدون يمنيون من الحماية المؤقتة قضيتين أمام المحكمة الاتحادية للمنطقة الجنوبية من نيويورك. وقبل ثلاثة أيامٍ من موعد تنفيذ القرار، أصدر القاضي أمراً بتأجيله. ولكنه لم ينفِ سلطة وزيرة الأمن الداخلي في إنهاء الحماية، وإنما رأى أن المدعين قدموا ما يرجح عدم التزام الوزارة بالإجراءات التي يفرضها القانون، لاسيما مراجعة أوضاع اليمن والتشاور مع الجهات الحكومية المختصة قبل اتخاذ القرار. 

كان يزن واحداً ممن منحهم الحكم مهلةً مؤقتةً لمواصلة الحياة التي بناها في الولايات المتحدة. فقد ظلت حمايته من الترحيل وتصريح عمله ساريين، واستطاع الاستمرار في إدارة شركته.

لكن هذه المهلة التي بدت ليزن وغيره من بني وطنه مساحةً لالتقاط الأنفاس لم تدم طويلاً. ففي 25 يونيو، أصدرت المحكمة العليا حكماً في قضيتَي سوريا وهايتي غيّر الأساس القانوني الذي استند إليه اليمنيون لتعليق الإنهاء. لم تبحث المحكمة ما إذا كانت الأوضاع في سوريا وهايتي تسمح بالعودة الآمنة، وإنما نظرت في سؤالٍ قانونيٍ محدد: هل تستطيع المحاكم مراجعة الإجراءات التي اتبعتها وزارة الأمن الداخلي قبل إنهاء الحماية؟

بأغلبية ستة قضاةٍ مقابل ثلاثةٍ، أجابت المحكمة بالنفي. وحكمت بأن النص الذي يمنع المراجعة القضائية لا يحصن النتيجة النهائية وحدها، وإنما يشمل أيضاً الدعاوى التي تتهم الوزارة بعدم الالتزام بالإجراءات القانونية السابقة لاتخاذ القرار. وضرب الحكمُ بذلك الحجةَ الأساسَ التي كسبت أمام محاكم نيويورك في قضيتي سوريا واليمن. فلَم يطلب المستفيدون من القضاة تقييم الأوضاع داخل البلدين، وإنما التحقق من أن الوزارة راجعت تلك الأوضاع وتشاورَت مع الجهات الحكومية المختصة كما يفرض القانون. لكن المحكمة العليا رأت أن هذا النوع من الطعون مشمولٌ أيضاً بمنع المراجعة القضائية.

يرى المحامي إبراهيم القعطبي إن القرار أغلق أحد أهم المسارات التي استخدمها المحامون للطعن في قرارات الوزارة، مع احتمال بقاء بعض الحجج الدستورية متاحةً وفقاً لظروف كلّ قضية. وبذلك أصبحت قدرة المستفيدين على مواجهة قرارات إنهاء الحماية أمام القضاء أضيق.

وإن لم يكن اليمن طرفاً في القضايا التي نظرتها المحكمة العليا، ولم تنهِ حماية اليمنيين مباشرةً، لكن الحكم أسقط الأساس القانوني الذي استند إليه القاضي ديل هو لتأجيل الإنهاء، وهو احتمال عدم التزام وزارة الأمن الداخلي بإجراءات المراجعة والتشاور قبل اتخاذ قرارها. فقد قررت المحكمة العليا أن المحاكم لا تملك النظر في هذا النوع من الطعون الإجرائية. 

نتيجةً لذلك اضطرت المحكمة التي تنظر في قضية اليمن إلى إعادة تقييم قرارها السابق، وانتهى الأمر برفع التأجيل الذي كان يمنع تنفيذ قرار الوزارة. وفي 20 يوليو 2026، انتهى تصنيف اليمن ضمن برنامج الحماية المؤقتة، وانتهى تصنيف سوريا بعده بأسبوع. وأدى ذلك إلى انتهاء صلاحية تصاريح العمل الصادرة على أساس الحماية المؤقتة.


لم يقتصر انتهاء الحماية المؤقتة على فقدان مظلةٍ قانونيةٍ كانت تحول دون ترحيل المستفيدين، فقد امتد أثره إلى الأعمال والدخول والالتزامات التي بنوها خلال أكثر من عقد. فمَن كان وضعُ الحماية أساسَه الوحيدَ للعمل، لم يعُد يستطيع الاعتماد على تصريحه السابق لمواصلة وظيفته، في حين اختلف وضع من حصل في تلك الأعوام على إقامةٍ دائمةٍ أو تصريحٍ مستقلٍّ يسمح له بالبقاء والعمل.

يقول إبراهيم القعطبي إن السؤال الذي يسمعه من الأسر لم يعُد قانونياً مجرداً، وإنما أصبح سؤالاً عن كيفية مواصلة الحياة: ماذا نفعل بالعمل والمنزل والمشروع والأسرة؟ فكل حالةٍ تعتمد على تاريخ دخول صاحبها إلى الولايات المتحدة، ووضعه القانوني وروابطه الأسرية، ومدى أهليته لمساراتٍ أخرى مثل اللجوء أو تعديل الوضع من خلال علاقةٍ أسرية. لكن هذه البدائل لا تتوافر للجميع، وتحتاج كل حالةٍ إلى تقييمٍ منفصل.

لذا، يتحدث القعطبي عن أصحاب أعمالٍ يخشون أن تؤدي أيّ مواجهةٍ مع سلطات الهجرة إلى خسارة المشروعات التي بنوها، وعن أشخاصٍ أصبحوا مترددين في السفر أو قيادة سياراتهم. ويذكر أن هناك أسرةً يمنيةً واحدةً على الأقل غادرت الولايات المتحدة طوعاً. يستدرك أن هذه المخاوف لا تعني أن كل من فقد الحماية سيُرحَّل فوراً، لكنها تجعل الاستمرار في العمل وإدارة مشروعٍ أو التخطيط لنفقات الأسرة أصعب على من لا وضع قانونياً آخَر له.

وينطبق ذلك على يزن نفسه. فقد أسّس شركته وبنى علاقاته مع العملاء في سنوات إقامته، وأصبحت قدرته على مواصلة العمل مرتبطةً بصلاحية تصريحٍ لم يعُد قائماً بعد انتهاء الحماية. فالقرار يمسّ مصدر دخله والمشروعات التي التزم بتنفيذها، إلى جانب حقّه في البقاء.

يظهر التوجس أيضاً إلى محاولة توثيق أثر القرار نفسه. فحاولت الفراتس التواصل مع سوريين شملهم إنهاء الحماية المؤقتة للحديث عما تغير في حياتهم، لكنهم امتنعوا عن المشاركة خشية أن يعرّضهم الحديث لخطر الترحيل. فقد بدا لهم أن الظهور أمام الصحافة مخاطرةٌ يصعب تقدير عواقبها في حين بات حقّهم في البقاء موضع شكّ.

بدورها، تقول إدارة ترامب إن البرنامج أُنشئ ليقدم حمايةً مؤقتةً، وإن تمديده المتكرر لا يمنح المستفيدين حقاً دائماً في البقاء أو التجديد. وفي مذكراتها أمام المحاكم، دفعت الإدارة بأن قرار تمديد التصنيف أو إنهائه يدخل ضمن السلطة التي منحها القانون لوزارة الأمن الداخلي، ولا ينشئ للمستفيدين حقاً مكتسباً في استمرار الحماية.


غادر يزن اليمن هرباً من حربٍ لم يعرف متى تنتهي. وكان يعتقد أن أصعب ما سيواجهه في عمله في الولايات المتحدة هو إرضاء العملاء والالتزام بالميزانية، قبل أن يصبح التحدي الأكبر هو الاحتفاظ بحقه في العمل أصلاً. واليوم، بعد أعوامٍ في البلاد، لم يعُد يسأل متى سيعود، وإنما ماذا سيبقى من الحياة التي بناها، وإذا ما سيُسمح له بإكمالها. فالحماية المؤقتة كانت في نص القانون وضعاً عابراً، لكنها امتدت في حياته زمناً كافياً ليصبح فقدانها فقداناً لمستقبلٍ كامل. 

لكن عند الحكومة الأمريكية يظل وضع يزن مؤقتاً مهما طالت مدته. ويمنح القانونُ السلطةَ التنفيذيةَ حقَّ إنهائه عندما ترى زوال شروطه. فعندما تنتهي حماية دولةٍ ما، تسقط الصفة القانونية في موعدٍ تحدده الحكومة، في حين تبقى الحياة التي نشأت خلالها بكل التزاماتها. وبين انتهاء الأولى وصعوبة التخلي عن الثانية، يتوه آلاف المستفيدين في حالٍ معلّقٍ ومسارٍ غامضٍ، لا يعلمون أين يستطيعون بدايته من جديد.

اشترك في نشرتنا البريدية