أنياب عابرة للحدود.. تجنيد كلاب من بلجيكا للتهجير من الضفة الغربية

تثير جمعية بلجيكية ارتبط اسمها بتزويد الكلاب للقوات الإسرائيلية تساؤلات عن انخراطها في دعم اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين.

Share
 أنياب عابرة للحدود.. تجنيد كلاب من بلجيكا للتهجير من الضفة الغربية
تستمر الاعتداءات عضّةً بعد عضّة | تصميم خاص بالفراتس

بدا صباح 25 أكتوبر 2025 يوماً عادياً من أيام موسم قطاف الزيتون في قرية دير نظام الفلسطينية الهادئة شمال مدينة رام الله. لكن مع حلول منتصف النهار، دوّى في التلال الساكنة صوت نباح كلابٍ وصراخ مستوطنين مسلحين، ليقلب هدوء عائلة الستيني فاضل عبد الحميد التميمي، أثناء التقاطهم الزيتون، إلى حالةٍ من الرعب. وبينما حاول فاضل أن يبقى ثابتاً رغم ارتجاف يديه، محاطاً بتسعة أشخاصٍ من أقاربه بينهم زوجته وأخته، صرخ أحد المستوطنين بهم بأن "اخرجوا، هذه أرضنا". وسرعان ما صفّر منادياً مستوطنين آخرين بأسماءٍ عبريةٍ، وصل منهم بعد برهةٍ ثلاثة. حمل أحدهم بندقية إم-16 هجومية، فيما استلّ الآخران أسلحةً أخرى وجلبوا معهم أربعة كلاب.

حاولت العائلة الحفاظ على هدوئها، فرمى أحدُ المستوطنين طعامَهم لكلابه. وحين حاولت أخت فاضل إبعاد الكلب عن الطعام، صفعها المستوطن بقوّةٍ على وجهها. ردّت الأخت غريزياً، لتبدأ بعدها حالةٌ من الفوضى، إذ اندفعت الكلاب وهي تنبح وتهاجم وتدور حولهم. وظلوا محاصَرين لما يقارب عشرين دقيقةً من أربعة كلابٍ مكشرةٍ عن أنيابها، وعدّة مستوطنين يصرخون، وأسلحةٍ مرفوعةٍ في الهواء. كانت هذه الكلاب، حسب نجل فاضل حمزة البالغ تسعة عشر عاماً، بنّية اللون وطويلة القامة بنحو سبعين سنتيمتراً من سلالة المالينو، وبينها كلبٌ أسود صغير. وقد بدت مدرَّبةً، من طريقة تحركها وانتظامها كأنها تتحرك ضمن تشكيل.

وصل الجيش الإسرائيلي في نهاية المطاف، واعتقد فاضل أنه سيحمي عائلته. لكن الجنود وقفوا إلى جانب المستوطنين، وأصدروا أوامر لعائلة التميمي بمغادرة بستان الزيتون، في حين طلبوا من المستوطنين البقاء. ذلك بعدما أخذوا زيتون العائلة وطعامهم وكلّ شيءٍ كان لهم هناك، ثم أطلقوا عليهم قنابل الغاز المسيل للدموع والرصاص الحيّ لإجبارهم على الرحيل.

ما لقيه فاضل التميمي وأسرته لم يكن حادثاً عابراً، بل نمطاً من اعتداءات المستوطنين بات مألوفاً في تلال الضفة الغربية المحتلة، إما لتهجير السكان من منازلهم أو مزارعهم أو سرقة أغنامهم. وفي محاولة البحث عما جاء بكلابٍ أوروبيةٍ إلى الضفة الغربية، وصلنا إلى مجموعةٍ استيطانيةٍ يقودها قياديٌّ بارزٌ بحركة الحاخام الإسرائيلي المتطرف مائير كاهانا، تعتمد على استيراد كلابٍ مدرَّبة من أوروبا بأموالٍ أمريكية. وتسوّق المجموعة نفسها فريقاً تطوعياً للبحث والإنقاذ باستخدام الكلاب، دون أن تتخلّى عن دورها الأساس في تدريب الكلاب لمواجهة من تصفهم "الأعداء العرب".


في نوفمبر 2024، تعرّض مشجّعو نادي مكابي تل أبيب لهجماتٍ في أمستردام، إثر مباراة كرة قدمٍ جمعت فريقهم وأياكس الهولندي. سبق الهجمات تورّط بعض مشجعي مكابي تل أبيب في أعمال تخريبٍ وعنفٍ في المدينة، وترديد هتافاتٍ ضد العرب، في ظلّ تصاعد التوتر بسبب الحرب على غزة. وهو ما رآه رئيس وحدة الكلاب الإسرائيلية، مايك غوزوفسكي المعروف باسمه العبري "يِكوتيئيل بن يعكوف" فرصةً لتوسيع خدمات وحدته من داخل إسرائيل إلى خارجها.

قدّم بن يعكوف مبادرة نشر كلابٍ مدرَّبةٍ على الهجوم داخل منشآتٍ أو معابد يهوديةٍ في أوروبا وأمريكا، استجابةً أمنيةً عابرةً الحدود. وقد نقلت صحيفة "إسرائيل ناشونال نيوز" المحسوبة على الصهيونية الدينية عنه قوله: "لن نقول أبداً لا لأيّ يهوديٍ يمرّ بضائقةٍ ويلجأ إلينا طلباً للمساعدة"، وعدّ الخطوة "مساهمةً متواضعةً لكنها ذات مغزى" لتعزيز أمن اليهود في الخارج، مشيراً إلى امتلاك وحدته شركاء استراتيجيين في هولندا وبلجيكا مستعدين للدعم. وحدد ملامح المشروع في إرسال كلاب مدرَّبة من إسرائيل، يرافقها مدرّبون إسرائيليون، لتأمين الفعاليات والمؤسسات اليهودية في أوروبا والولايات المتحدة. وبتأسيسه وحدة كلاب مدنية توفّر الحماية للمستوطنات اليهودية، أعاد بن يعكوف، أحد أنصار منظمة كاهانا المصنفة إرهابيةً، صياغةَ دوره في السياق الإسرائيلي الفلسطيني.                                                 


وُلد يِكوتيئيل بن يعكوف في نيويورك ونشأ في حيّ فار روكاواي بمنطقة كوينز في مدينة نيويورك. وفي الثمانينيات انضم إلى "رابطة الدفاع اليهودية" في الولايات المتحدة، وهي منظمةٌ يهوديةٌ متشددةٌ أسّسها سنة 1968 الحاخام الإسرائيلي المتطرّف مائير كاهانا. وتتبنّى المنظمة أفكاراً تتخذ من العنف قيمةً يهوديةً والانتقام وصيةً إلهية. كذلك حرّضت على طرد الفلسطينيين من الأراضي الخاضعة لسيطرة إسرائيل. 

انتقل بن يعكوف سنة 1982 إلى إسرائيل والتحق بجيشها، ثم برز اسمه سريعاً داخل حركة كاهانا الدينية "هاريوان هيهودي" (الفكرة اليهودية) وأصبح رئيس العمليات للحاخام في إسرائيل. ارتبط اسمه بعدّة هجماتٍ إرهابيةٍ بداية الثمانينيات ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية. أحدها أن اشترك في إطلاق النار على حافلةٍ تقلّ عمالاً فلسطينيين سنة 1984 في منطقة رام الله وجرح أربعةً منهم. ورغم تبرئة القضاء الإسرائيلي له وإدانة الباقين معه في العملية، إلا أن السلطات الإسرائيلية سجنته عدّة مراتٍ بعدها بدواعٍ أمنيّة.

بعد بضعة أعوامٍ من اغتيال الحاخام كاهانا سنة 1990 على يد مواطنٍ أمريكيٍ من أصلٍ مصريٍ، عاد بن يعكوف مرّةً أخرى إلى الولايات المتحدة مع زوجته وأولاده. ومنذئذٍ ظلّ بن يعكوف ناشطاً داخل المعسكر الكاهاني، وكان أحدَ قادة تنظيم "كاهانا حي"، امتدادِ حزب "كاخ" الإسرائيلي، الذي صُنِّف منظمةً إرهابيةً وحُظر في كلٍّ من إسرائيل والولايات المتحدة في التسعينيات.

مع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية (انتفاضة الأقصى) سنة 2000، فكّر بن يعكوف في العودة إلى إسرائيل. ولكن هذه المرة من بوابة تشكيل جماعةٍ مسلحةٍ مدنيةٍ من معتنقي فكر كاهانا في الولايات المتحدة وتشجيعهم على السفر لإسرائيل للدفاع عن المستوطنات الإسرائيلية رفقة كلابٍ أوروبيةٍ مدرَّبةٍ ضد ما وصفهم "الإرهابيين العرب". وبحسب حوار بن يعكوف لمجلة "مِشبخاه" (العائلة) الإسرائيلية في يناير 2020، ارتبطت عودته لإسرائيل برؤيةٍ لتأسيس وحدة كلابٍ مدنيةٍ تدعم جهاز الأمن الرسمي في حماية المواطنين مباشرة.  

قوام الوحدة بدأ بنير هيرمان، وكان رئيساً سابقاً لوحدة تدريب الكلاب في الجيش الإسرائيلي، ومؤسس شركةٍ مدنيةٍ لتدريب الكلاب على المهام الأمنية. وضمّت الوحدة في أولى دوراتها اثني عشر شخصاً، ستةٌ منهم إسرائيليون وستةٌ أمريكيون راغبون في الهجرة إلى إسرائيل، إلى جانب بضعة كلاب مدرَّبة جمع بن يعكوف الأموال لشرائها من أمريكا. 

فور عودته إلى إسرائيل، اتخذ بن يعكوف من مستوطنة كفار تبواح، شرق محافظة سلفيت شمالي الضفة الغربية، مقراً لمشروعه الجديد. وتعدّ تبواح معقلاً لأتباع مائير كاهانا، وبينهم بنيامين نجله، الذي قُتل وزوجته في أحد الأكمنة لمسلحين فلسطينيين بالقرب من مستوطنة يتسهار على تخوم مدينة نابلس في ديسمبر سنة 2000 ضمن أحداث الانتفاضة الثانية.


قدّم بن يعكوف وحدتَه منذ اللحظة الأولى أداةً أمنيةً وعقائديةً معاً، ما مثّل نقطة قوةٍ وجذبٍ للمتبرعين من أنصار الفكر الكاهاني، ونقطة ضعفٍ كذلك جعلتها هدفاً للعقوبات الأمريكية. لذا فالكيان المعروف اليوم بِاسم "وحدة الكلاب الإسرائيلية" تتنقل بين عدّة أسماءٍ للتحايل على العقوبات الأمريكية المفروضة على حركة كاهانا.

خلال سنتي 2000 و2001، في ذروة الانتفاضة الثانية، أنشأ بن يعكوف بيتاً لتربية الكلاب ومجمّعاً للتدريب وهيئةً من المتطوعين، ضمن بنيةٍ تحمل ملامح تنظيمٍ شبه عسكريٍ تشمل ثكناتٍ ومدرّبي كلابٍ محترفين. في البداية أطلق عليها وحدة "غدود هَعِفري" (الفيلق اليهودي)، وهو اسمٌ اختير عمداً ليحاكي وحدةً عسكريةً يهوديةً تاريخيةً أسّسها قائد الصهيونية التصحيحية زئيف جابوتنسكي ورفيقه جوزيف ترمبلدور لتحارب إلى جانب القوات البريطانية في الحرب العالمية الأولى بهدف المساعدة في طرد العثمانيين من فلسطين والتمهيد لقيام دولةٍ يهوديةٍ فيها. استُخدم الاسم أيضاً لقباً للجناح المسلح التابع لكاهانا. لكن السلطات الأمريكية تنبهت، إذ أشارت وثائق من وزارة الخارجية إلى أن "الفيلق اليهودي" هو أحد الأسماء المستعارة للتنظيم المصنّف إرهابياً "كاهانا حي"، ما اضطر بن يعكوف إلى تغيير الاسم مرةً أخرى لضمان استمرار التبرعات الأمريكية.

الاسم الثاني لبيت الكلاب كان "أفضل صديق لإسرائيل" وغرضه جمع التبرعات والعلاقات العامة. وقُدِّم منظمةً غير ربحيةٍ تُدرِّب كلاب هجومٍ لأغراض "الدفاع المدني"، واستهدفت جمهوراً ناطقاً بالإنجليزية عبر توظيف عبارة "الكلب أفضل صديق للإنسان". وتُظهر سجلات ولاية كولورادو أن المحامي مات موشيه فينبِرغ قدّم أوراق تأسيسها في مارس 2004.

"أفضل صديق لإسرائيل" توفر كلاباً لحماية المستوطنين من "الإرهابيين المسلمين"/ لقطة شاشة من مقطع مصور لجمعية أفضل صديق لإسرائيل على موقع أرشيف الإنترنت ويُظهر مدير الجمعية

وفينبِرغ محامٍ يهوديٌّ انتقل من الولايات المتحدة إلى مستوطنة شيلو وسط الضفة الغربية، وعُرف بتعاطفه مع فكر كاهانا. ولاحقاً سجّل منظماتٍ غير ربحيةٍ لمبادراتٍ كاهانيةٍ أخرى مثل "ريفافا" و"همئير لِدافيد" لصالح المستوطن الكاهاني دافيد هَعِفري، المعروف بدفاعه عن توسيع المستوطنات وضمّ الضفة الغربية، ويعمل منسقاً بين الحركة الاستيطانية واليمين المسيحي الإنجيلي في الولايات المتحدة. وهو ما انتبهت له أيضاً وزارة الخارجية الأمريكية، إذ أنها في تحديثها قوائم المنظمات الإرهابية سنة 2007 أدرجت المنظمات الثلاث باعتبارهما أسماء تغطيةٍ لجماعة "كاهانا حي" المصنّفة إرهابية.

وكشف بن يعكوف عن تعدد أسماء الوحدة في منشورٍ بمنتدى كاهانا في مايو 2007، وفق ما أورده تحقيقٌ لمجلة "تقرير واشنطن لشؤون الشرق الأوسط" في أغسطس 2008. إذ قال: "في مرحلةٍ ما كنّا نُعرف بِاسم الفيلق اليهودي، والآن نُطلق على أنفسنا اسم 'وحدة الكلاب الإسرائيلية'، أو 'كلاب من أجل دفاع إسرائيل'".

وخلال مراحل المشروع المختلفة، ظهر بن يعكوف في مقاطع دعائيةٍ، بصفته المدير التنفيذي لمؤسسة "أفضل صديق لإسرائيل" تارةً ثم "وحدة الكلاب الإسرائيلية" أخرى، مروّجاً لقدرة الكلاب على إخضاع "إرهابيين عرب" بعنفٍ شديد. مع إظهارها في الوقت ذاته لطيفةً ووديعةً مع "أسيادها" اليهود، على حدّ تعبيره.

وأظهرت المقاطع التي تعود إلى أغسطس 2011 متدرّبين وهم يرتدون قمصاناً تحمل شعاراتٍ متطرفةً، كُتب على أحدها من الأمام "أرض إسرائيل بالدم والنار"، ومن الخلف "اليهود يطردون غير اليهود". وهو خطابٌ يتقاطع مع عقيدة الحاخام كاهانا الداعية إلى طرد الفلسطينيين من إسرائيل، ما يعكس طابع الوحدة العقائدي إلى جانب وظيفتها الأمنية.

متدرب في وحدة الكلاب الإسرائيلية يرتدي قميصاً تحمل شعارات متطرفة / لقطة شاشة من مقطع مصور
على موقع أرشيف الإنترنت لجمعية أفضل صديق لإسرائيل


وفي المقاطع يظهر كذلك تدريب الكلاب في بؤرٍ استيطانيةٍ قرب الخليل في الضفة الغربية، حيث تُهيَّأ لمهاجمة أهدافٍ تُعرض في الفيديو على أنها لعربٍ ومسلمين. تنتقل الكاميرا إلى بن يعكوف وهو جالسٌ أمام رفٍّ من الكتب الدينية، وعلى جانبيه كلبان يقتربان منه. ويقول:"وحدة الكلاب اليهودية في إسرائيل وحدةٌ فريدةٌ ومميّزة"، مضيفاً "الكلاب التي ترونها هنا تلعقني ودودةٌ جداً مع أسيادها اليهود. لكنها خطِرةٌ للغاية إذا كنتَ إرهابياً عربياً تحاول التسلل إلى بلدةٍ يهوديةٍ في يهودا والسامرة [الضفة الغربية]، أو في أيّ مكانٍ آخَر في إسرائيل". ويردف: "الإرهابيون المسلمون، الذين يعدّون الكلاب نجسةً، يخشون كلاب المالينو والدوبرمان أكثر مما يخشون الأسلحة النارية والغارات الجوية".

وبحسب موقع "غايدستار" الإسرائيلي الذي يوثّق المؤسسات غير الربحية في إسرائيل، تنقسم أنشطة "وحدة الكلاب الإسرائيلية" إلى مسارين رئيسين: تدريب الكلاب ونشرها حمايةً لأغراضٍ أمنيةٍ، وتنفيذ مهام البحث والإنقاذ للعثور على المفقودين. وتعتمد الوحدة على كلابٍ عالية الأداء، غالباً من سلالة المالينو البلجيكية أو الراعي الهولندي، تصل تكلفة الواحد منها إلى نحو عشرة آلاف دولار، ثم تُخضعها لبرامج تدريبٍ مكثفة. وذكر تقريرٌ لموقع صحيفة "فوروورد" الأمريكية اليهودية غير الربحية في أواخر سنة 2015 وجود "نحو خمسة دزّينات [الدزينة اثنا عشر قطعة] من الكلاب ضمن الوحدة".

في ديسمبر 2022 قال بن يعكوف في تصريحاتٍ صحفيةٍ بأن وحدته قدمت "أكثر من أربعمئة كلبٍ، معظمها من سلالة الراعي البلجيكي مالينو، لعائلاتٍ في جميع أنحاء يهودا والسامرة تبحث عن الحماية اللازمة ضد الهجمات الإرهابية الجارية والوشيكة". وقُدر عدد المتطوعين بالوحدة حتى سنة 2023 بنحو أربعمئةٍ في مختلف أنحاء إسرائيل، مع نشر خمسةٍ وسبعين كلباً مُدرَّباً لمساندة فرق الأمن المجتمعي أو عائلاتٍ خاصة، إضافةً إلى خمسةٍ وعشرين كلب بحثٍ وإنقاذٍ مخصصاً للعثور على المفقودين.


أما بالنسبة لتمويل "وحدة الكلاب الإسرائيلية" فمصادرها مزيجٌ من التبرعات من خارج إسرائيل ومنحٍ تُحوَّل عبر ذراعها غير الربحي المسجَّل داخل إسرائيل. هكذا تبدو صورة الوحدة مزدوجةً باعتبارها من جهةٍ خدمة طوارئ، ومن جهةٍ أخرى مشروعاً عقائدياً ساهم في جذب قاعدةٍ أوسع من المتبرعين، بدءاً من يهودٍ متدينين يقدّرون أنشطة البحث والإنقاذ، وصولاً إلى متشددين يسعون إلى "تسليح" المستوطنين بالكلاب.

خارج إسرائيل، نجح غوزوفسكي (بن يعكوف) في بناء شبكات تمويلٍ ممتدةٍ رغم ارتباطه بحركة كاهانا الموصومة بالإرهاب في الولايات المتحدة، متفادياً بذلك تجميد الأصول والعقوبات. وفقاً لتقرير مجلة واشنطن لشؤون الشرق الأوسط، فإنه بالإضافة لتسجيل فينبرغ الوحدة في كولورادو سنة 2008 تحت اسم "أفضل صديق لإسرائيل" كياناً نشاطه تلقّي التبرعات، أسّست بطريقةٍ مشابهةٍ جمعية "بناي إليم" (أبناء الإله)، جمعيةً مظلةً لشبكة بن يعكوف في أمريكا، حيث يُجمع غالبية التمويل.

أما في داخل إسرائيل فتسجَّل وحدة الكلاب تحت اسم جمعية "ماغين إيرتس إسرائيل"، المُعرَّفة رسمياً أكاديميةَ تدريبٍ لكلاب الإنقاذ والدفاع، وتُستخدم قناةً لجمع التبرعات لصالح الوحدة. ويتضمن نظامُ الجمعيةِ الأساسَ إشارةً إلى تقديم دروسٍ في التوراة ومنحٍ دراسيةٍ للمتطوعين، وهو ما يساعدها على استيفاء شروط الصفة غير الربحية، باعتبار أن القيم التوراتية – مثل "تِكون عُلام" (إصلاح العالم) – تمثّل منطلقاً للعمل (الخيري) غير الربحي. وتملك الوحدة أيضاً قنواتٍ مباشرةً لجمع التبرعات عبر موقعها الإلكتروني وحملاتها على وسائل التواصل الاجتماعي، مدعومةً بمقاطع مصورةٍ تُظهر تسلّم تبرعاتٍ وشيكاتٍ احتفاليةٍ كبيرة.

كذلك تحظى الوحدة بدعمٍ معلنٍ من منظمات الشتات، ومن بينها منظمة "عام يسرائيل خاي" (شعب إسرائيل الحي) التي أدرجت وحدة الكلاب الإسرائيلية ضمن "مشاريعها"، وأفادت بتقديم نحو 681 ألف دولارٍ منذ 2018 لتمويل أنشطتها. إضافةً إلى منصة "صندوق الإحسان"، التي تخصص صفحة تبرعاتٍ بعنوان "المستوطنات الإسرائيلية بحاجة إلى وحدة الكلاب الإسرائيلية، ساهم في رعاية كلب لحماية الأرواح اليهودية".

هذا الاستثمار الكبير بالجهد والمال لتعزيز وحدة الكلاب الإسرائيلية، وُجّه جلّه لتعزيز النشاط الاستيطاني في الضفة الغربية.


وثّقت منظماتٌ حقوقيةٌ إسرائيليةٌ، منها بتسليم وكرم نابوت، بأن استخدام الكلاب بات إحدى الوسائل التي يوظفها مستوطنون في اعتداءاتهم على الفلسطينيين، بما يشمل سرقة الأغنام والمواشي وطرد السكان من مزارعهم أو منازلهم في أرجاء الضفة الغربية تمهيداً للسيطرة على تلك المناطق.

وحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا" في تقريره الصادر في ديسمبر 2024 حول الوضع الإنساني في الأراضي الفلسطينية، فإن مستوطنين مسلحين دخلوا إلى تجمعاتٍ سكانيةٍ فلسطينيةٍ، مصحوبين أحياناً بكلاب. وهو ما أسهم في نزوح مدنيين وبثّ الخوف في نفوسهم، خصوصاً في جنوب تلال الخليل والمناطق المجاورة. وقد وثّق المكتب تهجير 2275 فلسطينياً في أنحاء الضفة بين يناير 2023 و2025، نتيجة تصاعد عنف المستوطنين وفرض قيودٍ مشددةٍ على الوصول والتنقّل. وهو ما ينقله أيضاً بيانٌ صادرٌ عن مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في يناير 2026. وقد أشار إلى أن عنف المستوطنين قد تسبّب في تهجيرٍ قسريٍّ في الضفة الغربية، ما يقوّض الوجود الفلسطيني في المواقع الاستراتيجية شيئاً فشيئاً.

في أراضي الرعي الوعرة شرق قرية كيسان بمحافظة بيت لحم جنوب الضفة، حيث باتت احتكاكات المستوطنين بالرعاة شبه يوميةٍ، لم يتوقع ساري جرادات البالغ ثمانية وثلاثين عاماً أن يتحول يومٌ آخَر من المضايقات المعتادة إلى اعتداءٍ غيّر حياة أسرته بالكامل.

جرادات، وهو أبٌ في أسرةٍ تضمّ زوجته وثمانية أبناءٍ وبناتٍ، أكبرهم في السادسة عشرة من عمره وأصغرهم في الثانية، قد اعتاد كغيره من رعاة المنطقة على الصراخ على المستوطنين ورشق الحجارة والتهديدات. لكن في 14 فبراير 2024 جاءه المستوطنون ومعهم كلابٌ هجومية.

يروي جرادات للفراتس تفاصيل الاعتداء قائلاً: "أمسَك المستوطنُ الكلبَ من رقبته ووضعه مباشرةً على ساقي، وبدأ يعضّ [. . .] وَضَعَه عليَّ كي ينهشني". ويردف: "أحضروا دجاجةً [. . .] ليُهيِّجوا الكلب ثم دفعوه نحوي". ويُشبه استخدامُ دجاجةٍ حيّةٍ لاستفزاز الكلاب أسلوباً يُعرف بِاسم "تهيئة دافع العضّ"، وهو أسلوبٌ واردٌ في كتيّبات تدريب الكلاب العسكرية، وله ارتباطٌ تاريخيٌ بوحدة "عوكيتس" (اللدغة) في الجيش الإسرائيلي.

حاصرت ثلاثة كلابٍ جرادات وكان أحدها يتلقى الأوامر بالعبرية بينما طارد الكلبان الآخران قطيعَ الأغنام. يقول جرادات إنه ضُرب بالعصيّ ضرباً مبرحاً حتى تكسّرت العصي على جسده، وأظهرت صور الأشعة لاحقاً إصابته بكسرٍ جزئيٍ في ساقه.

بعد أسبوعين من الاعتداء الأول، عاد المستوطنون مع كلابٍ أكثر. وفي الهجوم الثاني استهدف الاعتداء زوجة جرادات سمية البالغة سبعةً وثلاثين عاماً وأطفالهما.

يقول جرادات "مزّقوا ثوبها وعضّوها في ساقها". وتسبّب الغاز المسيل للدموع واللكمات في فقدانها الوعي لما يقارب أسبوعاً كاملاً. بينما تعاني ابنتهما المراهقة من صدمةٍ نفسيةٍ مستمرةٍ، "إذا سمعت أيّ صوتٍ قادمٍ من المستوطنة، لا تنام". لاسيما بعدما رأت أحد الكلاب يدخل خيمتهم، حيث كانت مع شقيقيها الطفلين بداخلها، أحدهما رضيعٌ عمره عامان والآخَر في الثالثة من عمره. يقول جرادات: "دخل كلبٌ إلى الخيمة مباشرةً وعندما حاولت اللحاق به اعتدى عليّ المستوطنون".

بعد الاعتداء اعتقل عناصر الشرطة الإسرائيلية جرادات واقتادوه إلى قسم عتصيون بالقرب من القدس حيث احتُجز ساعاتٍ وخضع للتحقيق بتهمة الاعتداء على مستوطن. وخلال مدة احتجازه، عاد مستوطنون وأحرقوا خيمة العائلة بالكامل، وضاع كلّ شيء. وفي الليلة نفسها، اضطرت العائلة إلى الفرار.

ابتعدت عائلة جرادات مسافة خمسة كيلومتراتٍ، لتعيش في مأوىً بدائيٍ مؤقتٍ بالقرب من كيسان. ويقول "كان علينا أن نغادر، كانوا سيقتلوننا. أطلقوا الكلاب على الأطفال، ولم يُظهروا أيّ رحمةٍ تجاه رضيعٍ في الثانية من عمره، وطفلٍ في الثالثة، وفتاةٍ في السادسة عشرة".

ولا يدرك كثيرٌ من الفلسطينيين الذين واجهوا كلاب المستوطنين وبطشهم بأن بعضاً من أصل معاناتهم يعود لما وراء تلال الضفة الغربية، بعيداً في قلب أوروبا.


قاد تتبّع مصدر الكلاب التي باتت سمةً من سمات تلال الضفة الغربية، سواءً من خلال أنشطة وحدة الكلاب الإسرائيلية أو المستوطنين، إلى مدينة خِيل شمالي شرق بلجيكا. ففي هذه المدينة يربّي مدرّبون محترفون كلاب المالينو البلجيكية وكلاب الراعي الهولندي، المخصصة لأغراض الحماية والعمل العسكري والشرطي. وفي قلب سلسلة التوريد العابرة للحدود هذه، برز كيانٌ بلجيكيٌ ارتبط اسمه بتزويد الكلاب إلى "وحدة الكلاب الإسرائيلية"، ويضم جمعيتين مؤسستين. الأولى تُسمى "بلجيَم رِسكيو دوغز – بي آر دي خِيل" (كلاب الانقاذ البلجيكية)، والثانية "رِدِّينغس أِن بوليتيهوندِن سخول – آر بي إس خيل" (مدرسة كلاب الإنقاذ والشرطة).

لا يتطلب تصدير الكلاب من بلجيكا إلى الخارج تراخيص خاصةً، إذ يكتفي المصدّرون عادةً بإصدار شهاداتٍ بيطريةٍ عادية. وتغادر الكلاب عبر مطارَي بروكسل أو سخيبول داخل صناديق مكيّفةٍ موسومةٍ بعبارة "كلب عامل – حيوان حيّ". وبعد شحن الحيوان، لا يفرض القانون التحقق من الجهة المستقبِلة أو من طبيعة استخدام الكلب.

ومع ذلك، أظهرت مؤسستا "كلاب الإنقاذ البلجيكية" و"مدرسة كلاب الإنقاذ والشرطة" حرصاً على التفاعل مع أنشطة "وحدة الكلاب الإسرائيلية" بإعادة نشر محتوىً صادرٍ عنها. وفي سنة 2022، نشرت مجلة القناة الرابعة عشرة الإسرائيلية خبراً عن استقبال وحدة الكلاب الإسرائيلية كلباً من بلجيكا. وضُمّن في الخبر صورةٌ لبن يعكوف برفقة بول فان رامبي من مؤسسة كلاب الإنقاذ البلجيكية.

وكان بن يعكوف قد صرّح في فبراير 2022 خلال حديثه في "بودكاست ثيرتي سِكس" بأن مصدر كلابه بلجيكا وهولندا. وقال: "كنتُ في الولايات المتحدة لجمع الأموال من أجل دفع تكاليف الكلاب التي كنا قد جلبناها للتوّ من أوروبا، من بلجيكا وهولندا، وكذلك لدفع أجور المدرّبين". تجمع الأموال من أمريكا لشراء كلابٍ بوليسيةٍ مدرَّبةٍ تؤدي دوراً مزدوجاً، الأول يحدّده بن يعكوف في أحاديثه باللغة الانجليزية في "العثور على مفقودين، ومساندة الشرطة الإسرائيلية".

مدرسة كلاب الإنقاذ والشرطة البلجيكية تعيد نشر محتوى وحدة الكلاب الإسرائيلية
عن صفحة المدرسة على موقع فيسبوك

لمربّي الكلاب الأوروبيين قد تمثّل إسرائيل سوقاً مربحةً ومرموقةً، نظراً لسمعتها الدولية في تدريب كلاب العمل. غير أنّ الأمر يصبح محلّ تساؤلٍ عندما يُعاد تسويق هذه الكلاب تحت شعار "أمن المستوطنين". فمع كون "وحدة الكلاب الإسرائيلية" تقدّم نفسها منظمةَ "بحث وإنقاذ"، إلّا أنّ عشرات المنشورات ومقاطع التدريب بالعبرية تُظهر الكلاب وهي تنفّذ تدريبات عضٍّ ودورياتٍ محيطيةٍ ومحاكاةً لعمليات السيطرة والإطاحة. وهو ما يطرح أسئلةً عن مدى انخراط المؤسسات البلجيكية المصدِّرة للكلاب في دعم أنشطة المستوطنين في الضفة.

يِكوتيئيل بن يعكوف مع فان بول رامبي مدرب مؤسسة كلاب الإنقاذ البلجيكية / الصورة عن صفحة فيسبوك التابعة لمؤسسة كلاب الإنقاذ البلجيكية "بي آر دي" 

وفي مايو 2025 تواصلنا عبر البريد الإلكتروني مع الوكالة الاتحادية البلجيكية لسلامة السلسلة الغذائية، وهي الجهة المسؤولة عن إصدار الشهادات البيطرية للكلاب المُصدَّرة، للاستفسار عن أعداد الكلاب التي صُدِّرت من بلجيكا إلى إسرائيل. إلا أن الوكالة ردّت بقول "نأسف لإبلاغكم بأننا غير قادرين على تزويدكم بهذه المعلومات".

وفي نوفمبر من العام نفسه عُدنا وخاطبنا الوكالة عبر البريد الإلكتروني بسؤالٍ محدّدٍ عن عدد الكلاب المُصدَّرة خلال المدة من أكتوبر 2023 إلى مايو 2025. فجاء ردّها "لقد حققنا في طلبكم الجديد بشكلٍ وافٍ، وخلصنا إلى ضرورة رفضه، إذ إن جمع الوثائق المطلوبة سيستغرق مرّةً أخرى وقتاً غير معقول. ونقدّر أن ذلك سيتطلب نحو عشرة موظفين، ما سيمنعهم من أداء مهامهم الأساس".

وعلى إثر الرفض، قدّمنا تظلّماً أمام أمين المظالم الاتحادي في بلجيكا، وأعاد تقديم طلبٍ مُجدَّداً عبر مكتبه في نوفمبر وديسمبر 2025. غير أن الوكالة واصلت رفضها، ولم تُقدِّم أيّ وثائق تتعلق بعمليات التصدير.

ومع استمرار هجوم الكلاب المدرَّبة على المدنيين في قرى الضفة الغربية ومزارعها، يبدو أن جميع أطراف الصفقة الرابحة في إسرائيل وأوروبا وأمريكا يقفون في منطقةٍ آمنةٍ، تضمن تحقيق أهدافٍ مزدوجةٍ، تتقاطع فيها أهداف العثور على المفقودين والحماية الذاتية مع الاعتداء على المدنيين وتهجيرهم من أراضيهم معاً.

تواصلنا مع يِكوتيئيل بن يعكوف نفسه ووحدة الكلاب الإسرائيلية للحصول على تعليقٍ حول المزاعم التي تفيد بأن المنظمة توفّر كلاباً مُدرَّبةً لمستوطنين متورطين في هجماتٍ على فلسطينيين. وطلبنا توضيحاً بشأن دور غوزوفسكي، وطبيعة تدريب الكلاب، وكيفية تميّيز وحدته بين أنشطة البحث والإنقاذ وأعمال "أمن المستوطنات". وردّ بن يعكوف  في رسالة عبر البريد الإلكتروني، مؤكدًا أنّ "كلابنا تُستخدم قانونياً". وأن وحدة الكلاب الإسرائيلية "جمعية إنسانية تعمل على إنقاذ الأرواح داخل إسرائيل، بما ذلك العرب، من خلال كلاب البحث والإنقاذ والحراسة". واعتبر غوزوفسكي أن الحديث عن غير ذلك إنما يؤخذ خارج سياقه ويشوه مهمة وحدة الكلاب. هذا في حين تصنّف بلجيكا وهولندا الكلاب البوليسية المُدرَّبة على أنها "حيوانات عاملة" وليست معدّاتٍ أمنيةً، ما يعني عدم اشتراط شهادات "المستخدم الأخير"، وإمكانية شحنها بإجراءاتٍ بسيطةٍ تقتصر على الوثائق البيطرية والجمركية. وتظهر تسعيرات السوق أن كلاب العمل المُدرَّبة سلعةٌ عالية القيمة. إذ قد يُباع كلب مالينو بلجيكيٌّ مُدرَّبٌ تدريباً يُسوَّق له غالباً لأغراض الحماية أو العمل العسكري أو الشرطي بأسعارٍ تتراوح بين خمسة عشر وأربعين ألف دولارٍ، تبعاً لمستوى التدريب والتخصّص.

والنتيجة النهائية دائرةٌ تجمع بين "نفع عام" مُعلنٍ وربحٍ خاصٍّ حقيقيٍّ، وسلاسل إمدادٍ تمدّ المستوطنين في إسرائيل بكلابٍ رُبّيَت في أوروبا إلى واحدةٍ من أكثر المناطق حساسيةً سياسياً في العالم.


تركت عائلة فاضل مزرعتها في قرية دير نظام وراءهم، في حين انتقلت عائلة جرادات خمسة كيلومتراتٍ بعيداً عن مسكنها لتعيش مؤقتاً في مأوىً بدائيٍّ بالقرب من كيسان. فيما تحوّل صوت نباح الكلاب، الذي كان يوماً جزءاً من الحياة الريفية الفلسطينية إلى إشارة إنذارٍ وبعثٍ على الخوف. وبات المزارعون في أنحاء غور الأردن والخليل ونابلس يخشون التوجه إلى حقولهم بمفردهم. وفي تلك الأثناء في بيت تربية كلابٍ في بلجيكا، تُسمَع قعقعة السلاسل بينما يتأهب كلبٌ للمغادرة إلى إسرائيل، غير مدركٍ لما ينتظره هناك. وهكذا، تستمر الاعتداءات، عضّةً بعد عضّة.

اشترك في نشرتنا البريدية