من أزمة الرهائن إلى الحرب.. تحولات الموقف الإيراني من واشنطن

شارك بعض رموز التيار الإصلاحي بإيران في اقتحام السفارة الأمريكية، قبل أن يدافعوا لاحقاً عن التقارب مع واشنطن.

Share
من أزمة الرهائن إلى الحرب.. تحولات الموقف الإيراني من واشنطن
ثقة الإصلاحيين والمحافظين في إيران بأمريكا أصبحت أصعب | تصميم خاص بالفراتس

بعد نحو شهرٍ من الاتفاق النووي بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية سنة 2018، نشر موقع "زيتون" بياناً وقّعه أكثر من مئة ناشطٍ وسياسيٍّ إيرانيٍّ — من داخل البلاد وخارجها — دعوا فيه القيادة الإيرانية إلى مفاوضاتٍ مباشرةٍ مع أمريكا بلا شروطٍ مسبقة من الطرفين. أَمِلَ هؤلاء في تخفيف العقوبات الأمريكية، ومعها الأزمات الاقتصادية التي تعاني منها البلاد. استشهدَ البيان حينها باللقاء الذي جمعَ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بزعيم كوريا الشمالية كيم جون أون، معتبرين أنّ الخلافات يمكن تجاوزها عبر مسارات الحوار.

أثار البيانُ خلافاً داخل الأوساط السياسية الإيرانية، امتدّ إلى التيار الإصلاحي نفسه الذي عُرف بميله نحو طريق الدبلوماسية. اعترض الرئيس الأسبق محمد خاتمي، أحد أبرز رموز الإصلاح، على الدعوة إلى التفاوض دون شروطٍ معتبراً أنّها تمسّ "كرامة إيران". وذهبت بعض صحف التيار المحافظ أبعد من ذلك، إذ وصفت صحيفة "وطن امروز" البيان بأنّه رسالة الخيانة، فيما اعتبره موقع "مشرق نيوز" رسالة استسلام.

لم تكن تلك الأصوات جديدة على النقاش الإيراني، فقد انقسمت النخبة الإيرانية منذ عقودٍ بين من يرى في العلاقة مع أمريكا باباً لتخفيف العزلة الاقتصادية، ومن اعتقد أنّ التفاوض معها يحمل خطراً على استقلال البلاد. حتى الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في يونيو 2025 لم تُنهِ النقاش.

بدأت إسرائيل الحربَ في 13 يونيو عبر هجومٍ واسعٍ استهدف منشآتٍ عسكريةً ونوويةً، تبعه اغتيال قادةٍ عسكريين، في الوقت الذي كانت فيه واشنطن وطهران تستعدان لجولةٍ جديدةٍ من المفاوضات النووية في سلطنة عمان يوم 15 يونيو. وبعد تسعة أيام من انطلاق المفاوضات، دخلت الولايات المتحدة الحرب ضدّ إيران إلى جانب إسرائيل وضربت منشآت فوردو ونطنز وأصفهان النووية. وبعد نحو ثمانية أشهر، شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل حرباً جديدةً على إيران قُتل في بدايتها المرشد الأعلى علي خامنئي ومجموعةٌ من القادة الكبار.

سبقت الهجماتِ الأمريكيةَ على إيران سنواتٌ من الجدل الإيراني الداخلي بجدوى التقارب مع واشنطن. فقد تبلور في العقدين الأخيرين اتجاهان داخل السياسة الإيرانية، أحدهما يرى في التقارب مع أمريكا تهديداً لاستقلال إيران وأمنها، والآخر يرى في الدبلوماسية حلاً لتخفيف العقوبات ومعالجة الأزمات الاقتصادية. ومع أنّ جذور هذا الخلاف يعود إلى تأسس الجمهورية الإيرانية سنة 1979، إلا أن مواقف القوى السياسية الإيرانية لم تبقَ ثابتة. فقد تغيّرت حساباتها بتغيّر السياسات الأمريكية، وتجارب التفاوض معها.


ألقى انقلاب سنة 1953 بظلّه الثقيل على علاقة الإيرانيين بالولايات المتحدة الأمريكية. فقد ساهمت أجهزة الاستخبارات الأمريكية والبريطانية في انقلابٍ أطاح برئيس الوزراء الإيراني المُنتخب محمد مصدق، وثبتت حكمَ الشاه محمد رضا بهلوي.

بدأت الأزمة بعدما أمّم مصدق صناعة النفط الإيرانية سنة 1951، منهياً سيطرة شركة النفط الأنجلو إيرانية التي سيطرت عليها بريطانيا. فرضت بريطانيا ضغوطاً اقتصاديةً على إيران، ثم تعاونت استخباراتها مع وكالة الاستخبارات الأمريكية للإطاحة بمصدق، وسط مخاوف أمريكيةٍ من اتساع النفوذ السوفييتي. وفي سنة 1953، نجح الانقلاب مع تولّي الجنرال فضل الله زاهدي رئاسة الحكومة، فتعزّز حكم الشاه. 

في تلك الفترة تعاظم التعاون العسكري والسياسي بين الشاه والولايات المتحدة. فقد زار الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون طهران سنة 1972 وسمح بشراء مقاتلات "إف-14".  كان الخميني، الذي قاد الثورة لاحقاً، من أبرز منتقدي تلك العلاقات، فقد اتهم الشاه بالخضوع للمصالح الأمريكية، ودعا إلى استقلال القرار الإيراني عن القوى الكبرى. وصلت هذه النظرة إلى السلطة مع انتصار الثورة سنة 1979، لكنها لم تتحول فوراً إلى قرارٍ بقطع العلاقات الدبلوماسية.

في الأشهر الأولى بعد سقوط الشاه، أراد رئيس الحكومة الانتقالية مهدي بازركان استمرار الصلات الرسمية مع واشنطن، بينما رفض الخميني وجناحٌ من الثوريين استمرارها. وعندما لوّحت الولايات المتحدة بتدهور العلاقات إذا استمرت إعدامات رجال النظام السابق، ردّ الخميني في خطابٍ من مدينة قم يوم 19 مايو 1979 متسائلاً: "ما الذي نريده من العلاقات مع أمريكا؟"، مشبّهاً إياها بعلاقة المظلوم بالظالم والمنهوب بالناهب. كانت العلاقة لا تزال قائمةً رسمياً، لكنّ الخلاف على مستقبلها أصبح جزءاً من النزاع بين المعتدلين والثوريين، داخل الدولة الجديدة.

بلغ هذا الخلاف ذروته في نوفمبر 1979، حين اقتحم طلاب إيرانيون — يتبعون ما اصطُلح على تسميته "خط الإمام" — السفارة الأمريكية في طهران واحتجزوا موظفين ودبلوماسيين أمريكيين. إذ أثار استقبالُ الرئيس الأمريكي جيمي كارتر الشاهَ في الولايات المتحدة شكوكاً لدى مجموعة الطلاب، التي انتمى كثيرٌ من أفرادها إلى التيار الإسلامي اليساري. فخافوا من تدخّلٍ أمريكيٍّ جديدٍ لإعادة الشاه إلى الحُكم، مثلما ساعد الأمريكيون على الإطاحة بمصدق سنة 1953. أيّد الخميني موقف مقتحمي السفارة علناً، وأضعف الاقتحام موقع حكومة بازركان، التي استقالت بعده.

برز بين مؤيدي اقتحام السفارة شبابٌ صار بعضهم لاحقاً من رموز التيار الإصلاحي. أبرز هؤلاء معصومة ابتكار، إحدى الشخصيات البارزة للطلاب الذين احتلّوا السفارة الأمريكية. وصفت معصومة الولايات المتحدة آنذاك بالقوة الإمبريالية، وأعلنت استعدادها قتل الرهائن إن حاولت أمريكا اقتحام السفارة لتحريرهم. وبعد سنوات، شغلت منصب نائبة الرئيس في عهد الرئيسَين محمد خاتمي بين 1997 و2005، ثم عادت إلى المنصب نفسه في حكومة حسن روحاني سنة 2013.

لم يُحسم موقف التيار الإصلاحي في نوفمبر 1979، بل انقسم إرث الاقتحام نفسه بعد سنواتٍ، بين من تمسّك بخطاب القطيعة ومن أعاد النظر في العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية. وقد ارتبط اسما خاتمي وروحاني بمحاولات تحسين العلاقات مع أمريكا.

انتهت أزمة الرهائن في يناير 1981، بعد مفاوضاتٍ غير مباشرة بين طهران وواشنطن بوساطةٍ جزائرية. توصّل الطرفان إلى اتفاقٍ تعهّدت فيه الولايات المتحدة بالإفراج عن أصولٍ إيرانيةٍ مجمّدةٍ وتسوية المطالبات المالية بين البلدين، إلى جانب عدم التدخل في الشؤون الداخلية الإيرانية. بالمقابل، أطلقت إيران اثنين وخمسين رهينةً بعد 444 يوماً من احتجازهم، في اليوم نفسه الذي تولّى فيه رونالد ريغان الرئاسة خلفاً لجيمي كارتر.

ظلت الخصومة بين البلدين قائمةً واشتدّت أثناء الحرب العراقية الإيرانية بين 1980 و1988. دعمت إدارة رونالد ريغان العراق في مراحل من الحرب، واصطدمت القوات الأمريكية بالإيرانيين في الخليج أثناء حماية الناقلات النفطية. وفي يوليو 1988 أَسقطت سفينةٌ حربيةٌ أمريكيةٌ طائرةً إيرانيةً، فقُتل ركّابها وطاقمها. سبقت تلك المواجهاتِ لغةٌ إعلاميةٌ اتَهمت واشنطن بالوقوف وراء العراق في الحرب، حين نشرت صحيفة "كيهان" في يوليو 1981 مادةً وَصفت فيها صدام حسين بدمية "الشيطان الأكبر"، وهو المصطلح الذي شاع في الخطاب الثوري للإشارة إلى الولايات المتحدة الأمريكية.

لم تعنِ نهاية الحرب العراقية الإيرانية نهاية الجدل بشأن أمريكا، بل انتقل ليصبحَ جزءاً من الجدل السياسيّ المستمر: فريقٌ يُنادي بالقطيعة، وآخرُ يبحث عن تسوية. على أنّ الصدام المعلَن لم يمنع اتصالاتٍ سريةً بين البلدين. ففي منتصف الثمانينيات، ظهرت قضية "إيران كونترا" بعدما تبيّن أنّ مسؤولين أمريكيين ساعدوا في بيع أسلحةٍ لإيران، وأنّ جانباً من العائدات وَجّهتها أمريكا إلى قوات "الكونترا" المناهضة الحكومةَ في نيكاراغوا. أثارت "إيران كونترا" وفضح الاتصالات السرية خلافاتٍ داخل القيادة الإيرانية، وعارضها حسين علي منتظري الذي كان آنذاك نائباً للخميني. لم يكن منتظري مطّلعاً على تفاصيل القضية، بينما كان رئيس البرلمان الإيراني حينها أكبر هاشمي رفسنجاني يعلم مسار الاتصالات، وكذا ابن مؤسس الجمهورية الإسلامية ومساعده المقرّب أحمد الخميني.

بعد وفاة الخميني الأب سنة 1989، ظلّ رفض التقارب مع أمريكا قوياً داخل أوساطٍ ثورية. فعندما قادت الولايات المتحدة التحالف لطرد القوات العراقية من الكويت سنة 1991، دعا علي أكبر محتشمي بور — عضو البرلمان الإيراني عن مجمع علماء الدين المجاهدين (مجمع روحانيون مبارز) — إلى ضرورة الوقوف في صف الحكومة العراقية رغم الحرب التي خاضتها إيران ضدّ العراق طوال ثماني سنوات. وفي الجهة المقابلة، كان رفسنجاني من أبرز الداعين إلى إعادة النظر في القطيعة مع أمريكا. فقبل وفاة الخميني، بعث رفسنجاني إليه برسالةٍ طرح فيها سبع قضايا اعتقد أنّ على مؤسس الجمهورية الإسلامية حسمها — من بينها العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية — ورأى رفسنجاني أنّ استمرار القطيعة سيجعلها معضلةً أصعب على الدولة في المستقبل.

لم يكتفِ رفسنجاني بالدعوة إلى التقارب. فقد ساعد الولايات المتحدة في مساعي إطلاق رهائن أمريكيين كانوا محتجزين في لبنان سنة 1990، مستغلّاً علاقة إيران مع "حزب الله" اللبناني والفصائل المرتبطة به، أملاً في أن تُفرج واشنطن عن أصولٍ إيرانيةٍ مجّمدةٍ لديها. نجحت المساعي في إطلاق الرهائن الأمريكيين، لكنّ الإدارة الأمريكية لم تقدّم المقابل الذي كان رفسنجاني يتوقعه. وبعد خمس سنواتٍ، حاول مجدداً فتح باب التعاون الاقتصادي بين البلدين.

أصبح الجدل عن أمريكا أكثر حضوراً مع انتخاب محمد خاتمي رئيساً للبلاد سنة 1997. خرج خاتمي من البيئة السياسية التي ضمّت تياراً إسلامياً يسارياً شديد العداء للولايات المتحدة في مطلع الثورة، لكنه تبنى لاحقاً خطاباً إصلاحياً. وفي مقابلته الشهيرة مع شبكة "سي إن إن" في يناير 1998، عبّر عن احترامه الشعب الأمريكي وأسفه لأزمة السفارة. ثم دعا أمام الأمم المتحدة في سبتمبر إلى "حوار الحضارات". لم يلقَ هذا الخطاب استحسان التيار المحافظ.

رأى حسن عباسي، أحد منظري التيار المحافظ، في هذا الخطاب إضعافاً لقدرة إيران على مواجهة التهديدات. وتساءل قائد الحرس الثوري آنذاك رحيم صفوي: "هل بإمكاننا الصمود أمام التهديدات الأمريكية وسياساتها المهيمنة باتباع سياسة الانفراج [مع أمريكا]؟ هل يمكننا إفشال الأخطار الآتية من أمريكا من خلال حوار الحضارات؟".


منذ سنة 2013 أصبح الملف النووي ساحة الاختبار الأبرز لهذا الخلاف. فقد دخلت إيران مفاوضات مع الولايات المتحدة الأمريكية وخمس دول أخرى، روسيا والصين وفرنسا وبريطانيا وألمانيا، ضمن مجموعةٍ عُرفت باسم "5+1".

بدأت المفاوضات عن البرنامج النووي قبل وصول الرئيس حسن روحاني إلى الحكم. ففي سنة 2003، دخلت إيران محادثات مع كلٍّ من بريطانيا وفرنسا وألمانيا، وتوصّلت إلى تفاهماتٍ أوّلية عن نشاطها النووي. لكنّ هذه المحادثات تعثرت في فترة الرئيس محمود أحمدي نجاد بين 2005 و2013 حين استأنفت إيرانُ عملية رفع تخصيب اليورانيوم. تبع ذلك قرارٌ من مجلس الأمن بفرض عقوباتٍ على إيران. وعند فوز روحاني بالرئاسة الإيرانية سنة 2013، عاد إلى الملف الذي تولّى مفاوضاته قبل عشر سنوات، ساعياً هذه المرّة إلى تخفيف العقوبات على بلاده، وتحسين الوضع الاقتصادي.

عند عودة روحاني من نيويورك في سبتمبر 2013، واجه متظاهرين رددوا شعار "الموت لأمريكا". وكان روحاني قد تحدث هاتفياً مع الرئيس باراك أوباما، في أول اتصالٍ معلَن بين رئيسَي البلدين منذ ثورة 1979. عدّ أنصارُ روحاني المكالمةَ فرصةً لإزالة جدارٍ من الشكوك، لكنّ مجلة "يا لثارات" المحافظة وصفت المكالمة بالشاذة.

في ذلك الوقت، ظهر داخل إيران خلافٌ على تداعيات الاتفاق وجدوى تقديم تنازلاتٍ مقابل تخفيف العقوبات. فبعد إعلان إطارٍ أوليٍّ للتفاهم في أبريل 2015، توصّل الطرفان إلى الاتفاق النهائي في 14 يوليو من السنة نفسها. نصّ الاتفاق على تقييد تخصيب اليورانيوم عند مستويات منخفضة وتطبيق رقابة دولية على البرنامج مقابل رفعٍ تدريجيٍّ لعقوبات الملف النووي.

حين أُعلن الاتفاق النووي، قدّمه الإصلاحيون والمعتدلون إنجازاً يتيح لإيران الاحتفاظ ببرنامجٍ نوويٍ سلميٍّ مقابل تخفيف العقوبات وفتح باب التجارة، وكان الرهان أن تتحول الدبلوماسية إلى منفعةٍ اقتصاديةٍ يشعر بها الإيرانيون.

استقبلت الصحافة الإصلاحية الاتفاق بقدرٍ كبيرٍ من التفاؤل. فبعد إعلان إطار اتفاق لوزان في أبريل 2015، اعتبرت صحيفة "اعتماد" الإصلاحية أنّ المفاوضات حققت إنجازاً كبيراً للسياسة الخارجية الإيرانية، ووصفت يوم الإعلان بيوم "الولادة الجديدة للدبلوماسية". رافق هذا التفاؤلَ رهانٌ على أن يؤدي الاتفاق النهائي إلى تخفيف العقوبات وتحسين أوضاع البلاد الاقتصادية.

أما خصوم الاتفاق، فاعتقدوا أنّ التفتيش والقيود على التخصيب تمنح القوى الغربية نفوذاً أوسع من المكاسب المتوقعة واتهموا فريق روحاني بالاستعجال في التوصّل إلى تسوية. فقد ذهبت صحيفة "كيهان" المحافظة إلى أنّ الغاية من الاتفاق إضعاف قدرة إيران، بينما عدّت مجلة "يا لثارات" عمليات التفتيش مدخلاً للتجسس. كان مؤيدو الاتفاق ينظرون إلى التفتيش الدولي ضمانةً لتخفيف العقوبات، فيما خشي معارضوه أن تُوَسِّع عمليات المراقبة قدرة القوى الغربية على جمع المعلومات عن المنشآت الإيرانية.

كان موقف المرشد الأعلى آنذاك علي خامنئي أكثر تعقيداً. فقد حذّر من التعويل على العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية لمعالجة مشكلات إيران وشكّك في نيات أمريكا، ورفض الإملاءات التي قد تصاحب التفاوض، لكنه سمح لحكومة روحاني بالمضيّ في المحادثات وإبرام الاتفاق. لم تكن موافقته تأييداً عاماً للتقارب، فقد أبقى التفاوض محصوراً في الملف النووي، وظل القرار النهائي بيده حتى حين احتدم السجال بين التيارات السياسية.

تأجّل الحكم على رهان الاتفاق النووي إلى حين ظهور نتائجه. فقد رحّب مؤيدو الاتفاق برفع جزءٍ من العقوبات، ثم عادت الاعتراضات إلى الواجهة مع بطء الفوائد الاقتصادية وبقاء خلافاتٍ أخرى بين البلدين، مثل برنامج إيران الصاروخي، ودورها في سوريا والعراق واليمن ولبنان، واستمرار العقوبات الأمريكية الاقتصادية غير المرتبطة بالملف النووي. وكان انسحاب ترامب من الاتفاق النووي في مايو 2018 وإعادة فرض عقوباتٍ واسعةٍ على إيران، بعد أقلّ من ثلاث سنواتٍ على الاتفاق، نقطة تحوّلٍ في الجدل الإيراني الداخلي. ففي حين وجد المحافظون في القرار سبباً جديداً للتحذير من الثقة بأمريكا، أثار ذلك خلافاً داخل التيار الإصلاحي عن جدوى الدعوة إلى مفاوضاتٍ جديدةٍ بعد انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من اتفاقٍ سبق أن وقّعت عليه.

اختلفت القوى السياسية كذلك في أثر الانسحاب على احتمال اندلاع حرب. فقد حذّر الإصلاحي حسين مرعشي من أنّ خروج ترامب من الاتفاق النووي قد يزيد من فرص المواجهة العسكرية، بعدما أبعد أمريكا عن التفاهم الذي جمعها بإيران والقوى الدولية الأخرى. أما صحيفة "كيهان" المحافظة فذهبت إلى أنّ الاتفاق أضعف جانباً من قدرات إيران الدفاعية، وأنّ الخروج الأمريكي منه لا يجعل الحرب أكثر احتمالاً بالضرورة.

بعث وصول جو بايدن إلى البيت الأبيض أملاً جديداً لدى بعض الإصلاحيين في إمكانية إحياء الاتفاق. وبعد انطلاق محادثات فيينا في أبريل 2021، قال الرئيس حسن روحاني إنّ الأطراف قطعت نحو 60 إلى 70 بالمئة من طريق المفاوضات. لكنّ التفاؤل لم يكن عاماً داخل الصحافة الإصلاحية، فقد رأت صحيفة "مردم سالاري" أنّ إحياء الاتفاق سيكون صعباً وإن ظلّ ممكناً.

استمرت المحادثات في عهد الرئيس إبراهيم رئيسي، الذي تولى الحكم في أغسطس 2021، مع صلته بالتيار المحافظ. ولم تؤدِّ الجولات المتعاقبة إلى اتفاقٍ جديدٍ، فقد ظل الخلاف على العقوبات وضمانات التنفيذ ومستوى التخصيب والبرنامج الصاروخي قائماً. وذكر وزير الخارجية الأسبق محمد جواد ظريف لاحقاً أنّ هجوم 7 أكتوبر 2023، وما تبعه من حربٍ إقليميةٍ، عرقلا مسار اتصالاتٍ كان مطروحاً مع أمريكا.


أضافت الحرب على غزة منذ السابع من أكتوبر 2023 تعقيداتٍ جديدةً إلى الخلاف الإيراني بشأن العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية. فقد تصاعدت المواجهة بين إيران وإسرائيل، ما عزز مواقف القوى الإيرانية الرافضة التقاربَ مع واشنطن، الحليف الرئيس لإسرائيل. ومع ذلك، استمرت أصواتٌ من التيار الإصلاحي بالدعوة إلى تحسين العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية، أملاً في التوصّل إلى تفاهمٍ يخفف الضغوط المفروضة على إيران.

في الصحافة الإصلاحية، استمرت الدعوات إلى مراجعة السياسات الخارجية التي زادت عزلة إيران. كانت هذه الدعوات تعوّل على معالجة الأزمة الاقتصادية، في حين رأى المعارضون أنّ استمرار التفاوض تحت التهديد العسكري يجعل كلفته السياسية والأمنية أعلى.

تولى مسعود بزشكيان الرئاسة الإيرانية سنة 2024، ثم بدأت حكومته محادثاتٍ غير مباشرة مع إدارة ترامب بعد عودته إلى السلطة سنة 2025. استضافت سلطنة عمان جولات التفاوض، وكان مقرراً عقد لقاءٍ سادسٍ بين البلدين يوم 15 يونيو. لكنّ الغارات الإسرائيلية على إيران سبقته بيومين، فعُلّقت المفاوضات. وفي 13 يونيو، قال ترامب لوكالة رويترز إنّ إدارته كانت على علمٍ بالهجوم الإسرائيلي قبل وقوعه، وإنه لا يزال يأمل بالتوصّل إلى اتفاقٍ مع إيران. في المقابل، اتَهم وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أمريكا بخيانة الدبلوماسية. 

زادت لغة ترامب حدّة الجدل. فقد طالب إيران أثناء الحرب بالاستسلام غير المشروط، وهو تعبيرٌ رفضته القيادة الإيرانية لأنه طلبٌ للتخلّي عن القرار المستقلّ. استخدم عراقجي خطاباً يؤكد رفض الاستسلام. وأصبح الخلاف على كلماتٍ، مثل "الاستسلام" و"الضمانات"، جزءاً من الخلاف على ما يستطيع المفاوض الإيراني قبوله أمام جمهوره ومؤسسات الدولة.

بعد حرب يونيو 2025 بين أمريكا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، قال النائب الأول للرئيس الإيراني محمد رضا عارف، المحسوب على الإصلاحيين، إنّ الثقة بالولايات المتحدة الأمريكية لم تعد ممكنة. وكانت تلك اللغة أقرب إلى مواقف المعارضين التقليديين للتفاوض منها إلى خطاب التيار الإصلاحي في عهد خاتمي وروحاني. لا تعني تصريحات عارف انتقال جميع الإصلاحيين إلى موقفٍ واحد، لكنها تشير إلى أثر الحرب في تضييق المسافة بين بعض التيارات بشأن نيّات أمريكا.


ظلّ الخلاف الإيراني على العلاقة مع أمريكا قائماً منذ الثورة سنة 1979. احتدم إبان أزمة الرهائن والحرب مع العراق، ثم اتخذ شكلاً جديداً مع حقبة حكم الإصلاحيين ومسار الاتفاق النووي. وشهدت المواقف داخل التيارات نفسها تغيّراً، فقد قبل محافظون التفاوض حين تولّوا الحكم، وشكك إصلاحيون في جدواه بعد الحروب الأمريكية. وظلت لدى أطرافٍ واسعةٍ في النظام حساسيةٌ مشتركةٌ من الإملاءات الخارجية، بينما اختلفت حساباتها عن التفاوض وشروطه وثمنه. وهذه المواقف مرشحة لمزيدٍ من التغيّر بحسب مسار الحرب والتسويات المقبلة.

بعد حربَي يونيو 2025 وفبراير 2026، أصبحت ثقة أطراف معسكرَي إيران الإصلاحي والمحافظ بأمريكا أصعب. وحتى نشر هذا المقال، لا تزال المحادثات الأمريكية الإيرانية لوقف الحرب متعثرةً، وسط مخاوف في إيران من تجدد الهجمات الأمريكية الإسرائيلية. فقد باتَ مستقبل العلاقة بين البلدين مرهوناً بقدرة الطرفين على التوصل إلى تفاهمٍ ينهي التهديد المتبادل.

اشترك في نشرتنا البريدية