المنتخب الفلسطيني يرسم خارطة وطنٍ مؤجّل

النجاحات الرياضية التي حققها المنتخب الفلسطيني مؤخراً قامت على جهود في استقطاب لاعبي الشتات، وساهمت في تقديم صورة لوطن فلسطيني يضم جميع عناصر الشعب.

Share
المنتخب الفلسطيني يرسم خارطة وطنٍ مؤجّل
ترسيخ الهوية الفلسطينية أمام التحديات | خدمة غيتي للصور

اختتم المنتخب الفلسطيني مشواره الكروي لسنة 2025 بأداءٍ لافتٍ. ففي بطولة "كأس العرب - فيفا 2025"، تجاوز دور البطولة الأول بفوز على المنتخب القطري، حامل لقب كأس آسيا، وتعادل مع منتخب تونس المتأهل لكأس العالم 2026، وآخر مع منتخب سوريا. وذلك قبل أن يودع البطولة بهزيمة أمام المنتخب السعودي – المتأهل لكأس العالم أيضاً – بهدفين مقابل هدف، في مباراة وصلت للأشواط الإضافية بعد تعادل الفريقين في الوقت الأصلي. ولم يقتصر التألق على المحفل العربي، فقد كان الفريق قاب قوسين من بلوغ الملحق الآسيوي المؤهل لنهائيات كأس العالم، لولا هدف التعادل الذي سجله المنتخب العماني في الدقائق الأخيرة من مباراة الفريقين. 

بدت هذه الإنجازات استثنائية في ظل الظروف التي يلعب فيها المنتخب. فالحرب التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة بداية أكتوبر 2023 دمَّرت البنى التحتية والملاعب في قطاع غزة، وأسقطت آلاف الرياضيين بين قتيل وجريح، وقيَّدت حركة اللاعبين، وعطّلت النشاط الكروي في كافة الأراضي الفلسطينية لأكثر من عامين. وفي هذه الظروف، مُنع لاعبو الفريق الوطني في الضفة والقطاع من الالتحاق بمباريات المنتخب، التي تناوبت عدة دول على استضافتها.

مرت كرة القدم الفلسطينية بعدة محطات من فترة الانتداب البريطاني، مروراً بالاحتلال الإسرائيلي، وحتى حرب السابع من أكتوبر 2023. كل مرحلة بتراكماتها القديمة وتحدياتها المستجدة، يجمعها ترسيخ الهوية الفلسطينية بالرياضة. وفي العقود الأخيرة، اعتمد المنتخب الوطني الفلسطيني في نجاحاته على لاعبين من أبناء المُهجَّرين الفلسطينيين. وينشط جل هؤلاء اللاعبين في المسابقات العربية والأوروبية، ويحملون جنسيات تلك البلدان. ومع ذلك، وفي سياق حرب الإبادة، قرروا الانضمام للمنتخب الفلسطيني تمسكاً بالهوية وتعبيراً عن المشاركة في النضال الوطني الفلسطيني. وتزامن هذا مع سعي الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم للبحث عن لاعبين من أصول فلسطينية في دول الشتات، يؤسس بهم المنتخب الوطني في ظل عجز لاعبي الداخل عن الانضمام إليه. 


سبقت فلسطين أكثر الدول العربية في تطوير إطار مؤسسي لكرة القدم في بدايات القرن العشرين. غير أن اللعبة لم تنتشر في فلسطين مثلما انتشرت في مصر ودول عربية أخرى وُجد فيها الجيش البريطاني، عن طريق الجنود. لكنها انتشرت من المدارس البريطانية في المدن الفلسطينية الرئيسة، مثل القدس ورام الله، بحسب تقرير نشره موقع "عربي بوست" سنة 2023 بعنوان "عمره أكبر من إسرائيل بـ40 عاماً [. . .] روضة المعارف أول فريق كرة قدم فلسطيني". 

تمأسس هذا النشاط سنة 1908 بتدشين مدرسة المطران القديس جورج في القدس فريقاً لكرة القدم، وتأسيس كلية المعارف فريق "روضة المعارف"، أول ناد تشرف عليه إدارة عربية فلسطينية خالصة. 

سرعان ما تحولت الرياضة إلى مجال تنافس بين العرب والجماعات الصهيونية الوافدة. فقد زاد الانتداب البريطاني على فلسطين، الذي بدأ رسمياً سنة 1920، هجرات اليهود الأوروبيين إلى فلسطين. ووفقاً لحذيفة حمزة في مقاله "اليهودي الفتي: كيف ساهمت منظمة رياضية صهيونية بتأسيس إسرائيل" المنشور سنة 2024 في الفراتس، أسس هؤلاء المهاجرون الأندية الرياضية في إطار مشروع "الفتوة اليهودية" الذي روج له مؤسسو الصهيونية وسيلةً لخلق "يهودي جديد" يافع وفتي وقادر على الإمساك بزمام أموره. وبهذا صارت الرياضة، وكرة القدم اللعبة الشعبية، أكثر من وسيلة ترفيه، إذ أصبحت مجالاً لإظهار القوة والتنظيم الوطنيين. 

سبقت الحركة الصهيونية العرب في تأسيس "الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم" سنة 1928، وكان يمثل الأندية اليهودية. وتقدم الاتحاد بطلب عضوية للاتحاد الدولي، واعترض العرب الفلسطينيون بسبب عدم تمثيله إياهم. وفي بحثه "فلسطين وعضوية الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا)" المنشور سنة 2013، يحكي المؤرخ الفلسطيني عصام الخالدي عن فشل مسعى الاتحاد الفلسطيني لاستقطاب بعض العرب تلبية لمطلب الاتحاد الدولي، وهو فشل لم يحل دون اعتراف الاتحاد الدولي به سنة 1929.

إزاء هذا الانحياز، أسس العرب "الاتحاد الفلسطيني الرياضي العربي" سنة 1931 ليكون ممثلاً لهم. وفي مقاله "فلسطين وكأس العالم: حين ساعد الفيفا الحركة الصهيونية على سرقة منتخب فلسطين" المنشور سنة 2022، يحكي محمد سليمان انحياز الاتحاد الدولي للحركة الصهيونية على نحوٍ تجلى في مشاركة "منتخب فلسطين" – التابع للاتحاد الفلسطيني المكون حصراً من يهود مهاجرين – في تصفيات كأس العالم سنتي 1934 و1938.   

ارتبط مسارا الاتحادين بالتطورات السياسية في العقود اللاحقة. أما الاتحاد الفلسطيني، فتحول اسمه سنة 1948 للاتحاد الإسرائيلي لكرة القدم واحتفظ بعضوية الاتحاد الدولي والآسيوي، قبل أن يُطرد من الاتحاد الآسيوي سنة 1974 لأسباب سياسية ورفض فرق آسيوية خاصةً عربية ومسلمة اللعب ضد إسرائيل. انضم الاتحاد الإسرائيلي للاتحاد الأوروبي بعدها بعقدين.

وأما الاتحاد العربي فيحكي الخالدي تعرقل مساره بسبب ثورة سنة 1936، التي اشتعلت ضد الانتداب والحركة الصهيونية وامتدت لسنة 1939، وأدت لإغلاق العديد من الأندية الرياضية واعتقال أعضائها. وذلك قبل أن يعاد تأسيس الاتحاد سنة 1944 مؤسسةً وطنية واسعة التأثير. من جهة، ساهم الاتحاد الفلسطيني العربي في صناعة المجال الوطني الرياضي، ووصلت عضويته في خريف سنة 1947 خمسة وخمسين نادياً، وفقاً لعصام الخالدي في مقاله "نشوء الأندية الرياضية في فلسطين" المنشورة سنة 2018. ومن جهة أخرى، وفقاً للخالدي أيضاً في بحثه "فلسطين وعضوية الاتحاد الدولي"، تحولت أنشطة الاتحاد والمنتخب وسائل للترويج للقضية الفلسطينية والتعريف بها في المحيط العربي. وحاول الانضمام للاتحاد الدولي مرتين سنتي 1946 و1947، إلا أن طلبه رُفض. وبعد النكبة سنة 1948، هُمش الاتحاد العربي وتشتت أعضاؤه، ليحاول الانضمام للاتحاد الدولي مجدداً سنة 1951، إلا أن الاتحاد الدولي تجاهل طلبه هذه المرة.

أعيد تأسيس النشاط الكروي الفلسطيني من أسفل تحت الاحتلال وفي ظل ظروف التهجير ما بعد النكبة. ففي خمسينيات القرن العشرين وستينياته، ظهرت داخل تجمعات اللاجئين في المخيمات التي أسستها وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" فرق تحمل أسماء مخيماتها. منها فريق "خدمات الشاطئ" الذي ظهر سنة 1951 في مخيم الشاطئ للاجئين غرب مدينة غزة، و"خدمات رفح" سنة 1953 و"خدمات خانيونس" سنة 1958، وكلاهما جنوبي قطاع غزة. وبالتوازي، شهدت الضفة الغربية ولادة فرقٍ في مخيماتها مثل "شباب بلاطة" سنة 1952 في مخيم بلاطة للاجئين المتاخم لمدينة نابلس شمال الضفة، و"شباب الأمعري" في مخيم الأمعري ضمن محافظة رام الله سنة 1957. 

سرعان ما حاول الفلسطينيون تأسيس اتحاد للكرة يضم هذه الأندية وينظم مسابقاتها ويمثل فلسطين في المؤسسات الدولية. فتأسس الاتحاد في غزة سنة 1962، وتقدم في السنة التالية بطلب عضوية للاتحاد الدولي. ويشير مهند دلول في بحثه "كرة القدم في قطاع غزة.. النشأة والتطور (1918-2025)" المنشور سنة 2025، إلى رفض الاتحاد الدولي الاعتراف بهذا الاتحاد الناشئ بسبب عدم وجود دولة فلسطينية معترف بها. ويرصد استمرار العوائق السياسية والمؤسسية التي حالت دون تأسيس مسابقات كروية محلية أو منتخب وطني فلسطيني ثلاثة عقود حتى توقيع اتفاقيات أوسلو للسلام سنة 1993.

فتح توقيع الاتفاقية فصلاً جديداً في تاريخ الكرة الفلسطينية. ففي السنة التالية، تشكلت السلطة الوطنية الفلسطينية في غزة وبعض الضفة الغربية سلطة حكم ذاتي. وسنة 1996، انتُخب اتحاد فلسطيني جديد لكرة القدم، ومن ثم نظم مسابقة الدوري المحلية وشكَّل المنتخب الوطني الفلسطيني، الذي شارك في المباريات الدولية بعد انضمام فلسطين لعضوية الاتحادين الآسيوي والدولي سنة 1998. وسرعان ما نشط المنتخب الفلسطيني في المسابقات الدولية حاملاً قضيته الوطنية ومساهماً في تعزيز الانتماء الوطني الفلسطيني. 


صيف 1998 لعب المنتخب مباراته الأولى في دورة الألعاب العربية أمام لبنان، وخسرها بثلاثة أهداف مقابل هدف واحد، قبل أن يودع التصفيات بعد هزيمة أخرى أمام المنتخب السوري وتعادل مع الأردن. ثم عاد المنتخب في السنة التالية إلى البطولة نفسها محققاً إنجازاً تاريخياً. إذ سجّل فوزه الأول في التاريخ على حساب منتخب الإمارات، واستمر في تقديم نتائج متميزة حصل بها على المركز الثالث. 

في خريف سنة 2000، اندلعت الانتفاضة الفلسطينية الثانية، وشددت إسرائيل عملياتها العسكرية في الأراضي الفلسطينية، فألقى هذا بظلاله على المستوى الفني للمنتخب. في بحثه "الرياضة الفلسطينية في قرن: أية علاقة مع السياسة؟" المنشور سنة 2023، يرصد إبراهيم ربايعة من جامعة بيرزيت بعض آثار هذا الوضع، وعلى رأسها قطع التواصل بين الضفة وغزة وإغلاق المعابر ومنع التجول، التي صعبت انتظام النشاط الكروي. 

استمر التراجع إلى سنة 2008، حين تولى الفريق جبريل الرجوب - الرئيس السابق للأمن الوقائي التابع للسلطة الفلسطينية حتى سنة 2002 - قيادة المنظومة الرياضية ورئاسة المجلس الأعلى للشباب والرياضة والاتحاد الفلسطيني لكرة القدم واللجنة الأولمبية. وقد أعاد ذلك إحياء الآمال وساهم في تثبيت حضور "الفدائي" الدائم في نهائيات كأس آسيا والمحافل العربية، كما يبين أشرف مطر، رئيس الاتحاد الفلسطيني للإعلام الرياضي، في تصريحاته للفراتس.

كان للمنتخب دورٌ مهمٌ في ترسيخ الهوية الوطنية لشعب مقسَّم بين غزة والضفة والداخل والشتات. ويؤكد مطر أن المنتخب الفلسطيني نجح فيما عجزت عنه السياسة من تمثيل الفلسطينيين كافة، وصار "الحيز الوحيد الذي جمع الكل في منظومة واحدة، إذ يضم لاعبين من قطاع غزة والضفة الغربية والقدس والداخل المحتل، جنباً إلى جنب مع محترفين من دوريات أوروبا وأمريكا الجنوبية والشتات". ويعزو هذا النجاح لقدرة الاتحاد الفلسطيني على إدارة شؤون اللعبة في ظل واقع سياسي منقسم منذ سنة 2007، حين سيطرت حركة حماس على قطاع غزة، وحفاظه على وحدة المنظومة الرياضية، وضمان تواصل الأندية واللاعبين بين غزة والضفة، وتوحيد الانتماء الوطني تحت لواء المنتخب.

لم يقتصر الوجود على الساحات الدولية على المنتخب، بل شهد النشاط الكروي الفلسطيني في هذه السنوات تطوراً ملحوظاً. تجلى ذلك، وفق مطر، في طفرة في الأكاديميات الكروية بقطاع غزة والضفة الغربية، التي نجحت في بناء توأمة مع أندية عربية وأوروبية عريقة. مثلاً، أسست وكالة الغوث "أونروا"، بالتنسيق مع مؤسسة نادي ريال مدريد الإسباني، عدداً من أكاديميات كرة القدم في القطاع سنة 2012. ووقَّعت أكاديمية "تشامبيونز" الرياضية الخاصة في قطاع غزة سنة 2020 اتفاقية مع شركة دولية لترويج لاعبيها خارج فلسطين. 

غير أن هذا النجاح الرياضي اصطدم بحرب السابع من أكتوبر سنة 2023. فمع بدء الحرب الإسرائيلية، حوصر القطاع ومُنع اللاعبون من مغادرته. وحسب وكالة صفا الفلسطينية، قُتل في الحرب على قطاع غزة حتى الأول من فبراير 2026 ما لا يقل عن  427 من الرياضيين البارزين، معظمهم لاعبو كرة قدم في دوري قطاع غزة.


فرضت الحرب على المنتخب الفلسطيني ظروفاً جديدة. من جهة، منع حصار غزة لاعبيه فيها من الانضمام إليه في معسكراته، وساهم توقف النشاط الرياضي في تقليص الدائرة التي يختار منها المنتخب لاعبيه. ومن جهة أخرى، فتحت باب تضامن دولي واسع مع الفلسطينيين، شارك فيه فلسطينيو الشتات في أوروبا والولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية، وتوطدت علاقاتهم بالوطن، وانفتح باب انضمام لاعبي الكرة منهم للمنتخب الفلسطيني.

على هذا، لم يكن وجود اللاعبين الفلسطينيين في الدوريات العربية والأوروبية جديداً. فمنذ السبعينيات على الأقل، ظهر عدد من اللاعبين الفلسطينيين في الدوري المصري، كان أبرزهم مروان كنفاني، شقيق الأديب الفلسطيني غسان كنفاني ولاحقاً عضو المجلس التشريعي الفلسطيني. وأيضاً مصطفى نجم المولود في مخيم الشاطئ في غزة. ثم في الأجيال اللاحقة عماد أيوب ورمزي صالح، وكلاهما لعبا في النادي الأهلي، وصولاً لعدد من نجوم الدوري المصري في السنوات الأخيرة على رأسهم وسام أبو علي ومحمد وادي ومحمد صالح وحامد حمدان وعدي الدباغ وآدم كايد.

وتشير أرقام  الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم لوجود خمسة وثلاثين محترفاً في الملاعب العربية، إضافة لأربعة عشر لاعباً في الدوريات الأوروبية والأمريكية واللاتينية بمستوياتها المختلفة. وهي نسبة قد لا تكون غريبة بالنظر لوجود أكثر من خمسة عشر مليون فلسطيني حول العالم، يعيش أكثر من نصفهم خارج فلسطين ويصنف غالبيتهم تحت بند "فلسطينيو الشتات"، بحسب إحصاء الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني في 2025.

أما الجديد فالاعتماد على هؤلاء اللاعبين في المنتخب الفلسطيني. بدأ هذا الاعتماد في الأزمة الأولى التي واجهت نشاط الكرة في فلسطين أثناء الانتفاضة الثانية. وقتها، وبحسب إبراهيم ربايعة في بحثه "الرياضة الفلسطينية"، اعتمد المنتخب الفلسطيني في كأس العرب على لاعبي نادي بالستينو (أي فلسطيني بالإسبانية) الذي يلعب في الدوري التشيلي. تجدد هذا الأمر في السنوات الأخيرة، التي لم يعد الاعتماد على اللاعبين المحليين فيها ممكناً بسبب الحرب. بل صار الاعتماد، وفقاً لمطر، على المواهب من أصول فلسطينية من قارات العالم الخمس، لا من بلد واحد كالسابق. في البطولة العربية مثلاً، تشكل المنتخب الفلسطيني من ثلاثة وعشرين لاعباً، منهم واحد فقط يلعب في دوري الضفة الغربية الممتاز، هو مهدي عاصي، حارس المرمى البديل لنادي مؤسسة البيرة. 

وتتعاضد عدة عوامل لجذب هؤلاء للمنتخب الفلسطيني. منها المبادرات الأهلية لرصد اللاعبين الفلسطينيين في المسابقات الدولية واستقطابها الموهوبين منهم للانضمام للمنتخب، وذلك "بوضع الكرة في ملعب الاتحاد الفلسطيني"، كما يشير للفراتس محمد الأخرس، الإعلامي الرياضي والنشط ضمن هذه المبادرات. ويضيف بأن هذا يكون بفتح قنوات اتصال مع اللاعبين المغتربين وعائلاتهم، وجمع بيانات فنية متكاملة لتزويد الاتحاد بها، الذي يقدم العروض الرسمية لتمثيل المنتخب الوطني بناءً على الاحتياجات الفنية. ويرصد الأخرس زيادة عدد اللاعبين الفلسطينيين في الدوريات العربية بعد توقف النشاط الرياضي المحلي، الذي دفعهم للبحث عن آفاق جديدة في الدوريات الأردنية والخليجية والليبية والمصرية، ما ساهم في الحفاظ على مستوياتهم الفنية والبدنية. 

تزامن هذا مع تطور الإدارة الرياضية للمنتخب. إذ انتقل وفقاً لمطر من مرحلة الهواة إلى مرحلة الاحتراف، في ظل توفر جهاز فني ورؤية تحليلية دقيقة في اختيار اللاعبين بناءً على احتياجات المراكز الفنية والحفاظ على التناغم الفني ما بينهم. وهو ما ظهرت آثاره في بطولة كأس العرب 2025.


اهتمام الاتحاد الفلسطيني باستقطاب لاعبي الشتات قابله اهتمام من هؤلاء بالانضمام للمنتخب. يشدد الأخرس على ميل الكثير من اللاعبين المولودين في المهجر لتمثيل فلسطين بدافع الحفاظ على الهوية الفلسطينية. مثلاً، بدأ اللاعب بيروفي المولد فلسطيني الأصل، إيميلو سابا، رحلته مع كرة القدم في أندية بيرو، قبل أن ينضم لمنتخب الناشئين هناك سنة 2020. ولعب مباراته الأولى سنة 2023. سنة 2025، تواصل معه الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم، فاختار المنتخب الفلسطيني على البيروفي، قائلاً إنه سعيد بتمثيل بلد والده الفلسطيني. 

وبالقرب من مدينة غرناطة جنوبي إسبانيا تعيش عائلة الترك ذات الأصول الفلسطينية. وُلد الأب جودت الترك في سبعينيات القرن العشرية في غزة، حيث لعب كرة اليد وحراسة المرمى في كرة القدم في ظل تضييق فرضته إسرائيل، قبل أن يهاجر إلى إسبانيا. وفي موطنه الجديد، حصل على تدريبات مكثفة لحراسة المرمى مع الاتحاد الإسباني لكرة القدم. وُلد لجودت ولدان: عرفات وريان، وقد ورثا عنه حراسة المرمى، ودربهما حتى وصلا مرحلة الاحتراف. إذ يلعب عرفات مع نادي "نوفا ستار" في مدينة الشارقة الإماراتية، بينما انضم شقيقه ريان لفريق الناشئين في نادي غرناطة.

لم تغب فلسطين عن الولدين في رحلتهما الرياضية. فأبوهما، كما ذكر في حديثه مع الفراتس، ربّاهما على حب الكرة وزرع فيهما الوطن فلسطين. كذلك علَّمهما أن الرياضة ليست محض منافسة داخل الملعب، بل أخلاق وهوية "ورسالة لفلسطينيِّي الغربة". ويصر على ارتباطهما بفلسطين في مسارهما الرياضي، وهو إصرار أثمر انضمام ريان لمنتخب الناشئين سنة 2025، بعد انضمام شقيقه الأكبر لمنتخب الشباب.

حتى خارج الملعب، لم ينس اللاعبان انتماءهما الفلسطيني. لعب ريان لفريق غرناطة ست سنوات وحقق بطولات محلية عديدة. لكنه أحدث ضجة إعلامية عندما تعرض لتمييز من مدربه. إذ رفض حذف صورة له بالعلم الفلسطيني من حسابه الشخصي على تطبيق إنستغرام، فاستبعده المدرب من اللعب وواجه تعليقات عدائية من بعض الجماهير والأحزاب اليمينية المحلية.

رفعت العائلة دعوى قضائية لا تزال منظورة أمام القضاء الإسباني. ويدعم جودت ابنه في هذه القضية التي يراها سبيلاً للدفاع عن فلسطين وعن مستقبل اللعبة، ولزرع حب فلسطين وتوريثه في نفوس الأجيال القادمة

تتلاقى هذه الرغبة مع حرص القائمين على الكرة الفلسطينية تحقيق أفضل نتائج على الساحة الدولية انتصاراً للقضية الوطنية. ومن هنا يؤكد القائد التاريخي للمنتخب الفلسطيني والمدرب المساعد السابق للمنتخب، صائب جندية، أهمية الاعتماد على لاعبي الشتات. ويعتبر ذلك المسار الصحيح بعد حرب الإبادة 2023 التي عطَّلت النشاط الكروي المحلي كاملاً. يرى جندية، وهو ابن حي الشجاعية شرقي مدينة غزة، ضرورة السعي لإحياء النشاط الكروي في الأراضي الفلسطينية، مع الاستفادة من تعاطف أبناء المهاجرين الفلسطينيين ورغبتهم في الانضمام للمنتخب، ومن الزخم الإعلامي العربي. 

ويثمن جندية في حديثه للفراتس دعم الاتحادات والأندية العربية للمنتخب الفلسطيني. فيذكر موقف النادي الأهلي المصري الذي أعار معدَّه البدني، طه نوح، للجهاز الفني للمنتخب الفلسطيني في بطولة كأس العرب 2025. ويشيد بتوفير الملاعب البديلة للمنتخب طوال فترة الحرب. وكذلك بلوائح اللاعب المحلي التي اعتمدتها اتحادات عربية مختلفة كالليبي والمصري، التي تقضي بمعاملة اللاعب الفلسطيني معاملة المحلي. وقد فتحت هذه اللوائح الباب أمام مشاركة واسعة للاعبين الفلسطينيين في هذه المسابقات، مما زاد احتكاكهم بمستويات فنية مرتفعة، فتقدمت مستوياتهم. 


لا يقتصر النشاط الكروي الفلسطيني على الإطار الرسمي والمؤسسي. فإذا كان المنتخب يتشكل من لاعبي الشتات والنشاط الكروي الداخلي المتوقف، فثمة محاولات لإبقاء الكرة حية في الضفة الغربية وغزة، حيث انطلقت مبادرة لإعادة إحياء بطولات كرة القدم. في غزة مثلاً، نظمت جمعية قدامى الرياضيين دورة كروية رمضانية سنة 2026 للأندية المحلية، سلطت الضوء على معاناة الرياضة والرياضيين وخطت خطوة نحو عودة الحياة للرياضة. ويأمل القائمون على النشاط الكروي في الأراضي الفلسطينية أن يكون للمؤسسات الكروية نصيب من إعادة الإعمار بعد تدميرها في الحرب، خاصة بعد حضور رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم جياني إنفانتينو قمة شرم الشيخ للسلام في أكتوبر 2025، وحديثه عن اشتراك الاتحاد الدولي في إعادة إعمار الملاعب بالتعاون مع الاتحاد الفلسطيني، وإطلاق صندوقٍ للمساهمة في إعادة تشييد البنية التحتية الكروية في فلسطين.

وسواءً كان الاتجاه الكروي الفلسطيني رسمياً أم مبادرات محلية، يظل جزءٌ كبيرٌ منه امتداداً لجهود رياضية من زمن الانتداب البريطاني حتى اليوم حاولت ترسيخ الهوية الفلسطينية أمام تحديات جمة لطالما هددت بقاءها.

اشترك في نشرتنا البريدية