انقسام متصاعد.. نهاية الإجماع اليهودي حول إسرائيل

مع تصاعد الحروب لم تعد إسرائيل امتداداً لهوية كثير من يهود أمريكا، وأصبحت قضية سياسية وأخلاقية محل جدل متصاعد.

Share
انقسام متصاعد.. نهاية الإجماع اليهودي حول إسرائيل
لم يعد الصوت اليهودي متجانساً | خدمة غيتي للصور

تجمع الآلاف في مدينة نيويورك في نهاية مارس 2026 تحت لافتات "لا ملوك"، يهتفون "لا للحرب [. . .] الحرية لفلسطين". وكان من بين الحضور نشطاء يهود ينادون بوقف الحرب ضد إيران، معبرين عن غضبهم على نظام ترامب وأموال الضرائب الموجهة لدعم ما وصفوه بالإبادة الجماعية في فلسطين. يضاف لذلك، رفضهم سياسات الهجرة وانتقادهم ارتفاعَ أسعار الوقود نتيجة استمرار حرب إيران. وقد ذكرت حركة "لا ملوك" المنظِّمة للتجمعات أنها حشدت ثمانية ملايين متظاهر على الأقل في ذلك اليوم بمختلف الولايات الأمريكية وبعض الدول الأخرى.

جاءت هذه المظاهرات امتداداً لعشرات مثلها في السنوات الأخيرة، لاسيما منذ اندلاع حرب غزة في أكتوبر 2023. وشهدت حضوراً ملحوظاً وانخراطاً تنظيمياً لنشطاء يهود، خصوصاً من تيارات يسارية مثل "جويش فويس فور بيس" (الصوت اليهودي للسلام). شارك هؤلاء أيضاً في أعمال إضراب مدني واعتصامات داخل مؤسسات حكومية وفي أماكن رمزية في نيويورك وواشنطن، ورفعوا شعارات مثل "ليس باسمنا" تنصلاً من ربط السياسات الإسرائيلية بالهوية اليهودية، ومطالبين بوقف الدعم العسكري الأمريكي لتل أبيب.

لم يعد الصوت اليهودي في الولايات المتحدة كتلة واحدة تتحرك في اتجاه واحد. في الشارع نشطاء يهتفون ضد إدارة ترامب وأعمال إسرائيل في مقابل التيار التقليدي المتمسك بدعم إسرائيل جزءاً من هويته السياسية. وهذا الانقسام ليس طارئاً، فقبل نشأة إسرائيل ولغاية حرب 1967 حاولت تيارات يهودية أمريكية الفصل بين ديانتها والصهيونية والتركيز على الاندماج في مجتمعها المحلي. تغير الأمر بعد الحرب، وبدأ يتشكل إجماع واسع داخل المجتمع اليهودي الأمريكي لدعم إسرائيل وتقديمها حليفاً استراتيجياً للولايات المتحدة. وفي التسعينيات مع اتفاقيات أوسلو بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، بدا هذا الدعم متوافقاً أيضاً مع خطاب السلام. واستمر هذا التماسك النسبي حتى مطلع الألفية، قبل أن تبدأ ملامحه بالتآكل تدريجياً، لتأتي حرب غزة ثم حرب إيران مواصلةً تفكيك هذا التوحد.


أسهمت الموجات الكبرى من الهجرة اليهودية للولايات المتحدة، خاصةً القادمة من أوروبا الشرقية بين أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، في تكوين مجتمع يهودي ومؤسسات وجماعات ضغط تصاعَد نفوذها في الولايات المتحدة مع الأجيال اليهودية اللاحقة.

فقد تعرَّض اليهود في أوروبا عبر تاريخهم لموجات من الاضطهاد الديني والاجتماعي، شملت الطرد الجماعي من مدن وممالك أوروبية عديدة، وفرض قيود على السكن والعمل والملكية. وفي العصور الوسطى، ارتبط استهداف اليهود باتهامات دينية متكررة، مثل "قتل الأطفال طقسياً" (فرية الدم). كذلك في تلك الفترة كان لاضطهاد اليهود طابعٌ مؤسسيٌّ في بعض مناطق أوروبا. مثال ذلك محاكم التفتيش في شبه الجزيرة الأيبيرية، التي أثَّرت أعمالها في أنماط التمييز ضد اليهود حتى العصور اللاحقة. 

في أوروبا الشرقية، وتحديداً داخل الإمبراطورية الروسية، تعرَّض اليهود لسلسلة من الأحداث اتخذت أشكالاً متعددة من القتل والتدمير. كان منها، إن لم يكن أهمها، موجة اعتداءات بدأت عقب اغتيال القيصر ألكسندر الثاني سنة 1881، وسرت شائعات تتهم اليهود بالضلوع فيه. حرَّضت الشائعات حشوداً من السكان في مئات المدن على مهاجمة اليهود وتدمير ممتلكاتهم وتهجير بعضهم والتعدي على نصوصهم وأماكنهم الدينية. عُرفت هذه الهجمات باسم "البوغرمات"، وتعني "المذابح"، وقد تصاعدت في 1903 وحينها قتل وأصيب مئات من اليهود دون تدخل من السلطات أو محاسبة المسؤولين.

وفي السنوات التالية، خاصةً بين 1903 و1906، أصبحت الاعتداءات شائعة ومدعومة بسياسات معادية اليهودَ سمحت الدولة باستمرارها، سواء بتحريض بعض المسؤولين أو بالتقاعس عن وقفها. وامتدت هذه الموجات في أرجاء الإمبراطورية الروسية، مثل أوكرانيا الحالية، وهناك وقعت مذابح أبرزها "مذبحة كيشينيف" سنة 1903، بالإضافة إلى اضطرابات وأعمال شغب دامية في مدن مثل أوديسا وكييف. ولم تقتصر هذه الممارسات على روسيا، وامتدت إلى دول أخرى مثل بولندا وألمانيا.

مع اندلاع الاضطرابات الكبرى بعد الثورة البلشفية في 1917، دخلت هذه الاعتداءات مرحلة دموية أخرى، إذ قتلَت الجيوش والقوميون والمجموعات المسلحة في أوكرانيا عشراتِ الآلاف من اليهود. 

بلغت هذه الموجات ذروتها في "الهولوكوست" (المحرقة النازية) أثناء الحرب العالمية الثانية. وشملت الإبادة فيها وسائلَ متنوعة، من معسكرات الاعتقال والإبادة مثل "أوشفيتز" في بولندا، إلى الإعدامات الجماعية بالرصاص في أوروبا الشرقية. واختلفت التقديرات عن عدد من قُتل من اليهود في الهولوكوست، بين من نفاها أو حصرها بمئات الآلاف. مثل الفيلسوف الفرنسي روجيه غارودي في كتابه "لي ميث فونداتور دو لا بوليتيك إسرائيليان" (الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية) الصادر سنة 1996، الذي حصر عدد الضحايا بمئات الآلاف وحوكم على إثره سنة 1998 بتهم معاداة السامية. وبين آخرين قدَّروا العدد بالملايين، فصار هو النهج الغالب في العالم الغربي. ومن أبرز الدراسات المؤسسة لهذا النهج كانت كتاب المؤرخ راؤول هيلبيرغ "ذه ديستركشن أوف يوربيان جوز" (تدمير يهود أوروبا) الصادر سنة 1961، الذي وضع الرقم ما بين خمسة ملايين إلى ستة ملايين. ويعتمد الإحصاء على تقصي أرشيفات المعسكرات والقطارات النازية أثناء الحرب، أو بمقارنة التعداد السكاني لليهود قبل الحرب وبعدها. 

هكذا جاءت الهجرة اليهودية إلى أمريكا مدفوعة بجزء كبير منها بالاضطهاد الديني وتقييد أعمال الشعائر الدينية أو الطرد من دول المنشأ. ووصل اليهود للقارة الأمريكية على ثلاث موجات من الهجرة، بدايتها سنة 1654 قبل الاستقلال الأمريكي. 

استقبلت حينها الولايات المتحدة يهوداً قادمين من إسبانيا والبرتغال هاربين من محاكم التفتيش. وبحلول الثورة الأمريكية في أواخر القرن الثامن عشر، وهي الحرب التي خاضتها المستعمرات البريطانية في أمريكا في الفترة ما بين 1775 و1783 ضد الحكم البريطاني وانتهت بإعلان استقلال الولايات المتحدة وتأسيسها، ظل عدد اليهود في الولايات المتحدة محدوداً، وقدر بنحو ألفين وخمسمئة شخص.

جاءت الموجة الثانية من الهجرة في الفترة ما بين 1820 و1880 وضمت يهوداً من ألمانيا ومن وسط أوروبا، عانوا إلى جانب التمييز الديني من أزمات اقتصادية. وتعتبر تلك الموجة بداية التوسع للوجود اليهودي في أمريكا، وقد وصل عددهم نحو مئتين وخمسين ألفاً.

أما الموجة الثالثة، فجاءت في الفترة ما بين 1880 و1924، وكان العديد من هؤلاء المهاجرين أكثر تمسكاً بالتقاليد الدينية. وبحلول سنة 1924، بلغ عدد اليهود في الولايات المتحدة نحو ثلاثة ملايين ونصف. وأسهمت هذه الموجة في إثراء التنوع الثقافي وانخرط قطاع كبير من المهاجرين في أعمال الصناعة والاقتصاد داخل المجتمع الأمريكي. بدأ اليهود الانخراط في سوق العمل الصناعي في الولايات المتحدة، وعملوا في الورش والمصانع المختلفة. ومع استقرارهم بدأوا في تنظيم أنفسهم عبر النقابات لتحسين الأجور وساعات العمل وظروفه. وأسسوا شبكات من المؤسسات الاجتماعية والثقافية والدينية دعمت اندماجهم واستقرارهم، وحققوا نجاحات ملموسة.

على هذا لم تكن أبواب الولايات المتحدة حينها مشرعةً تماماً في وجه هجرة يهود أوروبا. فالمناخ السياسي المعادي الهجرةَ خلال الكساد الكبير في سنوات الثلاثينيات وتصاعد نزعة العزلة السياسية، علاوةً على نظام حصص المهاجرين، ساهم في تقليل عدد اليهود الذين حصلوا على تأشيرات دخول للبلاد. وذلك حتى في ذروة التهديد النازي بين 1933 و1945. 

ومع تدمير النازيين جزءاً كبيراً من المجتمعات اليهودية في أوروبا أثناء الحرب العالمية الثانية، انتقل مركز الثقل القيادي إلى يهود الولايات المتحدة. إذ أصبحت مجتمعات يهود أمريكا بحلول 1945 المركز الأهم لليهود عالمياً من حيث العدد والنفوذ والثروة. وقد ساهم تخفيف أمريكا تدريجياً من القيود على هجرة اليهود لها، مدفوعةً بضغط دولي وإنساني ردة فعلٍ على الهولوكوست وأزمة الناجين منها، فاستقبلت موجات من اللاجئين الجدد.

ومع هذا المسار، انتقل جزء كبير من اليهود في الولايات المتحدة إلى موقع أكثر استقراراً وأصبحوا تدريجياً من الفئات ذات الدخل المرتفع. 

مع تأسيس إسرائيل سنة 1948، أصبحت الدولة الجديدة محوراً لهوية شريحة من اليهود الأمريكيين، وإن تحفظ على الموقف من الدولة الناشئة شرائح يهودية أخرى. فظهرت بالتالي بنية مجتمعية تركز على دعم إسرائيل داخل الولايات المتحدة، وجعلها أحد أقطاب السياسة الخارجية لأمريكا. نمى هذا الموقف تماسكاً وإجماعاً مع بوادر حرب 1967 والسنوات التي تلتها.


قبل قيام إسرائيل لم يكن المجتمع اليهودي الأمريكي موحداً في دعمه المشروعَ الصهيوني. إذ كان هناك تيار يرى أن اندماج اليهود في المجتمع الأمريكي يجب أن يكون أولوية، وأن دعم إقامة دولة يهودية قد يثير الشكوك في ولائهم الوطني. في مقابل تيار يدعم إنشاء وطن قومي لليهود.

منظمات يهودية مثل اللجنة اليهودية الأمريكية المعنية بالدفاع عن حقوق اليهود وتعزيز اندماجهم في المجتمع الأمريكي، رأت المشروع الصهيوني تهديداً محتملاً لاندماج اليهود في المجتمع الأمريكي. وبعد ما شهده اليهود من اضطهاد في أوروبا بلغ ذروته في الهولوكوست، بدأ الاتجاه يميل تدريجياً لصالح دعم إقامة الدولة. خصوصاً بعدما برزت فكرة الدولة اليهودية حلاً عملياً لمشكلة اللاجئين اليهود في أوروبا، ما عزز التعاطف والدعم داخل الأوساط اليهودية الأمريكية.

وفي 29 نوفمبر 1947، صوتت الأمم المتحدة لصالح تقسيم فلسطين إلى دولتين، يهودية تحتل 56 بالمئة من الأراضي وتحوى الأقلية اليهودية، وعربية تشكل فقط 44 بالمئة من فلسطين وتحوي الغالبية العربية الفلسطينية. وهو القرار الذي رفضه الفلسطينيون وثاروا ضده. ومن ثم في 14 مايو 1948 أعلن ديفيد بن غوريون، أول رئيس وزراء لإسرائيل وأحد أبرز قادة الحركة الصهيونية، قيام دولة إسرائيل. وكان سبق ذلك وتزامن معه مجازر وحملات تهجير لغالبية الفلسطينيين من قراهم وبلداتهم فيما بات يُعرف بالنكبة، نفذتها الجماعات الصهيونية المسلحة.

على هذا، ظل الانقسام بين يهود الولايات المتحدة على إسرائيل والصهيونية قائماً. فمثلاً ظهرت أصوات نقدية مثل الصحفي ويليام زوكِرمان، الذي عرَّف نفسه بأنه مؤيد لإسرائيل وفي الوقت نفسه ضد القومية، محذراً في عدة مقالات منذ نهاية الأربعينيات حتى وفاته سنة 1961، من أن التحول نحو القومية اليهودية قد يدفع اليهود إلى تبني أعمال تتعارض مع قيمهم. كذلك انتقد في مقال سنة 1950 تجاهل معاناة اللاجئين الفلسطينيين. ناهيك عن أن الخوف من اتهامات الولاء حصر الدعم من أنصار قيام إسرائيل في بدايته بين الاعتبارات الدينية والأخلاقية، التي تأثرت حينها بالثقافة الأمريكية البروتستانتية. وهذا وفقاً لكتاب "أمريكان جودييزم هيستوري" (تاريخ اليهودية في الولايات المتحدة) الصادر سنة 2004 للمؤرخ الأمريكي جوناثان سارنا، أستاذ التاريخ اليهودي في جامعة برانديز.

هذا التذبذب في المواقف بدأ يتقلص في الفترة التي سبقت حرب الأيام الستة سنة 1967، وصار دعم دولة إسرائيل من اليهود داخل أمريكا يتسع تدريجياً. اندلعت الحرب بعدما نفذت إسرائيل ضربات جوية مفاجئة دمرت جزءاً كبيراً من سلاح الجو المصري، قبل أن تمتد العمليات إلى جبهات متعددة، خصوصاً في سوريا. وفي ستة أيام فرضت إسرائيل سيطرتها على صحراء سيناء وقطاع غزة والقدس الشرقية والضفة الغربية ومرتفعات الجولان السورية. 

سبقت الحربَ حالةٌ من القلق بين اليهود من احتمال تعرض إسرائيل لهزيمة تهدد وجودها. ويشير المؤرخ الإسرائيلي توم سيغيف في كتابه "ذه سيفينث ميليان [. . .]" (المليون السابع: الإسرائيليون والهولوكوست) الصادر سنة 1993، أن فترة التوتر ما قبل الحرب عززت عند إسرائيليين كُثر شعوراً بأن إبادة أخرى كانت على وشك أن تحدث. وقد عمق السياسيون هذا الشعور وشوهد حاخامات وهم يحضرون أراضيَ في حدائق عامة مقابرَ في حال اندلعت الحرب. لكن العسكريين وعلى رأسهم وزير الدفاع موشيه ديان كانوا يدركون أن الجيش الإسرائيلي كان متفوقاً قدرةً على الجيوش العربية، رغم التفوق العددي لهذه الجيوش، وأن لا تهديدَ وجودياً على إسرائيل.

أقلقَ هذا الوضعُ كثيراً من اليهود الأمريكيين، فكانت ردة فعل كثير منهم تحشيداً وحملات دعم وجمع تبرعات لإسرائيل، بل وتطوع بعضهم في صفوف الجيش الإسرائيلي. في هذا السياق، يشير آلان ديرشويتس، المحامي الأمريكي وأبرز الأصوات المساندة إسرائيلَ والصهيونية، في كتابه "ذا كيس فور إزرائيل" (في الدفاع عن إسرائيل) الصادر سنة 2003، بأن الفترة التي سبقت الحرب هي ما أشعره بيهوديته. والحرب عنده، مثل كثير من معاصريه من اليهود الأمريكيين، كانت دفاع إسرائيل عن نفسها أمام إبادة على غرار الهولوكوست كادت أن تحدث.

ومع انتهاء الحرب بسيطرة إسرائيل على أراضٍ عربية شاسعة، انتقل كثير من اليهود داخل الولايات المتحدة من دعم حذر إلى دعم أكثر وضوحاً واتساعاً. ويشير هنا الصحفي الأمريكي اليهودي جيه جيه غولدبيرغ في كتاب "جويش بوَر [. . .]" (الأنفة اليهودية: داخل المؤسسة اليهودية الأمريكية) سنة 2006، بأن انتصار إسرائيل في حرب الأيام الستة، وإن غمر كثيراً من الأمريكيين اليهود بالنشوة، لم يخفف من مخاوفهم على مستقبل إسرائيل ووجودها. وقد فتح ذلك المجال لاستثمار مالي وسياسي أكبر لمساندة إسرائيل في الولايات المتحدة. 

بهذا أدى الانتصار العسكري السريع لإسرائيل سنة 1967 إلى تغييرٍ كبيرٍ في صورتها خليطاً من الفخر بقدرتها العسكرية والتخوف من التهديدات التي تحيق بها. وبدا أن مخاوف ازدواج الولاء بدأت بالتراجع وأصبحت القضية الإسرائيلية جزءاً من الهوية لشرائح واسعة من اليهود الأمريكيين. وكان تركيز هذه الشرائح سابقاً ينحصر على البعد الاقتصادي والاجتماعي في الولايات المتحدة. 


تكشف بيانات استطلاعات الرأي ثباتاً لافتاً في اتجاهات الرأي العام الأمريكي عن إسرائيل منذ حرب 1967. فقبل اندلاع الحرب وفي أيامها الأولى، أظهر استطلاع لمؤسسة "غالوب" نشره مركز "بيو" في 2007 أن 45 بالمئة من الأمريكيين كانوا يميلون إلى التعاطف مع إسرائيل، في مقابل 4 بالمئة فقط مع الدول العربية.

وبعد ست سنوات مع حرب 1973، بين مصر وسوريا من جهة، وإسرائيل من جهة أخرى، لم تتغير هذه النسب كثيراً. فوفقاً لمركز بيو، في الفترة من 1973 وحتى نهاية الثمانينيات، شهدت هذه المواقف بعض التذبذب. ارتفعت نسبة المتعاطفين مع الدول العربية إلى نحو 9 بالمئة سنة 1977 تزامناً مع زيارة الرئيس المصري أنور السادات إلى إسرائيل.

تراجع دعم إسرائيل إلى 34 بالمئة في مارس 1978 عقب اجتياحها جنوب لبنان، قبل أن يعاود الارتفاع مع تقدم مسار السلام مع مصر. وقابله زيادة في التعاطف مع العرب بنسبة 13 بالمئة بعد توقيع اتفاقيات كامب ديفيد في سبتمبر 1978. وعندما أعادت إسرائيل آخر أجزاء سيناء إلى مصر في 1982، أيَّد نحو نصف الأمريكيين المتابعين الملفَ هذه الخطوة.

وتشير استطلاعات المركز إلى أنه منذ ذلك الحين بات الرأي العام الأمريكي يتحرك وفق نمطين متداخلين. فيرتفع التعاطف مع إسرائيل عندما تُقدَّم طرفاً مهدداً، أو عندما تشعر الولايات المتحدة نفسها بتهديد من المنطقة. ويظهر ذلك بوضوح في حرب الخليج سنة 1991، حين ارتفع دعم إسرائيل إلى 64 بالمئة بعد تعرضها لصواريخ عراقية قبل أن يتراجع مع انتهاء الحرب. وكذا الأمر بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر سنة 2001، إذ ارتفعت نسبة التعاطف مع إسرائيل من 40 بالمئة قبل الهجمات إلى 47 بالمئة بعدها مباشرة.

كذلك فإن دعم اليهود إسرائيلَ يمثل جزءاً محدوداً من إجمالي الدعم الأمريكي، إذ يشكل اليهود نحو 2 بالمئة من سكان الولايات المتحدة. في حين تحظى إسرائيل وفق استطلاع المركز، بدعم مرتفع بين البروتستانت الإنجيليين البيض، تدفعهم بالأغلب معتقداتهم الدينية. إذ يؤمن عدد كبير منهم أن إسرائيل مُنحت لليهود بإرادة إلهية وقيامها مرتبط بتحقيق نبوءة العودة الثانية في العهد الجديد، وهي عقيدة في المسيحية تشير إلى عودة المسيح في نهاية الزمان وإقامة دولة إسرائيل. وينطبق هذا المستوى المرتفع من الدعم أيضاً على الإنجيليين من أصول لاتينية مقارنة بالكاثوليك اللاتينيين أو اللاتينيين غير المتدينين.

بعد 1967 تصاعد الدعم لتوجيه المنظمات اليهودية الكبرى داخل الولايات المتحدة نحو دعم إسرائيل مباشرةً. وانتقلت منظمة "إيباك" (اللجنة الأمريكية للشؤون العامة الإسرائيلية)، التي تعزز الدعم السياسي والعسكري لإسرائيل خاصة في الكونغرس، من حضور محدود قبل 1967 إلى موقع مركزي داخل العاصمة واشنطن. إذ نسقت القوى المؤيدة إسرائيلَ وحولتها إلى شبكة ضغط منظمة قريبة من صناع القرار. بالتوازي، تدفقت تبرعات واسعة من اليهود الأمريكيين لدعم الجامعات والمستشفيات والجيش الإسرائيلي.

وفي الوقت نفسه، ظهرت قطاعات واسعة من اليهود الأمريكيين في أروقة الكونغرس ومراكز القرار، ومنهم جاكوب جافيتس، عضو مجلس الشيوخ عن نيويورك، ساهموا في فتح قنوات الدعم السياسي والعسكري وضمان انخراط الإدارة الأمريكية إلى جانب إسرائيل. ومع هذا الدور، تبنت النخب والمؤسسات اليهودية الرواية الأمنية كما تصوغها الحكومات الإسرائيلية وواجهت الانتقادات بصرامة، إلى حد وسم بعض المعارضين بأنهم معادون للسامية. 

ومن جديد، انتقل هذا الإجماع لمرحلة جديدة من الانقسام مع تغير السياقات السياسية وانهيار اتفاقيات أوسلو وما تبعها من اندلاع الانتفاضة الثانية سنة 2000. وقد تزامن ذلك مع بداية صعود التيارات اليمينية المحسوب أغلبها على الصهيونية الدينية في إسرائيل، التي تبنت سياسات أكثر تشدداً مع الفلسطينيين. 

ومع تكرار جولات التصعيد في قطاع غزة، برزت انقسامات أوضح بين اليهود الأمريكيين، خاصة بين الأجيال الشابة والتيارات الليبرالية، التي أصبحت أكثر انتقاداً للسياسات الإسرائيلية.  


في 1993 عقدت مفاوضات في العاصمة النرويجية أوسلو بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية. وخلصت المفاوضات إلى اتفاقيات على إقامة سلطة فلسطينية انتقالية تتولى إدارة شؤون الفلسطينيين في أجزاء من الضفة الغربية وقطاع غزة، مع تنفيذ انسحابات إسرائيلية تدريجية من هذه المناطق وفق جدول زمني محدد. 

كانت التوقعات الفلسطينية تأمل تحقيق انسحاب إسرائيلي واسع من الأراضي المحتلة، وصولاً إلى سيطرة فلسطينية شبه كاملة على الضفة الغربية وقطاع غزة، إلى جانب وقف التوسع الاستيطاني وتحقيق تحسن اقتصادي ملموس يقلص الفجوة في مستويات المعيشة بين الفلسطينيين والإسرائيليين. في المقابل، ركزت التوقعات الإسرائيلية على الجانب الأمني، ورأت في الاتفاق وسيلة لتقليل التهديدات بإنشاء سلطة فلسطينية تتولى ضبط الفصائل المسلحة، شراكةً أمنيةً تحمي إسرائيل من الهجمات.

بدأت إسرائيل في الانسحاب من قطاع غزة ومدينة أريحا جنوب الضفة الغربية، وتبع ذلك إنشاء السلطة الفلسطينية وتولى ياسر عرفات رئاستها. لكن بالتوازي عادت إسرائيل في الانتشار مجدداً خارج المدن والبلدات الفلسطينية الكبرى في الضفة الغربية. ولم يقف توسع المستوطنات الإسرائيلية، ما أدى لمحدودية السيطرة الإقليمية التي حصلت عليها السلطة الفلسطينية، وتهديداً للمساحة الجغرافية التي كانت من المفترض أن تُقام عليها الدولة الفلسطينية المستقلة مع انتهاء الفترة الانتقالية نهاية عقد التسعينيات. 

تعثر تنفيذ اتفاقيات أوسلو وفشل الوصول إلى اتفاق جديد، سيما بعد الفشل في تحقيق اختراق في مفاوضات كامب ديفيد في يوليو 2000، التي رعتها الولايات المتحدة بين رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك ورئيس السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير ياسر عرفات. دخل المسار السلمي في مرحلة تآكل تدريجي انتهى باندلاع الانتفاضة الثانية سنة 2000، والمعروفة أيضاً بانتفاضة الأقصى، ضد الاحتلال الإسرائيلي عقب زيارة زعيم المعارضة الإسرائيلية آنذاك أرييل شارون إلى الحرم القدسي.

أثناء الانتفاضة سنة 2002، أطلقت إسرائيل عملية "السور الواقي" وأعادت فيها احتلال أجزاء من الضفة الغربية. كذلك بدأت في بناء جدار فاصل في الضفة الغربية، ونفذت عمليات اغتيال استهدفت عشرات القيادات الفلسطينية. وقد أسفرت الانتفاضة في نحو خمس سنوات عن مقتل ما يقارب أربعة آلاف وثلاثمئة  فلسطيني أغلبهم مدنيون، مقابل نحو ألف إسرائيلي بين جنود ومدنيين.

نقلت مؤسسة الدراسات الفلسطينية سنة 2023 مقالاً للباحث الإسرائيلي يغيل ليفي نشرته صحيفة هآرتس، ينتقد فيه صياغة الاتفاق والمقاربة الأمنية التي هيمنت عليه وأدت لإخفاقه في النهاية. يقول ليفي إن ملامح الاتفاق منذ البداية لم تكن تسوية سياسية، بل ترتيب أمني يُدار بعقلية عسكرية. وأدى ذلك إلى صياغة أوسلو بطريقة حافظت على السيطرة الإسرائيلية في الضفة وغزة، دون تمكين السلطة الفلسطينية من التحول إلى كيان سياسي فعلي، مع استمرار التوسع الاستيطاني وتقييد حركة الفلسطينيين. وفي المحصلة، مثلما يشير تحليل رئيس جهاز الأمن العام آنذاك عامي أيالون، خلق هذا المسار قطاعاً واسعاً من المحبطين، وكان من بين العوامل التي دفعت نحو اندلاع الانتفاضة الثانية.

بالتوازي، فإن تصاعد العنف وفشل المفاوضات أدى إلى تراجع الثقة داخل المجتمع اليهودي الأمريكي بإمكانية تحقيق السلام. ويشير استطلاع رأي لمركز بيو في 2013 إلى أن 44 بالمئة قالوا إن نهج إسرائيل في عملية السلام يضر بمصالحها الأمنية. في مقابل 17 بالمئة فقط رأوا أن استمرار إقامة المستوطنات يفيد أمن إسرائيل.

وقد خلقت التحولات التي أحدثتها الانتفاضة حالة من الانقسام داخل المجتمع اليهودي الأمريكي في دعم إسرائيل، خاصة مع بروز التيارات الليبرالية والأجيال الشابة، التي بدأت تطرح تساؤلات أخلاقية متزايدة عن السياسات الإسرائيلية.

في أبريل 2008، قبل عدة أشهر من حرب غزة الأولى في 2008 و2009، تأسست منظمة "جيه ستريت" (الشارع اليهودي) تياراً مؤيداً إسرائيل لكن ناقداً سياساتها. ثم في حرب غزة 2014، ظهرت حركات شبابية يهودية، منها "إف نت ناو" (إن لم يكن الآن) نظّمت احتجاجات علنية ضد الحرب، ما شكل مؤشراً على انتقال الخلاف على إسرائيل إلى الفضاء العام. وكانت استطلاعات لمركز بيو أظهرت في 2013 أن نحو 93 بالمئة من اليهود الأمريكيين يرون أن انتقاد إسرائيل لا يتعارض مع تأييدهم إياها.

وفي استطلاع لمركز غالوب سنة 2021، ظهرت فجوة حزبية في النظرة لإسرائيل. تبين أن تعاطف الديمقراطيين، ومن بينهم نسبة كبيرة من اليهود، مع الفلسطينيين ارتفع مقارنة بالسنوات السابقة. ويتفق هذا مع بيانات لمؤسسة "جويش إليكتوريت" سنة 2021 التي أظهرت أن نحو ربع اليهود الأمريكيين وصفوا سياسات إسرائيل مع الفلسطينيين بأنها  تشبه الفصل العنصري.

تعززت هذه الاتجاهات مع بداية الحرب على غزة في أكتوبر 2023، وبرزت منظمات ومجموعات يهودية أمريكية تتبنى مواقف ناقدة. أبرزها منظمة الصوت اليهودي من أجل السلام، التي تأسست سنة 1996 وتبنت خطاباً نقدياً للسياسات الإسرائيلية وأعلنت تضامنها مع غزة. أيضاً نظمت سلسلة مظاهرات للتنديد بجرائم إسرائيل، تحت شعار "لا يجب أن تقتل إسرائيل باسمنا". 

ترى تلك المجموعات المكونة أغلبها من الجيل الجديد من اليهود في الولايات المتحدة، أنه على مدار عقود استُخدم مفهوم أمن اليهود ذريعة لأعمال عدوانية. أعمالٌ مثل الاستيلاء على الأراضي وهدم المنازل وإقامة الحواجز العسكرية وعمليات الضم، والحصار الاقتصادي للهيمنة القسرية على الفلسطينيين، بدعم مستمر من الولايات المتحدة. وفي المقابل لم يعرف الفلسطينيون الأمان أو الحرية. وتعبر المجموعات عن هذه الآراء في تنظيم التظاهرات أو الأنشطة السياسية المؤيدة الحقَ الفلسطيني وضد السياسات الإسرائيلية.

ففي يوليو 2024 شارك آلاف المتظاهرين في احتجاجات ضد زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واشنطن، من بينهم مئات اليهود الأمريكيين الذين اعتقلوا في اعتصام سلمي داخل أحد مباني الكونغرس، حيث رفعوا شعارات تطالب بوقف تسليح إسرائيل ووقف الحرب. وجاء هذا التحرك في سياق تصاعد الضغط الشعبي، إذ سبقته احتجاجات مماثلة طالبت بوقف إطلاق النار.

على الجانب المقابل، كثفت مجموعات ضغط يهودية، أبرزها إيباك و"إي دي إل"، وهي منظمة أمريكية تأسست لمكافحة معاداة السامية، جهودها دعماً لإسرائيل. إذ تصدت تلك المنظمات للمجموعات اليهودية الرافضة سياساتِ إسرائيل واتهمتهم بمعاداة السامية واتباع منهجية متطرفة ومناهضة إسرائيل للترويج لتوجهاتهم.

إلى جانب ذلك دعمت إيباك المرشحين المؤيدين إسرائيل في الانتخابات الأمريكية 2024 بملايين الدولارات، حسب منصة "تراك إيباك" التي تتتبع نفوذ إيباك وتكشف تمويلها السياسي. وقد تأسست المنصة سنة 2023 وبرزت في 2024 مع تصاعد الحرب على غزة. ويقول القائمون عليها إن هدفها تتبع مصادر التبرعات وتوثيقها، خصوصاً الأموال التي تُوجه لدعم مرشحين ومواقف سياسية مؤيدة إسرائيلَ داخل الكونغرس. ومنذ ذلك الحين كشفت المنصة عن العديد من السياسيين الأمريكيين الذين يتلقون الأموال من إيباك، ووضعوا لافتات في مدن لمرشحي الكونغرس، وكشفوا عن حجم الأموال التي يتلقونها لإظهار ولائهم لإسرائيل.

وشكلت حرب غزة نقطة انعطاف في موقف اليهود الأمريكيين ليس فقط في نقد السياسات، وإنما أيضاً بالارتباط بإسرائيل. ففي استطلاع نشرته صحيفة "واشنطن بوست" في أكتوبر 2025، كشف عن فجوة بين الأجيال في مواقفهم من إسرائيل. إذ يرتبط نحو 56 بالمئة من اليهود الأمريكيين عاطفياً بإسرائيل، وتنخفض هذه النسبة إلى 36 بالمئة بين الفئة العمرية الأصغر من ثمانية عشر إلى أربعة وثلاثين عاماً. وهي الفئة التي تبدو أكثر استعداداً لانتقاد إسرائيل والتشكيك في سياساتها من منطلقات أخلاقية.

امتد هذا الدعم إلى داخل المعابد اليهودية نفسها التي تشكل جزءاً من الهوية الجمعية لليهود في مساحة تعتبر شبه متوافق داخلها على دعم إسرائيل، لكنها تحولت لمساحة انقسام أيضاً. مثلاً نشرت مجلة "ذا نيويوركر" تقريراً في مارس 2026 ذكرت فيه أن التعبير عن المواقف النقدية داخل المعابد محفوفٌ بالحساسية، وهو ما دفع بعض الأعضاء لنقل هذه النقاشات إلى مساحات غير رسمية، مثل مجموعات مغلقة أو لقاءات خاصة بعيداً عن الإطار الديني.

وكما رفض قطاع من اليهود بالولايات المتحدة العدوان الإسرائيلي على غزة، تكرر الأمر مع التصعيد العسكري والحرب ضد إيران. وبرزت الأصوات ذاتها التي تدعو إلى تقييد الدعم غير المشروط لإسرائيل، وربط السياسات العسكرية باعتبارات أخلاقية وسياسية أوسع.

أظهر استطلاع "مجموعة ميلمان"، لمعهد الناخبين اليهود غير الحزبي، أن 55 بالمئة من اليهود الأمريكيين لا يوافقون على العمل العسكري الإسرائيلي الأمريكي المشترك ضد إيران. وفي استطلاع موازٍ لشركة "جي بي أي أو" لأبحاث واستطلاعات رأي لمنظمة جيه ستريت الليبرالية، ارتفعت نسبة المعارضين إلى 60 بالمئة. 


لم يعد الصوت اليهودي في الولايات المتحدة كتلة متجانسة كما كان عقوداً. فقد أدى الانقسام الداخلي إلى إضعاف القدرة على التأثير الموحد، وفتح المجال أمام مواقف أكثر تنوعاً مع إسرائيل، وهو ما ينعكس على السياسة الأمريكية. وبعد عقود من الدعم شبه المطلق عقب قيام إسرائيل، اتجه قطاع من اليهود الأمريكيين نحو مراجعة هذا الدعم، مدفوعين بخطابات أخلاقية ترفض السياسات الإسرائيلية وحربها على غزة وإيران. في مقابل تيار تقليدي متمسك بدعمه جزءاً من هويته السياسية.

اشترك في نشرتنا البريدية