من بين هذه الردود، ردَّ محمد داوود يعقوب، أستاذ القانون بكلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس، الذي رأى أن المبادرة تقوم على خلطٍ في المصطلحات. فمجلة الأحوال الشخصية لا تعترف إلا بالنسب داخل الأسرة، بينما يخضع الأطفال المولودون خارج إطار الزواج لقانونٍ آخر صدر سنة 1998. ولم يقتصر هذا الرد على رفض التعديل المقترح، بل سعى لتثبيت الحدود التي ترسمها المجلة بين الأسرة وما يقع خارجها، وبالتالي تحديد الموضوعات التي يشملها القانون وتلك التي تبقى خارجه. ويكشف ذلك تحوّل المجلة، بعد سبعين عاماً من صدورها سنة 1956، من نصٍّ سعى إلى إعادة تشكيل الأسرة والمجتمع إلى نصٍّ يُستدعى للمحافظة على ما استقر من أوضاعٍ قانونيةٍ واجتماعية.
يُصوَّر الصراع حول مجلة الأحوال الشخصية التونسية عادةً مواجهةً بين الحداثيين والإسلاميين. لكن تاريخ المجلة يكشف تعقيداتٍ أوسع من هذه الثنائية. فالمجلة أكثر التشريعات التونسية اتصالاً بالفقه الإسلامي، وأشدها ارتباطاً بتنظيم الأسرة التي يجعلها الدستور الخلية الأساس للمجتمع. لذلك ارتبط الصراع حولها بالخلاف في طبيعة القانون ووظيفة الدولة وحدود الإصلاح الاجتماعي، وهو خلاف لا يمكن اختزاله في صدامٍ بين حداثيين وإسلاميين. إذ يكشف تبدل المواقف من المجلة عبر العقود حدود هذا المنظور وقصوره. ويساعد النظر إلى تاريخها من هذه الزاوية على فهم جانبٍ من طبيعة المجتمع التونسي وخلافاته السياسية بعيداً عن التناقضات الموجهة.
نعرف اليوم كثيراً من تفاصيل صياغة هذه النصوص وملابساتها، بما في ذلك بعض القوانين السابقة للاستقلال، مثل مجلة الالتزامات والعقود. فقد حفظت الأبحاث جانباً كبيراً من كواليس إعدادها في عقد كامل بين سنتي 1896 و1906، وهي التجربة التي تناولتها في مقالتي "على خطى دافيد سانتيلانا.. المستشرق وسط المغاربيين"، المنشورة سنة 2023 على موقع "طرس". وتكشف هذه التجربة حجم التجاذب الذي رافق صياغة المجلة بين القضاة الفرنسيين، الساعين إلى وضع تشريعٍ مدنيٍّ وضعيٍّ على غرار المجلة المدنية الفرنسية، وفقهاء الزيتونة، الذين أرادوا الإبقاء على القواعد الفقهية السارية. وانتهى هذا التجاذب إلى صيغةٍ توفيقيةٍ قادها المستعرب اليهودي دافيد سانتيلانا، مقرر لجنة إعداد المجلة، بمشروعٍ جمع بين المنظومتين القانونيتين.
لا تشمل هذه المعرفة خلفيات صياغة مجلة الأحوال الشخصية. إذ بقيت خلفيات صياغة المجلة، أكثر النصوص القانونية التونسية إثارة للجدل والمديح والهجوم، مبهمة ومجهولة على التراث المكتوب وتقادم السنين. وقد لاحظ هذا الغيابَ عددٌ من الباحثين الذين تناولوا المجلة، منهم المحامي حامد الجندلي، الذي كتب في أطروحته لنيل الدكتوراه، الصادرة سنة 2011 بعنوان "قانون الأحوال الشخصية وعلاقته بالشريعة الإسلامية"، أن ظروف وضع المجلة "اكتنفها غموض كبير وتكتم حول كيفية صياغتها ومن صاغها".
يرجع هذا لتضارب جذور المجلة الإصلاحية والمحافظة. فمسائل الأحوال الشخصية، ولاسيما تنظيم العلاقات الأسرية، ظلَّت طوال القرن التاسع عشر خارج مجال التقنين الوضعي الحديث. إذ نظرت إليها نخب الفقه والإصلاح الإسلامي مجالاً تكفلت الشريعة بتنظيمه واستقرت قواعده، بخلاف مجالاتٍ أخرى فرضت فيها الحداثة الأوروبية تحدياتٍ مباشرة، مثل الإدارة والجيش والتعليم والتنظيم السياسي. وقد عبَّر الوزير أحمد بن أبي الضياف، أحد أبرز رموز الحركة الإصلاحية التونسية في القرن التاسع عشر، عن هذا التصور في كتابه "الأجوبة الأورباوية"، الذي كتبه سنة 1856 رداً على أسئلة القنصل الفرنسي عن وضع المرأة وحقوقها. دافع ابن أبي الضياف في أجوبته عن البنية القائمة للأسرة، مقابل التركيز على ضرورة إصلاح مؤسسات الدولة والإدارة والقانون. لذلك غابت الأسرة عن مشاريع التقنين والإصلاح القانوني التي عرفتها تونس في العقود اللاحقة، واستمر هذا الموقف حاضراً أيضاً لدى قطاعاتٍ واسعةٍ من نخب الحركة الوطنية في العقود الأولى من الحماية الفرنسية.
تغيَّر هذا المشهد مع مطلع ثلاثينيات القرن العشرين، حين بدأت مسألة الأسرة وموقع المرأة تدخل تدريجياً إلى المجال العمومي جزءاً من سؤال الإصلاح الاجتماعي. ففي الصالون الأدبي الفخم لأسرة الورتاني، ذات الجذور الفقهية والدينية، لم يتحرج الأديب محمد المقداد الورتاني من تكرار دعوته إلى تحرير النساء. وهي الأفكار التي سبق أن طرحها في كتابه "البرنس في باريس" المنشور سنة 1914. وكانت شقيقته منوبية الورتاني حاضرةً في هذا الوسط، وهي من أوائل الفتيات اللاتي التحقن بالمدارس الاستعمارية الحديثة في مطلع القرن العشرين. ثم اقتربت لاحقاً من الأوساط الاشتراكية، قبل أن تقدم، ليلة 25 يناير سنة 1924، على خلع "السفساري" –اللباس التقليدي للمرأة التونسية آنذاك– داخل اجتماعٍ عام نظمته جمعية "الترقي" الاشتراكية الفرنسية. ووقفت هناك بملابس غربية، داعيةً إلى طرح الحجاب ومنع تعدد الزوجات والمساواة بين الرجل والمرأة.
جاء بعد ذلك الطاهر الحداد، الذي نجح بحماسه ونشاطه في افتكاك موقعٍ داخل هذا الصالون الأدبي. وفي تلك المرحلة بدأ نشاطاً وطنياً ذا ميولٍ اشتراكية، وروَّج خطاباً إصلاحياً اجتماعياً مخالفاً التقاليدَ الفقهية الزيتونية المحافظة التي رآها تكبل حقوق النساء. وبلغ هذا المسار ذروته مع صدور كتابه "امرأتنا في الشريعة والمجتمع" سنة 1930، الذي مثَّل أحد أكثر النصوص الإصلاحية إثارةً للجدل في تونس الحديثة. وتشير سهيمة بن عاشور، أستاذة كلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس، في كتابها "قانون الأسرة"، المنشورة طبعته الثانية سنة 2026، إلى أن الحداد دعا في كتابه إلى المساواة في الميراث بين النساء والرجال، ومنع تعدد الزوجات ومنع زواج القاصرات، وحصر الطلاق في القضاء.
أثار كتاب الحداد رد فعلٍ عنيفاً داخل المؤسسة الزيتونية. إذ اجتمعت لجنة من علماء الزيتونة وقررت منع الكتاب وتجريد صاحبه من شهاداته العلمية، وعلى رأسها شهادة التطويع، أعلى الشهادات الزيتونية آنذاك. لكن أنصار الحداد ورفاقه لم يقفوا على الحياد، فنظموا في أكتوبر سنة 1930 حفلاً كبيراً في قبة "الكازينو" وسط العاصمة للاحتفاء به، حضره نحو مئة وثلاثين شخصاً. وكان من أبرز الحاضرين سالم الأكودي، أستاذ الحداد السابق في الجامع، وأحد الزيتونيين القلائل الذين دافعوا عنه. إذ ألقى الأكوديُ خطاباً يدافع عن تلميذه، وألقت ابنة الشيخ قصيدةً في السياق نفسه. ومع ذلك، تذكر سهيمة بن عاشور أن الهجوم على الحداد تصاعد لاحقاً، فكُفِّر واعتُديَ عليه، وكتب عدد من علماء الزيتونة ردوداً عليه. ممن رد عليه محمد الصالح بن مراد، الذي نشر سنة 1930 كتابه "الحِداد على امرأة الحداد". وانتهى الأمر بالحداد إلى الانكفاء والعزلة، قبل أن يتوفى سنة 1935 بعد سنواتٍ من المرض والتجاهل.
تركت تجربة الحداد أثراً في مضمون مجلة الأحوال الشخصية. لكن صدور المجلة في شكل قواعد قانونيةٍ مجردةٍ وموحدةٍ وملزمة ارتبط أيضاً بتجربةٍ أخرى خرجت من داخل المؤسسة الزيتونية، عُرفت في التاريخ التونسي بلائحة "جعيط"، نسبةً إلى الشيخ المالكي محمد عبد العزيز جعيط الذي أشرف عليها. تعود هذه اللائحة إلى سنة 1949، حين سعت سلطات الحماية الفرنسية إلى استكمال تقنين آخر مجالٍ بقي خارج التنظيم القانوني الاستعماري، أي الأحوال الشخصية. ولهذا الغرض تشكلت لجنة لوضع مشروع مجلة "تكون أحكامها مستمدة من مؤلفات الفقه الإسلامي في المذهبين الحنفي والمالكي"، كما نص أمر تأسيسها. لذلك لم تتجاوز اللائحة إعادة تنظيم الأحكام المتناثرة في كتب الفقه التقليدي ضمن صيغةٍ قانونيةٍ موحدة، من دون إدخال إصلاحاتٍ جوهريةٍ على مضمونها. وقد ضمت تسعمئةٍ وثلاثة فصول مخصصةً للأحوال الشخصية.
وعلى المجهود الذي بذلته اللجنة، إلا أن مشروعها لم ير النور. إذ تجنبت سلطات الحماية الفرنسية فتح مواجهةٍ جديدة في لحظةٍ أمسى فيها استمرارها في البلاد موضع شك، مع تصاعد الحركة الوطنية داخلياً وانتشار حركات التحرر والاستقلال في العالم. أما النخب الشرعية التقليدية فلم يشغلها كثيراً دفن المشروع، لأنه لم يتجاوز تنظيم الأحكام التي كانت المحاكم الشرعية تقضي بها أصلاً. وفي المقابل، تشير سهيمة بن عاشور إلى أن الحركة الوطنية لم تُبدِ اهتماماً كبيراً بالمشروع، لأنه كان "يفتقر لما يستجيب لأغراض الإصلاح، إلا النزر القليل"، بحسب ما كتبه الدستوري أحمد المستيري في مذكراته "شهادة للتاريخ" المنشورة سنة 2011.
بقي الحال على ما هو عليه حتى الاستقلال سنة 1956، حين وجد الحبيب بورقيبة، الزعيم الجديد للبلاد، نفسه في مواجهة نخبٍ تقليديةٍ مالت إلى نموذج الحكم الملكي، وثوريين انحازوا إلى خصمه صالح بن يوسف ذي التوجه العروبي.
ضمن أجواء التوتر السياسي هذه، اختار بورقيبة، رئيس الحكومة آنذاك، المضي في مشروع تحديث المجتمع والأسرة. يصعب اختزال هذا الخيار في مناورةٍ سياسيةٍ نفعيةٍ خالصة. فموازين القوى كانت تميل إلى رفض أي مشروع إصلاحي اجتماعي واسع، على نحو جعل المضي قدماً في إقرار المجلة أقرب إلى مراهنةٍ سياسيةٍ خطيرةٍ قرر بورقيبة خوضها. واليوم لا نجد سوى إشاراتٍ محدودةٍ تفسر الدوافع المباشرة وراء هذا الخيار. من أبرزها ما ذكره ساسي بن حليمة، أستاذ القانون الخاص بكلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس وأحد أبرز أساتذة قانون الأحوال الشخصية، في مقاله "قانون العائلة بين التطور والجمود" المنشور سنة 2001. إذ يشير إلى أن مفاوضات الاستقلال مع فرنسا، التي انطلقت سنة 1954، ساهمت في تسريع هذا التوجه، لأن غياب قانونٍ وضعيٍّ حديثٍ للأسرة كان من الحجج التي استخدمها الفرنسيون لتبرير استمرار وجودهم في تونس.
تحولت هذه الفكرة مع الوقت إلى ما يشبه المسلَّمة في تفسير صدور مجلة الأحوال الشخصية، مع أن الاتكاء عليها وحدها لفهم "زلزال المجلة"، بحسب تعبير ساسي بن حليمة، يبدو قاصراً. فالمجلة لم تصدر في المرحلة الانتقالية السابقة الاستقلالَ، بل بعد الاستقلال في 20 مارس سنة 1956. ويزيد هذا الغموضَ سرعةُ صياغة المجلة وإقرارها. إذ لم تستغرق العملية سوى أربعة أشهر. فقد عملت عليها لجنة برئاسة وزير العدل أحمد المستيري، تشكلت بعيداً عن الأضواء، ولم تترك أثراً مكتوباً عن مداولاتها أو طريقة عملها.
لا يكفي تفسير الإصرار على الإسراع بإرساء مجلة الأحوال الشخصية بالعودة إلى الجذور الإصلاحية السابقة أو إلى ضرورات التفاوض مع الفرنسيين. إذ أُرسيت المجلة قبل إلغاء الملكية سنة 1957. وارتبط ذلك بالإرادة السياسية لبورقيبة في ذروة جماهيريته. ولهذا ركز خطاب الدولة، في سنواتها الأولى، على تقديم المجلة إنجازاً مرتبطاً بشخصه ودوره التاريخي ضمن خطابٍ دعائي بالأساس. إذ أضيف إلى سلسلة ألقابه لقب "محرر المرأة"، وهو اللقب الذي نُقش لاحقاً على بوابة ضريحه ومرقده، إلى جانب لقب "المجاهد الأكبر".
دفع ترويج السلطة لهذه الفكرة الشيخَ جعيط إلى محاولة التنصل منها علناً. فخرج إلى الصحف ليتبرأ من بعض أحكام المجلة التي رأى أنها تخالف الإسلام صراحة، وإن لم يرفض المشروع كلَّه. ومع ذلك واصلت السلطة الدفاع عن هذه الإصلاحات من داخل المرجعية الشرعية نفسها، بتبني مقولة "الخطاب المقاصدي"، القائم على تحقيق غايات الشارع الإلهي بإعادة تأويل بعض الأحكام الحرفية أو تجاوزها. ومن هذا المنطلق، اعتُبر تعدد الزوجات حقاً مشروطاً بتحقيق العدل الكامل بين الزوجات، وهو شرطٌ عُدَّ مستحيلاً استناداً إلى الآية 129 من سورة النساء: (ولن تستطيعوا أن تعدلوا). وإمعاناً في تأكيد هذا الاتصال بالشريعة، واصلت وزارة العدل، في السنوات الأولى لصدور المجلة، نشر نسخٍ منها مرفقةً بنصٍّ افتتاحيٍّ يؤكد توافقها مع الإسلام.
مثَّل الحفاظ على الاتصال بالشريعة العصب الحيوي الحقيقي لقبول مجلة الأحوال الشخصية واستمرارها. وقد أدرك بورقيبة ذلك مبكراً، فحرص على بقاء أحكام المواريث خصوصاً متفقةً مع الشريعة من دون مخالفةٍ صريحة. وحتى عندما احتاجت السلطة إلى تبني حلولٍ إصلاحية، لم تتجه إلى القطيعة مع الفقه، بل بحثت عن مخارج من داخله، ولو في آراءٍ مهجورةٍ أو خارجةٍ عن مذهب أهل البلاد. ولذلك لجأ المشرِّع، لضمان انتقال كامل تركة الأب إلى البنات في بعض الحالات إلى المذهب الجعفري الشيعي، كما يروي محمد بوزغيبة، مدير مدرسة الدكتوراه بجامعة الزيتونة، في كتابه "نازلة المساواة في الإرث في تونس" المنشور سنة 2016.
أما رغبة بورقيبة في إقرار التبني، فلم تُدرج ضمن مجلة الأحوال الشخصية نفسها. بل صيغت في قانونٍ مستقل صدر سنة 1958. ويكشف هذا الفصل بين النصين حدود الخطاب الشرعي الذي استندت إليه المجلة. فالتبني خالف صراحةً التنظيم القرآني للنسب، ولم يكن من السهل إيجاد تبريرٍ فقهيٍّ يسمح بإدراجه ضمن أحكام المجلة. لذلك فُصل في قانونٍ خاص، خشية أن يؤدي ضمه إلى "تلطيخ" مشروعية المجلة نفسها.
انتهى الزخم الذي رافق صدور المجلة مع تراجع المد الإصلاحي لنظام بورقيبة. وتلقى هذا المد ضربةً كبيرة سنة 1961 مع حادثة "إفطار رمضان" الشهيرة، حين أفطر بورقيبة علناً ودعا التونسيين إلى الإفطار، فجرحت صورته مصلحاً في تونس والعالم الإسلامي. وكانت الحادثة أول انتصار يحققه شيوخ الزيتونة في مواجهة رغبة بورقيبة في تحدي الطقوس الدينية وتمظهراتها الاجتماعية. إثر ذلك تبنت الدولة سياسةً أكثر دفاعية، ركزت على تحصين "المكتسبات" التي أُنجزت، مثل مجلة الأحوال الشخصية وتعميم التعليم العمومي، مع التعويل على آثارها بعيدة المدى. ومع ترسخ المجلة اجتماعياً، تراجع التحفظ الرسمي عنها، وتحول الخطاب الرسمي تدريجياً إلى الافتخار ببعدها الحداثي في الداخل والخارج. وبقيت التنقيحات التي أُدخلت عليها، منذ مطلع الستينيات، محدودةً وتقنيةً في معظمها، وهدفت أساساً إلى معالجة بعض الثغرات والإشكالات التطبيقية، كما يروي ساسي بن حليمة.
مع دخول سبعينيات القرن العشرين، اطمأنت السلطة إلى نجاحها في ترسيخ مجلة الأحوال الشخصية مجتمعياً، وحولتها إلى إحدى رموز العهد البورقيبي. فاختير يوم 13 أغسطس، ذكرى المصادقة عليها، عيداً للمرأة وعطلةً رسمية. وفي المقابل، خفتت الأصواتُ المعارضةُ المجلةَ وكادت تتلاشى، مع تراجع النخب المحافظة القديمة وتفكيك مؤسساتها. لكن صوتاً آخر بدأ يتشكل بهدوء في الخلفية، ساعياً إلى تجميع ما تبقى من هذا الإرث المحافظ ضمن مشروعٍ جديد حمل في بداياته اسم "الجماعة الإسلامية". تجذر هذا التيار سنة 1979 ليتحول إلى حركةٍ ذات مشروعٍ سياسي باسم "الاتجاه الإسلامي"، وهو الاسم القديم لما عرف لاحقاً بحركة النهضة. ولم يقتصر خطاب الحركة على معارضة "التغريب" البورقيبي والدفاع عن الهوية الإسلامية للمجتمع التونسي، بل اتجه أيضاً إلى المشاركة السياسية المباشرة منذ مطلع الثمانينيات.
كان من أبرز أسماء هذا التيار راشد الغنوشي ونائبه المحامي عبد الفتاح مورو. أدرك الرجلان مبكراً أن خطاب العداء المطلق لمجلة الأحوال الشخصية وحقوق المرأة لن ينسجم مع واقع المجتمع التونسي في مطلع الثمانينيات، ولا مع الحضور المتزايد للنساء داخل الأجيال الشابة للحركة نفسها. لذلك سعت الحركة إلى إعادة صياغة موقفها من قضية المرأة ضمن خطابٍ إسلاميٍّ مختلف عن الخطاب المحافظ التقليدي. فكتب الغنوشي في كتابه "المرأة بين القرآن وواقع المسلمين"، الصادرة طبعته الأولى سنة 2005، أن بورقيبة رأى المرأة "رهاناً سياسياً" لا مشروعاً حضارياً، وأن مشروعه لم يتجاوز استغلالها. ومن هنا رأى أن على حركة الاتجاه الإسلامي مواجهة البورقيبية من داخل المرجعية الإسلامية نفسها، باستعادة "كرامة المرأة ومكانتها".
ظل هذا الخطاب إلى حدٍّ كبير حبيس الكلمات ولم يظهر على بنية الحركة وأعمالها. إذ استمر غياب النساء عن مراكز القرار فيها عقدين آخرين. ومع ذلك واصل الخطاب التطور تبعاً للتحولات السياسية التي عرفتها تونس في النصف الأول من ثمانينيات القرن العشرين، وصولاً إلى اللحظة المفصلية في 7 نوفمبر سنة 1987، حين أطاح الجنرال زين العابدين بن علي بالحبيب بورقيبة. وقد فرض هذا التحول واقعاً سياسياً جديداً أعاد مجلة الأحوال الشخصية إلى الواجهة أحدَ العناصر الحاسمة في إعادة ترتيب المجال السياسي التونسي.
تبنى "الميثاق الوطني" مقاربةً ليبراليةً صريحةً قامت على الحرية والمساواة. إذ نصَّ على أن "مبدأ المساواة لا يقل أهمية عن مبدأ الحرية"، مؤكداً المساواة بين المواطنين رجالاً ونساءً "من دون تمييز بسبب الدين أو اللون أو الرأي أو الانتماء السياسي". وفي الوقت نفسه رفع شعاراً توفيقياً يقوم على "مصالحة البلاد مع هويتها العربية والإسلامية". واعتبر الهوية العربية الإسلامية حقاً مشاعاً "لا يمكن احتكاره من أي طرف سياسي"، بحسب ما كتب الهاشمي الطرودي في مقاله "حركة الاتجاه الإسلامي تصبح حركة النهضة" المنشور سنة 1989.
أثار توقيع الإسلاميين السريع على "الميثاق الوطني" تساؤلاتٍ عن مدى اقتناعهم بمضمونه، ولاسيما بمجلة الأحوال الشخصية. وزاد الغموضَ خطابُ الحركة نفسه في تلك المرحلة، كما يرى الهاشمي الطرودي في مقاله "الاتجاه الإسلامي.. بعد العفو على مناضليه" المنشور سنة 1988. فقد صرَّح راشد الغنوشي، بالتزامن مع إعداد الميثاق، لجريدة "الصباح" بأن "مجلة الأحوال الشخصية مقبولة عموماً". ورأى الطرودي في هذا التصريح محاولةً للجمع بين اتجاهين، طمأنة الخصوم السياسيين من جهة، ومخاطبة الشق المتشدد داخل الحركة من جهةٍ أخرى، بالإقرار بالجذور الفقهية لبعض أحكام المجلة مع التحفظ على أحكامٍ أخرى.
لم يمر توقيع الإسلاميين على "الميثاق الوطني" بهدوء داخل الحركة، ولاسيما في جناحها المتشدد. إذ يروي الهاشمي الطرودي أن التوقيع زعزع ركيزة أساس في خطاب الاتجاه الإسلامي، وهي قاعدة "لا اجتهاد مع النص". فبدأ الخطاب يميل تدريجياً إلى التأويل ومنهج مقاصد الشريعة، وهو المنهج نفسه الذي استندت إليه السلطة عند إصدار مجلة الأحوال الشخصية سنة 1956. والأهم أن الميثاق فرض على الحركة القبول بمبدأ المساواة بين الرجل والمرأة في بعض الحقوق الأساس. فقد نصَّ في حديثه عن المجلة على أنها "أقرت جملة من الإصلاحات أهمها منع تعدد الزوجات [. . .] والمساواة بينها وبين الرجل في حق طلب الطلاق".
واصلت الحركة مع ذلك السير في هذا المسار. وأعادت هيكلة نفسها بما ينسجم مع المرحلة الجديدة. وكان من أبرز مظاهر هذا التحول تخليها سنة 1989 عن اسمها القديم واعتماد اسم أقل تصريحاً هو "حركة النهضة". وبالتوازي مع ذلك، أصبح خطاب الحركة عن مجلة الأحوال الشخصية أقل صدامية. ولخَّص عبد الفتاح مورو نائب رئيس الحركة، هذا التوجه حين ربط أي مراجعة للمجلة بمعالجة مشكلات الأسرة واستقرارها، لا بالصراع السياسي. ورأى أن تقييم المجلة ينبغي أن يُترك لعلماء الاجتماع ورجال القانون، فإذا تبيَّن أن بعض مشكلات الأسرة تعود إلى أحكامها، أمكن مراجعتها "في هذا الاتجاه".
لكن هذا لم يرضِ جميع الاتجاهات الإسلامية. إذ ظهرت أصوات وُصفت بأنها "على يمين حركة النهضة"، من أبرزها الشيخ محمد الأخوة، الذي خاض الانتخابات ضمن قائمةٍ مستقلة وتبنى خطاباً أصولياً رافضاً ما اعتبره تنازلاتٍ قدمتها الحركة. ففي حوارٍ مع الهاشمي الطرودي في أبريل سنة 1989، شدد الأخوة على الموقف التقليدي الداعي إلى تنقيح مجلة الأحوال الشخصية في مسائل تعدد الزوجات والطلاق والتبني، مع أن الأخير مستقل عنها. ورفض تصريح مورو المعارض تعددَ الزوجات، معتبراً أن هذا الموقف "يلزمه وحده" ولا يلزم الحركة. التي لم توقِّع على "الميثاق الوطني"، لأن نور الدين البحيري وقَّع عليه بصفته الشخصية. ولذلك اعتبر الأخوة أن ما تضمنه الميثاق من حديثٍ عن الحريات الفردية، ومن اعتبار مجلة الأحوال الشخصية "مكسباً" لا يجوز التراجع عنه، يمثل امتداداً لمنهجٍ مخالفٍ الإسلامَ وتعاليمه. وقد ظل متمسكاً بهذه المواقف حتى النهاية.
مضت حركة النهضة بحماسٍ في خياراتها الجديدة، استعداداً لخوض الانتخابات التشريعية التي أعلن عنها بن علي. لم يثر ذلك اعتراضات داخل قاعدتها فقط، بل أثار أيضاً مخاوف خصومها السياسيين. إذ ظلوا متوجسين من أن تكون تنازلات الحركة مجرد تنازلاتٍ مؤقتة، تستغل بها الانفتاح الديمقراطي المعلن تمهيداً لتقويضه لاحقاً، كما يرى الطرودي.
تزايدت شعبية الخطاب الإسلامي مع ذلك بسبب قدرته على إعادة التكيف مع التحولات السياسية والاجتماعية. سلك نظام بن علي النهج نفسه بإعادة صياغة خطابه وسياساته بهدف طمأنة حلفائه المتوجسين من جهة، وسحب المشروعية من حركة النهضة من جهةٍ أخرى. ويشير المولدي قسومي، أستاذ علم الاجتماع بجامعة تونس، في كتابه "الصراع السياسي في تونس زمن الانتقال الجمهوري" المنشور سنة 2023، إلى أن سياسة النظام قامت على ثلاثة محاور مترابطة. ربط الإسلاميين بالخطاب العنيف والمتطرف، وتعزيز المرتكزات الدينية للنظام، والتأكيد على الالتزام بالحداثة والقيم الغربية. بدأت هذه السياسة منذ لحظة صياغة "الميثاق الوطني"، قبل أن تبلغ ذروتها في تسعينيات القرن العشرين وبدايات الألفية الجديدة. وكان مجال الأحوال الشخصية والحقوق والحريات الفضاء الأوضح لتجسيد هذا التوازن، وهو ما ظهر في تنقيحات مجلة الأحوال الشخصية سنة 1993.
قصد التنقيح طمأنة النخب الليبرالية المتوجسة من احتمال تبني بن علي ونظامه خطاب حركة النهضة. وقد عبَّر ساسي بن حليمة عن هذه المخاوف بقوله: "لقد تسرّب الخوف إلى بعض الأذهان من أنّ بعض التطوّرات التي وصلت إلیھا الأحوال الشخصیّة قد يقع فیھا التراجع كحذف منع تعدّد الزوجات". لكن هذا المد الإصلاحي بقي محدوداً ولم يتحول إلى قطيعةٍ مع المنهج السابق. إذ أشار القاضي محمد الهادي الشريف، في كتابه "النظام العام العائلي" المنشور سنة 2003، إلى أن هذه الإصلاحات واصلت الاعتماد على تبريرات "دينية واجتماعية ووطنية". ثم توقفت هذه الحركية خمس سنوات قبل أن تستأنف بزخمٍ أضعف. ففي سنة 1998، بعد نجاح النظام في إقصاء الإسلاميين من المجال السياسي، صدرت قوانين جديدة في مجال الأسرة، أبرزها القانون عدد 75 المتعلق بإسناد لقب عائلي للأطفال المهملين أو مجهولي النسب، والقانون عدد 91 المتعلق بنظام الاشتراك في الأملاك بين الزوجين.
منح القانون الأول الأطفال المولودين خارج إطار الزواج حق الهوية وبعض الحقوق المالية، بعد أن وضعتهم مجلة الأحوال الشخصية في مرتبةٍ أدنى حين وصفتهم، في الفصل 152، بأنهم "أبناء الزنا". أما القانون الثاني، فمثَّل محاولةً لتغيير الأسس المالية للعلاقة الزوجية، بتجاوز النظام الموروث عن الفقه الإسلامي والقائم على استقلال الذمة المالية لكلٍّ من الزوجين، نحو نظامٍ يقوم على الملكية المشتركة.
ظلت المحاولتان محدودتين ولم تمسا جوهر النظام القانوني القائم، وذلك لسببين. الأول شكلي وهو في بقاء هذه التشريعات خارج مجلة الأحوال الشخصية نفسها، في صورة قوانين مستقلة تُطبق بالتوازي معها من دون أن تنقح مضمونها، في استعادةٍ لخيار قانون التبني سنة 1958. وقصد هذا الفصل إلى إبقاء المجلة مصونةً بمشروعيتها الفقهية، ولاسيما في مسألة الأطفال الطبيعيين، الذين لا مكان لهم ضمن أحكام النسب المتناسقة مع التصورات الفقهية التقليدية. أما نظام الاشتراك في الملكية، فاقتصر على منزل سكنى وحيد يُكتسب بعد الزواج.
هذا العامل تضافر مع عاملٍ آخر أكثر خطورة شكَّل التحدي الحقيقي للنزعة التحديثية داخل مجلة الأحوال الشخصية، هو بنية القضاء نفسه. فمنذ مطلع ستينيات القرن العشرين وحتى تسعينياته، اتسقت توجهات القضاء التونسي مع توجهات السلطة، قبل أن يبدأ تدريجياً في تحجيم النَّفَس الإصلاحي للمجلة في عددٍ من المسائل. ويشير عبد المجيد الزروقي، في أطروحته للدكتوراه بكلية الحقوق والعلوم السياسية بتونس سنة 1989، والمعنونة "موانع الإرث"، إلى أن القضاة وضعوا أول حدود هذا الاتجاه منذ سنة 1966، بقرارٍ صادرٍ عن محكمة التعقيب، أعلى هيئة في الهرم القضائي. جعل الحكم اختلاف الدين مانعاً من موانع الزواج والإرث. لم تنص مجلة الأحوال الشخصية على ذلك. إذ إن الفصل الخامس المتعلق بموانع الزواج، والفصل الثامن والثمانين المتعلق بموانع الإرث، لا يشيران صراحة إلى الدين.
ينص الفصل الخامس على أنه "يجب أن يكون كلٌّ من الزوجين خلوّاً من الموانع الشرعية"، من دون أن يحدد المقصود بهذه الموانع. وقد سمح هذا الغموض للتيار المحافظ بالعودة إلى الفقه الإسلامي بهذه الصياغة نفسها. فالمقصود بالموانع في هذا التأويل الموانع التي يقرها الشرع الإسلامي. وبما أن مجلة الأحوال الشخصية والخطاب المرافق لصدورها أكدا اتصالها بتراثها الإسلامي، أصبحت العودة إلى الفقه ممكنة كلما تعلق الأمر بتأويل مسائل مثل الرضاعة والحضانة والنسب والميراث وغيرها. وهكذا تكرس ما وصفه ساسي بن حليمة سنة 1998 بالجمود الذي "يبدو أنه باق إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها".
أجهض هذا الجمود قسماً كبيراً من إصلاحات سنة 1998، ولاسيما ما تعلق بأحكام النسب. وتشير المحامية مريم الزمني، في محاضرتها "الطفل المولود خارج إطار الزواج" سنة 2010، إلى أن المحاكم سبق أن رفضت، قبل سنة 1998، إسناد النسب للأطفال المولودين خارج إطار الزواج حتى مع اعتراف الأب بهم. واستندت في ذلك إلى تأويل الفصل 68 من مجلة الأحوال الشخصية المتعلق بإثبات النسب، بحصر الاعتراف بالأبوة في الحالات التي تكون داخل زواج، حتى لو كان زواجاً باطلاً. لذلك جاء قانون سنة 1998 محاولةً لتقليص هذا التمييز وتحقيق قدرٍ من المساواة بين الأطفال. لكن صياغته أبقت مسألة النسب خارج مجلة الأحوال الشخصية نفسها، وهو ما سمح للمحاكم بالتمسك بأن النسب لا يثبت إلا داخل أحكام المجلة. أما الأطفال المولودون خارج إطار الزواج، فلا يمنحهم القانون سوى حق الهوية والحضانة، في حين يبقى الميراث مقتصراً على الأبناء "الشرعيين" وفق أحكام المجلة، ولاسيما الفصل 152.
وعلى تنقيح قانون 98 سنة 2003، إلا أن المشرع لم يتدخل في الميراث والنسب، ليقرَّ بذلك فقه القضاء إلى ما ذهب إليه. وهكذا وإلى تاريخ سقوط نظام بن علي سنة 2011، لم تعرف المجلة أي تنقيح مهم أو حاسم، ليعود لها استقرارها السابق. خاصة وأن التحديات الجديدة للنظام لم تعد متعلقة بالهوية والنموذج المجتمعي، بل بمسائل اقتصادية واجتماعية أطاحت به في النهاية.
انزاح الموضوع التنموي في فترة قصيرة نحو مسألة أخرى لم تطرح مسبقاً أيام الثورة، وهي مسألة الهوية والنموذج المجتمعي التونسي. وتبوَّأت المجلة مكانة رأس الحربة ضمن هذا النقاش. تذكرُ سعاد السنوسي، المديرة العامة المكلفة بالجلسات العامة وصياغة النصوص القانونية في البرلمان وقتها، في كتابها "تحت قبة البرلمان: بين الركح والكواليس"، المنشور سنة 2023، إن هذا النقاش فُتِحَ يوم الثلاثاء 22 نوفمبر 2011. كان ذلك موعد الجلسة الافتتاحية للمجلس الوطني التأسيسي، عندما اجتمعت حول قصر مجلس النواب وقفتان احتجاجيتان، الأولى لأسر شهداء الثورة، والثانية طالبت بعدم المساس بالحريات ومجلة الأحوال الشخصية. يومها صار التمسك بالمجلة مطلباً ملحاً للنخب والحركات التقدمية السياسية والمدنية. ولم يعد الشعار المرفوع تطوير المجلة وتكريس مزيد من الحقوق، بل المحافظة على ماهو موجود. وصارت المجلة أشبه بنص مقدَّس، كلّ مساس به لا يفهم إلا تهديداً للبناء برمَّته.
زاد من هذه المخاوف تحول نقاش الهُوية إلى صراع عنيف. ففي مطلع سنة 2012، اعتُدي على معرض فني بقصر العَبْدَليَّة بالمرسى بحجة المساس بالمقدسات، ثمَّ توالت الأحداث ونجح أحد السلفيين في الاعتداء على ضريح بورقيبة بالمنستير في نفس السنة. وفي مقابل الانقسام الناشئ على ملف الهوية، يذهب هشام الطرودي في مقاله "حصاد عامين من حكم النهضة"، المنشور سنة 2013، إلى أنَّ النهضة أسهمت في إذكاء هذه المخاوف بمواصلة ما وصفه بالازدواجية في الخطاب، الذي أمسى أزمة هُوية تعيشها الحركة داخلياً بين الإيمان بمحتوى المجلة وقيم الحداثة وبين الاقتصار على اعتمادها أوراقاً مرحلية.
هذه الهواجس تأكدت مع التسجيل المسرَّب للغنوشي في لقائه بعددٍ من قيادات السلفية ومشايخها، حين تحدث عن سياسة "التمكين" للسيطرة على الدولة وأجهزتها. إثر ذلك تخلى الهاشمي الطرودي عن تساؤلاته السابقة عن أسباب هذا الازدواج في خطاب حركة النهضة، ليعتبره سياسةً متعمدةً ومرحليةً لحركة ما تزال، في نظره، تتبنى طرحاً أصولياً وإن حاولت إخفاءه.
تجلى هذا الجزم بنوايا حركة النهضة مع مسودة الدستور التي أعلن عنها المجلس التأسيسي سنة 2013، التي سميت إعلامياً "مسودة الحبيب خضر"، نسبةً إلى مقررها المنتمي لحركة النهضة. فقد نص الفصل 28 منها على أن المرأة "مكمّلة للرجل"، عوض التنصيص على المساواة بينهما. وفي المقابل، غابت أي إشارة إلى مجلة الأحوال الشخصية، التي تُوقع حضورها، ولو في توطئة الدستور.
سقطت المسودة تحت شعار "لن يمر دستور خضر"، بفعل ضغط تحالف القوى الديمقراطية الممثل للتيارات الليبرالية الملتفة حول الباجي قايد السبسي، أحد أبرز وزراء بورقيبة ومؤسس "نداء تونس". وتعزز هذا الضغط بموقف التيارات اليسارية، كالجبهة الشعبية ومنظمات المجتمع المدني والحركات النسوية. وبلغ الصراع ذروته في صيف سنة 2013، حين انتصبت خيم اعتصام "الرحيل" أمام قصر المجلس الوطني التأسيسي بباردو، مطالبةً بحل السلطات الثلاث. وانتهت الأزمة بتقديم حركة النهضة سلسلةً من التنازلات، كان أبرزها التخلي عن اعتماد الشريعة، ولو مصدراً ثانوياً للتشريع، وعدم إدراج أحكامٍ رأت النخب الحداثية أنها قد تمس حقوق المرأة أو مجلة الأحوال الشخصية.
انطلق هذا المسار مع دخول النهضة وجميع الأطراف تقريباً في الحوار الوطني، فأسفر عن الدفع باتجاه اتمام وضع الدستور في 29 يناير 2014. كرَّس الدستور خيارات توافقية أبرزها تأكيد مدنية الدولة، مع المحافظة على توطئة وفصل أول يؤكد على البعد المسلم والعربي للهوية التونسية الجمعية. وللوهلة الأولى بدا أنَّ معركة الهوية انتهت بتوافق ظاهري، وذلك بتكريس مدنية الدولة وخاصة تنصيص الدستور على تسعة وعشرين فصلاً مخصصاً للحقوق والحريَّات خاصة الفردية منها وعلى رأسها حرِّية الضمير.
لكن الدور الأهم للدستور كان تحصينه الأحوالَ الشخصية. إذ قسَّم أنواع القوانين الممكنة إلى قوانين عادية وأخرى أساسية. والقوانين الأساسية، وفقاً للفصل 64 منه، تطلب من أجل تمريرها أغلبية معززة. إذ تتعلق بمسائل على قدر من الأهمية والخطورة مثل الدفاع والأمن والقضاء. وهذا في مقابل أغلبية بسيطة للقوانين العادية المخصصة للمسائل الأقل خطورة مثل الاقتصاد والشؤون الاجتماعية وغيرها. ضمن هذا التقسيم وُضعت الأحوال الشخصية ضمن صنف القوانين الأساسية، في تأكيد على خطورتها المجتمعية والهوياتية من جهة، وفي محاولة لفرض حيز توافقي.
قُدِّمَ هذا القرار انتصاراً آخرَ للتحديث، وآخر فصل في فصول معركة الحفاظ على "مكتسبات المجلة"، في الفترة التأسيسية للجمهورية التونسية الثانية، بعد الثورة. وهي فترة دامت أربعَ سنوات وتعطل فيها أي طرح لمساءلة واقع تطبيق المجلة وإشكالاته، إلى هاجس المحافظة وحمايتها قدر الإمكان. ولو تطلب ذلك تحويلها لنص يصعب المساس به وتنقيحه. ولعلَّ هذا الخيار بالذات جعل من المجلة أولى ضحاياه في السنوات القليلة اللاحقة، عندما تغير موضع القوى التقدمية من المعارضة إلى العودة للسلطة من جديد، مع صياغة الدستور ووصول الباجي قايد السبسي لرئاسة الجمهورية سنة 2014، وحصول حزبه "نداء تونس" على الأغلبية البرلمانية.
هذا الغموض منح الشق الحداثي سنداً للدفاع عن كلِّ الخيارات التحديثية، ومنح حجةً للإسلاميين للدفاع عن الهوية الدينية المسلمة للدولة والشعب وتبرير أي خيار في هذا الاتجاه. غير أن رضا كل طرف بما لديه لم يكن ليطول كثيراً، إذ من المحتم أن تأتي لحظة المأزق التي تضع الجميع أمام خيارات حاسمة لا مواربة فيها.
عندما كتب زياد كريشان مقاله السابق، لم تكن مسألة الهوية تتصدر المشهد السياسي كما كانت بين سنتي 2012 و2014. لكنه استشرف عودتها، وهو ما تحقق سنة 2017 مع ظهور "مبادرة الباجي". إذ أحدث الباجي قايد السبسي، الذي تولى رئاسة الجمهورية منذ ديسمبر سنة 2014، "لجنة الحريات الفردية والمساواة"، وضمت حقوقيين ونخباً معرفية. هدفت اللجنة لإعداد تقرير عن الإصلاحات المرتبطة بالحريات الفردية تحت شعار "استكمال مسار تكريس منظومة الحقوق والحريات".
قدم التقرير عرضاً شاملاً لمظاهر التمييز التي تكرسها المنظومة القانونية التونسية، بناءً على معياري الحرية والمساواة محدديْن لمدنية الدولة. وعلى رأس هذه الأحكام الكتاب التاسع من مجلة الأحوال الشخصية، وهو الأطول من بينها جميعاً والأقل عرضة للتنقيح منذ وضع المجلة، وهو الكتاب المخصص لمنظومة المواريث المنقولة شبه كلياً عن الفقه الإسلامي. هذا الكتاب طالما كان شعاراً يستشهد به لمحافظة المشرع التونسي على وشائج وثيقة مع الشريعة في المجلة. وبذلك جاء مقترح تغييره باعتماد قاعدة المساواة عوض قاعدة للذكر مثل حظّ الأنثيين تغييراً جذرياً، قد يأتي مرَّة واحدة وإلى الأبد على كل هالة المشروعية الدينية للمجلة، كما يذكر محمد بوزغيبة في كتابه سابق الذكر.
عوض رفض "مبادرة الباجي" مباشرةً، دعا الغنوشي نواب حركة النهضة إلى إعداد مشروع قانونٍ موازٍ. وقد فسَّر المولدي قسومي هذه الخطوة أنها عملية مقايضة، تقوم على تمرير قانون المساواة في الإرث مقابل إعادة إحياء قانون الأحباس. والأحباس هي نظام الأوقاف الموروث عن الفقه الإسلامي، الذي كانت دولة بورقيبة قد ألغته بموجب قانون 18 يوليو سنة 1957. وبهذه المقايضة، منح الغنوشي حركته ورقةً سياسيةً أضعفت زخم التيار التقدمي. وذهب قسومي أبعد من ذلك حين وصف قانون الأحباس بأنه "النقيض التاريخي لمبادرة الباجي"، معتبراً إياه حيلة فقهية قديمة استُخدمت للحد من وصول النساء إلى حقوقهن في الميراث.
كانت المنفعة السياسية الكامنة وراء "مبادرة الباجي" واضحة منذ البداية. فقد طُرحت المبادرة قبيل الانتخابات البلدية، أملاً في كسب شعبية داخل شقٍّ اجتماعيٍّ واسع، ولم تكن مشروعاً تقدمياً خالصاً على غرار المجلة لحظة صدورها. أي كانت المبادرة، وفق تعبير قسومي، "ريعاً جماهيرياً من المواطنين وكسباً سياسياً قبل دخول الانتخابات". ومع ذلك أُحيطت هذه المناورة بخطابٍ شديد الحدة. إذ نقل قسّومي عن مقالٍ نشرته جريدة "الصحافة اليوم" بتاريخ 30 أغسطس سنة 2017، من دون ذكر اسم كاتبه، وصفه المبادرة بأنها اللحظة التي "هُتك فيها ستر اتفاق باريس". ونقل وصف راشد الغنوشي بأنه "شيخ هو القبلة الأولى للمفجوعين بفقدان السطوة التقليدية والمنكوبين بفعل الطفرة العقلانية التي أدركت الدولة التونسية مدارها الكوني". وينتهي قسّومي إلى أن الخاسر الحقيقي من مبادرة السبسي لم يكن الإسلام، بل حركة النهضة نفسها.
غير أن هذا الموقف المتفائل بهزيمة النهضة سرعان ما فنَّدته الأحداث في الأسابيع اللاحقة. فصحيح أن مبادرة الأحباس توارت نحو الخفاء، ولكن عوضاً عنها تبنَّت النهضة خطاباً أكثر حدَّة. فتخلت عن تحفظها السابق والمطمئن بخصوص مسائل الحقوق والحريات، ولكنها أعلنت، إثر اجتماع مجلسها الشوري في أغسطس 2018، الرفض الصريح لمحتوى المبادرة. وحوَّلت ميدانها من قبة مجلس النواب إلى الشارع والإعلام لأول مرة منذ نقاشات الدستور في 2013.
أدرك الباجي خطورة مناورته. وبهذا أراد كسب فرصة لإعادة توحيد القوى المدنية وراءه، بعد أن بدأ الشقاق يظهر داخل حزبه "نداء تونس"، لاسيما أنّه أراده ورقة لصالحه في الانتخابات البلدية الجديدة. ولكن هذه المكاسب كانت خطيرة في ظل توازن دقيق في الحكم مع النهضة. فعلى خلاف خطاب أنصاره التصعيدي، أدرك الباجي ضرورة التهدئة، إثر موقفه الصارم من حركة النهضة التي اعتبر أنها لن تصبح حركة مدنية في نظره إلا إذا تخلت كلياً عن المرجعية الدينية ضمن الخطاب التشريعي، في حواره مع برنامج "نأتيك بالأخبار" في 19 سبتمبر 2017. قبل أن يستطرد ليؤكد أن الحركة "قامت بمجهود كبير باتجاه المدنية وأنها مدينة لرئيسها [أي الغنوشي] بهذا الجهد". وفي النهاية، خرج الجدل إلى الشارع.
في 10 مارس 2018 انطلقت مظاهرة الائتلاف المدني من أجل الحريات الفردية تحت شعار "المساواة في الميراث، حقّ موش مزية"، أي أنَّ المساواة ليست منَّةً. توجهت المظاهرة نحو مجلس النواب في باردو. أمَّا رد النهضة فتأخر خمسة أشهر، ولكنه جاء هذه المرة أقوى وأكثر جماهيرية في مظاهرة تحت قيادة ما سُمي وقتها "التنسيقية الوطنية للدفاع عن القرآن والدستور والتنمية العادلة"، التي كان أبرز شعاراتها "لا تبديل لكلمات الله". عند هذه النقطة انقلبت الآية، صارت كلمات الله مرادفة لمضمون مجلة الأحوال الشخصية، بالنظر لأن باب المواريث بالذات منقول عن الفقه الإسلامي. ونصَّت النقطة السادسة من بيان مجلس شورى حركة النهضة، أقوى هياكل تسيير الحركة، في 26 أغسطس 2018، على "التمسك بنظام المواريث كما ورد في النصوص القطعية في القرآن والسنة، وعبرت عنه مجلة الأحوال الشخصية". وذلك في الوقت الذي لم تعد المجلة فيه كافية لأولئك الذين قدَّموها أول مرة سنة 1956 ثم دافعوا عنها وعن عدم المساس بها إلى سنوات قريبة.
هذا الانقلاب في الموازين والمواقع من المجلة، خدم لأول مرة النهضة في كلِّ معاركها. إذ تمَّت الانتخابات البلدية في مايو 2018، وبالتالي فقدت مبادرة الباجي جدواها الانتخابية. جاءت الانتخابات بتدعيم مكانة النهضة وتراجع نداء تونس. وتراجع حماس النواب التقدميين بعد ذلك، مع أنَّ بعضهم قدم مبادرة من أجل تشريع "مجلة للحريات الفردية" في أكتوبر 2018، تكرَّس مضمون تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة.
بقي المقترح حبيس الأدراج، إثر جلسة استماع وحيدة، إذ أدرك كلّ الأطراف استحالة تمرير القانون، خاصة في ظل ضرورة الحصول على توافق عالٍ داخل المجلس من أجل تشريع قانون أساسي. وصارت تلك الهدية التي منحت في دستور 2014، لحماية المجلة ومكتسباتها، عبئاً يحول دون تطويرها. ولذلك صرّحت بشرى بلحاج حميدة، رئيسة لجنة الحريات الفردية والمساواة، في حوارٍ مع جريدة المغرب سنة 2019: "أصبح من المستحيل التصويت عليه". لتطوى بذلك صفحة أكبر زلزال كان من الممكن أن تشهده المجلة. وفي نفس السنة، رحل الباجي وجاء قيس سعيّد ليطوي مرحلة عشرية الثورة وكلّ وجوهها.
قفزت لحظة 25 يوليو من البداية على دستور سنة 2014، قبل أن ينتهي الأمر بالرئيس قيس سعيّد إلى إلغائه وتعويضه بدستورٍ جديد صاغه نفسه. وفي فترة قصيرة، مست التغييرات معظم النصوص القانونية والمؤسسات، من القانون الانتخابي والهيئات الدستورية والمجلس الأعلى للقضاء، إلى القوانين الجزائية وقوانين الصحافة والحريات والمصالحة الاقتصادية، وصولاً إلى الشركات الأهلية والمسائل الجبائية والهجرة. وامتدت هذه التحولات إلى مختلف المجالات، من دون أن تتمكن قوى المعارضة من تحجيمها. وانتهى هذا المسار بتكريس سلطةٍ شبه مطلقة لسعيّد، الذي افتتح عهده بما قدَّمه تأسيساً جديداً للنظام الجمهوري.
في هذا السياق جاء تحذير عبير موسي، المسجونة إلى وقت كتابة هذه المقالة، من أن مجلة الأحوال الشخصية "خط أحمر" لا يجوز المساس به، مهما حاولت السلطة فعل ذلك. ولم تكن مخاوفها بلا أساس، بل استندت إلى الغموض الذي طبع موقف السلطة من المجلة. فقد حافظ قيس سعيّد على مسافةٍ من هذا الملف الحساس، ولم يُعرف له قبل وصوله إلى الرئاسة سوى موقفٍ واحد عبَّر عنه في حملته الانتخابية، في حوارٍ مع الصحفية كوثر زنطور نشره موقع "الشارع المغاربي" سنة 2019. وأعلن فيه رفضه المساواة في الميراث بين الرجل والمرأة، وعارض التوارث بين المسلمين وغير المسلمين، مضيفاً أن لديه "صواريخ علمية على منصات إطلاقها"، وأنه "سيعرف كيف ومتى" يستخدمها في مسألة الميراث.
لكن هذا الموقف حلَّت محله ضبابية وتجاهل للموضوع مع وصول سعيّد للرئاسة. ولعل أبلغ مثال على هذا الغموض، خطابه بمناسبة عيد المرأة يوم 13 أغسطس 2020، عندما تحدث بإلغازٍ وغموضٍ عن علوية الدستور وعن الإسلام والمساواة في الميراث، وعن بورقيبة وطلاقه من زوجته وسيلة و"سوأة الأحوال الشخصية"، في عبارات عامة ومفككة وغير واضحة. أما بعد 2021، فتحول الغموض لتجاهل وسط سلسلة التغييرات الجوهرية التي شملت كامل النظام القانوني. فبقيت مجلة الأحوال الشخصية في حالة من الخمول والنسيان.
فقط مع انتخاب مجلس نوابٍ جديد في 2022، بتركيبة موالية ولاءً شبه مطلق للنظام القائم، عادت المجلة نسبياً للضوء، ولكن بما رأته النخبة الليبرالية أنّه يهدد بعض المكاسب الأساس للنساء. فقد تقدَّم مجموعة من النواب في ديسمبر 2023، بمبادرة تشريعية من أجل سنِّ قانون جديد ينظم مهنة عدول الإشهاد، وهو المرادف التونسي لمهنة الموثق أو كاتب العدل. وقد منح الفصل السادس والعشرين من المسودة العدولَ اختصاصاً حصرياً بتوثيق عقود الطلاق الرضائي. فأثار هذا الفصل نقاشاً واسعاً، بعضه أظهر معركة قطاعية بين العدول وغيرهم من المهن القضائية، ولكن في قسم كبير منه دقَّ أجراس الخطر عند منظمات المجتمع المدني كالاتحاد التونسي للمرأة وهيئة المحامين. إذ وجدوا فيه مساساً بأحد المكاسب الرئيسة ضمن المجلة، ألا وهي الطلاق القضائي. إذ حجَّرت المجلة منذ بعثها كل إمكانية للطلاق بإرادة منفردة، بعيداً عن القضاء.
في النهاية ضغط هذا الاحتجاج على وزارة العدل، التي اتخذت أول موقف رسمي يظهر موقف السلطة الحالية من المجلة. ففي جلسة الاستماع لممثلي الوزارة في مجلس النواب، بهدف مناقشة المقترح، أعلن الممثلون رفض الوزارة القطعي تمريرَ الفصل "لمخالفته الصريحة للفصل 30 من مجلة الأحوال الشخصية". هذا فضلاً عن أنه لا يمكن لقانون مهنة أن ينقح قانوناً ساريَ المفعول، ناهيك أن يكون ذلك القانون مجلة الأحوال الشخصية. وبالتالي عادت وزارة العدل لتقديم طمأنتها بأن المجلة كما هي مكسب، قائم لا يمكن المساس به.

