بدأت سمر بأرشيف عائلتها الممتدة. ففي سنة 2018 أعطتها والدتها صندوقاً مليئاً برسائل ومستندات تعود لجدّها الذي لم ترَه. ثم أمضت أعواماً تجمع خطابات أفراد العائلة وصورهم ومستنداتهم الشخصية المتفرقة. ومن هذه الوثائق، أسست مبادرتها أرشيف "حكايات فلسطينية" الذي انطلق رسمياً سنة 2019، قبل أن تدشن سنة 2023 موقعها الإلكتروني "حكايات فلسطينية"، الذي يضم ما وصل إليه فريق العمل من وثائق وخطابات وصور للعائلات الفلسطينية قبل النكبة سنة 1948.
هكذا تحوّل سؤال العائلة والذاكرة إلى طرحٍ أوسع حول من يملك حق حفظ الذاكرة حين يغيب الأرشيف الرسمي أو تضيق الرواية العامة بحكايات الأفراد. ومن فلسطين إلى السودان ومصر، يكشف صعود الأرشيفات المجتمعية العربية عن محاولة باحثين جددٍ حفظ التاريخ خارج إطار الدولة وسلطتها، عبر مشروعاتٍ مثل "حكايات فلسطينية" و"شهادات من غزة" و"سودناهي" و"أرشيف شبرا" و"المرأة والذاكرة"، التي تعيد مركز الحكاية إلى الرسائل والصور والشهادات والبيوت والأحياء والجماعات التي لا تجد نفسها دائماً في الأرشيفات الحكومية وما يسمى بالرواية الرسمية. وبين وثائق الدولة وذكريات الناس، تتشكل مساحةٌ ثالثةٌ يُكتب فيها تاريخ موازٍ ويُمنح المهمشون من خلاله صوتاً.
يظهر هذا الامتداد التاريخي في الدراسات الأرشيفية الحديثة التي تعيد تتبع بدايات ممارسة حفظ السجلات. بحسب كتاب "أركايفز: ريكورد كيبينغ إن سوسايتي" (الأرشيفات: حفظ السجلات في المجتمع) الصادر سنة 2005، ينقل أدريان كانينغهام الأستراليُّ المختص بعلم الأرشيف عن إرنست بوسنر أحدِ مؤسسي الفكر الأرشيفي الحديث، أن السومريين كانوا أول من عرف الأرشيف في منتصف الألفية الرابعة قبل الميلاد. وقد تألّف أرشيفهم من ألواحٍ طينيةٍ مكتوبةٍ بالخط المسماري استُعملت لحفظ الممتلكات وتسجيل النشاط التجاري.
ولا يُنظر إلى هذا المثال حالةً معزولةً، إذ امتدت ممارسات حفظ السجلات إلى حضاراتٍ أخرى في المنطقة، وإن بدرجاتٍ متفاوتةٍ من التنظيم والمؤسسية. فقد عرفت مجتمعات بلاد ما وراء النهرين والآشوريون والحيثيون الاحتفاظ بالأرشيفات، ولكن بحسب كانينغهام لا يمكن الجزم بمدى رسمية هذه الأرشيفات. فبينما طورت الحضارة المصرية والفارسية نظاماً واسعاً من الأرشيف لدعم إمبراطوريتهما، وُجدت هذه الأرشيفات لدعم سلطة الحكام القانونية والإدارية والعسكرية، وهو ما جعلها عاملاً للقمع. وفي ضوء هذه الرؤية، يُفهم أن الأرشفة في بعض السياقات القديمة قد أدّت وظائف سياسيةً واقتصاديةً وإدارية.
غير أن هذا الطابع المتعدد والمرتبط بالبنى السلطوية سيتغير تدريجياً مع تشكل مفهوم الأرشفة الحديث في السياق الأوروبي المتأخر. فقد تبلورت الأرشفة بمفهومها الحديث مع الثورة الفرنسية سنة 1789، ولم يكن قبلها أرشيفاتٌ رسميةٌ موحدة. إذ كانت كل هيئةٍ تحتفظ بأرشيفها منفردةً، مثل الكنيسة والدواوين الملكية. ومع الثورة ظهرت الحاجة إلى جمع مستندات الدولة وسجلاتها في مكانٍ واحدٍ، ودُشّن الأرشيف الوطني الفرنسي سنة 1790، ثم صدر قانون الأرشيف الوطني سنة 1794. وبهذه القوانين أرست فرنسا مبدأين في الفكر الأرشيفي: الأول مسؤولية الدولة عن هذه السجلات، والثاني إتاحتها للجمهور. وقد انتشرت بعدها فكرة الأرشيفات الوطنية في مختلف أنحاء أوروبا.
أما عربياً فقد ظهرت الأرشفة الحديثة في سياق بناء الدولة وحفظ قراراتها ومعاهداتها. ففي مصر تأسست إحدى أقدم المؤسسات الأرشيفية العربية الحديثة على يد محمد علي باشا سنة 1829. سُمّي هذا الأرشيف "الدفترخانة" وقد ضم وثائق وقرارات الدولة. وبعد قيام ثورة يوليو سنة 1952 بعامين شُرع في تأسيس دار الوثائق القومية. ولاحقاً في فترة التسعينيات، بدءاً من سنة 1993 تحديداً، أُعيد تنظيم البنية المؤسسية للأرشفة ضمن إطار الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية التابعة لوزارة الثقافة، بما جمع بين حفظ التراث الوثائقي وإدارة الأرشيف الوطني.
مع مرور الوقت استقر تعريف الأرشيف حول قيمة الوثيقة لا حول قدمها وحسب. ومن هنا يقدّم المجلس الدولي للأرشيفات، وهو منظمةٌ دوليةٌ تضم مهتمين بالأرشفة من مئةٍ وتسعين دولةٍ، تعريفاً للأرشيفات "بأنها الناتج الوثائقي الثانوي للنشاط الإنساني، ويُحتفَظ بها لما تحمله من قيمةٍ طويلة الأمد. فالسجلات التي تُنشأ في سياق الحياة اليومية وتصرفات الأفراد والمؤسسات تتيح رؤىً مباشرةً حول أحداث الماضي". ويمثل هذا التعريف إطاراً عاماً للمفهوم، يسبق التمايزات التي طوّرها علم الأرشفة لاحقاً بين أنماطٍ متعددةٍ من الأرشيف. ولهذا في هذا السياق، يميّز الأدب الأرشيفي بين أنواعٍ مختلفةٍ من الأرشيف، أهمها الأرشيف الرسمي والوطني والحكومي والمجتمعي.
فالأرشيف الوطني، بحسب موقع الأرشيف الوطني الأمريكي، هو مجموعة الوثائق الحكومية الأمريكية التي توثّق التاريخ الأمريكي. وهو التعريف الذي يتكرر على موقع الأرشيف الوطني الفرنسي مع إبدال كلمة الأمريكية بالفرنسية. وبهذا فالأرشيف الحكومي هو المستودع المركزي والذاكرة الكبرى التي تُنقل إليها الوثائق من المؤسسات الرسمية كافة.
أما الأرشيف الرسمي فيختلف عن الأرشيف الوطني بأنه يمكن أن يكون للهيئات والوزارات أرشيفاتها الخاصة، مثل أرشيف المحاكم. وبالتالي فهو أرشيفٌ عملياتيٌّ يخصّ أيّ مؤسسةٍ تابعةٍ للدولة، سواءً كانت سلطةً تنفيذيةً مثل الوزارات، أو قضائيةً مثل المحاكم، ويُعنى بحفظ سجلاتها اليومية الجارية. وقد تنتقل وثائق هذا الأرشيف الأهم لاحقاً لتصبح جزءاً من الأرشيف الوطني.
في المقابل، فمعجم جمعية الأمناء الأمريكية، وهي جمعيةٌ مهنيةٌ غير ربحيةٍ لأمناء الأرشيف والمختصين بالأرشيفات والوثائق والمعلومات، يعرِّف الأرشيف المجتمعي بأنه "توثيقٌ لمجموعةٍ من الناس الذين يشتركون في مصالح وتراثٍ اجتماعيٍ وثقافيٍ وتاريخي. وأن هذا التوثيق غالباً ما يتم بواسطة أعضاء المجتمع خارج الأرشيفات المؤسسية". وبهذا لا يمكن حصر الموضوعات التي يتناولها الأرشيف المجتمعي في نطاقٍ واحدٍ، إذ يتخذ أشكالاً متعددةً تبعاً للجماعة أو الفضاء الذي يوثّقه، مثل الأحياء أو المناطق أو الفئات الاجتماعية أو الأقليات. ويمكن أيضاً أن يكون أرشيفاً يتناول تاريخ جنسٍ بذاته، مثل الأرشيفات النسوية، بل وحتى أرشيفاً لتاريخ بلدٍ لا يتاح له لأسبابٍ سياسيةٍ أن يكون له أرشيفٌ رسميٌّ، مثل فلسطين.
ومن هذا التحديد المفاهيمي قد يتضح أن الأرشيف المجتمعي يبرز طريقةً مختلفةً في إنتاج الذاكرة وتوزيع سلطة التوثيق، إذ تتراكم فيه السجلات الشخصية والحكايات الفردية خارج مؤسسات الدولة، لتشكّل طبقةً سرديةً موازيةً السرديات الرسمية. ولم تتبلور هذه المقاربة إلا بعد نحو قرنٍ ونصفٍ من نشوء الأرشيفات الحكومية الحديثة. غير أن هذا التأخر لم يكن نتيجة التطور التقني وحده، بل عكس أيضاً تمركز سلطة تعريف الوثيقة وحفظها داخل إطار الدولة المؤسسي، وهو ما رسّخ نموذج الأرشفة المؤسسي، قبل أن تتيح أدوات التوثيق الحديثة انتقال جزءٍ من هذه السلطة إلى المجتمعات نفسها.
انتقل هذا التحول إلى مستوى الممارسة التاريخية داخل سياقاتٍ اجتماعيةٍ وسياسيةٍ مختلفةٍ، أبرزها الولايات المتحدة. وقد تبين هذا مع تصاعد الحركات الحقوقية في البلاد خلال الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، وهي حركاتٌ اجتماعيةٌ وسياسيةٌ برزت في سياق النضال ضد الفصل العنصري والتمييز العرقي، وسعت إلى توثيق الانتهاكات وإعادة تمثيل التجارب المهمشة خارج الأطر المؤسسية التقليدية. كان الناتج مثلاً نشأة أرشيف "أميستاد" للحقوق المدنية، وهو الأرشيف التابع لمركز أميستاد للأبحاث الناشئ سنة 1966 جزءاً من الجمعية الأمريكية التبشيرية، قبل أن تستقل به أميستاد. ويعد من أوائل الأرشيفات المجتمعية الأمريكية المستقلة.
ويُعنى أميستاد بجمع وثائق أصليةٍ، تضم شهاداتٍ للنشطاء بالحركة المدنية لحقوق السود، وضحايا الجرائم المرتكبة ضدهم، إضافةً إلى الوثائق والصور والمراسلات والكتب النادرة من القرن التاسع عشر. وبحسب موقع المؤسسة فإن الأرشيف وفّر المادة لكتابة كثيرٍ من المقالات والأبحاث حول تاريخ الأقليات في الولايات المتحدة وعلى رأسها الأمريكيون من أصلٍ إفريقي. كذلك وفّر مواد أصليةً غير موجودةٍ في الأرشيفات الحكومية، وشهاداتٍ لم تعترف بهذا السلطات حينئذٍ، مما ساهم في سدّ ثغرةٍ في التاريخ الأمريكي.
وقد تجاوز أثر هذه التجربة توثيق الحركة المدنية لحقوق السود، ليُسهم أيضاً في ترسيخ نموذج الأرشيف المجتمعي وسيلةً لتوثيق تجارب الجماعات المهمشة الأخرى داخل الولايات المتحدة. ومن هذا النموذج نشأت لاحقاً مبادراتٌ أرشيفيةٌ ارتبطت بحركة حقوق النساء، وحركة السكان الأصليين، وحركات العمال. إضافةً إلى حركات مناهضة الحرب في فيتنام في الستينيات والسبعينيات.
تكررت حاجةٌ مشابهةٌ في جنوب إفريقيا، حيث تعذّر حفظ ذاكرة الفصل العنصري عبر وثائق الدولة وحدها. ففي هذا السياق، الذي أُرسيت فيه منظومة الفصل العنصري سنة 1948، برزت منذ خمسينيات القرن العشرين حركةٌ مناهضةٌ أنتجت عدداً من الوثائق التأسيسية، من أبرزها ميثاق الحرية وميثاق المرأة. وقد اعتمدت الأرشيفات المجتمعية لاحقاً على هذه المواد في توثيق انتهاكات تلك المرحلة، لتتحول مع الوقت إلى جزءٍ من المتاحف والمنصات التي أسهمت في حفظ ذاكرة النضال ضد النظام القائم.
تكشف هذه الأمثلة عن طبيعة التوتر بين الذاكرة الرسمية التي تحتفظ بها الدولة عبر أرشيفاتها الوطنية وما يرتبط بها من احتكارٍ للرواية الرسمية، وبين أشكال التوثيق البديلة التي تنتجها المجتمعات من خارج الإطار الرسمي. إذ إن بعض السرديات الرسمية، على خضوعها للمعايير الأرشيفية الدقيقة، قد تبقى غير مكتملةٍ، إما بسبب انحيازاتٍ سياسيةٍ أو اجتماعية. وفي هذا السياق تذكر دراسة "لكي نتمكن من تخيل واقع مختلف [. . .])" المنشورة سنة 2017 أن "الأرشيف المجتمعي ليس مجرد مشروع حفظ للذاكرة، بل هو ممارسة مقاومة تمنح المجتمعات المهمّشة القدرة على الوجود، وعلى إنتاج تاريخها، وعلى الشعور بالانتماء إلى عالم يمثلها حقاً".
وتتخذ هذه الإشكالية أبعاداً أكثر تعقيداً عند انتقالها إلى السياقات العربية، حيث لا يقتصر الأمر على فجوات التمثيل في الأرشيف الرسمي، بل يمتد إلى توثيق ذاكرة جماعاتٍ مهددةٍ بالحروب والتهجير. وقد أسهم التطور التقني في توسيع هذا المجال التوثيقي، ولاسيما مع دخول الإنترنت إلى الاستخدام الأكاديمي في العالم العربي منتصف التسعينيات، ثم اتساع استخدامه تجارياً في نهاية العقد نفسه، وصولاً إلى تحوله في العقدين الأوّلين من القرن الحادي العشرين إلى أداةٍ يوميةٍ للإنتاج التوثيقي. وانعكس ذلك في تجارب أرشيفيةٍ مجتمعيةٍ من فلسطين للسودان ومصر، عملت على جمع الصور والخطابات والشهادات وإتاحتها رقمياً، بدلاً من حصرها في الحفظ المنزلي أو المؤسسي.
داخل هذه السلسلة، يبرز أرشيف حكايات فلسطينية محاولةً مختلفةً تبدأ من العائلة لا من المؤسسة. فالمبادرة التي أطلقتها سمر دويدار لا تسعى إلى كتابة التاريخ الفلسطيني من خلال الوثائق السياسية أو بيانات الفصائل فحسب، إنما من خلال الرسائل والصور والأوراق الشخصية التي احتفظت بها العائلات. بهذا المعنى، يتيح الأرشيف للفلسطينيين أن يرووا قصتهم خلافاً لصورتين منمّطتين وهما صورة الإرهابي في الرواية الصهيونية، وصورة البطل المقاوم وحدها في الرواية العربية.
ومن رحم مبادرة حكايات فلسطينية، انبثقت مبادرةٌ أخرى بعد حرب الإبادة على قطاع غزة. فقد خرجت للنور مبادرة "شهادات من غزة"، التي دشنتها أيضاً سمر مع تراكم خبرتها في الأرشفة. والمبادرة أيضاً أرشيفٌ معنيٌّ بتوثيق كلّ ما جرى في غزة أثناء الحرب. فالتطور التقني أتاح للأرشيفات المجتمعية الحفظ، إلا أن هذا التطور أيضاً كان سلاحاً ضد التوثيق في غزة على وسائل التواصل الاجتماعي التي مارست دوراً في محو أو تقليل الوصول لمقاطع الفيديو والصور من المنطقة. فكان دور الأرشيف توثيق صورٍ لغزة قبل الحرب، وتفريغ وتوثيق فيديوهات الجرائم لحفظها، وكذلك إنشاء سيرةٍ ذاتيةٍ لكلّ من قضوا نحبهم في هذه الحرب.
بهذا يختلف "شهادات من غزة" عن "حكايات فلسطينية" رغم خروجه من التجربة نفسها. ففي الأولى، تحفظ العائلات الفلسطينية ذاكرتها السابقة على النكبة وما بعدها. وفي الثانية، يحاول الأرشيف اللحاق بالحدث السريع، وحفظ ما يمكن أن تمحوه الحرب أو تحجبه المنصات الرقمية أو يضيع مع انقطاع الاتصال وموت الشهود. وكلاهما، على اختلاف هدفه، يكمل الآخرَ بتسجيل التجربة الفلسطينية وعرضها من عدة أبعاد.
تطرح سودناهي سؤالاً مختلفاً عن الحالة الفلسطينية، وهو ماذا يحدث لذاكرة أقليةٍ صغيرةٍ حين تهاجر مرتين ولا يُعرف عنها الكثير، مرةً بعد سنة 1915، ومرةً أخرى بعد حرب السودان سنة 2023. لذا فإن وظيفة الأرشيف هنا تجمع بين مقاومة الرواية الرسمية والحفاظ على أثر جماعةٍ كاملةٍ داخل الذاكرة العامة للبلد.
بحسب بوغوسيان استقبل السودان جاليةً أرمنيةً كبيرةً، وأسس المجتمع الأرمني فيها نادياً وكنيسةً ومدرسةً، وتركز في العاصمة الخرطوم. ولكن الجالية بدأت بالمغادرة منذ السبعينيات عقب ما عُرف بثورة 1969 وبداية عهد الرئيس جعفر النميري، وهي الحركة التي تبنت سياسات التأميم الاقتصادية مما هدد مصالح الأرمن الذين عمل أغلبهم في التجارة، وبقي منهم عددٌ قليلٌ أغلبهم بلغوا سنّ الشيخوخة. ومع اندلاع الحرب في السودان سنة 2023 غادر أغلب أفراد الجالية، وهو ما عرَّض أغلب التراث الأرمني السوداني للخطر، فدفع بوغوسيان لإطلاق المشروع بعد محادثاتٍ مع بعض أفراد عائلته الذين بقوا في السودان.
ويقوم مشروع سودناهي على توثيق هذا التحول تجربةً أرشيفيةً متعددة الوسائط، تعتمد على العربية والإنجليزية والأرمنية، وتستند إلى مصادر متنوعةٍ تشمل الأرشيفات الحكومية، ولاسيما البريطانية في عهد الاستعمار. إضافةً إلى شهادات موظفين بريطانيين عاصروا الوجود الأرمني في السودان، وإلى جانب الصور والروايات الشفوية ومنشورات مواقع التواصل الاجتماعي والفعاليات المجتمعية. وينتهي هذا التراكم إلى بناء سرديةٍ توثيقيةٍ هجينةٍ تجمع بين الذاكرة الشفوية والمصادر الأرشيفية، وقد تجلى ذلك في معرضَي تصويرٍ ضوئيٍ عن الوجود الأرمني في السودان إبان الاستعمار، أقيما في أمستردام ولندن في أغسطس سنة 2025.
جاءت فكرة الأرشيف من تجارب محليةٍ رآها مينا إبراهيم خارج مصر. فقبل سنة 2021 كان يدرس لنيل درجة الدكتوراه، وخلال هذه الدراسة سافر لعدة دولٍ مثل إيطاليا وفرنسا وأمريكا، ورأى العديد من الأحياء في أرشيفاتٍ مجتمعيةٍ مفتوحةٍ تروي تاريخ الحي من خلال حكايات سكانه. وهو ما دفعه لتكرار التجربة في حي شبرا الذي نشأ فيه.
ومن خلال هذا المشروع برزت حدود التوثيق الرسمي في حفظ تاريخ القاهرة، إذ كشفت بعض الوقائع المتداولة اجتماعياً عن غيابٍ شبه كاملٍ في السجل الوثائقي الرسمي. ويتكشف ذلك في حكاية روض الفرج، الحي المتاخم شبرا، والتي يوردها إبراهيم مثالاً عن هذا الغياب.
يحكي إبراهيم للفراتس أن تاريخ القاهرة سيطرت عليه مركزية التوثيق والتأريخ. واستشهد بتقديم باحثةٍ زائرةٍ بالجامعة الأمريكية أطروحةً حول العمل الجنسي في مصر في عهد الاستعمار الإنجليزي. ومع شيوع المعرفة بوجود "بيوت الدعارة المرخصة" في روض الفرج آنذاك، لم تجد الباحثة أيّ وثيقةٍ عنها، رغم وجود مئات الوثائق عن مثيلاتها في منطقة كلوت بيك والأزبكية. ويفسر ذلك بتمركز المثقفين والصحفيين حينئذٍ في القاهرة الخديوية، حيث أحياء كلوت بيك والأزبكية.
لذا من وجهة نظر إبراهيم، يهتم الأرشيف المجتمعي بوثائق قد لا تهتم بها الأرشيفات الرسمية. مثلاً، اهتم الأرشيف الحكومي في ستينيات القرن العشرين بالعلاقات المصرية السوفييتية. ولكنه أهمل خطابات المدرس عزت عبيد التي أرسلها للاتحاد السوفييتي يطلب أحدث المجلات والكتب عن الشيوعية. وهي الخطابات التي وثقها أرشيف شبرا لأنها كانت مهمةً في حياة عبيد، ومهمةً لفهم الحالة السياسية العامة وقتئذٍ من وجهة نظره.
أما أرشيف شبرا بعموميته، فيعتمد بحسب مؤسِّسه على جمع شهاداتٍ وصورٍ ووثائق. وينظم جولات مشيٍ في الحي لجمع الحكايات وتوثيق التغير العمراني، ويجمع منشورات وسائل التواصل الاجتماعي. وكان من بين مشروعاته مشروعٌ وثَّق تاريخ "الترام" الذي انتهى في شبرا منذ عقود. وضمن التاريخ المفقود للحي التاريخ الترفيهي، في الوقت الذي حَوَت فيه شبرا سبعة عشر دار سينما، بالإضافة إلى كثيرٍ من الملاهي الليلية في منطقة روض الفرج المجاورة.
وبهذا يقدم أرشيف شبرا الحي وحدةً تاريخيةً قائمةً بذاتها، بدلاً من اعتباره مجرد خلفيةٍ عمرانيةٍ أو مكاناً فاعلاً ضمن تاريخ القاهرة الأكبر.
وقد تجلى ذلك في أرشيف "المرأة والذاكرة"، الذي بدأ أرشيفاً تقليدياً، قبل نسخته الرقمية. ويُعنى بتاريخ المرأة المصرية. وتحت شعار "معرفة بديلة"، بدأت مؤسسة المرأة والذاكرة بتوثيق تاريخ النسويات المصريات من خلال مقابلاتٍ وكتبٍ وقصاصاتٍ صحفيةٍ، وحتى مجموعات خاصة من الملابس قدمتها عائلات النسويات.
التقت الفراتس رامي رياض مدير المؤسسة، وقد حكى لنا عن بداية نشاط المؤسسة في التوثيق. ويُرجع رياض هذا النشاط لسنة 1995، ومنه تطور إنشاء أرشيفاتٍ مجتمعيةٍ خاصةٍ بالمرأة. يضيف أن المؤسسة عملت منذئذٍ على عدة مشروعاتٍ منها الرائدات النسويات، ثم المرأة في العمل العام ما بعد ثورة 25 يناير 2011، والسينمائيات ورائدات الأعمال.
أحد أهداف هذا الأرشيف تغيير الصورة النمطية عن النساء باستخدام المعرفة البديلة والأرشفة، وهو ما يجعل أرشيف المؤسسة النسوي مبادرةً مرتبطةً بدافعٍ شخصيٍ ومعرفيٍ، حسبما تقول هدى الصدة، أستاذة الأدب المقارن بجامعة القاهرة. وفي الصدد ذاته، يقول رياض للفراتس إن الأرشيفات الحكومية في الأغلب تهمل رؤية المرأة للأحداث، وهنا يأتي دور الأرشيف المجتمعي للمؤسسة الذي يملأ الفجوة في الأرشيف الحكومي، والوعي المجتمعي بأرشفة تاريخ النسويات.
تختلف النماذج الخمسة السابقة في موضوعاتها وموادها وأدواتها. لكن ما يجمعها أنها تنقل مركز التاريخ من الدولة والحدث الكبير إلى الرسالة والصورة والشهادة والحي والجسد اليومي. ففي حكايات فلسطينية تتحول وثائق العائلة إلى ذاكرةٍ وطنيةٍ، وفي شهادات من غزة تتحول سيرة القتلى الذاتية إلى محاولةٍ لمقاومة الطمس الممنهج. وفي سودناهي تصبح صور الجالية الأرمنية ورواياتها وسيلةً لحفظ وجودٍ مهددٍ بالاندثار. وفي أرشيف شبرا يصبح الحي نفسه مادةً تاريخيةً يمكن قراءته ضمن تاريخ القاهرة الأكبر. وفي المرأة والذاكرة يصبح غياب النساء عن الأرشيف الرسمي دافعاً لبناء معرفةٍ بديلة.
على هذا، تواجه الأرشيفات المجتمعية العربية أسئلةً تتعلق بالشرعية القانونية والتمويل وحفظ المواد. ومع اتساع أثر الحروب والمنصات الرقمية، تصبح حماية الوثائق وأصحاب الشهادات جزءاً من معركة الأرشفة.
فمثلاً في حالة مؤسسة "المرأة والذاكرة" في مصر، فإنها سُجلت مؤسسةً أهليةً في ظل غياب إطارٍ قانونيٍ خاصٍ بالأرشيفات المجتمعية، فخضع نشاطها لقوانين الجمعيات الأهلية لا لقوانين الأرشفة. أما مبادرة "حكايات فلسطينية"، فينطبق عليها ما يواجه الأرشفة الفلسطينية عموماً من مشكلاتٍ تتعلق بالولاية القانونية على المواد الأرشيفية، والقيود المفروضة على نقل الوثائق وحفظها في ظل الاحتلال، وهو ما يدفع كثيراً من المبادرات إلى الاعتماد على شراكاتٍ دوليةٍ ودعمٍ خارجي.
أما العقبة الثانية وتتقاطع مع الأولى موضوعياً، كما تقول سمر دويدار للفراتس، فهي التمويل. فعملية الأرشفة مكلفةٌ تحتاج إلى إمكانياتٍ عملية. فمثلاً عند أرشفة خطابات ووثائق جدها، كان على سمر استخدام ملفاتٍ خاصةٍ معالجةٍ بصورةٍ معينةٍ لحفظ الأوراق، وكذلك مسحها ضوئياً وفهرستها. إضافةً إلى ذلك فإنّ العملية نفسها طويلةٌ ومعقدةٌ وتحتاج إلى وقتٍ طويل. في حالتها كانت تلك العملية ممكنةً، لأنها قامت بجزءٍ كبيرٍ منها أثناء الإغلاق العام بسبب جائحة كورونا بدءاً من أواخر سنة 2019. لكن في الظروف العادية، مثلما تقول، تحتاج العملية إلى عددٍ كبيرٍ من المتطوعين، ما يجعلها تستغرق وقتاً أطول، إذ لا يستطيع هؤلاء التفرغ بسبب عدم وجود عائدٍ مادي.
تتكرر المشكلة نفسها في مؤسسة المرأة والذاكرة، حين لا تتعلق الكلفة برقمنة الوثائق فقط، بل بتوفير مواد حفظٍ ومكانٍ مناسبٍ للمجموعات الخاصة. فما قالته سمر تتفق معه علا عثمان، مسؤولة برنامج الأرشفة في مؤسسة المرأة والذاكرة، مشيرةً إلى أن عملية الأرشفة للحفاظ على المستندات والمواد الأرشيفية الأخرى أمرٌ مكلفٌ، وأحياناً تكون المواد المطلوبة غير متاحةٍ محلياً. يُضاف لذلك الحاجة لوجود مكانٍ بظروفٍ خاصةٍ لحفظ هذا الأرشيف، لاسيما المجموعات الخاصة التي تضم ملابس أو إكسسورات.
وبحدةٍ أكبر، تتخذ هذه الإشكالات طابعاً وجودياً في سياقات الحروب، كما في غزة والسودان. إذ لا يقتصر التحدي على التكلفة أو البنية التحتية، بل يمتد إلى تهديدٍ مباشرٍ بزوال المادة الأرشيفية، سواءً عبر وفاة الشهود أو احتراق البيوت أو فقدان الصور أو انقطاع الاتصال، ما يجعل عملية جمع الشهادات والوثائق أثناء الحرب محفوفةً بالمخاطر.
في السياق العنيف لا يعود التوثيق عملاً تقنياً محضاً، بل يتحول إلى عبءٍ إنسانيٍ ونفسيٍ ثقيلٍ على القائمين عليه. ويتفرد أرشيف حكايات من غزة بعقبةٍ أخرى وهي الاحتراق النفسي الذي يصيب المتطوعين للتوثيق بحسب المسؤولة عن المشروع لقاء سعدي، وهي فلسطينيةٌ من خان يونس تقيم في القاهرة قبل الحرب.
تقول لقاء للفراتس، مع كل شهادةٍ أو فيديو نوثقه نعاني من الأثر النفسي الذي يتركه كل هذا العنف والدمار والأسى، لاسيما مع اضطرار المتطوع لمعاينة الفيديو أو الشهادة مراتٍ عديدة. وهو ما دفع مديرة المشروع السابقة أميرة لقمة للتنحي عنه، مشيرةً إلى أنها "تشعر بملاحقة الشهداء لها عبر وسائل التواصل الاجتماعي". ففي كل مرةٍ توثق سيرةً لقتيلٍ تدخل حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي، لتجد اقتراحات صداقةٍ لهم بعد الرحيل وهو ما يزيد العبء النفسي عليها.

