نشوى نعيم صحافية عراقية مستقلة

مدينة النجف سنة 2004

مدينة النجف سنة 2004

مدينة النجف سنة 2026

مدينة النجف سنة 2026

مدينة النجف سنة 2004

مدينة النجف سنة 2004

في المكتبة التي أتحدث فيها مع لؤي، وهو واحد من أقدم باعة الكتب في سوق الحويش بجوار مرقد علي بن أبي طالب بمدينة النجف القديمة وسط العراق، أكتشفُ أن المحل هو الخامس الذي ينتقل إليه في السنوات الأخيرة. فكلما توسّع السوق ووصل الهدم إلى مكتبته، انتقل إلى أخرى مع بضاعته من الكتب.
تبدو حكاية لؤي جزءاً من تحولات أوسع تشهدها النجف القديمة تضطر الباعة في السوق للانتقال. يعزو لؤي ذلك إلى شراء العقارات من أصحابها بمبالغ مرتفعة، بينما يعمل معظم باعة السوق مستأجرين لا يملكون حق الاعتراض على البيع. ويشير لؤي إلى ضغط ديني يُمارس على أصحاب الأملاك والمستأجرين عبر خطاب يدعوهم إلى "التعاون من أجل علي بن أبي طالب"، مع وعود بالتعويض. وبينما رفض لؤي الحصول على أي تعويض، قَبِل آخرون أموالاً قُدمت تحت عنوان "تكاليف نقل الأثاث"، وصلت في بعض الحالات إلى مليون دينار عراقي (نحو 760 دولار أميركي)، بحسب روايته.
غيّرت مشروعات التوسعة والتملّك وإعادة التطوير ملامح أجزاء واسعة من النجف القديمة منذ سنة 2003. فمنذ سقوط نظام صدام حسين، تستقبل النجف ملايين الزوار سنوياً، ما جعل النشاطات في المدينة تتركز حول المزار وخدمة الزائرين، على حساب كون النجف نسيجاً حضرياً تراثياً حيّاً. فتح هذا باب مشروعات توسعة وتطوير حضري شملت شراء عقارات في مناطق تاريخية، وقادتها أساساً جهات دينية ومؤسسات مرتبطة بالعتبة العلوية المسؤولة عن إدارة مرقد علي بن أبي طالب. وبالتوازي مع ذلك، توسعت الاستثمارات الفندقية والتجارية داخل المدينة، على نحو أضر بالطابع التاريخي للنجف.

مدينة النجف سنة 2026

مدينة النجف سنة 2026

تقع النجف القديمة في قلب مدينة النجف جنوب بغداد. ولطالما صوّر الرسامون والكتّاب المدينة منخفضة الأبنية تتوسطها القبة الذهبية لمرقد علي بن أبي طالب، التي شكّلت مركزاً بصرياً وروحياً تدور حوله المدينة. ويقول المؤرخ المختص بتاريخ النجف حسن الحكيم، في حديث للفراتس، إنّ المدينة اكتسبت جزءاً من قيمتها التاريخية من ارتباطها بمدينة الكوفة المجاورة، إحدى أهم الحواضر الإسلامية المبكرة وعاصمة الخلافة في عهد علي بن أبي طالب.
شكّل مرقد الإمام علي محور التخطيط العمراني التقليدي للنجف القديمة. إذ انتظم النسيج الحضري للمدينة حوله. فبحسب تصريحات الأستاذ في كلية الهندسة بجامعة الكوفة حسين كاظم التميمي للفراتس، تنقسم المدينة إلى أربعة أطراف رئيسة هي: العمارة والحويش والمشراق والبراق. بنيت المدينة حول المرقد إذ تتوزع أحياء النجف القديمة حوله على شكل قطاعات تفصل بينها شوارع رئيسة تتقاطع في قلب المدينة، فتربط أطرافها مباشرة بالمركز.
وتميزت بيوت النجف التاريخية بوجود مستويين عمرانيين متكاملين: أحدهما فوق الأرض والآخر تحتها. ترصد الباحثة ماري شيبرسون ذلك في إطار "مشروع التوثيق المعماري في النجف"، الذي عُرضت نتائجه سنة 2025. وتوضح ماري أن المنازل التقليدية في المدينة تتشابه فوق سطح الأرض مع بيوت المدن العراقية التاريخية الأخرى، التي شُيّدت أبنيتها من الطابوق (الطوب) وضمت عناصر معمارية مثل الشناشيل الخشبية المزخرفة والأعمدة المنحوتة وملاقف الهواء. غير أن خصوصية النجف تتجلى في السراديب. فالمنزل النجفي التقليدي تألف عادة من طابقين أو ثلاثة فوق الأرض ومثلها تحتها. ويُستخدم السرداب الأول للمعيشة خلال الصيف، فيما يضم المستوى السفلي قنوات مائية أو بئراً. وكانت كثير من هذه الآبار متصلة بعضها ببعض. وتأسست في سراديب المنازل الكبيرة قاعات مقببة مزدوجة الارتفاع استُخدمت للمناسبات الاجتماعية، واستُعملت سراديب أخرى ملاجئ أو أنفاقاً للمقاتلين في فترات تاريخية مختلفة. وفوق الأرض، تميز النسيج العمراني للمدينة بعناصر مثل الطاقات والسوابيط، وهي ممرات مسقوفة تمتد فوق الأزقة الضيقة لربط دارين متقابلتين أو أكثر. وبذلك بدت النجف، وفق هذا الوصف، مدينةً تمتد فوق الأرض وتحتها في آن واحد.
وقد أسهمت الحوزة العلمية في تحويل النجف من مدينة ارتبطت بزيارات الأضرحة إلى مركز تعليم ديني استقطب الطلاب والعلماء. فبحسب حسن الحكيم، المؤرخ المختص بتاريخ النجف ورئيس جامعة الكوفة الأسبق، في حديث للفراتس، بدأ هذا التحول عقب هجرة الشيخ محمد بن الحسن الطوسي، أحد أبرز علماء الإمامية الاثني عشرية، من بغداد إلى النجف سنة 1027 وتأسيسه الحوزة العلمية فيها. وقبل ذلك، ضمت المدينة تجمعات سكنية وخدمات مخصصة للزائرين، إلى جانب حركة تجارية محدودة وبعض الدروس الدينية غير المنتظمة. ومع استقرار الحوزة، نشأت المكتبات والمباني الثقافية، وأصبحت النجف مركزاً علمياً يقصده الطلاب.

مسجد قديم في المدينة | أرشيف د. علي ناجي

مسجد قديم في المدينة | أرشيف د. علي ناجي

فقدت النجف القديمة أجزاء متزايدة من نسيجها العمراني التاريخي خلال السنوات الأخيرة. ترصد ماري هذه التغيرات. وتقول إنه أثناء التجول في المدينة القديمة تظهر آثار هذا التراجع في عدد كبير من الأحياء، إذ اختفت مساحات واسعة من البنية التاريخية للمدينة، فيما تعاني المنازل التي وُثّقت من أوضاع متدهورة. ولم تعد معظم هذه المنازل مأهولة، بل تحوّل بعضها إلى مخازن، ما أسهم في إهمالها وتعرضها لأضرار جسيمة.
تآكلت العناصر التي منحت العمارة النجفية خصوصيتها بوتيرة متسارعة خلال السنوات الأخيرة. فطال التدهور المباني فوق سطح الأرض والفضاءات المعمارية الكامنة تحتها، التي تتلاشى تدريجياً مع استمرار أعمال الهدم وإعادة التطوير. فبعض المنازل التي كانت قائمة قبل سنة واحدة فقط اختفت بالكامل اليوم، لأسباب منها تفتت ملكية العقارات بين أعداد كبيرة من الورثة، ما يصعب التوصل إلى قرارات مشتركة بشأن ترميم المباني أو الحفاظ عليها، ومنها تفضيل بعض الورثة بيع العقار للاستفادة من قيمته السوقية بدلاً من تحمّل تكاليف صيانته والمحافظة عليه.

فنادق شاهقة في المدينة القديمة | أرشيف د. علي ناجي

فنادق شاهقة في المدينة القديمة | أرشيف د. علي ناجي

ويسهم نقص الخبرات المتخصصة في ترميم المباني التراثية أيضاً في تعقيد جهود الحفظ وتسريع وتيرة التدهور.
كانت نتيجة ذلك اختفاء معظم ما حُصر من بيوت النجف التراثية خلال فترة قصيرة فصلت بين بدء التوثيق واستكمال العمل الميداني. يقول زهير نصار، الأستاذ في كلية التخطيط العمراني بجامعة الكوفة والباحث المشارك في المشروع، إن فريقه أحصى سنة 2022 اثنين وسبعين بيتاً تراثياً داخل المدينة القديمة. لكن الفريق فوجئ عند بدء العمل الميداني أواخر سنة 2024 باختفاء معظمها، ولم يتمكن من توثيق أكثر من عشرة بيوت. ويعزو ذلك إلى بيع بعض العقارات أو تحولها إلى مبانٍ يتعذر دخولها وتوثيقها. ويشير إلى أن العامل السياسي لعب دوراً إضافياً، إذ مُنع الفريق من دخول وتصوير بيوت بعض المراجع الدينية التراثية، مثل بيتَي أبي القاسم الخوئي وكاشف الغطاء، بسبب مخاوف من أن يحد التوثيق من إمكان استثمارها مستقبلاً. ويقدّر نصار حجم الضرر الذي أصاب النسيج التاريخي للمدينة بأكثر من 70 بالمئة، موضحاً أن الخسائر شملت البيوت التراثية ومكتبات ومدارس دينية تاريخية، خضع بعضها لتجديدات لا تنسجم مع طبيعتها العمرانية، وأزيل بعضها الآخر بالكامل.

غيّرت التحولات العمرانية في النجف صورة المدينة في ذاكرة سكانها بقدر ما غيّرت مبانيها وأسواقها. ويتذكر نصار طفولته في بيت جده داخل المدينة القديمة، حيث كانت القبة الذهبية لمرقد الإمام حاضرة في المشهد اليومي للنجفيين. ويقول: "كنت طفلاً، أرى القبة من منزلنا، وكانت تلوّح لنا أيضاً ونحن نسير في شوارع النجف الرئيسية، ولاسيما عند انقطاع التيار الكهربائي". ويشير إلى أن القبة ظلت حتى ما قبل سنة 2003 معلماً شاخصاً يهيمن على أفق المدينة، قبل أن تحجبها الأبنية التجارية المرتفعة التي غيّرت المشهد العمراني وصورة النجف في الوعي الجمعي.

وتقود هذه التحولات في المشهد العمراني إلى أحد أكثر الملفات إثارة للجدل في النجف، وهو ملف التوسعة حول مرقد الإمام علي.

أدت مشاريع التوسعة حول مرقد الإمام علي إلى إزالة أجزاء من النسيج العمراني التاريخي للنجف وتحويلها إلى فضاءات مفتوحة تستوعب الأعداد المتزايدة من الزائرين. وطالت هذه السياسات عدداً من أبرز معالم المدينة، وفي مقدمتها سوق الحويش، أحد أقدم أسواق النجف ومراكز بيع الكتب فيها. ويرى التميمي أنه كان بالإمكان تنفيذ مشاريع التوسعة مع الحفاظ على السوق التاريخية. لكن السياسات المتبعة اتجهت إلى إزالته تدريجياً بدلاً من ترميمه وإعادة تأهيله بما يضمن استمراره ضمن النسيج العمراني للمدينة. ويؤكد التميمي أن الإشكالية لا تتعلق برفض التطوير بحد ذاته، إذ تتمتع كثير من المنشآت الجديدة التي أقامتها العتبة بقيمة جمالية ومعمارية، لكن ذلك لا يعوض خسارة أجزاء من النسيج التاريخي للمدينة. فأزقَّة سوق الحويش الضيقة، والتي لا يتجاوز عرض بعضها متراً واحداً، تجسد الطريقة التي طور بها السكان فضاءاتهم العمرانية استجابة لاحتياجاتهم اليومية عبر أجيال متعاقبة. ويصف هذا النمط بأنه نموذج للتخطيط العضوي، أي التخطيط الذي ينشأ تدريجياً من تفاعل السكان مع المكان من دون مخطط هندسي مسبق.

كتابة على البيوت التراثية: أملاك للعتبة العلوية

كتابة على البيوت التراثية: أملاك للعتبة العلوية

بيوت النجف القديمة | مشروع توثيق البيوت التراثية في النجف

بيوت النجف القديمة | مشروع توثيق البيوت التراثية في النجف

بيت تراثي في النجف القديمة | أرشيف د. علي ناجي

بيت تراثي في النجف القديمة | أرشيف د. علي ناجي

توثيق و عمل دائرة الأثار ووجود موظفيها بالمدينة

توثيق و عمل دائرة الأثار ووجود موظفيها بالمدينة

مدينة النجف القديمة 2026

مدينة النجف القديمة 2026

أخذ المشهد العمراني للنجف يتغير مع صعود أبنية حديثة تختلف في شكلها وموادها وارتفاعاتها عن الطابع التاريخي للمدينة. وينتقد التميمي انتشار مبانٍ شُيّدت خارج الضوابط التخطيطية والقوانين المنظمة للبناء في المدينة القديمة. ويوضح أن هذه التحولات تشمل ارتفاعات المباني، إذ حددت تعليمات التخطيط الحضري الارتفاع الأقصى بما لا يتجاوز مستوى سور المرقد. غير أن الفنادق والأبنية الشاهقة التي ظهرت خلال السنوات الأخيرة أضعفت الهيمنة البصرية للقبة الذهبية على أفق المدينة. وطالت التغيرات أيضاً واجهات المباني وأشكالها والمواد المستخدمة في إنشائها، مع انتشار أبنية ضيقة لا يتجاوز عرض بعضها بضعة أمتار، إلى جانب استخدام واسع لألواح الكوبوند (ألواح ألومنيوم عازلة) والخرسانة المسلحة والهياكل المعدنية بألوان وتصاميم لا تنسجم، بحسبه، مع الطابع العمراني التاريخي للنجف. ويلفت التميمي أيضاً إلى أن عدداً من هذه المنشآت يفتقر إلى متطلبات السلامة الأساسية، بما في ذلك مخارج الطوارئ وسلالم الإخلاء.

ومع تسارع هذه التحولات وتزايد المخاوف من فقدان الطابع التاريخي للنجف، برزت خلال السنوات الماضية مبادرات أكاديمية وثقافية ومدنية سعت إلى لفت الانتباه إلى المخاطر التي تواجه المدينة القديمة، والدفع نحو تبني مقاربات أكثر توازناً بين متطلبات التطوير والحفاظ على الإرث العمراني.

دفعت التحولات العمرانية التي شهدتها النجف بعض المثقفين والناشطين إلى إطلاق مبادرات للدفاع عن الطابع التاريخي للمدينة والحفاظ على المشهد المحيط بمرقد الإمام علي. ويقول رئيس اتحاد الأدباء والكتّاب في النجف فارس حرام في مقابلة مع الفراتس إن البيانات والمواقف المشتركة التي صدرت في أكثر من مناسبة لهذا الغرض "لم تلقَ آذاناً صاغية". ويضيف أن بعض المبادرات اتجهت بدلاً من ذلك إلى تشجيع أصحاب المشاريع الجديدة على استلهام روح المدينة وتراثها في تصاميمهم العمرانية. ويشير إلى أن الاتحاد كرّم أحد أصحاب الفنادق لاستخدامه أسلوب "الجفقيم"، وهو أحد أساليب البناء النجفية التقليدية القائمة على رصف الطابوق بطريقة تراثية.

سعت مجموعة من الأكاديميين والمتخصصين في التراث والهندسة إلى تحويل الدعوات العامة لحماية النجف القديمة إلى إطار عملي ينظم تطوير المدينة ويحافظ على طابعها التاريخي. وفي هذا السياق، برز سنة 2013 ما عُرف بميثاق النجف، ثمرة تعاون بين أكاديميين ومتخصصين ومنظمة اليونسكو. وبحسب ما تذكره عالمة الآثار كارولين ساندز والأستاذ في كلية الهندسة بجامعة الكوفة علي ناجي عطية في بحثهما "نجف، أيراك: ديفيلوبنغ آ ساستاينابل أبروتش تو ثريتند هيريتدج" (تطوير نهج مستدام للتراث المهدد في نجف العراق) المنشور سنة 2023، هدفت هذه الجهود إلى إعداد وثيقة مرجعية يلتزم بها الفاعلون الرئيسيون في المدينة للحفاظ على النجف التاريخية وإدارة تطويرها بصورة أكثر استدامة. إلا أن المبادرة لم تحظَ بقبول بعض الأطراف المؤثرة، وفي مقدمتها العتبة العلوية، ما حدّ من فرص تبنيها على نطاق واسع.

واقترح الميثاق الجمع بين حماية النسيج التاريخي للنجف وإدارة تطويرها وفق معايير واضحة. ودعا إلى وقف الهدم، وتحديد حدود للمركز التاريخي وتصنيفه منطقة تراثية محمية وفق معايير اليونسكو والمجلس الدولي للمعالم والمواقع (إيكوموس)، وإخضاع مشاريع التوسعة والترميم لضوابط تراعي القيمة العمرانية والرمزية للمدينة. وأوصى بإنشاء أرشيف وطني مفتوح للباحثين يوثق جميع مراحل الترميم ويربطه بقواعد البيانات والمنظمات الدولية المعنية بالتراث، وإشراك المجتمعات المحلية، والاستثمار في تدريب الكوادر القادرة على صون تقاليد البناء التاريخية.

وتؤكد الجهات الرسمية المعنية بالتراث أن حماية المدينة القديمة تستند إلى منظومة قانونية نافذة. فيقول مدير هيئة التراث والآثار في النجف محمد هادي الميالي إن غالبية المباني التراثية في المدينة القديمة أملاك خاصة، ومعظمها مُعلن مواقع تراثية، ما يجعلها خاضعة لأحكام قانون الآثار والتراث العراقي الصادر سنة 2002، الذي يعاقب المتجاوزين على المواقع الأثرية والتراثية. ويشير الميالي إلى أنّ هيئة التراث والآثار تجري مسوحات دورية للمناطق التراثية في المدينة القديمة، تُصنَّف خلالها المواقع وفق أهميتها، مع توثيقها وحفظ بياناتها. وأسفرت آخر عملية تحديث أُنجزت سنة 2024 عن تسجيل مئة وستين موقعاً تراثياً داخل المدينة القديمة.

وتواجه المواقع التراثية في النجف بحسب الميالي تحديين رئيسين هما مشاريع التوسعة لاسيما المرتبطة بالعتبة العلوية، ومحاولات هدم بعض المباني التراثية أو إزالتها بحجة أنها آيلة للسقوط. ويشير إلى أن هيئة التراث والآثار عززت إجراءات المتابعة الميدانية ونشرت حراساً داخل المنطقة لرصد التجاوزات. وخاطبت الهيئةُ العتبةَ العلوية وعدداً من رجال الدين المؤثرين، وقدمت اعتراضات تدعو إلى إنشاء المرافق التي تحتاجها خارج حدود المدينة القديمة. ويقول الميالي: "نتفهم حاجة العتبة إلى التوسع واستيعاب الأعداد المتزايدة من الزائرين، لكن لا ينبغي أن يكون ذلك على حساب العمق التاريخي للنجف وآثارها وتراثها".

لا تزال هيئة الآثار عاجزة عن ممارسة الدور الذي يمنحه لها القانون في حماية المدينة القديمة. ويشير الميالي إلى أنّ العتبة العلوية لم تطلع الهيئة على المشاريع التي تنفذها داخل المدينة القديمة، مع إيجاب القانون التنسيق معها. ويعرب في الوقت نفسه عن أمله في التوصل إلى صيغة تعاون تضمن حماية ما تبقى من التراث العمراني للمدينة لاسيما في سوق الحويش. ويكشف أن الهيئة أقامت خمساً وعشرين دعوى قضائية ضد مخالفات رصدتها داخل المدينة القديمة، إلا أن أياً منها لم يُحسم، ما يسمح باستمرار أعمال الهدم أو التجاوز. ويعتبر أن استملاك البيوت التراثية وحمايتها مباشرة من أكثر الحلول فاعلية، غير أن محدودية التمويل تعرقل ذلك.

وتتقاطع هذه الانتقادات مع موقف سابق للمرجع الديني الأعلى علي السيستاني سنة 2010، حين أكد ضرورة الجمع بين توسعة المراقد المقدسة والحفاظ على الطابع التراثي للمدن المحيطة بها، مشدداً على أن التوسع لخدمة الزائرين "يجب ألا يؤثر في الطابع التراثي للمدن".

مدينة النجف 2012

مدينة النجف 2012

مدينة النجف 2013

مدينة النجف 2013

مدينة النجف 2014

مدينة النجف 2014

مدينة النجف 2016

مدينة النجف 2016

مدينة النجف 2017

مدينة النجف 2017

مدينة النجف 2018

مدينة النجف 2018

مدينة النجف 2019

مدينة النجف 2019

مدينة النجف 2021

مدينة النجف 2021

مدينة النجف 2025

مدينة النجف 2025

تمتد أسئلة مشروعات التوسع العمراني إلى الأسس القانونية التي استندت إليها عمليات استملاك العقارات ونقل ملكيتها. ويقول المحامي وليد الشمري للفراتس إن بعض عمليات نقل الملكية من بلدية النجف إلى العتبة العلوية استندت إلى قانون إدارة البلديات رقم 165 لسنة 1964، الذي يجيز للبلديات بيع العقارات مقابل سعرها في السوق إلى الجهات الخيرية والدينية بموافقة الوزير المختص. وفي هذا السياق، تكشف وثيقة اطلعت عليها الفراتس أن مشروع "صحن فاطمة"، الواقع غرب المرقد في حي طرف العمارة، نُفذ بعد طلب تقدمت به العتبة العلوية إلى رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي خلال زيارته إلى النجف سنة 2006، تضمن نقل ملكية الأرض من البلدية إلى العتبة بلا مقابل مالي، وهو ما حظي بالموافقة لاحقاً.
ومع وجود ضوابط عمرانية تحكم البناء في المدينة القديمة، يرى الشمري أن الالتزام بها محدود. ويوضح أن هذه الضوابط تفرض ألا يتجاوز ارتفاع المباني أحد عشر متراً، بما يقارب ارتفاع صحن مرقد الإمام علي. ومع ذلك، لا تلتزم الكثير من الاستثمارات القائمة حالياً داخل المدينة القديمة بهذه الشروط، بسبب تشابك المصالح الاقتصادية والسياسية ونفوذ بعض أصحاب رؤوس الأموال والجهات المؤثرة، فضلاً عن المحسوبيات والاستثناءات والعلاقات العشائرية التي أضعفت قدرة المؤسسات الرسمية على فرض الضوابط العمرانية بشكل فعال. ويلفت الشمري إلى أن ضعف تنفيذ القوانين يمتد إلى آليات الرقابة والعقوبات نفسها. ويشير إلى أن بعض الضباط المسؤولين عن حماية مداخل المدينة القديمة أُعفوا من مناصبهم بعد السماح بدخول مواد بناء بلا موافقات رسمية. ورفعت البلدية دعاوى قضائية ضد عدد من المرافق السياحية المخالفة، وصدرت أحكام لصالحها، إلا أن قرارات الإزالة لم تُنفذ.

وبالتوازي مع ذلك، شهدت أسعار العقارات في المدينة القديمة ارتفاعاً غير مسبوق خلال السنوات الأخيرة نتيجة احتدام المنافسة بين المستثمرين والجهات الساعية إلى التوسع. وإذا كانت مشاريع التوسعة تمثل الوجه الأكثر وضوحاً للتحولات التي تشهدها النجف القديمة، فإنها ليست العامل الوحيد فيها. فقد جاءت هذه التغيرات أيضاً نتيجة مسار طويل من التحولات الأمنية والاقتصادية التي أعادت تشكيل وظائف المدينة، وغيّرت علاقتها سكانها بزائريها.

مدينة النجف 2012

مدينة النجف 2012

يربط شبر فلاح، رئيس قسم العمارة جامعة الكوفة، التحولات في النجف القديمة خلال العقدين الأخيرين بتغير العلاقة التاريخية التي ربطت سكانها بالزائرين. كان تبادل المنافع أساس هذه العلاقة، قبل أن تتغير جذرياً سنة 2003 إثر التفجير الذي استهدف المرجع الشيعي محمد باقر الحكيم قرب مرقد الإمام علي. وأعقب ذلك تشديد الإجراءات الأمنية وإقامة حواجز دائمة، ما جعل حياة السكان اليومية أكثر صعوبة وأسهم في مغادرة كثير منهم المنطقة، بالتزامن مع النمو السكاني وتزايد أعداد الوافدين.
زادت هذه التحولات اعتماد المدينة القديمة على الزائرين. فوفقاً لفلاح، شجعت الإجراءات الأمنية المشددة الزائرين على الإقامة الطويلة، ما رفع الطلب على الفنادق. وترتب على ذلك تصاعد الإقبال على شراء المنازل القديمة لهدمها وتحويلها إلى منشآت فندقية، وتراجع جودة هذه الأبنية نتيجة السعي إلى استيعاب أكبر عدد من الزائرين عبر تصغير الغرف والممرات، ما سرع انتقال المدينة من طابعها السكني إلى التجاري. ويستند فلاح إلى استطلاع ميداني أجراه سنة 2018 ضمن بحث أكاديمي شمل نحو 135 بيتاً تراثياً، أظهر رغبة غالبية أصحاب هذه المنازل بالبقاء فيها، إلا أنهم وجدوا أنفسهم محاصرين بقيود أمنية وقانونية ترافقت مع ضعف في الدعم. ويشير فلاح إلى أن "بعض المالكين أحرقوا منازلهم عمداً لتسهيل بيعها بأسعار مرتفعة لصالح مشاريع استثمارية وسياحية".

مدينة النجف 2013

مدينة النجف 2013

ويعتبر فلاح أن مشاريع توسعة العتبة العلوية شكّلت عاملاً رئيساً في إعادة تشكيل المدينة القديمة خلال العقدين الأخيرين. على رأسها مشروع "صحن فاطمة" الذي بدأ العمل به سنة 2007 واكتمل في ديسمبر 2025. أقيم المشروع على مساحة تقارب ستة وتسعين ألف متر مربع في منطقة "طرف العمارة"، التي تعرّضت لهدم واسع خلال الثمانينيات ضمن حملة قمع علماء ومعارضين شيعة.
ويرى فلاح أن النجف تشهد صداماً بين نموذجين مختلفين للتطوير العمراني: الأول تمثله مشاريع توسعة حديثة تتمتع بمستوى معماري جيد لكنها أُقيمت في مواقع ذات حساسية تراثية عالية، والثاني يتمثل في استثمارات خاصة أنتجت أبنية تفتقر في كثير من الأحيان إلى الجودة التصميمية والإنشائية والإدارية.
وعلى الضفة الأخرى من هذا الجدل، تؤكد العتبة العلوية أن التوسعة ليست خياراً تفضيلياً بقدر ما هي استجابة لواقع فرضته التحولات التي شهدتها المدينة خلال العقود الأخيرة.

مدينة النجف 2014

مدينة النجف 2014

ترفض العتبة العلوية اعتبار مشروعاتها تهديداً للمدينة القديمة، وتؤكد أن التوسع الحالي تفرضه الحاجة إلى استيعاب الأعداد المتزايدة من الزائرين، مع مراعاة الحفاظ على المواقع التاريخية والتراثية. وفي رده على الانتقادات الموجهة لمشروعات التوسّع، يقول ممثل ومستشار العتبة في النجف علاء عبدالحسين للفراتس إنّ العتبة تنفّذ أكثر من عشرين مشروعاً خدمياً وعمرانياً، أبرزها مشروع "صحن فاطمة"، الذي شُيّد وفق الطراز الإسلامي النجفي. يضيف أنّ العتبة باشرت كذلك تنفيذ مشروع "صحن أم البنين" لتوسعة العتبة على مساحة تقارب ثلاثين ألف متر مربع، بهدف توفير مساحات إضافية للعبادة والخدمات للزائرين.
ويشير عبدالحسين إلى أنّ التوسّع العمراني في النجف تحكمه اعتبارات جغرافية. إذ تحيط بالمدينة القديمة مقبرة وادي السلام من الشمال، ومنطقة بحر النجف من الغرب، بينما تشغل المناطق السكنية جهتها الجنوبية. هذه المعطيات، وفق عبدالحسين، جعلت التوسّع باتجاه الداخل خياراً أكثر واقعية من وجهة نظر العتبة.
تؤكد العتبة العلوية اعتمادها في استملاك العقارات على التفاوض مع أصحابها، لا على إجبارهم على البيع. ويوضح عبدالحسين أن بعض المالكين، لاسيما أصحاب العقارات غير التراثية، يرفضون البيع، ولا تملك العتبة في هذه الحالات سوى الحوار معهم والسعي إلى إقناعهم، وقد يغيّر بعضهم موقفه مع مرور الوقت. ويشدد على أن العتبة "لم تُجبر أي شخص على بيع ملكه"، وهو ما أسهم في بطء تنفيذ بعض مشاريع الإعمار. ويضيف أن ثمة عقارات تابعة للأوقاف تخضع لإجراءات قانونية خاصة يتابعها القسم المختص في العتبة. وأن العتبة تدرك أن بعض المواقع تمثل جزءاً من ذاكرة المدينة وتاريخها، ولذلك أدرجتها ضمن المواقع التي ينبغي الحفاظ عليها وصونها.
غير أنّ منتقدي هذه المشاريع يرون أن المسألة تتجاوز الحفاظ على عدد من المباني أو المواقع المنفردة، إذ ترتبط بمصير النسيج العمراني والاجتماعي للمدينة القديمة بأكمله.

مدينة النجف 2016

مدينة النجف 2016

يحذّر منتقدو مشاريع التوسعة من تحويل المدينة القديمة إلى مساحة مخصصة للزيارة الدينية فقط. ويقول الأستاذ في كلية الهندسة علي ناجي عطية في محاضرة بعنوان "ذا فيوتشر أند سستينابيليتي أوف نجفز كالتشرال هيريتج" (مستقبل واستدامة التراث الثقافي في النجف) ألقاها في كلية لندن الجامعية سنة 2023، إن المركز التاريخي للنجف يمثل منظومة متكاملة من التراث المادي وغير المادي تشكلت تاريخياً حول مرقد الإمام علي. ويرى أنّ هوية المدينة تتجسد في تفاعل أربعة مجتمعات رئيسة: طلبة العلوم الدينية الذين يحتفظون بتقاليد تعليمية واجتماعية ممتدة، والزائرون سبب توسع المدينة، والتجار والحرفيين الذين ارتبطت أعمالهم بخدمة الزائرين وطلبة الحوزة، والعائلات المحلية التي تشكل نسيجاً إجتماعياً متجذراً في أحياء المدينة القديمة. وأنَّ الحفاظ على النجف القديمة يتطلب الحفاظ على التوازن الحيوي بين هذه المجتمعات الأربعة ومنع تآكل أحدها لصالح الآخر. ويحذر من أن التركيز على تلبية احتياجات "مجتمع الزائرين"، على حساب السكان المحليين سيؤدي تدريجياً إلى تهجير وعزل المجتمعات الأخرى وإضعاف دورها التاريخي داخل المركز القديم.
ينقل عطية النقاش من حماية المباني إلى حماية الحياة الاجتماعية التي منحت هذه المباني معناها. ويستند في ذلك إلى مفهوم "التراث الحي"، الذي تبنته اليونسكو في اتفاقية صون التراث الثقافي غير المادي سنة 2003، ويقصد به الممارسات والتقاليد والمعارف والمهارات التي تمنح المجتمعات شعوراً بالهوية والاستمرارية والانتماء. ويرى أن قيمة النجف لا تقتصر على مبانيها التاريخية، بل تمتد إلى أنماط العيش والعلاقات الاجتماعية والممارسات المرتبطة بالمدينة. وانطلاقاً من ذلك، يدعو إلى إعطاء أولوية أكبر لاحتياجات السكان المحليين ومصالحهم عند وضع سياسات الحفاظ على المدينة القديمة، لأن ارتباطهم بالمكان يجعلهم الأكثر حرصاً على حمايته.

تنعكس آثار هذه التحولات في تفاصيل الحياة اليومية لسكان المدينة القديمة. يقول تقي، وهو صاحب مكتبة في سوق الحويش، يتحدث للفراتس باسم مستعار، إن المدينة شهدت خلال السنوات الأخيرة إغلاقات متكررة للشوارع وإجراءات تفتيش أمنية انعكست على حركة السكان وصعّبت حياتهم اليومية، حتى بات بعض كبار السن "لا يتمكنون من الوصول إلى وجهاتهم إلا بشق الأنفس". ويرى أن هذه الإجراءات، إلى جانب التحولات العمرانية، جعلت المدينة أقرب إلى فضاء مخصص للزائرين والتجارة، في ظل تراجع الحضور السكاني الأصلي واتساع الهجرة إلى الأحياء الجديدة نتيجة ضيق المساحة داخل المدينة القديمة. ويضيف: "كلّه بناء حديث، المفروض ما يتفلّش (يُزال) من النجف طابوقة".

ويرى تقي أن كثيراً من عمليات بيع العقارات في سوق الحويش لا تأتي نتيجة رغبة أصحابها في البيع، بل بعد ضغوط متراكمة تدفعهم إلى ذلك. ويشير إلى أن عمليات البيع غالباً ما تسبقها قيود على الحركة وإغلاق لبعض المداخل، ما يخلق "موتاً اقتصادياً" يدفع بعض المالكين إلى التخلي عن عقاراتهم. ويضيف أن هذا المسار يترافق مع خطاب إعلامي تتبناه العتبة العلوية يقدّم هذه المشاريع توسعة لخدمة الزائرين، بما يضفي عليها صبغة دينية، مستشهداً بعبارة: "التوسعة لزوار أبو الحسن، وين المشكلة"، وهو ما يضع المتضررين في موقف حرج. ويشير إلى أن التغييرات أصبحت جزءاً من الحياة اليومية، حتى إن السكان قد "يفاجؤون باختفاء مكتبة أو منزل أو مدرسة دينية بين يوم وآخر".

مدينة النجف 2017

مدينة النجف 2017

ما تشهده النجف اليوم ليس التحول الأول من نوعه في تاريخ المدينة. ويستعيد تقي تجربة الثمانينيات، حين شهد عمليات إزالة واسعة في منطقة طرف العمارة، قائلاً: "إجه الشفل (الجرافة) وشاله كله هو وبيوته وآثاره وتاريخه". ويضيف أن أجزاء كبيرة من سوق الحويش تغيّر شكلها أو أُزيلت، في ظل ضعف قدرة السكان المحليين على الاعتراض أو التأثير أمام "قرارات رسمية ومؤسسات نافذة تقود عملية إعادة تشكيل المنطقة".
ويعتبر بعض أصحاب المحال في سوق الحويش إضعاف النشاط التجاري مقدمة لانتقال ملكية العقارات أو إخلائها. وفي هذا السياق، يروي لؤي، صاحب مكتبة في النجف القديمة، قصة أحد زملائه الذي كان يملك مكتبة عند أحد مداخل السوق، قبل أن يؤدي إغلاق المدخل ضمن إجراءات تنظيم المنطقة إلى تعطّل نشاطه التجاري. ويقول إن صاحب المكتبة طالب بإعادة فتح المدخل، إلا أن طلبه رُفض، ثم أُبلغ لاحقاً بأن الحل هو مغادرة المكان مقابل تعويض مالي، قبل أن يُهدم المحل في وقت لاحق. ويشير لؤي إلى أن الإجراءات القانونية المتعلقة بالملكية تختلف بحسب توافر الوثائق، إذ يحصل بعض المالكين على تعويضات إذا كانت لديهم سندات رسمية، بينما يواجه آخرون صعوبة في إثبات حقوقهم، ما قد يؤدي إلى انتقال ملكية عقاراتهم إلى العتبة.
بعض سكان المدينة القديمة يعتبرون توسع العتبة العلوية العامل الأكثر تأثيراً في إعادة تشكيل النجف. يقول لؤي إن العتبة وجدت المكان "لقمة سائغة"، وإن توسعها العمراني ترافق مع تحولات واسعة في الملكيات والبنية العمرانية. ويعتقد أنه "لو لم تسمح لها الدولة بالتوسع، لكان بالإمكان الحفاظ على جزء أكبر من النسيج الاجتماعي". ويلفت أيضاً إلى أن وعود إنشاء أسواق بديلة لا تلقى حماساً لدى كثير من أصحاب المكتبات، لأن قيمة المكان لا تكمن في النشاط التجاري وحده، بل في ما يحمله من ذاكرة وتاريخ وتراث.
في المقابل، تقدم العتبة العلوية هذه المشاريع جزءاً من خطة أشمل للتطوير والتنظيم العمراني في محيط مرقد الإمام علي. ويقول عبدالحسين إن جزءاً من سوق الحويش قد يُزال ضمن مشاريع التوسعة الجارية، موضحاً أن إغلاق بعض المداخل يأتي في إطار إعادة تنظيم المنطقة بما ينسجم مع خطط التطوير. ويشير إلى أن العتبة تعمل على إنشاء سوق بديل خارج المدينة القديمة في منطقة "مركز السدير"، يضم نحو أربعمئة محل تجاري مخصص لأهالي المدينة القديمة، لنقل الأنشطة التجارية التي أزيلت أو ستُزال. ويضيف أن تصميم المشروع يجمع بين الطابعين التراثي والحديث، ويؤكد أن هدف العتبة ليس الهدم بقدر ما هو التجديد والحفاظ على التراث وتطوير مسارات الزيارة، مع الإقرار بالحاجة إلى تعزيز التواصل مع سكان المدينة القديمة والتعريف بمشروعاتها.

مدينة النجف 2018

مدينة النجف 2018

تعثرت محاولات التخطيط العمراني الشامل للنجف القديمة على مدى العقدين الماضيين. ومن بين هذه المحاولات، استعانت الجهات الحكومية بشركات استشارية متخصصة في التخطيط الحضري، من بينها شركة "ليويلين ديفيز"، التي شاركت في إعداد بعض الخطط بعد سنة 2003، قبل أن تنسحب لاحقاً بسبب حساسية التعاطي مع المدينة القديمة. وتذهب أطروحة دكتوراه بعنوان "آن إكزامينيشن أوف هيريتج بروتكشن [. . .]" (دراسة ممارسات حماية التراث والحفاظ عليه في مدينة النجف الدينية)، قدمها صادق خليل عبيد في جامعة شيفيلد سنة 2016، إلى أن الفساد كان العامل الأكثر تأثيراً في تعثر هذه التجربة. إذ أدى إلى انسحاب الشركة من العمل داخل المدينة القديمة والاكتفاء بإعداد المخطط الهيكلي لمحافظة النجف.
ولم تتوقف محاولات إعادة تخطيط المدينة عند هذه التجربة. ففي سنة 2010، قدمت شركة "ديوان" العراقية الإماراتية مشروعاً شاملاً لتجديد النجف القديمة. إلا أنه واجه انتقادات بسبب عدم انسجام بعض تصاميمه مع "روح النجف"، وعدم قدرته، بحسب منتقديه، على تحقيق توازن بين مكوناتها الاجتماعية. تضمن المشروع مقترحاً باستملاك نحو 25 بالمئة من مساحة المدينة القديمة وإعادة تطويرها جذرياً، بتكلفة قُدرت بنحو خمسة عشر تريليون دينار عراقي (حوالي أحد عشر مليار وخمسمئة مليون دولار أمريكي)، ما دفع الحكومة إلى الاكتفاء بالمخططات من دون تنفيذها. غير أن هذه التصورات لم تُطوَ بالكامل، إذ يوضح عبدالحسين أن العتبة العلوية استعانت بجزء من مخرجات مشروع "ديوان"، وتعمل على تحديثها وتطويرها ضمن مشاريعها الجارية في المدينة.
ويجمع الأساتذة المعماريون بجامعة الكوفة الذين تحدثوا للفراتس على أن معظم الرؤى التخطيطية التي طُرحت للنجف القديمة انطلقت من احتياجات الزائرين أكثر مما انطلقت من احتياجات المدينة وسكانها. ويرون أن هذه المقاربات تعاملت مع المدينة فضاءً لاستيعاب أعداد متزايدة من الزائرين، لا نسيجاً عمرانياً واجتماعياً يعيش فيه سكان دائمون. ويضيفون أن المدينة القديمة تفتقر اليوم إلى جهة تتبنى مصالحها مدينة تاريخية متكاملة، لا مجرد محيط لمرقد الإمام علي.

مدينة النجف 2019

مدينة النجف 2019

ومع تعثر كثير من محاولات التخطيط السابقة، استمرت الدولة في البحث عن أطر مؤسسية جديدة لإدارة مستقبل النجف القديمة. ففي سنة 2022، شُكلت في عهد رئيس الوزراء الأسبق مصطفى الكاظمي لجنة وزارية للتطوير الحضري للنجف برئاسة وزيرة الإعمار والإسكان نازنين محمد وسو، وعضوية محافظ النجف ماجد الوائلي وعدد من المعماريين المتخصصين. وأسفر هذا الحراك عن تأسيس بلدية النجف القديمة، أول كيان من نوعه في العراق. لكن دورها ظل محدوداً. وأُطلقت مبادرات أخرى، من بينها مشروع برعاية رابطة المصارف العراقية لتأهيل شارع زين العابدين، أحد المحاور الرئيسة المؤدية إلى مرقد الإمام علي. وفي سنة 2023، أُسس "المركز الوطني للزيارات المليونية" بهدف وضع ضوابط للتجديد الحضري في المدن الدينية، وفي مقدمتها النجف.

مدينة النجف 2021

مدينة النجف 2021

يتفق أكاديميو جامعة الكوفة الذين تحدثوا للفراتس على أن مستقبل النجف القديمة لا يتوقف على وجود خطط للتجديد بقدر ما يتوقف على طريقة تنفيذها. ويرون أن نجاح أي مشروع للحفاظ على المدينة يتطلب إرادة سياسية، وتشريعات صارمة، وسلطة تنفيذية قادرة على تطبيق القانون، إلى جانب تمويلٍ كافٍ لصيانة الأبنية التاريخية وحمايتها. ويشيرون إلى أن العوائق لا تقتصر على نقص الموارد، بل تشمل أيضاً محدودية الفهم لمفاهيم إدارة الحفظ، وغياب سياسات تنفيذ واضحة، وتداخل الصلاحيات بين الجهات الرسمية والبيروقراطية ونقص الكوادر المتخصصة. ويؤكدون أن المسؤولية تقع أساساً على عاتق الحكومات المحلية في إعداد التصاميم وتوحيد الهوية البصرية للمدينة، محذرين من أن المشروعات الكبرى الجاهزة ليست الحل الأمثل، وأن التدخلات التدريجية الصغيرة أقدر على تحقيق نمو عمراني متوازن يحافظ على هوية النجف.
هكذا تتلخص حكاية المدينة القديمة. فكلما طُرح مشروع للتطوير، أزاح في طريقه ما اعتُبر عائقاً أمام تنفيذه، من دون حسم السؤال الأهم: كيف يمكن تطوير مدينة ما زالت حية من دون أن تفقد ما يجعلها مدينة؟ ولم يكن ما أُزيل مجرد مبانٍ وأسواق، بل أجزاء من ذاكرة العراق وتنوعه الاجتماعي والثقافي. ففي سوق الحويش، حيث تتجاور المكتبات ونقاشات روادها مع الطرق المؤدية إلى مرقد الإمام علي، ظل المكان يجمع بين المعرفة والروحانية والحياة اليومية. وربما يبقى مستقبل النجف القديمة مرهوناً بالقدرة على الحفاظ على هذا التوازن، لا بالاختيار بين التجديد أو التراث.
حكاية النجف القديمة ليست معزولة عن السياق العراقي الأوسع. فقد تعاقبت على المدينة الحروب، ثم لحقتها تحولات سياسية واقتصادية وإدارية معقدة، تداخلت فيها السلطة والمال والدين، وانعكست على العمران كما انعكست على حياة الناس وذكرياتهم وأرزاقهم. وفي خضم هذه التحولات، بقيت أصوات كثير من المتضررين خافتة أو غير مسموعة، إما خوفاً أو اتقاءً أو يأساً من مواجهة مؤسسات لها من النفوذ والقدرة على التأثير ما يجعل روايتها الأعلى صوتاً.

مدينة النجف 2025

مدينة النجف 2025