أحمد عبد الحميد حسين باحث وكاتب سيناريو.
في هجيرة يومٍ قائظٍ مطلع التسعينيات، جلستُ بجوار أمّي ألهو بثلاث كُريّاتٍ زجاجيةٍ والأسرةُ مستغرقةٌ في فيلم "أدهم الشرقاوي" على القناة الأولى المصرية. وفيما استعر الجدل بين أبي وأمي وأختي في أيّما مطربٍ أدّى موّالَ الشرقاوي (وهو ضربٌ من القصّ الشعبي الغنائي) حقّ أدائه، أهو محمد رشدي أم عبد الحليم حافظ أم يوسف شتا. كنتُ مأخوذاً بالفيلم، وسقطت لعبي من يدي عندما سقط أدهم برصاص خصومه في المشهد الأخير.
عَلِقَت مشاهدُ الفيلم في ذهني، ومَلَكَت عليَّ قلبي حكايةُ البطل الذي قاوم الإنجليز والباشا والعمدة، ثم خانه صديقُه بدران. وصارت سيرةُ أدهم الشرقاوي محور أعوامٍ من بحثٍ دؤوبٍ، ساقني إلى قرية أدهم الشرقاوي وعائلته التي تفرقت بين المحافظات. وبعد أعوامٍ ولقاءاتٍ أخذتني من أرشيفات الصحف في القاهرة إلى مساكن العائلة في محافظتَي الشرقية والبحيرة، اتضح لي أن الموّال والفيلم والمسلسل الإذاعي التي مثّلت حياةَ أدهم الشرقاوي وموتَه، أعادت ترتيب الوقائع لخدمة الحبكة الدرامية. حتى إن الخيال حوّل واحداً من أوفى أصدقاء أدهم "بدران" إلى ألدّ أعدائه.
طفقتُ أقارن صحافة عشرينيات القرن العشرين وسجلات النفي الإداري وروايات عائلة الشرقاوي وخصومهم، وغيرها من مصادر لجأتُ إليها لإعادة بناء حكاية أدهم مستعيناً بمناهج البحث الميداني والتاريخي، حتى تبيّن لي أنه لا يستقيم النظر لأدهم الشرقاوي بطلاً وطنياً خالصاً أو قاتلاً أجيراً وحسب. فهو ابن عائلةٍ من أعيان الريف في حين كانت تَمور مصر والعالم بالتغيرات السياسية والاقتصادية. وخاض صراعاً اختلطت فيه الأرض والثأر والديون بسلطة الاحتلال والشرطة. ومن هذا التاريخ المتنازع عليه نشأت صورتاه المتقابلتان، "الشقي الشهير" و"روبن هود الفلاحين".
دَبّ الخلاف في صورة أدهم الشرقاوي منذ مقتله يوم 13 أكتوبر 1921، كما يظهر من أرشيف الصحف التي تابعت خبر مقتله. فقد تبنّت بعض الصحف رواية الأجهزة الرسمية وصوّرته مجرماً خطيراً، في حين صنعت بعض الروايات الشعبية منه بطلاً ينازع كبار الملّاك والاحتلال.
من بين الصحف التي اتّبعت الرواية الرسمية مجلة "اللطائف المصورة" واسعة الانتشار في مصر مطلع القرن الفائت. وصفت اللطائف مقتل أدهم الشرقاوي بأنه نهاية "الشقي الشهير" الذي أراح موتُه رجالَ الشرطة والبلادَ من جرائمه. وجاء في ذكرها خبره: "رأينا اليوم أن ننشر صورة المجرم الأكبر الشقي الطاغية أدهم الشرقاوي بعد أن طارده رجال الضبط والبوليس واصطادوه، فأراحوا البلد من شره وجرائمه [. . .] ولقي مصرعه في أكتوبر 1921، فكأنه مات عن 23 عاماً، بعد أن دوّخ الحكومة المصرية نحو ثلاث سنوات".
ونشرت صحيفة الأهرام خبر مقتل أدهم الشرقاوي في 13 أكتوبر 1921 بعنوان "عاقبة البغْي.. مقتل شقيّ كبير". وفي 14 أكتوبر 1921 نشرت تقريراً آخَر بعنوان "سلطانُ الأشقياء ومصرعُه"، جاء فيه: "الشقيّ أدهم الشرقاوي قُتل بطلقٍ ناريٍّ، واشتهر القتيل بالجرائم والاعتداء على الأنفس والأموال [. . .] يشيعون عن القتيل المذكور حكاياتٍ كثيرةً، منها أنه يثير الذعر والرعب في أنحاء مركز إيتاي البارود وكوم حمادة والدلنجات، وأنه حاصلٌ على الشهادة الابتدائية، وترك الدراسة للثأر ممن قتلوا عمّه". وأضافت الأهرام: "إن الداخلية وزعت منشوراً جاء فيه أن من يمسك هذا الشقي حياً أو مقتولاً فله 300 جنيه، فقتله محمد خليل الجاويش".
عَرَضَت هذه الأخبارُ قولَ الشرطة والسلطات في أدهم، ولم تقُل قولاً فصلاً فيما حَمَلَه على الجرائم المنسوبة إليه ولا ملابساتها. من أجل فهم الرواية المعارضة لا بدّ من العودة إلى بيت العائلة في ريف البحيرة، وإلى الصراع الذي سبق دخول أدهم عالم الثأر والسلاح.
يروج اعتقادٌ بأن الرواية المقابلة التي رَفَعَت أدهم الشرقاوي في أعين الناس إنما جاءت في أعقاب ثورة يوليو 1952. فقد اكتسب حكامها شرعيتهم من قِبَل انتمائهم إلى عامة المصريين وفقرائهم، لذا اتسقت حكاية أدهم الشرقاوي مع الصورة الإعلامية لقادة الثورة. لكن الحقيقة أن صورة أدهم الشرقاوي بطلاً ظهرت قبل يوليو 1952. والسند في ذلك شهادتان، أولاهما للمطرب عبد الحليم حافظ الذي غنّى موّال أدهم الشرقاوي في الفيلم الذي أنتجه رمسيس نجيب سنة 1964، والأخرى للرئيس السابق أنور السادات في مذكراته الصادرة بِاسم "البحث عن الذات" سنة 1978. ينقل الصحفي المخضرم سعيد الشحات في مقالٍ له نشرته صحيفة اليوم السابع في أغسطس 2021، أن عبد الحليم حافظ روى له تردّده في إجابة طلب المنتج رمسيس نجيب بأن يعيد أداء أغنيات موّال أدهم الشرقاوي التي كتبها زكريا الحجاوي للإذاعة، في الفيلم الذي أنتجه نجيب استغلالاً لنجاح الملحمة الإذاعية المسلسلة. لكن عبد الحليم حسم أمره عندما تذكّر استماعه في طفولته الأغاني الشعبية التي تغنّت ببطولة الشرقاوي. وكانت سيرة أدهم البطولية تُروى على المقاهي في الشرقية، حيث نشأ عبد الحليم وحيث تعود جذور عائلة أدهم. وقد وُلد عبد الحليم في الشرقية سنة 1929، وتركها للالتحاق بمعهد الموسيقى العربية في القاهرة سنة 1943. ما يعني أن مواويل البطولة التي استمع إليها راجت شعبياً في الشرقية خلال عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي.
أما شهادة السادات، المولود سنة 1918 في ميت أبو الكوم بالمنوفية، فواردةٌ في كتابه "البحث عن الذات" إذ يتذكر حكايات أمّه وجدّته عن أبطالٍ قاوموا الإنجليز والسلطة. ومنهم مصطفى كامل ومحمد زهران (أحد الفلاحين الذين أعدمهم الإنجليز في جريمة دنشواي 1906) وأدهم الشرقاوي. يقول السادات في مذكراته: "وكانت جدتي تحكي لنا أيضاً موّال أدهم الشرقاوي وبطولاته وكفاحه ودهاءه في مكافحة الإنجليز والسلطة".تدحض هاتان الشهادتان شبهة اختلاق صورة أدهم الشرقاوي بطلاً في أعقاب يوليو 1952. لكن لثورة يوليو أثراً في تحويل تلك الرواية من روايةٍ شعبيةٍ موازيةٍ روايةَ السلطة الرسمية (أي أدهم قاطعَ طريقٍ)، إلى روايةٍ رسميةٍ تقول بها السلطة وتبثّها عبر قنوات الإعلام الجماهيري إلى الناس. ولكن اتساقاً مع خطاب قادة السلطة الجديدة الذين تصدّروا أبناءً للفلاحين وألدّ الخصام مع "العهد البائد" من كبار الملّاك، كان لا بدّ من إحداث تغييراتٍ على حكاية أدهم الشرقاوي ليكون مماثلاً وممثلاً صورةَ زعماء مصر الجدد كما تصدّروا.
طالت أبرزُ تلك التغييرات منشأَ أدهم. فمع أنه ابن عائلةٍ من أعيان الريف، أي كبار ملّاك الأراضي وأصحاب النفوذ المحلي (رموز العهد البائد)، جَعَلَتْه أجهزةُ إعلام دولة يوليو واحداً من أسرةٍ فقيرةٍ من الفلاحين الأُجراء، وهي قاعدة الفلاحين الكبرى.
في الملحمة الإذاعية المسلسلة التي كانت تخلو الشوارعُ في موعدها الساعة الخامسة والنصف من مساء الجمعة سنة 1962، يعرّف الراوي المستمعين بأدهم فتىً نابغةً فائقاً في مدرسته، يكابد أباهُ الفلاح البسيط لإبقائه منخرطاً في التعليم. وهي صنوُ الصورة التي اتخذها قادة ثورة يوليو وصفاً لأنفسهم. بالعودة لكتاب "البحث عن الذات" نجد قول السادات: "كان والدي أول من حصل على الابتدائية في قريتنا [. . .] ويبدو أن جدتي أرادت أن أسير في نفس الطريق الذي سار فيه والدي، فأدخلتني كتّاب القرية [. . .] ثم نقلتني إلى مدرسة الأقباط بطوخ".
وكما تَنبَّه أدهم الشرقاوي لسلطة الإنجليز وعلاقتهم مع "الباش أغا" الباشا الثري القاتل في حكاية أدهم الشعبية وجاء عزمه على المقاومة من شهادة الظلم، يقول السادات عن طفولته "أدركت من فوق سطح الفرن في دارنا بالقرية أن هناك خطأ ما في حياتنا، حتى قبل أن أرى الإنجليز [. . .] تعلمت أن أكره المعتدين الذين قتلوا وجلدوا أهلنا". لم يكتب جمال عبد الناصر مذكراتٍ يمكن من خلالها أن نرى تناصاً بين سيرته وسيرة أدهم الشرقاوي الشعبية كما كتب السادات. لكن أحاديثه في خطاباته التي تحدث فيها عن نزرٍ من حياته وطفولته، يظهر فيها اعتزازه بجذور أسرته البسيطة وحياته التي تنقَّل فيها بين القرى وفلاحيها الفقراء، وفطنته إلى غياب العدالة الاجتماعية منذ الصغر.
وحقيقة الأمر أن سيرة أدهم كانت بعيدةً عن ذلك التشابه الذي بحث عنه قادة ثورة يوليو. يشرح الباحثان خالد عزب ومحمد السيد حمدي في كتابهما "العائلة السليمية.. سيرة عائلة من صعيد مصر" المنشور سنة 2008 أن طائفةً من الفلاحين ملّاك الأراضي وذوي النفوذ المحلي، أمثال عائلة الشرقاوي، اتسعت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر مع انتقال مساحاتٍ من الأراضي الأميرية (أراضي الميري) إلى الملكية الخاصة. وتسارع ذلك بعد تنازل الخديوي إسماعيل للحكومة سنة 1878 عن "أراضي الدومين" أي أملاك الأسرة الحاكمة، تحت ضغط الأزمة المالية. وكان امتلاك الأرض شرطاً عملياً لتولّي منصبَي العمدة وشيخ البلد.
تنسب الرواية العائلية أصول "الشرقاوية" أي عائلة الشرقاوي إلى الحجاز، ثم إلى قرية الدميين في مركز فاقوس بمديرية الشرقية، قبل انتقال ثلاثة إخوةٍ إلى البحيرة. وهذه روايةٌ شفاهيةٌ عرفتُها في سياق مقابلاتٍ أجريتُها مع ماجد الشرقاوي وطه الشرقاوي ومحمد شريف بسيوني الشرقاوي، مع أبناء أدهم الشرقاوي، وأحفاد أشقائه وشقيقاته، وأحفاد بني عمومته، في ديسمبر سنة 2021، ولم يتسنّ لي التأكد من الوقائع التي يعود تاريخها إلى ما قبل بدايات القرن الماضي عبر الوثائق. تضيف الرواية أن الجدّ عبد الرحمن الشرقاوي وأولاده شاركوا في مقاومة الحملة الفرنسية على مصر في نهاية القرن الثامن عشر، وأن أحد أحفاده شارك في الثورة العرابية، وهي حركةٌ قوامها ضباطٌ مصريون بالجيش وانضمّ لهم مدنيون، للمطالبة بتحويل وضع الحكم في مصر إلى ملكيةٍ دستوريةٍ، وتحولت لاحقاً إلى حركةٍ مسلحةٍ سعت لصدّ الاحتلال البريطاني سنة 1882.
تعرض المصادر المكتوبة نسباً أقرب إلى التوثيق. منها دراسة محمد سعيد عز الدين "هيستوري أند ميموري أوف بانديتس إن مودرن إيجيبت [. . .]" (تاريخ وذاكرة قطاع الطرق في مصر الحديثة: الجدل بشأن أدهم الشرقاوي). وتذكر الدراسة المنشورة سنة 2013 ثلاثةً من كبار أجداد أدهم، وهم عبد الرحمن وعبد الله وأحمد الشرقاوي. ولا تربط الرسالة بينهم وبين الإمام عبد الله الشرقاوي، شيخ الأزهر الذي شارك في ثورة القاهرة الأولى وقاد ثورة القاهرة الثانية ضد الحملة الفرنسية سنة 1800. وتذكر الدراسة أنهم كانوا من أعيان الشرقية قبل نزوحهم إلى إيتاي البارود إثر خلافٍ مع عائلةٍ أرستقراطيةٍ واسعة النفوذ. استقر فرعٌ من العائلة في إيتاي البارود بمديرية البحيرة. وجرياً على عادات التسمية في مصر، يُنسب الغرباء إلى أصولهم من جهةٍ أو حرفةٍ ما، لذا سُمّوا بعائلة الشرقاوي.
اتسعت أملاك العائلة بعد استقرارها في عزبة زبيدة بمركز إيتاي البارود. وتقدّر روايات العائلة مساحة أملاكهم بأكثر من ثلاثة آلاف فدانٍ في منتصف القرن التاسع عشر، وترفعها رواياتٌ أخرى إلى نحو خمسة آلاف فدانٍ، موزعةً على عزبة الشرقاوية التابعة لقرية زبيدة ونواحٍ وقرىً أخرى في البحيرة.
كان والد أدهم، الشيخ عبد الحليم الشرقاوي، من خريجي الأزهر ومعروفاً بأعماله الخيرية، حسب رواية العائلة. وغادر زبيدة إلى طنطا بعد مقتل ابنه، حيث امتلك أراضيَ، وتوفّي فيها سنة 1954 أي بعد مقتل أدهم بثلاثةٍ وثلاثين عاماً.
تدلّ مقابلات العائلة على موقع أدهم من هذه الشبكة الواسعة. فقد قال طه الشرقاوي للفراتس إن أدهم ابن عبد الحليم علي سليمان الشرقاوي، وإن من أبرز أعمام أبيه عبد المجيد بك عمدة زبيدة، ومحمود الشرقاوي الذي أدّى مقتله إلى تحولٍ حاسمٍ في حياة أدهم، واختصاراً ندعوه عمّاً لأدهم في هذا المقال. وأضاف ماجد الشرقاوي أن جدّه لأمه نجية هو عبد المجيد بك نفسه الذي شهد في قضية أدهم الأولى. ووفق هذه الروايات، وُلد أدهم سنة 1898 في عزبة الشرقاوي بزمام قرية زبيدة.
وتصفه رواياتُ أحفاد العائلة المأخوذةُ عن آبائهم وأجدادهم أنه كان قويّ البنية وحسن الهيئة وسريع التعلم. ويستدلون بإجادته بضع لغاتٍ على وعيِه منذ الصغر. وهي أوصافٌ عائليةٌ لا تعضدها – في المصادر المستخدمة هنا – سجلاتٌ مدرسيةٌ ولا شهاداتٌ مستقلة.
تحكي روايات العائلة عن أدهم طالباً ميسوراً، رضع ثدي العلم لباناً قبل أن يترك المدرسة في مرحلة البكالوريا (وهو نظام الدراسة الثانوية وقتئذ). إذ ألحقه والده بمدرسة في طنطا، واشترى هناك بيتاً وأرضاً لإقامته وبعض أفراد العائلة، ثم انتقل أدهم إلى مدرسة الشوربجي في كفر الزيات.
كان أدهم فتيّاً حين شهد تحولاً سياسياً كبيراً في مصر. ففي سنة 1914 كانت البلاد واقعةً تحت الاحتلال البريطاني مع بقاء تبعيتها للدولة العثمانية اسمياً. ومع دخول الدولتين معسكرين متحاربين في الحرب العالمية الأولى، أعلنت بريطانيا الحماية على مصر وعزلت الخديوي عباس حلمي الثاني، ونصَّبت حسين كامل سلطاناً. ورأى قطاعٌ من الساسة والمصريين في السلطان الجديد حاكماً اختاره الاحتلال.
تربط الرواية العائلية بداية تمرد أدهم السياسي بزيارة السلطان حسين كامل لطنطا حسبما رُوي. وتقول إن المسؤولين جمعوا طلاب المدارس لاستقباله، فهتف أدهم: "يسقط عميل الاستعمار.. يسقط السلطان"، وانضم إليه طلابٌ آخرون. وكاد يُفصل من المدرسة لولا تدخّل عمّه العمدة عبد المجيد بك عمدة قرية زبيدة بالبحيرة، الذي خشي على منصبه من تصرفات ابن أخيه. لا تثبت المصادر المكتوبة المتاحة زيارة السلطان لطنطا ولا مشاركة أدهم في هذه الواقعة خاصة. إلا أن راينهارد شولتز يذكر في كتابه "تمرد الفلاحين المصريين 1919" المنشور بالعربية سنة 2020 أن مئة طالبٍ تقريباً، معظمهم من أعضاء الحزب الوطني، وهو حزبٌ أسّسه الرفيقان مصطفى كامل ومحمد فريد ولا علاقة له بالحزب الوطني الذي حكم مصر في نهايات عصر أنور السادات ثم حسني مبارك. اعتقل هؤلاء الطلاب جميعهم بعد مظاهرةٍ في طنطا يوم 18 فبراير 1915 احتجاجاً على السلطان. وتثبت هذه الواقعة قيام احتجاجٍ طلابيٍ في المدينة، من غير أن تحسم صلة أدهم به.
قبل أن يحمل أدهم السلاح، كان شاهداً على صراعٍ خاضه عمّه محمود الشرقاوي المعروف بلقب "سبع شرقاوي". وتصفه العائلة، في مقابلاتي مع طه الشرقاوي، بأنه ذو نفوذٍ احتمى به المستضعفون في مواجهة كبار الأعيان في نواحي إيتاي البارود (البحيرة). وتربط الرواية الشعبية خصومته مع محمد باشا سعيد رئيس مجلس النظار (الوزراء) وقتئذٍ بخلافٍ على حدود أرض.
صورة
لكن العائلة تعلّل الخصومة من وجهٍ آخر. فبحسب المقابلات مع كلٍّ من ماجد الشرقاوي وطه الشرقاوي في يوليو سنة 2025، التمست امرأةٌ من أقارب محمد سعيد باشا حمايةَ محمود الشرقاوي، بعدما اتهمت ابنَ عمّها بالطمع في أرضِها المجاورةِ أملاكَ الشرقاوية. وتقول الرواية إن تدخّل محمود فاقم الخلاف بين الرجلين. يربط أستاذ ورئيس قسم التاريخ بجامعة المنصورة علي بركات في حديثه للفراتس الخصومةَ بصراعٍ اجتماعيٍ أوسع بين أعيانٍ من أصولٍ تركيةٍ وشركسيةٍ رسّخ محمد علي باشا أقدامهم في أجهزة الدولة، وبين مشايخ الريف وأعيانه المصريين. وفي مقابلةٍ أجريتُها معه سنة 2022، قال بركات إن اتساع ملكية الأعيان المصريين في القرن التاسع عشر خوّلهم نفوذاً جديداً. وإن انحياز بعضهم إلى الثورة العرابية، عبّر عن معارضة سيطرة الأتراك والشراكسة على السلطة السياسية والعسكرية. وبعد هزيمة عرابي، حاكمت السلطات عدداً من العمد والمشايخ في الدلتا والصعيد من جراء مساندته.
يؤطر شولتز هذا الصراع داخل تحولات ملكية الأرض والصراع على السلطة المحلية. ففي كتابه يصف الثورة العرابية بأنها "ذروة اندماج الأعيان في الطبقة الوسطى بعد سنة 1881". وفي أثناء القتال مع البريطانيين سنة 1882، هاجم فلاحون أملاكَ كبار الملّاك من الأتراك والشراكسة وأفراد أسرة الخديوي توفيق، ووزعوا بعض أراضي "الجفالك" (وهي أراضٍ تملكها الأسرة الحاكمة)، والأبعاديّات (وهي أراضٍ استُبعدت من مسح الأراضي الشامل) التي وهبتها الدولة لكبار الملّاك. وربط بعضهم ذلك بوعدٍ منسوبٍ إلى أحمد عرابي بإلغاء الضرائب.
أضعفت هزيمة الثورة العرابية هذا التحالف، إذ خشي بعضُ الأعيان خسارة مناصب المشيخة والعُمودية بعدما أحيل عُمدٌ ومشايخ آخرون إلى المحاكمة بتهمة مساندة عرابي. بيد أن جذوة مقاومة الريف لم تنطفئ بعد هزيمة عرابي، وإنما اتخذت أشكالاً متباينةً، كعصابات قطع الطريق. وينقل شولتز أن الشرطة رصدت مئةً وسبعين هجوماً ضد الأعيان وأتمان (أقسام) الشرطة بين سنتَيْ 1891 و1893، وأن بعض العصابات رفعت شعار السرقة من الأغنياء وإعطاء الفقراء. ولم تقتصر تلك الجماعات على الفلاحين الفقراء، فقد ضمّت عُمداً وموظفين وأفراداً من عائلات كبار الملّاك انضموا إلى تلك العصابات.
تشبه السِمات التي يوردها شولتز عن عصابات قطع الطريق في أواخر القرن التاسع عشر الصورةَ التي نُسِبَت إلى عصابة أدهم بعد نحو ثلاثة عقود. فقد ارتبطت تلك العصابات بمهاجمة الأغنياء، وحظي بعضها بحمايةٍ محليةٍ، وشارك فيها عُمدٌ وموظفون وأبناء عائلاتٍ كبيرة. وتظهر بعض هذه السمات في الروايات التي تبرز استهداف أدهم تجاراً وكبار ملّاك، مع انتمائه هو نفسه إلى عائلةٍ من كبار ملّاك الأراضي في البحيرة. ويومئ ذلك إلى تشابهٍ في النمط، من دون أن يُثبت صلةً بين أدهم وتلك الجماعات أو إدارة عصابته برنامجاً اجتماعياً. وقبل ظهور أدهم ومجموعته المسلحة، بدأ الصراع الذي أثّر من بعدُ في مساره بين عمّه محمود الشرقاوي ومحمد سعيد باشا، الذي جمع بين رئاسة الحكومة ونظارة (وزارة) الداخلية. واستخدم رئيس الحكومة نفوذه في التنكيل بمحمود الشرقاوي بنفيه أولاً بعيداً عن أرضه مستخدماً صلاحيات النفي الإداري المخولة لوزارة الداخلية، ثم التحريض على قتله بحسب روايات العائلة.
أتاح النفي الإداري لوزارة الداخلية إبعاد أشخاصٍ لم تثبت إدانتهم أمام محكمةٍ، فتحول إلى أداةٍ جاهزةٍ في صراعات النفوذ. ومع انتشار السطو وقطع الطريق في الريف أواخر القرن التاسع عشر، وسعت الحكومة من صلاحيات جهاز الشرطة واستحدثت نظام "الغَفَر"، وهم خُفراء نظاميون من أهالي القرى يتولون حراستها وتنفيذ مهامّ شُرطِيةٍ تتوزع بين الحراسة وإنفاذ القوانين والأحكام القضائية. وشكلت لجنةٌ في وزارة الداخلية تتخذ قراراتٍ تنفيذيةً – دون العودة للقضاء – بإبعاد المشتبه فيهم إلى مناطق نائيةٍ، بينها الواحات الخارجة.
يشرح محمد سعيد عز الدين في دراسته المذكورة آنفاً أن هذه اللجنة لم تكن ملزمةً بحكمٍ قضائيٍ يثبت الجريمة. ووصف عملَها توماس راسل، مستشارُ وزارة الداخلية ثم حكمدار القاهرة، في كتابه "مذكرات توماس راسل حكمدار القاهرة 1902-1946" الصادر سنة 1949: "أصدرت الحكومة أحكاماً بالنفي إلى معسكرات إقامةٍ جبريةٍ في الواحات الخارجة لمئات العناصر السيئة بالمديريات، ولم يكن الأمر يعتمد على أدلةٍ قانونية".
لم يقتصر النفي الإداري واتهام قطع الطريق على فقراء الريف. يذكر شولتز في كتابه المذكور آنفاً أن صحفيين منتمين إلى الحزب الوطني حوكموا سنة 1910 بتهمة قطع الطريق، في سياق تضييق اللورد كتشنر – قنصل بريطانيا في مصر وقتئذ – على الحزب الذي ترأّسه محمد فريد بعد وفاة مصطفى كامل واتخذ من إنهاء الاستعمار البريطاني لمصر هدفاً. وأعتدت الحكومة لهؤلاء الصحفيين محكمةً خاصة.
اجتمع النفوذان السياسي والأمني في يد محمد سعيد باشا في 23 فبراير 1910، بتولّيه رئاسة الحكومة ووزارة الداخلية. وبعد ثلاثة أشهرٍ من إحكام قبضته على المنصبين، ناقشت لجنة النفي الإداري ملفّ محمود الشرقاوي. ويذكر محمد سعيد عز الدين في دراسته المذكورة سابقاً أن اللجنة اجتمعت يوم 23 مايو 1910 برئاسة أحمد كمال باشا مدير مديرية البحيرة، وهو منصبٌ يقارب المحافظ اليوم. ونسب الملف إلى محمود، وكان في الخامسة والثلاثين مقيماً في زبيدة حينها، أربعاً وثلاثين جريمةً، منها ثماني عشرة جنايةً شملت القتل وتسميم الماشية والسرقة. وتنقل دراسة "تاريخ وذاكرة قطاع الطرق في مصر الحديثة" لفت مراسل صحيفة المؤيد إلى مجافاة محمود الشرقاوي صورةَ المتهم التقليدية، لأن محموداً كان رجلاً ثرياً ومتعلماً. وجاء في التقرير: "كنا نعتقد أن المدانين بالإبعاد الإداري من الخارجين على القانون الذين يفتقرون إلى التنشئة السليمة والتعليم، لكننا لم نعتقد أن قرار النفي الإداري قد يشمل رجلاً ثرياً [محمود الشرقاوي] يمارس الجريمة لا للكسب، وإنما للشهرة والقوة".
واستند ملف الإبعاد الإداري إلى شهادة واحدٍ وثلاثين شخصاً، معظمهم من العُمد ومشايخ القرى. وتذكر دراسة عز الدين أن من بينهم علي بك مهنا، وكيل محمد سعيد باشا. ووصف أحدُ الشهود محموداً بأنه "شقي من أخطر قطاع الطرق في مديرية البحيرة، تجاوز كل حدود الإجرام".
اعترض محمود على الاتهامات وطلب تحقيقاً جديداً. فحمل أخوه الشيخ عبد الحليم، والد أدهم، رسالةً منه إلى الخديوي عباس حلمي الثاني بعد زيارته في منفاه بنقطة المحاريق في الواحات. وقال محمود في رسالته إن رئيس مجلس النظار ومدير البحيرة نسبا إليه اتهاماتٍ باطلةً للانتقام منه.
حاول عبد المجيد بك الشرقاوي، عمدة زبيدة، استعادة أخيه محمود من المنفى. فرفع التماساً إلى السلطان حسين كامل والإدارة البريطانية، متهماً محمد سعيد باشا باستغلال النفي الإداري لتقديم محمود، على حدّ تعبيره، ضحيةً على "مذبح أغراضه الدنيئة". وتسجل الرسالة، التي أوردها عز الدين في دراسته، موقف العائلة من القضية، ولا تمثل حكماً قضائياً في صحة الاتهامات.
لم تنجح وساطات عبد المجيد، وبقي محمود في المنفى حتى تبدل المشهد في ريف البحيرة. فقد فرضت الحرب العالمية الأولى تجنيداً قسرياً ومصادراتٍ واسعةً، وأذكت العنف بين الفلاحين والإدارة المحلية. وعاد محمود سنة 1917 إلى بيئةٍ أشد اضطراباً من عهده بها.
سخرت سلطات الاحتلال نحو مئة ألف فلاحٍ مصريٍ لأعمال الحرب بحلول سنة 1917. ويشرح شولتز في كتابه أن العُمد ومشايخ القرى نفذوا تعليمات التجنيد القسري الصادرة من لجانٍ بريطانيةٍ عبر مديري المديريات. وعُرف هؤلاء المجندون لاحقاً بِاسم "الفيلق المصري"، وسُخّروا في النقل والحفر والخدمات المساندة على جبهات الحرب.
ويروي توماس راسل في مذكراته أن العمدة والمأمور كانا يجبران الفلاح على الالتحاق، ثم يسلبانه وسيلتي رزقه ونقله، إذ يطالبانه بتقديم حماره أو جَمَله لخدمة القوات البريطانية. وقاوم فلاحو الشرقية والبحيرة التجنيد والمصادرة، فهاجم بعضُهم الموظفين وقتلوا شيوخاً وعُمداً ساعدوا في جمع الرجال بالسخرة. ويذكر شولتز أن فلاحين وصفتهم السلطات بقطاع الطرق قتلوا ثلاثة موظفين إداريين في إيتاي البارود خلال يونيو سنة 1917. وردّ الجيش والإدارة المدنية بتعذيب سكانٍ وجلدهم واعتقال أسرٍ كاملةٍ، دون أثرٍ للقتلة. وفي هذا المناخ عاد محمود الشرقاوي من منفاه ثم قُتل بعد أيام. تتفق روايات أفراد الأسرة على أن مقتل محمود الشرقاوي هو ما وضع أدهم الشرقاوي على ناصية الطريق من المدرسة إلى السجن ثم إلى حياة المطاردة. واتهمت عائلة الشرقاوي محمد سعيد باشا بتدبير قتله، من غير أن تدلي المصادر المستخدمة هنا بحكمٍ قضائيٍ يثبت الاتهام.
وبحسب مقابلاتي مع طه الشرقاوي وماجد الشرقاوي، تلقى أدهم بغضبٍ خبر مقتل عمّه الذي عدّه مثله الأعلى، وترك الدراسة وهو في مرحلة البكالوريا عازماً على الثأر. وينقل ماجد الشرقاوي هذه الرواية أيضاً عن زكي الشرقاوي، ابن شقيقة أدهم.
تقول الرواية العائلية إن محاولة قتل أدهم سبقت سجنه الأول. فوفق المقابلات وكتاب ماهر الشيباوي "أدهم الشرقاوي في سجل الخالدين" المنشور سنة 2022، بعدما أعلن أدهم عزمه على الثأر من قاتل عمه، أغرى رجالٌ مقربون من محمد سعيد باشا صديقاً لأدهم يدعى عثمان شراقي بالمال مقابل قتل صاحبه. وجاء شراقي إلى مضخة مياهٍ يملكها عبدالحليم الشرقاوي، وأطلق على أدهم رصاصةً أخطأته، فردّ أدهم وقتله. وقبضت الشرطة على أدهم، وحكمت عليه المحكمة أولاً بالسجن خمسةً وعشرين عاماً، ثم خُفّف الحكم في الاستئناف، بحسب طه الشرقاوي، إلى سبعة أعوام. وكان عمّه العمدة عبد المجيد بك بين شهود القضية.
أصبح رأي عبد المجيد بك في أدهم موضع خلافٍ بين روايات الحكاية. فقد كان عمَّ أدهم وعمدةَ زبيدة معاً، وشهد في القضية الأولى بحسب الرواية العائلية. ويضعه هذا الموقع بين واجبه الإداري تجاه السلطة وصلته العائلية بابن أخيه.
جمع عبد المجيد بك بين سلطة العائلة وسلطة الإدارة. واقتضى الحفاظُ على منصبه التعاونَ مع المديرية، في حين ارتبط نفوذه داخل زبيدة بمكانة الشرقاوية وصلاتهم بأهل القرية والزمامات التابعة لها.
وثّق تنظيم الإدارة المحلية منذ سنة 1895 العُرى بين العُمد والحكومة المركزية. ويذكر شولتز في كتابه أن إصلاحات اللورد كرومر، المراقب العام (المندوب السامي) البريطاني لمصر في نهاية القرن التاسع عشر، وضعت العُمد تحت أعين إدارة المديريات، ووسّعت فروضَهم الأمنية والإدارية، فقرّبتهم من الدولة وأبعدتهم عن مجتمع القرية.
في ضوء هذا الموقع المزدوج يمكن تفسير موقف عبد المجيد سعياً لحماية منصبه والعائلة معاً. فربما رأى في سلوك أخيه محمود وابن أخيه أدهم تهديداً للمساحة التي بَنَتها العائلة داخل جهاز العمودية، أو ربما كان يؤدي واجبه الإداري كما تقول رواية أحفاده.
تضيف رواية العائلة إلى قصة ثأر أدهم فصلاً وقع داخل ليمان طرة، وهو سجنٌ مخصصٌ لقضاء عقوبات السجن المؤبد (السجن مدى الحياة) والأشغال الشاقة. فتقول المقابلات مع طه الشرقاوي وماجد الشرقاوي إن أدهم التقى داخل السجن عبدالرؤوف عيد، الذي اتهمته العائلة بقتل محمود، فقتله أدهم بمطرقةٍ تستخدم في تكسير الحجارة. أما قصة اقتلاع بوابة الزنزانة بيديه، فهي من إضافات السيرة الشعبية إلى رواية هروبه خلال اضطرابات ثورة سنة 1919.
أتاحت ثورة سنة 1919 لأدهم الخروج من السجن. اندلعت أولاً انتفاضةٌ واسعةٌ على الاحتلال قوامها فلاحون وطلابٌ تظاهروا وقطعوا طرق السكك الحديد التي اعتمدت عليها قوات الأمن تحت إمرة الجيش البريطاني في نقل العتاد والجنود ومواجهة المظاهرات.
فبعد اعتقال سعد زغلول (مؤسس وفد وطني سعى لإنهاء الاحتلال البريطاني في العقد الثاني من القرن الماضي) ورفاقه ونفيهم إلى مالطا في مارس 1919، قطع فلاحون الطرق وخطوط السكك الحديد وأوقفوا قطاراتٍ تنقل جنوداً بريطانيين، وهاجم بعضهم مخازن الذخيرة احتجاجاً على نفي وفد المطالبة بالاستقلال وتراجع بريطانيا عن وعودها إبان فرض الحماية على مصر بمنحها الاستقلال عقب انتهاء الحرب العالمية الأولى. ويعرض القاصّ والكاتب الصحفي محمد حافظ دياب هذه المشاركة في كتابه "انتفاضات أم ثورات في تاريخ مصر الحديث" المنشور سنة 2021، ناقلاً عن المؤرخ عبد الرحمن الرافعي أن ثلاثة آلاف فلاحٍ قُتلوا ووصفهم سعد زغلول بعبارة "أصحاب الجلاليب الزرقاء" نسبةً إلى لون الجلباب الشائع بين فقراء الفلاحين وقتئذٍ، وأنهم قوام الثورة.
وصلت أخبار الثورة إلى السجون وفتحت باب الهرب من ليمان طرة. وتظهر تفاصيل الاضطراب والهروب من السجن في مذكرات عريان يوسف سعد، أحد قادة المظاهرات من الطلاب، التي أوردها عبد الملك إسكندر في كتابه "مصر التي أعرفها: سجل الاستقلال المصري" المنشور سنة 2005. وكان عريان عضواً في جماعةٍ سريةٍ مرتبطةٍ بالوفد، وحُكم عليه بالسجن خمسة عشر عاماً بعد إلقائه قنبلةً على سيارة رئيس الوزراء يوسف وهبة باشا سنة 1919 احتجاجاً على قبوله استقبال لجنة ملنر البريطانية. وسجّل عريان يوسف أن سجناء طرة سمعوا أخباراً عن إطلاق سجناء من سجن "قره ميدان"، وأن بدواً من عرب الباسل حرروا سجناء القلعة. فاستغل نزلاء طرة الاضطراب وأجبروا الحراس على فتح البوابة الرئيسة. وكان أدهم بين أربعمئة سجينٍ فرّوا يومئذ.
تبدأ أسطورة أدهم بطلاً وطنياً بعد هروبه. لكن صلته المنظمة بثورة سنة 1919 لم تستيقن بعد. فالرواية الشفاهية للعائلة تنسب إليه قطع خط السكة الحديد على قطارات الجنود البريطانيين بين القاهرة والإسكندرية، ومنعهم من المشاركة في قمع المظاهرات.
لا تُسْدي السجلات المستخدمة هنا دليلاً مباشراً على مشاركة أدهم في تلك العمليات، كما أن تعذُّر توثيق أسماء آلاف الفلاحين المشاركين لا يثبت مشاركته وحده. ولذلك تبقى هذه الواقعة جزءاً من الرواية العائلية لا حقيقةً باتّة. الثابت في الروايات المكتوبة والشفاهية أن أدهم ضَلَع بعد هروبه في قتل تجارٍ وأعيانٍ ونهبهم. وتؤكد العائلة أنه استهدف في عمليات النهب تلك رجالاً موّلوا الاحتلال واستغلوا الفلاحين، في حين تصفه مصادر الصحافة والشرطة بقاطع طريقٍ قتل وسرق لحسابه. وتساعد مسائل مثل ملكية الأراضي، وتجارة القطن، والديون على تفسير سبب انقسام الذاكرة بشأنه.
أفرزت الملكيات الأجنبية ونظام إدارة الضِياع مسافةً بعيدةً بين الفلاح وصاحب الأرض. ويذكر شولتز أن ملّاكاً أجانب أقاموا في المدن وعُيّنوا نظاراً، أي مديرين للضياع، كثيرٌ منهم يونانيون لا صلة لهم بأهل القرى. وواجه هؤلاء مقاومةً كلّ يومٍ من الأهالي والفلاحين ضد التسريح وتسريع العمل والعقاب، بلغت في بعض الحالات حدّ القتل، ثم امتدت وقائع القتل إلى نُظَّار ضياعٍ مصريين احتذوا حذوهم.
ضاعفت تجارة القطن هذا التوتر. ففي دراسة إيمان عبدالله التهامي "شركات الحلج وكبس القطن في مصر 1894-1952" المنشورة سنة 2022، تعدّدت الشركات والمحالج التي يملكها أجانب في المدن وعواصم الأقاليم. وامتلك التجار شبكات التصدير والعلاقات، وأتقنوا لغاتٍ لا يحسنها معظم المنتجين المصريين، فازدادت قدرتهم على التحكم في شراء المحصول وتمويله.
رهن نظامُ الدَين جهدَ الفلاح لصالح التاجر قبل جني المحصول. ويشرح باتريك كلاوسن في مقاله "تطور الرأسمالية في مصر" المنشور في موقع "صفر" في فبراير سنة 2023، أن صغار الفلاحين اضطروا إلى قروضٍ موسميةٍ من التجار قيد حساب المحصول، بعد امتناع البنوك الزراعية عن تمويلهم. وبلغت الفائدة في بعض الحالات 50 بالمئة من أصل القرض، فإذا تعثر الفلاح فَقَدَ حقَّ الانتفاع بأرضه أو خضع أكثر للدائن. وعُرف هذا النمط بِاسم "استعباد الدَين"، لأنه نقل جانباً من سلطة التصرف في الأرض والمحصول إلى المرابي أو التاجر.
تكشف حادثة التاجر ندا عن أصل الخلاف في دوافع أدهم. فالعائلة تقرّ في المقابلات وفي أحاديث خَلَت لأفرادها مع الصحافة بأن له يداً في السلب والنهب، لكنها تقول إن عملياته استهدفت تجار القطن وكبار الملّاك الموالين الاحتلالَ، وإنه وزع قسماً من الأموال على فقراء زبيدة والقرى المجاورة. ويحتجون في روايتهم بواقعة ندا. ومن هذه الرواية جاء وصف أدهم بأنه "روبن هود الفلاحين".
وبحسب روايات طه الشرقاوي وماجد الشرقاوي وعبد الحميد عبادة، حفيد "وصفة" شقيقة أدهم، كان ندا تاجر قطنٍ يقيم في قريةٍ تابعةٍ للنجيلة بمركز كوم حمادة. وتقول العائلة إن أدهم أوهمه بأنه أجنبيٌّ مثله، بفضل معرفته بعض لغاتٍ، ثم حَمَله على تسليم "كمبيالات" الفلاحين أي سندات ديونهم، وأحرقها قبل أن يقتله. لا تتفق المصادر حتى على هوية القتيل. فتسميه الرواية العائلية "كامل ندا" وتصفه باليوناني، في حين تسميه رواياتٌ مكتوبةٌ "ندا جرجس"، وهو اسمٌ لا يقطع بكون الرجل يونانياً استقر في مصر أم مصرياً.
تقابل هذه الروايةَ شهادةٌ نشرتها صحيفةٌ في ثلاثينيات القرن العشرين لرجلٍ يدعى مبروك. وجدتُ قصاصة الحوار في أرشيف قناة الوثائقية المصرية ولم يُستدَلّ على اسم الصحيفة التي أجرت الحوار ولا تاريخه، لكن القصاصة تصف مبروكاً بأنه كان زميلاً لأدهم في ليمان طرة. وترسم شهادته أدهم قاتلاً وقاطع طريقٍ، ولا تذكر الدافع الاجتماعي الذي تبرزه العائلة. قال مبروك، الذي وصفته الصحيفة بأنه عاملٌ من أصلٍ سودانيٍ في شركة الهواتف، إن أدهم حاول نهب ندا جرجس في قرية الخوالد، وقتل خادماً له وابناً في العاشرة. ونسب إليه أيضاً نهب تجارٍ على طريق سوق صفط العنب (قرية بالبحيرة)، وسلب صائغ ذهبٍ والاستيلاء على ستمئة جنيهٍ من طُلبة شريف، مندوبِ تاجٍر للقطن. وبحسب شهادة مبروك، وقعت هذه الحوادث المنسوبة إلى أدهم في هنيهةٍ سبقت قتلَه حسين السيوي، الذي تسبب مقتله في استنفار كل قوة الشرطة في أثر أدهم الشرقاوي وكتابة فصل النهاية.
تتفق بعض الروايات على أن أدهم قَتَلَ حسين السيوي، أحد أعيان إيتاي البارود، وتختلف فيما حمله على القتل. فبحسب مقابلتي مع طه الشرقاوي ورواياتٍ صحفيةٍ لأفراد العائلة، حرّض السيوي الشرطة على أدهم بعد واقعة ندا، وقَتَلَ عبدَ القوي الناقوري الذي أرسله أدهم لتهديده. وتقول العائلة إن أدهم قتل السيوي ثأراً للناقوري.
يرفض أحفاد السيوي هذه الرواية، ومنهم الفنان التشكيلي عادل السيوي، حفيد حسين، الذي قال في حلقةٍ من البرنامج الإذاعي "مصر التي لا نعرفها" للمذيعة بثينة كامل بُثّت في نوفمبر 2013: "وجهة النظر التي سمعتها من أبي أن أدهم الشرقاوي اتكرى [استأجره أحدهم] عشان يقتل جدي، ومنعرفش ليه قتله، لأنه مكانش رجل إقطاعي ولا مسؤول في السلطة التنفيذية [. . .] أدهم دخل قصر حسين السيوي وهو يجلس مع كاتب حساباته، ثم قام بقتله".
وأكدت دينا الرفاعي، حفيدة حسين السيوي، هذه الرواية في مقابلةٍ أجريتها معها يوم 5 أغسطس 2021. وقالت: "جدي لأمي الشيخ حسين السيوي من واحة سيوة، وهاجر للبحيرة لأنها كانت معروفة بأن فيها أراضي واسعة صالحة للزراعة. فاشترى أرضاً واستقر في البحيرة، واتعرف لقبه باسم المكان اللي كان جاي منه. ولما كبرت الأرض اللي بيملكها، اتكرى أدهم من بعض منافسيه [استأجره منافسو جدها لقتله] [. . .] إحنا كنا شايفين إن ثورة الضباط الأحرار كانت عايزة تخلق أساطير يتقال إنهم قاوموا الاحتلال الإنجليزي والإقطاع، لكن أدهم مشاركش في ثورة 1919 غير باعتباره شخص دخل عشان يسرق وينهب".
جعل مقتل السيوي من أدهم هدفاً ملء السمع والبصر من السلطات بعدما كان خطراً محلياً. وتقول دينا الرفاعي إن جدها كان متزوجاً من امرأةٍ تنتمي إلى عائلةٍ نافذةٍ، وإن مقتله نوقش في المجلس التشريعي، ولم يتسنّ لي التحقق من صدق هذا الادعاء عبر مصدرٍ مستقل. وبعد أيامٍ، نشرت صحيفة الأخبار تقريراً بعنوان "الأمن في البحيرة" جاء فيه: "بينما كان المرحوم الشيخ حسين السيوي، عين أعيان إيتاي البارود، جالساً في الساعة العاشرة صباحاً بمقربة من منزله في كفره [كفر أبو مندور]، ومعه ستة من أهله وصحبه، طلع عليهم لصّان مدجّجان ببندقيتين. وصوّب أحدهما بندقيته مهدداً من يتحرك من موضعه بالقتل، وسدّد الآخر بندقيته إلى صدر ذلك الوجيه ورماه بثلاث رصاصات أردته قتيلاً [. . .] ويقول وكيلنا إن مبلغ الظن أن أحد القاتلين مجرم طاغية من الذين فروا من ليمان طرة، وكان محكوماً عليه بالأشغال الشاقة المؤبدة. فلما فرّ اتخذ البحيرة مقراً له ولعصابة من أمثاله [. . .] فإلى هذه الحالة الفظيعة نلفت نظر الحكومة، آملين أن تتذرع بما لديها لقمع المعتدين".
بالعودة إلى شهادة مبروك الذي زامل أدهم في السجن، وتبنَّى في شهادته للصحف الرواية التي تصوّر أدهم الشرقاوي مجرماً وقاطع طريقٍ، فإن شهادته تتفق في خطوطها العامة مع رواية أحفاد السيوي. فوفق اللقاء الصحفي المنشور معه في ثلاثينيات القرن العشرين، هدّد أدهم كلّ من يبلغ عن مخبئه في قرية الخوالد. ولما علم أن مأمور المركز يزور حسين السيوي في ضيعته المجاورة مخبأَه، قَصَدَ دارَه صباحاً وقتله برصاصة. وأضاف مبروك أن خوف أهل القرية منعهم من الإبلاغ عن أدهم أو الشهادة ضده.
ينبغي قراءة شهادة مبروك بحذرٍ لأنها صادرةٌ عن رجلٍ عَمِلَ مرشداً سرياً للشرطة بعد خروجه من السجن وقبل مقتل أدهم. وهذا لا يبطل روايته البتّة، لكنه يضعه داخل المعسكر المناوئ أدهمَ، ويجعل مقارنتها بمصادر مستقلةٍ ضروريةً قبل اعتماد تفاصيلها.
لم يكن توظيف لصوصٍ سابقين في الشرطة استثناءً في تلك الأيام. ففي دراسته يشرح محمد سعيد عز الدين أن وزارة الداخلية وظفت بعض قطاع الطرق مخبرين بدلاً من مطاردتهم، مستفيدةً من معرفتهم بأساليب الجريمة وصلاتهم بزملائهم السابقين. وكان نفوذ المفتشين البريطانيين في الداخلية قد اتسع منذ سنة 1885.
ظهرت أمارات ذلك في خاصةِ أدهم. فبحسب مقابلتي مع عبد الستار فليفل، حفيد وصفة شقيقة أدهم، كان محمود أبو العلا من قرية الخوالد خفيراً قبل انضمامه إلى جماعة أدهم، ثم دلّ الشرطة على مخبئه. وتضيف رواية فليفل خفيراً آخر هو أحمد البيلي وتعدّه مرشداً لصالح الشرطة ضمن جماعة أدهم. وكان أبو العلا والبيلي وثيقي الصلة بأدهم قبل أن يساعدا رجال الشرطة السريين على الوصول إليه.
تتفق الروايات على أن الشرطة وصلت إلى أدهم بمساعدة أشخاصٍ من خاصته، وتختلف في تفاصيل الكمين وكيفية إطلاق النار. بحسب تقريري "الأهرام" في 13 و14 أكتوبر سنة 1921، زادت الحكومة دورياتها بعد اتساع عملياته. ثم اختلف أدهم مع الخفير محمود أبو العلا حمروش، فأرشد حمروش الشرطة إلى مكانه، وغادره أعوانه خوفاً من الحصار، في حين تنقّل بين إيتاي البارود وكوم حمادة والدلنجات. وتقول رواية محمد غريب محمود الشرقاوي في لقائه مع بثينة كامل، إن صلات العائلة ونفوذها وفرا لأدهم إنذاراتٍ مبكرةً من بعض الخفر كلما تحركت حملةٌ للشرطة نحو القرية.
كانت قرية الخوالد من أهمّ مخابئ أدهم، لأن شقيقته الكبرى وصفة تزوجت بسيوني إمام فليفل من أهل القرية. وقال وليد فليفل، أستاذ التاريخ الإسلامي بجامعة طنطا وأحد أبناء الخوالد، في مقابلتين أجريتهما معه سنة 2021، إن أدهم احتمى ببيت أخته وزوجها بعد مقتل السيوي وأحد أفراد عائلة ندا. ومع ضغط مديرية البحيرة على عُمد زبيدة والخوالد وقراهما، أغرى أحدُ أعيان المنطقة محمود أبو العلا بالمال والحماية مقابل الوشاية بأدهم.
يورد ماهر الشيباوي روايةً قريبةً في كتابه "أدهم الشرقاوي في سجل الخالدين" المنشور سنة 2022. ووفقها، أبلغ أبو العلا نقطة شرطة التوفيقية، فأرسل رئيسها ثلاثة جنودٍ بملابس مدنية. والتقوا الخفير أحمد البيلي، الذي كان على موعدٍ مع أدهم ويحمل إليه وعاء ماءٍ، فقادهم إلى مكانه بين زراعات الذرة في حوض أبو الرمان بزمام قليشان (صفط العنب)، حيث أطلقوا عليه النار.
أما الرواية الرسمية المنشورة عن الشرطة، فتقول إن مسؤول نقطة التوفيقية أرسل الجاويش محمد خليل، وهو من رتب ضباط الصف، ومعه "أُمباشي" (عريف) سوداني، وخفير. وكمن الرجال لأدهم في حقل ذرةٍ بزمام عزبة جلال، بينما كان في حقل قطنٍ مجاورٍ بحضرة الطعام. ولما شعر بالحركة أطلق النار من بندقيته، فردّ محمد خليل برصاصتين قتلتاه. وعثروا معه، بحسب الخبر الذي أعاد نشره أحمد أبو المحسن في صحيفة "الدستور" يوم 19 مايو سنة 2018، على مئة طلقةٍ وخنجر.
تقدم العائلة نهايةً مختلفةً في بعض تفاصيلها. فقد روى زكي الشرقاوي، ابن شفيقة أخت أدهم، أن محمد خليل كان شرطياً سرياً جمع معلوماتٍ من أقارب أدهم مستعيناً بمحمود أبو العلا. وعرف أن عبداللاه الأشقر – رجل من عصابة أدهم – يحمل الطعام إليه من متجر رجلٍ يونانيٍ يدعى مخالي، فتتبعه وأقنعه بأنه رسولٌ من أقارب أدهم في الغربية. وسلّمه الأشقر الطعام وكلمة السر "أبو الدهب". وتقول الرواية إن خليل وجد أدهم نائماً فأطلق عليه رصاصةً اخترقت قلبه.
أنهى الرصاص حياة أدهم، ولم ينهِ الجدل في سيرته. فقد صنعت الصحافة صورة "الشقي"، وحفظت العائلة صورة الرجل الذي ثأر لعمّه ونازع كبار الأعيان والشرطة، ثم أعادت الثقافة الشعبية تركيب الوقائع في سيرة بطل. وبين هذه الصور تبقى وقائع يصعب تجاوزها، مثل قتل أدهم خصوماً ونهبه أموالاً، ونشأته في عائلةٍ من كبار الملّاك، ومعيشته في ريفٍ اختلط فيه الصراع على الأرض والديون والسلطة بمقاومة الاحتلال. لذلك لا تبتّ في سيرته ثنائيةُ "القاتل الأجير" أو "روبن هود"، فهي تكشف، قبل كلّ شيءٍ، كيف تصنع المجتمعات أبطالها من تاريخٍ متنازعٍ فيه.
