قدّم عبدالرحمن الراشد في ردّه على موسى قراءةً أخرى للحرب. فحاجّ بأن التركيز على أهداف أمريكا وإسرائيل من الحرب يتجاهل حقيقة أن التهديد الإيراني لم يكن موجهاً ضد إسرائيل وحدها. إذ طال عدة دول عربية، واستمر عقوداً طويلة وظفت فيها إيران الجماعات المسلحة والصواريخ أداةً للهيمنة والإرهاب. وإيران في هذه القراءة ليست العضيد في مواجهة مشروع أمريكا وإسرائيل، بل التهديد المساوي، إن لم يكن المتجاوز، في خطره التهديدَ الإسرائيلي. ولذلك، فأي عمل يضعف من القدرات العسكرية الإيرانية يعني خفضاً للتهديد الذي تتعرض له نصف الدول العربية.
هذان الموقفان لم يولدا في الحرب الأخيرة. بل أظهرا موقفين قديمين من إيران، تشكّلا في القرن العشرين، وقدّما مع موقفين آخرين صورَ إيران الرئيسة في الفكر العربي المعاصر. يقدم تصوران منهما إيران امتداداً حضارياً ورديفاً شرقياً أو حليفاً، ويقدمها التصوران الآخران خطراً مذهبياً أو قومياً يهدد العرب.
تبلورت معالم هذا التصوّر في مصر في ثلاثينيات القرن العشرين وأربعينياته. فبعد إعلان بريطانيا استقلال مصر في فبراير 1922 وإعلان فؤاد الأول نفسه ملكاً على مصر، تجمّع عشرات المفكرين والشخصيات العامة في مصر لتأسيس جمعية "الرابطة الشرقية" بغرض "ترقية الأمم الشرقية" وتجاوز دعوات "الفرعونية" و"القومية المصرية" الرائجة آنذاك.
حظيت الجمعية بدعم ملكي نظراً لأطماع الملك فؤاد التوسعية. وتولى رئاستها شيخ مشايخ الطرق الصوفية في مصر عبدالحميد البكري وضمّت شخصيات من أمثال رشيد رضا وأحمد زكي باشا. نشرت مجلة الهلال في مارس 1922 خبراً بعنوان "جمعية الرابطة الشرقية: مشروع خطير" تحدثت فيه عن سعي الجمعية لترقية الأمم الشرقية "بالعلم الذي هو أساس كل فلاح، وبإحكام الروابط بين هذه الأمم، وبإحياء حضارة الشرق وإرجاعه إلى فضائله" دون التفريط من الاستفادة من "ما في مدنية الغرب من المحاسن". وذكرت أن طموحاتها واسعة شملت إحياء التراث الشرقي وتوحيد الخط العربي ووضع عملات ومعايير مشتركة بين أمم الشرق. وأطلقت الجمعية "مجلة الرابطة الشرقية" سنة 1928، منبراً فكرياً لترجمة الأدب الفارسي والتركي والهندي، ونشر مقالات تدعو إلى التضامن الشرقي ومواجهة النفوذ الاستعماري والتغريب. وصلت هذه الحركة قمتها عند زواج الأميرة فوزية، الابنة الكبرى لملك مصر فؤاد الأول، من ولي عهد إيران الأمير محمد رضا بهلوي سنة 1939.
قدم توجّه "الرابطة الشرقية" حلاً بديلاً لتحديات مصر الداخلية والخارجية. فقد اشترك مع التوجّه الإسلامي الصاعد في اعتبار أن مكمن الخلل في مصر المعاصرة تخليها عن جوهرها الحقيقي لصالح تغريب وافد. وبينما كانت الوصفةُ التي قدمها التوجّه الإسلامي العودةَ إلى الإسلام في صورته النقية في عصر صدر الإسلام، قدم توجه الرابطة الشرقية وصفة أخرى قوامها العودة إلى قيم شرقية أصيلة مشتركة بين أمم الشرق تتجاوز الدين والمذهب. لهذا نجد أن الجمعية عند تأسيسها ضمّت عرباً وأتراكاً وفرساً ومسلمين ومسيحيين وسنة وشيعة.
كان عبدالوهاب عزّام أحد أبرز دعاة هذا التيار في تلك الفترة. ولد عزّام في محافظة الجيزة في 28 أغسطس 1894، ونشأ في أسرة ذات دور سياسي. تلقى تعليمه الأوّل في الكُتّاب قبل انتقاله إلى الأزهر متخصصاً في علوم الشريعة واللغة العربية. ثم قادته خطاه إلى مدرسة القضاء الشرعي وتخرج منها سنة 1920 وعين مدرساً بها، ثم التحق بالجامعة المصرية ونال فيها درجة "الليسانس" في الآداب والفلسفة سنة 1923.
بدأت علاقة عزّام بالثقافة الفارسية بعد اختياره إماماً ومستشاراً للشؤون الدينية بالسفارة المصرية في لندن سنة 1923. استغل وجوده هناك للاطلاع على مناهج المستشرقين في دراسة التراث الإسلامي، والتحق بمدرسة اللغات الشرقية والإفريقية التابعة لجامعة لندن. وحصل في جامعة لندن على درجة الماجستير في الأدب الفارسي سنة 1927 بأطروحة تناولت التصوف عند الشاعر الفارسي فريد الدين العطار الذي عاش في القرن السادس الهجري. تابع بحوثه عقب عودته إلى مصر حتى نال الدكتوراه سنة 1932 في كلية الآداب بالجامعة المصرية بأطروحة عن "شاهنامه الفردوسي في الأدب العربي". تدرج عزام في سلكه الأكاديمي حتى أصبح رئيساً لقسم اللغة العربية واللغات الشرقية ثم انتُخب عميداً للكلية سنة 1945.
تتجلى أهمية عزام في كونه المؤسس الحقيقي لدراسات اللغات الشرقية في مصر. حيث أنشأ "معهد اللغات الشرقية" سنة 1944. منح المعهدُ "دبلوم اللغات الشرقية" ووفّر البيئة العلمية الأولى لتخريج متخصصين في اللغة الفارسية وآدابها والانتقال بالدراسات الإيرانية في مصر من المجهودات الفردية إلى العمل المؤسسي المنظم المبني على تحقيق النصوص الفارسية وترجمتها وقراءتها في أصولها. ثم مثّل الحجر الأساس للتطور الأكاديمي اللاحق لهذه الدراسات. فعندما أُلغي المعهد سنة 1950، أُنشئ عوضاً عنه "قسم اللغات الشرقية وآدابها" بكلية الآداب، الذي استوعب دراسة لغات الأمم الإسلامية، الفارسية والتركية والأردية، إلى جانب لغات الأمم السامية، العبرية والسريانية والحبشية. وبسبب هذه الجهود قال طه حسين في تأبين عزام: "وبفضل عبد الوهاب عزام، استقر تدريس اللغة الفارسية في جامعة القاهرة، وانتقل منها إلى جامعات أخرى ومعاهد أخرى للتعليم، وبفضل عبد الوهاب عزام أخذنا نعرف أدب الفرس ونعرف من آثارهم وأمورهم شيئاً غير قليل".
ارتبط اهتمام عزام بإيران بفكرة أوسع عن وحدة الشرق الإسلامي وروابطه الثقافية والروحية. يقول في ذلك "قل للذين يلتفتون عن المشرق، ليولوا وجوههم شطر المغرب، إنما تعرضون عن أنفسكم وتاريخكم. ابدأوا بأنفسكم فاعرفوها، وبمآثركم فعظّموها، ثم اعرفوا لغيركم أقدارهم، ولا تبخسوا الناس أشياءهم". تذكر حنان حماد في دراستها "فروم أورينتالزم تو خمينيزم [. . .]" (من الاستشراق إلى الخمينية: قرن من الدراسات الفارسية في مصر)، المنشورة سنة 2015 أنه بينما اعتمدت الجامعة المصرية على المستشرقين الأوروبيين في تدريس اللغات والآداب الشرقية، سعى جيل من الباحثين المصريين إلى إعادة تقديم الشرق من منظور ثقافي داخلي لا يرى الشرق فضاءً متخلفاً وإنما خزّاناً للروح والشعر والعرفان. ولهذا ركّز عزام على الأدب الفارسي القديم والتصوف الإسلامي. وتضع حنان حماد هذه الأعمال في سياق المشروع الأوسع لرواد الدراسات الفارسية في مصر، الذين سعوا إلى إبراز العصر الذهبي لإيران الإسلامية جزءاً من تاريخ المجتمعات الإسلامية وإنجازاتها في الفن والأدب والفلسفة. وتربط حماد أيضاً بين نشاط عزام العلمي ومشروعه الداعي إلى الوحدة الإسلامية، مؤسساً "جماعة الأخوة الإسلامية". وقد أنجز أول ترجمة عربية كاملة للشاهنامة، ثم ألّف كتاباً عن فريد الدين العطار سنة 1945، في إطار مشروع ثقافي يقوم على إبراز "العصر الذهبي لإيران الإسلامية جزءاً من التاريخ المجيد للمجتمعات الإسلامية وإنجازاتها في الفن والأدب والفلسفة". ومع تصاعد نُذر الحرب العالمية الثانية في أوروبا في الثلاثينيات، وتأثراً بكتابات غربية مثل "تدهور الغرب" لأوزوالد شبنجلر، تبلورت لدى عزام قناعة بحتمية السقوط الغربي. ورأى أن انحدار الغرب سيوفر فرصة تاريخية لشرق طالت مدة كبته أن ينهض ويحل محل الحضارة الغربية.
وجد عزام في زواج الأميرة فوزية من ولي عهد إيران فرصة للدعوة إلى تعزيز التقارب الثقافي بين إيران والعرب، مع التشديد على مسألة التقريب بين السنّة والشيعة. ففي المقدمة التي كتبها لكتاب "رضا شاه بهلوي: نهضة إيران الحديثة" المنشور سنة 1939، يقول عزام إن "هذا كتاب يتضمن طرفاً من تاريخ إيران وجغرافيتها وأحوالها الحاضرة كتبه الفاضل الأستاذ أحمد الساداتي على ذكر المصاهرة بين الأسرتين الملكيتين، الأسرة العلوية المصرية والبهلوية الإيرانية". ويكمل عزام أنه قصد الإشادة "بهذه الصلة المباركة بين الأسرتين الكبيرتين والأمتين العظيمتين ويتخذ منها فألاً حسنا للتقريب بين أهل السنة والشيعة". وتزامناً مع سنة المصاهرة الملكية، صدرت مؤلفات تعليمية منها كتاب "التحفة الفوزية في تعليم الفارسية" لزيدان بدران سنة 1938، وهو مصنَّفٌ وسمه مؤلفه بهذا الاسم نسبةً للأميرة فوزية، متخذاً من المصاهرة مناسبة للترويج لتعلم اللغة الفارسية. وقد وضع شعار الملكيتين الإيرانية والمصرية في مقابلة بعضهما البعض.
قاد إبراهيم الدسوقي شتا في العقود التالية نقلةً في أقسام اللغة الفارسية تجاوزت الاقتصار على الأدب الفارسي الوسيط إلى الانفتاح على الكتابات السياسية المعاصرة في إيران. وُلد شتا سنة 1943، وتلقى تعليمه في كلية الآداب بجامعة القاهرة التي حصل منها على درجة الدكتوراه في اللغة الفارسية وآدابها سنة 1972. ثم اتجه نحو ترجمة الأدب الإيراني المعاصر المناهض "التغريب" ودراسته، مثل علي شريعتي وجلال آل أحمد.
تجلى هذا المنحى عقب الثورة الإيرانية سنة 1979. كان شتا ممن قاربوا حدث الثورة بقراءة سعت إلى تتبع أبعادها التاريخية والاجتماعية. وأصدر كتابين هما "الثورة الإيرانية: الصراع والملحمة والنصر" سنة 1986، و"الثورة الإيرانية: الجذور والأيديولوجية" سنة 1988. وصور في مؤلفاته الثورة الإيرانية امتداداً وتطوراً طبيعياً للحراك التاريخي لعلماء الدين المسلمين منذ ثورة التبغ سنة 1890، محاولاً الربط بين الوعي بالهوية الدينية والتحرر السياسي.
يمكن القول إن تمثلات إيران في هذا التصور تتأرجح بين تقديمها امتداداً حضارياً إسلامياً داخل الحضارة الإسلامية الكبرى، واستحضارها حضارةً نِدًّا للحضارة المصرية القديمة. وأياً كان الاختلاف بين هذين التصورين، فإنهما حملا نظرة إيجابية واصلة بإيران.
أحد أبرز من تبنى هذا الخطاب، المصري حسن حنفي أستاذ الفلسفة بجامعة القاهرة. ولد حنفي في القاهرة سنة 1935 وحصل على درجة الدكتوراه في الفلسفة من جامعة السوربون في فرنسا. ويعد أحد رموز "اليسار الإسلامي" الذي سعى إلى إعادة قراءة التراث الديني لتجنيد الجماهير في سياق التحرر والعدالة الاجتماعية ومقاومة الاستعمار.
صوَّر حنفي الثورة الإيرانية امتداداً للحركات العربية المناهضة الاستعمارَ. وفي الجزء الثالث من كتابه "الدين والثورة في مصر" المنشور سنة 1988، قدّم الثورةَ الإيرانية استئنافاً لما اعتبره "ثورة عربية" قادتها الناصرية بعد حالة من الإحباط العربي تلت هزيمة سنة 1967 وتوقيع اتفاقية كامب ديفيد 1978. وعدّ الثورةَ الإيرانية "تجديداً لشباب الثورة العربية وإحياءً لمشروعها وإقالة لها من عثراتها"، واصفاً إياها بأنها "تفجير للناصرية من جديد منبثقة عن الإسلام ومجندة للجماهير تحت زعامة رجال الدين. وبالتالي فهي ناصرية جديدة تعيد صياغة المشروع القومي الذي صاغه عبد الناصر دون أساليبه". ويكمل حنفي مجادلاً أن "العلاقة بين الثورة الوطنية التي قادها مصدق في أوائل الخمسينيات والثورة الإسلامية التي قادها الخميني في أوائل الستينيات والثورة المصرية علاقة تعاون وتآزر وجبهة أمام عدو مشترك هو الاستعمار والصهيونية". ورأى الثورة الإيرانية بمثابة "العزاء لانتكاسات الثورة المصرية بعد اختفاء القيادة الثورية التي مثَّلها ناصر في أوائل السبعينيات". فبحسب حنفي، الثورة الإيرانية "عَود لصياغة المشروع القومي للأمة العربية الذي بلوره ناصر، فالخميني ناصر جديد".
وفي إطار دفاعه عن هذا التصوّر، وجّه حنفي انتقاداته للمنظومة الإعلامية الموجهة التي تسعى لتشويه صورة إيران المقاومة. فاستنكر الاعتماد العربي على ما تبثه "وكالات الأنباء الغربية التي ليس لها أي مصلحة في تقرير الحقائق والتي تعمد إلى تشويه وجه الثورة الإيرانية". وبدلاً من تلك الرواية الغربية، كرّس صورة طهران قوةً ملتزمة بالقضايا المركزية للمنطقة باستدعاء شعار المظاهرات المشهور "اليوم إيران، وغدًا فلسطين" للتأكيد على كسر النفوذ الصهيوني والتوسعي في الشرق. ووجه حنفي رسالة تدعو المثقفين إلى تجاوز الخلافات المذهبية والنعرات العرقية لصالح وحدة الهدف المشترك، لأن "بين الثورة الإيرانية والثورة العربية حالياً تلاحم في المصير والهدف، واتفاق في المصالح، وأمامهما مخاطر مشتركة، والحقيقة أنهما ثورة واحدة ذات جناحين". ليرسخ بذلك صورة إيران جناحاً أساساً في جبهة مواجهة الصهيونية والاستعمار.
ومن مشرب فكري مغاير، صوّر الشاعر السوري اللبناني أدونيس إيران مشروعاً مناهضاً الغربَ. ولد علي أحمد سعيد إسبر، الذي اشتهر لاحقاً بالاسم اليوناني أدونيس للإله تموّز، لعائلة علوية تعمل بالفلاحة في قرية "قصابين" السورية سنة 1930. لم يتلقَ تعليماً رسمياً في طفولته، لكن مسار حياته تغير سنة 1944 عندما ألقى قصيدة أمام رئيس الجمهورية السورية شكري القوتلي، الذي أعجب به ومنحه منحة دراسية للالتحاق بمدرسة الليسييه الفرنسية في طرطوس، ومنها انتقل إلى جامعة دمشق ليدرس الفلسفة.
ناقش أدونيس الثورة الإيرانية ضمن أطروحته الأوسع عن الأدب العربي التي ضمنها في كتابه "الثابت والمتحول." طُبع الكتاب أول مرة سنة 1973، قبل اندلاع الثورة، وفيه حلل أدونيس الأدب العربي من تيارين، محافظ يقدس الماضي، وتجديدي يدعم التفكير النقدي والإبداع الفردي. وبعد الثورة، كتب أدونيس ثلاث مقالات عن الثورة الإيرانية في جريدة النهار العربي، ضمَّنها بعد ذلك في الطبعات اللاحقة للكتاب. نُشرت أولاها في اليوم التالي للإطاحة بشاه إيران، وعبَّر فيها عن انحيازه لهذه الثورة مجالاً يتيح حراكاً ثقافياً وسياسياً مغايراً لنظام الشاه الموالي للغرب، وطاقة تعيد الاعتبار لخصوصية الشرق الروحية ضد المادية الغربية. وأكد في ذلك السياق أن الثورة الإيرانية تمثل "عمقاً رفضيا"ً يؤسس لنظام معرفي جديد يتجاوز المركزية الأوروبية.
صاغ أدونيس صورة إيران مقاومةً الغربَ بأسلوب شعري. فنشر في نفس اليوم قصيدة في جريدة السفير اللبنانية بعنوان "تحية لثورة إيران"، احتفى فيها بالثورة وتغنى بما رآه فيها من عداء وتجاوز للغرب، إذ قال:
"شعب إيران يكتب للشرق فاتحة الممكنات
شعب إيران يكتب للغرب:
وجهك يا غرب ينهار،
وجهك يا غرب مات".
انحسر جانب من حماس المثقفين العرب للثورة الإيرانية سريعاً، وبقي دعمهم للثورة فعلاً مقاوماً الهيمنةَ الأمريكية. كان أدونيس أحد هؤلاء الذين راجعوا موقفهم من الثورة سريعاً. فعندما نشر مقالته الثالثة سنة 1980، كان الخميني قد بدأ مشروع الأسلمة وإحكام قبضته باعتقال خصومه وتقييد الحريات العامة. فسَّر أدونيس نجاح الإسلام السياسي بهزيمة القومية العربية العلمانية سنة 1967. أي أن الإسلاميين سدوا ثغرة مطلقين جبهة موحدة تفوق الناصرية في جاذبيتها الجماهيرية وكذلك في عنادها وتصلبها ضد الغرب.
ومع أن أدونيس رأى الخمينية بديلاً للناصرية، إلا أنه أيضاً عدَّها استمراراً لها. والمقصود أنها أعادت إنتاج السلطوية المناهضة الغربَ، التي تتمحور حول الدولة. ومثل الناصرية، كانت السياسة الإسلامية شرسة في مواجهة التهديدات الخارجية ولكنها فشلت في النظر بنقد إلى تقاليدها الخاصة، وهو مشروع "التحرر من الداخل" الذي نسبه أدونيس ذات يوم لثورة الخميني. أنهى أدونيس مقاله بنبوءة أن "الفقيه العسكري" سيحل محل "الأديب المسلح".
إذا كان التصوران الأوليان مدا حبال الوصل مع إيران امتداداً حضارياً أو قوة مساندة لمناهضة الغرب، فإن تصوّراً ثالثاً مغايراً تشكل في أعقاب الثورة الإيرانية قدَّم إيران "آخر مذهبياً" في مواجهة السُّنة.
وقصة صعود السرورية هي قصة صعود منظرها الرئيس وتأليفه كتاب "وجاء دور المجوس: الأبعاد التاريخية والعقائدية والسياسية للثورة الإيرانية". وُلِد سرور في قرية تسيل بمحافظة درعا في جنوب سوريا سنة 1938، حيث تلقى تعليمه في المدارس المحلية السورية، ثم انتقل إلى دمشق لإكمال تعليمه بجامعة دمشق، وتخرج في كلية الحقوق. ووفقاً لدراسة أستاذ العلوم السياسية في معهد الدراسات السياسية بباريس ستيفان لاكروا، "أندرستاندينغ ستابيليتي آند ديسنت إن ذا كينغدَم [. . .]" (فهم الاستقرار والمعارضة في المملكة)، المنشورة سنة 2015، انضم سرور إلى جماعة الإخوان المسلمين في سنة 1953، ولم تأتِ ستينيات القرن العشرين إلا وأصبح "شخصية من الصف الثاني" في الإخوان المسلمين.
تكوّنت أفكار سرور بعدما غادر سوريا إلى السعودية سنة 1965، بعد سنتين من وصول حزب البعث للسلطة. إذ عمل مدرساً في المعاهد العلمية في وسط السعودية، وخاصةً في بريدة وحائل. في هذه المرحلة مزج سرور العقيدة السلفية بالمنهج الحركي والسياسي والتنظيمي لجماعة الإخوان المسلمين، خاصة أفكار سيد قطب. وبعد أن رحّلته الحكومة السعودية سنة 1973، نقل سرور أنشطته إلى الكويت التي كانت مركزاً نشطاً للحركات الإسلامية الشيعية في ذلك الوقت.
تزامنَ انتقال سرور إلى الكويت مع إحكام سيطرة حافظ الأسد على حكم سوريا. إذ بعد تولي الأسد منصب الرئاسة احتاج تمتين شرعيته الدينية بإثبات أن العلويين فرقة إسلامية. في سنة 1972، أصدر المرجع الشيعي العراقي حسن مهدي الشيرازي فتوى تقول بأن الطائفة العلوية لا تختلف عن الشيعة الاثنا عشرية. وصدر بيان من مجموعة من علماء العلوية عنوانه "المسلمون العلويون شيعة أهل البيت". ولما لم ينفع هذا، لجأ الأسد إلى موسى الصدر، الزعيم الشيعي ذو الشرعية الجماهيرية في لبنان، والذي أصدر فتواه الشهيرة التي اعتبرت العلويين مسلمين شيعة.
دفع هذا السياق السياسي السوري سرور للتعمّق في دراسة الشيعة والتشيع. فزار أثناء عمله في الكويت الحسينيات الشيعية، وانخرط في مناظرات مع شخصيات إسلامية حركية شيعية. ولَّدت هذه التجارب، إضافةً لقراءة كتابات الخميني ومراقبة أنشطته قبل الثورة، لدى سرور قناعات راسخة مناهضة التشيعَ شكلت الأساس لفكرة كتابه "وجاء دور المجوس" الذي بدأ كتابته قبل اندلاع الثورة الإيرانية بعدة سنوات.
عندما فرغ سرور من كتابة الكتاب، واجه صعوبات في نشره. إذ رفضته جميع دور النشر في الكويت ودول الخليج الأخرى بسبب محتواه، ولم تنشره إلا دار مصرية يملكها مسيحي قبطي وهي "دار الجيل للطباعة". لكن السلطات المصرية رفضت السماح ببيعه قبل الحصول على إذن من شيوخ الأزهر، وحتى بعد ذلك، رفضت توزيع الكتاب في مصر. وبحسب سرور، فقد تمكن من الحصول على موافقة الأزهر بالعلاقات. وتوقع سرور ردة فعل قوية على الكتاب، لهذا اختار نشره تحت اسم مستعار هو "عبدالله محمد الغريب". وقد حُظر الكتاب من كل مكان تقريباً في العالم العربي.
في تلك الأثناء كلفّت هيئة كبار العلماء في السعودية أحد أعضائها، صالح بن غصون، أن يدرس الثورة الإيرانية والخميني حتى تتخذ موقفها منه. حينها، أهدى عضوٌ آخر من أعضاء الهيئة، عبدالله بن قعود، إلى رئيسها عبدالعزيز بن باز نسخة من الكتاب. وبعد أن عُرض ملخصه على الهيئة، وجد قبولاً لدى أعضائها، فأمر بن باز شراء ثلاثة آلاف نسخة وتوزيع الكتاب.
يلخص نعت سرور الإيرانيين، والشيعة عموماً، في عنوان كتابه "بالمجوس" محتوى الكتاب. فهو ليس كتاباً فقهياً تقليدياً يقارن المذاهب ويرصد الخلافات، بل يبني سردية تاريخية. فهناك مؤامرات في التاريخ الإسلامي من صدر الإسلام وحتى الثورة الإيرانية لا تتوقف يقف وراءها فاعلٌ خفيٌ واحد هم "المجوس". ومع أن هذه الكلمة تشير للمنتسبين للديانة الزرادشتية التي انتشرت قديماً في بلاد فارس، إلا أن سرور يرجع جلّ الفرق والحركات الشيعية في الإسلام إليها.
إذ يرى أن المجوس اختاروا – بعد أن سقطت إمبراطوريتهم على يد المسلمين – الثأر وإعادة أمجادهم بالتخفي خلف ادعاء التشيع لعلي بن أبي طالب. يحاج سرور أن هذا المسلك يتماشى مع معتقدات المجوس التي استعرضها، وهي حسب تحليله تحتاج لعائلة مقدسة تدور حولها الديانة. ويرى أن نسل السلالة الساسانية اختلط بنسل آل البيت بعد زواج الحسين بن علي من ابنة يزدجرد حاكم فارس وإنجابها علي زين العابدين. اتسقت هذه التسمية مع الدعاية العراقية التي سمّت الحرب العراقية الإيرانية "قادسية صدّام" استدعاءً لمعركة القادسية بين المسلمين والفرس في صدر الإسلام، وسمى الإيرانيين المجوس. وقدمت رواية سرور نمطاً تفسيرياً جاهزاً يستطيع القارئ أن يفسّر كل حدث لاحق، فيُقرأ أي تقدم لإيران أو حلفائها حلقة في المؤامرة الكبرى المذهبية والفارسية.
يوظف كتاب "وجاء دور المجوس" هذا النموذج التفسيري ليحاج أن الشعارات الإسلامية البرّاقة للجمهورية الإسلامية في إيران تخفي مؤامرة دينية وسياسية هدفها الفتك بأمة الإسلام. يقدم سرور تمهيداً لهذه الحجة سرداً تاريخياً طويلاً لما يعتبره خيانات المجوس المتخفين خلف التشيع للدولة الإسلامية منذ صدر الإسلام وحتى العصر الحديث. ويبدأ هذا التاريخ باغتيال الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، الذي يعتبره "المحاولة الأولى للمجوس للانتقام من المسلمين". وضمن منظوره، تصبح الإطاحة العباسية بالأمويين سنة 750 مؤامرة مجوسية قادها أبو مسلم الخراساني، ويصبح نفوذ عائلة البرامكة في بلاط العباسيين مؤامرة أخرى. ويجد سرور في صعود الممالك والدول والحركات الشيعية من بويهية وفاطمية وقرمطية معيناً لا ينضب لتأكيد فرضيته عن المؤامرة المجوسية التاريخية الكبرى.
وجه سرور خطابه لقطاعات عريضة من الحركات الإسلامية التي احتفت بالثورة الإيرانية واعتبرت الخميني بطلاً إسلامياً. فانتقد بيان التنظيم الدولي للإخوان المسلمين المرحب بالثورة، وموقفهم الداعم إيران في الحرب الإيرانية العراقية. وخصّص صفحات لتفكيك الصورة التبجيلية للخميني معتبراً إياه "أخبث من الشاه". وقلل من أهمية شعارات التضامن مع فلسطين التي رفعتها الجمهورية الإسلامية، معتبراً أن الخميني "سوف يخذلهم كما فعل عبد الناصر".
مثّلت أطروحة سرور شرخاً داخل الحركات الإسلامية في الموقف من إيران. فقد استطاع تسيّيس العلاقات السنية الشيعية وأعاد إنتاج الخلافات العقدية السابقة وقراءتها بعدسة الصراع السياسي الإقليمي والطموحات المفترضة للإيرانيين "الفرس المجوس" في الهيمنة على العرب السنة في جميع أنحاء الشرق الأوسط. وهذا جعل كتابه من أشد الكتب تأثيراً في هذا المجال مقارنة بما كتبه الآخرون في هذه الفترة. مثال ذلك الكتيب الذي نشره المفسر السوري سعيد حوى مناهضاً الجمهوريةَ الإسلامية سنة 1987 بعنوان "الخمينية: شذوذ في العقائد، شذوذ في المواقف" لكن تأثيره ظلّ محدوداً. وكانت كتابات السلفي الباكستاني إحسان إلهي ظهير عن الشيعة التي بعث فيها الخلافات العقدية القديمة ونقّب في كتب الشيعة ليبني محاجة أن التشيع دينٌ آخر غير الإسلام رائجة لكن افتقارها البعد السياسي الإقليمي جعلها محصورة في الدوائر العقدية.
أخذ هذا الشرخ الذي أحدثه سرور يضيق ويتسع مع التحولات السياسية في المنطقة وتوازنات القوّة بين السرورية، وما تفرع منها من حركات، والإخوان المسلمين وما تفرع منها من حركات. كان يوسف القرضاوي، مؤسس الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين ورئيسه السابق، أحد أهم الرافضين هذا التصوّر الطائفي للجمهورية الإسلامية وداعياً "للوسطية". كان القرضاوي نشطاً في جماعة الإخوان المسلمين في مصر في وقت سابق، لكنه انتقل واستقر في قطر منذ الستينيات.
مثلت الحرب الإسرائيلية على لبنان في يوليو 2006، لحظة صعود الخطاب الإسلامي الذي يمثله القرضاوي في النظرة لإيران. صمود حزب الله أمام الهجوم الإسرائيلي أشعل النقاش مجدداً عن إيران والتشيع داخل الأوساط الإسلامية. أصدر القرضاوي في 26 يوليو 2006 فتوى أكد فيها أن كل من نطق بالشهادتين بنية صادقة من القلب مسلم له حقوق المسلمين وعليه واجباتهم. وفي مقابلة مع صحيفة الوفد المصرية في 27 يوليو 2006، صرّح أن "المقاومة هي الشيء الأكثر شرفاً للأمة، في فلسطين ولبنان على حد سواء. ولا ضير في أن تكون المقاومة اللبنانية شيعية، طالما أنهم هم الذين يحملون السلاح ويتحملون عبء تطهير الأراضي الإسلامية من الدنس الإسرائيلي".
أدى طغيان هذا الموقف المؤيّد حزبَ الله داخل الأوساط الإسلامية إلى انقسام داخل السرورية في السعودية. تمسّك جانب من قيادات هذا التيار، وعلى رأسهم عبدالله بن جبرين وناصر العمر، بالإطار العقدي التاريخي الذي أسّس له محمد سرور، مستندين هذه المرة إلى كتابه الآخر "أمل والمخيمات الفلسطينية" الذي أصدره سنة 1986. وثّق سرور في هذا الكتاب حرب المخيمات التي شنّتها حركة أمل الشيعية على المخيمات الفلسطينية في ضواحي بيروت بين 1985 و1988، مستعرضاً أبرز الاعتداءات التي سبقت هذا العدوان ووصف مجرياته وصوراً من فظائعه. خلُص إلى أن التحالف اللبناني الشيعي، بشقّيه أمل وحزب الله، معادٍ بنيوي للقضية الفلسطينية ولأهل السنة على حدٍّ سواء، وأن أي "نصرة" دينية له هي تكرار لخديعة سبق أن وقع فيها الفلسطينيون أنفسهم مع الخميني وحركة أمل.
على هذا الأساس أصدر ابن جبرين فتواه الشهيرة في يوليو 2006 التي اعتبرت حزب الله تنظيماً "رافضياً" لا تجوز نصرته ولا الدعاء له بالنصر. ودعت أهل السنة إلى التبرؤ منه وخذلان من ينضم إليه وبيان عداوته التاريخية لأهل السنة. وسار ناصر العمر على النهج ذاته، إذ رأى أن حزب الله لا يقاتل نيابة عن أهل السنة في فلسطين أو في أي مكان آخر، وأنه لا يعدو كونه أداة بيد الحرس الثوري الإيراني.
وقف سروريون آخرون موقفاً معارضاً لهذا التوظيف الطائفي للحدث. تصدّر هذا الموقف سلمان العودة، الذي دعا إلى توحيد الصف الإسلامي والعربي في مواجهة العدو المشترك، عادّاً ما يجري تفجراً لأزمات قديمة ينبغي ألا تشغل الأمة عن نصرة لبنان المحاصر.
جاء الاعتراض الأبرز من مؤسس "مجلة العصر" محمد الأحمري. نشر الأحمري مقالة في المجلة في 4 أغسطس 2006 بعنوان "خدعة التحليل العقدي". وجّه فيها نقده الضمني إلى ابن جبرين والعمر من دون تسميتهما، فهاجم ما أسماه "العقلية السلفية" التي تقارب الأحداث السياسية من منطلقات عقدية، منتقداً ما في هذا المسلك من القصور والتعصب وقصر النظر. واستعان بمقارنات تاريخية من الحرب الباردة استقاها من كتابات جورج كينان وهارولد لاسكي عن "الثقة العقدية" التي أوقعت مراقبي الشيوعية في سوء تقدير جسيم لمآلاتها، موحياً بأن التعويل على الانتماء المذهبي وحده في قراءة موقف حزب الله من إسرائيل يقود إلى الخطأ نفسه.
لم يكن هذا الخلاف مفاجئاً. يذكر الكاتب السعودي علي العميم أن مجموعة من محرري "مجلة العصر" بدأت تنقلب على أحد الثوابت العقدية لتيارها منذ اغتيال رفيق الحريري سنة 2005، مدفوعة بمعارضتها السياسية للسعودية. فاصطفت إلى جانب تحالف 8 آذار المدعوم من سوريا وإيران في مواجهة تحالف 14 آذار، قبل أن تتعزز هذه الوجهة قليلاً مع حرب 2006 فتكسب أنصاراً جدداً انحصر اصطفافهم في النصرة الدينية لحزب الله. وصف العميم هذا التحول لاحقاً بأنه "انقلاب سروري فاشل"، في إشارة إلى أنه لم يفلح في تغيير وجهة التيار السروري العام، الذي ظل أوسع بكثير من مجموعة "مجلة العصر".
بعد أن كادت الأطروحة السرورية التي صورت إيران عدواً طائفياً أن تنحسر، جاءت الثورة السورية سنة 2011 لتبعث فيها الحياة من جديد. ذلك أن انخراط حزب الله المباشر في القتال إلى جانب النظام السوري مثّل تصديقاً عملياً لأطروحة محمد سرور. فمع تطاول أمد الحرب في سوريا، بدأت شعبية خطاب "الوحدة الإسلامية" بالتراجع. تجلى هذا في تراجع القرضاوي نفسه عن مواقفه السابقة من إيران. فبعد أن أعلن حزب الله صراحة دخوله الحرب في مايو 2013 خلال ما عُرف "بمعركة القصير" في محافظة حمص السورية، أعلن القرضاوي تراجعه عن موقفه الداعم حزبَ الله سنة 2006. ووصف الحزب "بحزب الشيطان" و"حزب الطاغوت" مؤكداً أن الثورة السورية كشفت حقيقتهم أنهم قتلة يستبيحون دماء الأبرياء من أهل السنة. واعتذر لكبار علماء السعودية مقراً بأنهم كانوا أنضج وأبصر منه بخفايا الأمور حين خالفهم الرأي إبان حرب تموز 2006، معترفاً بأنه انخدع بشعارات المقاومة.
لم تكن الصورة المذهبية لإيران وحدها في ميدان التصورات المعادية لها. فثمة صورة أخرى رأت إيران "عدوٌ قوميٌ" تحرّكه أطماع فارسية تاريخية في النسيج العربي.
تشكل المسار التربوي والتعليمي لهذا التصور في المملكة الهاشمية الناشئة في العراق. في ذلك الوقت كان المفكر العروبي ساطع الحصري، الذي عيّن مديراً للتعليم العام، يرسم خطة نظام تعليمي قومي قائم على توظيف التاريخ في صناعة وعي قومي عربي. تضمّنت الخطة معياراً لمن يُعدّ عربياً "أصيلاً" ومن يقع خارج هذا التصنيف، وكان الآخرُ الرئيس الذي استهدفه المعيار الفرسَ والعراقيين من أصول فارسية.
تكشف الواقعة التي تعرض لها الشاعر محمد مهدي الجواهري عن الطريقة التي مارس بها الحصري معياره العروبي على أرض الواقع. ففي سنة 1927 طُلب من الحصري تعيين الجواهري مدرساً للغة العربية، فسأله عن جنسيته، فأجابه الجواهري بأنه "إيراني" وله أقارب في "إيران". رفض الحصري تعيينه بحجة أن غير العراقيين لا يُعيَّنون، مع أنه كان قد عيّن من قبل مدرسين سوريين ولبنانيين من دون اعتراض. تقدم الجواهري بعدها بطلب واستصدر الجنسية العراقية في أيام وتعيّن في الوظيفة. في أسبوعه الأول، نشر قصيدة هجا فيها الطبقة الحاكمة الفاسدة وعبّر فيها عن حنين إلى "بلاد فارس". استدل الحصري بالقصيدة على عدم عراقية الجواهري وأنه حصل على الجنسية "لغرض المصلحة" ففصله من العمل.
في هذا المناخ الفكري، استقطب الحصري المؤرخ السوري أنيس زكريا النصولي لخدمة مشروعه التربوي العروبي. ولد النصولي في بيروت سنة 1902 وتوفي فيها سنة 1957. تخرّج في الجامعة الأمريكية ببيروت، وأتمّ دراسته في بغداد قبل أن يعود إلى لبنان ليعمل في الصحافة. تولى بعد ذلك إدارة لجنة المدارس في جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية ببيروت. وأثناء عمله مدرساً للتاريخ العربي في بغداد، ألّف كتاب "الدولة الأموية في الشام" سنة 1926. كتب النصولي في إهداء الكتاب "مَنْ أحقُّ بتاريخ أُمَيَّة مِنْ أبناء أمية! ومَنْ أحق بتاريخ معاوية والوليد من أبناء معاوية والوليد! فاقبلوا يا أبناء سورية الباسلة المتحدة المستقلة هذه الثمرةَ الصغيرة". تتضح من هذا الإهداء النظرة الممجدة الدولةَ الأموية، التي فسّر النصولي صراعها مع معارضيها بأنه ذو صبغة عرقية وقومية. فهو يعزو ذلك إلى "حقد الأعاجم (الفرس) على بني أمية لاستمساكهم بروح العروبة واحتقارهم للموالي". وصوّر الفرس مدفوعين برغبة في استرجاع "سلطنتهم المفقودة بزوال دولتهم السابقة".
رأى النصولي أن الفرس وظفوا الحركات السياسية والدينية المعارضة الدولةَ الأموية لخدمة مشروعهم القومي. فجعلت جماعات الأعاجم من "مأساة الحسين سلماً يرتقون عليه لأمانيهم وأطماعهم" في إطار نزاعهم المرير مع الأمويين. ولم يكن هذا الولاء لآل البيت مدفوعاً بوازع روحي، بل كان محاولة من الفرس "لتطبيب قلوب العامة". ودليله على ذلك أنهم عندما وجدوا في زيد بن علي زعيماً يمتلك قراراً مستقلاً ولا "ينقاد لهم" تخلوا عنه وخذلوه في أحرج الأوقات.
أما اللحظة المفصلية التي مكَّنت "العنصر الفارسي" وأضعفت "العنصر العربي" فهي حركة المختار الثقفي. يذكر النصولي في كتابه أن المختار اعتمد في دعوته على الفرس بدلاً من العرب، فقرّبهم إليه وأسند إليهم المناصب والمسؤوليات ما أثار غيظ "الأشراف العرب". وتوسع المختار في هذا التمكين بتتبع "أبناء العجم" وفرض الأعطيات المالية والمخصصات لهم ولأولادهم، وجعل مجالسهم قريبة من مجلسه، الأمر الذي دفع العرب للاستياء والتذمر قائلين: "عبيدكم صاروا أسياداً عليكم". واستغل المختار عداء الموالي والفرس الطبقةَ المرفهة من الأشراف العرب ليوغر الصدور ويقوي دعائم سلطته.
ومن هذا المنظور العرقي رأى النصولي انتصار العباسيين على الأمويين تتويجاً للجهود الفارسية التي اتخذت من خراسان مركزاً لها. ورأى أن الفارسي أبا مسلم الخراساني أدار الصراع مستخدماً سياسة "فرق تسد" لإيقاع الضغينة والفتنة بين القبائل العربية بهدف إضعافها وتمهيد الطريق للسيطرة الفارسية تحت الراية العباسية. وانتهى هذا المسار التاريخي بسقوط الدولة الأموية، حين عجز مروان بن محمد آخر خلفائها، عن السيطرة على الفوضى والاضطرابات بعد أن اتسع سلطان "الفرس والشيعة" وانبسط نفوذهم فعجزت الدولة عن الثبات أمامه.
أقرّت وزارة التعليم العراقية تدريس كتاب النصولي في مدارسها، ما أشعل أزمة اجتماعية. فعقب نقل الطلبة الشيعة تفاصيل الكتاب إلى أولياء أمورهم تصاعدت الاحتجاجات. وقرر وزير المعارف العراقي، السيد عبد المهدي آل شبر المنتفكي، فصل النصولي. وفصل معه زملاءه المدرسين السوريين الذين لوحوا بالاستقالة. لم تنجلِ الأزمة إلا بتدخّل الملك فيصل الأول الذي انهى الحراك بترحيل المدرسين وفصل قادة المظاهرات من الطلاب لمدد متفاوتة.
تشكل مسارٌ قومي آخر في الكويت، صوّر إيران آخر قومياً خطيراً. يتجلى هذا في الكتيب الذي أصدره الاتحاد الوطني لطلبة الكويت سنة 1969 بعنوان "الخليج العربي أو فلسطين الثانية". يقدم الكتيبُ إيرانَ إمبراطوريةً توسعية تهدف لاحتلال الخليج بنفس الطريقة التي احتلت فيها الحركة الصهيونية فلسطين. يذكر الكتيب في مقدمته أن "الاتحاد الوطني لطلبة الكويت وهو يتقدم للشعب العربي بهذه الدراسة يلفت نظر الشباب العربي إلى أن قضية الخليج لا تقل خطورة عن قضية فلسطين بل إن ما يحدث في الخليج العربي ما هو إلا صورة أخرى لما حدث في فلسطين قبل عام 1948 وفي الفترة التي جندت الصهيونية كل إمكانياتها لتنظيم هجرة اليهود إلى فلسطين".
يرى الكتيبُ أن إيران تعتمد سياسة ذات نفس طويل، غايتها استعمار الخليج. فتارة تلجأ إلى المكائد الدبلوماسية والاحتجاجات الزائفة لإخضاع البحرين، وتارة أخرى تعمد إلى بذل الرشا وشراء الذمم عبر "التومان" (العملة الإيرانية). إذ تستميل السكانَ بالمال، كما حدث في جزيرة "صري"، إحدى الجزر الخليجية التي بسطت إيران سيطرتها عليها أواخر القرن التاسع عشر. أو تركب مركب الغدر كما حدث في جزيرة "هنجام" بمضيق هرمز، التي كانت تقطنها قبائل عربية، حين اتخذت من مقتل مبعوثها ذريعة للبطش العسكري وإجلاء آلاف العرب عن ديارهم نفياً وتشريداً نحو السواحل العمانية. ولا تتورع إيران عن بناء القواعد والمطارات الحربية فوق الأراضي المغصوبة، مستفيدة من تواطؤ الإنجليز لقضم الجزر العربية في الخليج، واحدة تلو الأخرى، كما هو الحال مع جزيرة أبو موسى التي احتلتها إيران سنة 1971 عشية انسحاب بريطانيا من المنطقة.
واعتبر القوميون في الكويت الهجرة الإيرانية القانونية وغير القانونية أداةً "استيطانية" تهدف لتغيير التركيبة السكانية، ومن هنا نحتوا عبارة "فلسطين ثانية". ففي سنة 1963، أعلن وزير الداخلية الكويتي أن السلطات الكويتية ضبطت 21,417 مهاجراً غير شرعي في سنتي 1962 و1963 كان ما يقارب 88 بالمئة منهم إيرانيون. واستخدمت كلمة "العجم" لوصف غير العرب، بما في ذلك الفرس والهنود والأفارقة. كان أغلبية غير العرب المقيمين في الكويت قادمين من إيران، وهو ما جعل مصطلح العجم، أو "عيَم" كما ينطقه بعض الكويتيين، يُحيل تحديداً إلى الكويتيين ذوي الأصول الإيرانية.
ساهمت جريدة الطليعة الكويتية، ذات التوجه العروبي، في صناعة الآخر القومي الإيراني. ارتبطت الجريدة بأحمد الخطيب أحد مؤسسي حركة القوميين العرب وصاحب الدور الريادي في الحياة الديمقراطية الكويتية. كانت الصحيفة من أبرز الأصوات الداعية إلى الوحدة العربية والمؤيدة جمال عبدالناصر، في مقابل مواقف سلبية من خصومه والاستعمار وإسرائيل والقوى الإقليمية غير العربية مثل تركيا وإيران.
كان الطابع العام لخطاب جريدة الطليعة تجاه الإيرانيين، ولاسيما المقيمين منهم في الكويت، خطاباً وصمياً وعنصرياً. فقد استخدمت الجريدة أوصافاً قدحية مثل "اللصوص" و"جواسيس اليهود" و"المغتصبين" و"القتلة" و"حملة الجرب" عند الحديث عن الإيرانيين. ولم تقتصر هذه اللغة على المقالات، بل رافقها نشر عدد كبير من الرسوم الساخرة التي صوّرت الإيرانيين أغبياء قبيحي الهيئة غير نظيفين وحفاة، وشبّهتهم أحياناً بالكلاب والماعز بل وحتى بالخنافس في إحدى الرسوم. وأسهمت هذه الصور في تعزيز خطاب ينزع عن الإيرانيين إنسانيتهم.
سخرت الصحيفة أيضاً من طريقة نطق الإيرانيين العربيةَ، إذ صورتهم الرسوم والقصص غير قادرين على التحدث بالعربية "السليمة". وادعت أن بعض المهاجرين الإيرانيين غير الشرعيين كانوا يصفون أنفسهم بأنهم "كويتي مال أول"، مع تعمّد نطق حرف الواو فاءً، بما يحاكي النطق الفارسي لبعض الأصوات العربية. وظهر هذا التهكم في الرسوم الساخرة كذلك، كما في إعلان متخيّل لفيلم بعنوان "المتسللون"، يتضمن شخصيات تحمل أسماء ساخرة مثل "كوفيتي مال أفّل" و"الراقصة الحسناء سخلة".

