الإيرانيون في تاريخ القاهرة.. رحلة بين الأرشيف والذاكرة والأسواق 

وراء السجاد الإيراني وأزقة خان الخليلي تختبئ حكاية جالية أسهمت في تجارة القاهرة وصحافتها ومؤسساتها، قبل أن تنسحب تدريجياً من الذاكرة العامة.

Share
الإيرانيون في تاريخ القاهرة.. رحلة بين الأرشيف والذاكرة والأسواق 
أعضاء من الجالية الإيرانية في القاهرة ومن التكية الفارسية | أرشيف عائلة الكازروني

في قلب القاهرة التاريخية قد يُثقِل قلبَك تغيُّر المكان. لكن الأثقل منه اختفاء أسماء من صنعوا بعض تاريخه. كنتُ أعبر أزقّة خان الخليلي في عصرٍ شتويٍّ، لا ألوي على شيءٍ من السجاد المعلّق على الواجهات. إنما كنت أَنشُد آثار الأيدي التي تاجرت به، والبيوت التي ازدهرت بفضله، والأسماء التي ارتبطت به قبل أن تنمحي من ذاكرة السوق. فإيران لا تزال حاضرةً في القاهرة أحياناً في لغة السجاد، وما زال بعض البائعين يصفون السجاد الجيد بأنه "إيراني" أو "عجمي". لكن التوصيف، إن بقي في ذاكرة الناس، يبقى غالباً علامةَ جودة.

حينئذٍ عادت إليّ جدّتي هانية. وُلدت في القاهرة سنة 1938 لأبوين إيرانيين، وعَرَفَت إيرانَ فقط إرثاً عائلياً حَمَلَته في الاسم واللغة والذاكرة. والدها، رحيم زاهدي فرد، وُلد أيضاً في القاهرة لأبوين إيرانيين قدما إليها في أواخر القرن التاسع عشر، وعمل في تجارة الشاي والتبغ بين مصر وإيران. ثمّ عاد إلى طهران بداية الثلاثينيات، واستقر مع زوجته غلريز حسين القادمة من همدان، وأنجبا هناك ابنهما الأول صادق سنة 1932، قبل أن تنتقل الأسرة بعد أعوامٍ إلى القاهرة وتستقرّ فيها. لا أعرف من هذه السيرة سوى شذراتٍ قليلةٍ، وذكرياتٍ متقطعةٍ زادها هشاشةً بدايةُ الخرف الذي أصاب جدتي. مع ذلك، ظلّت إيران حاضرةً في إشاراتٍ صغيرة: في أسماء الأقارب، وفي اللغة، وفي إحساسٍ دائمٍ بأنّ للبيت امتداداً آخر وراء القاهرة.

من هذه الشذرات، ومع وثائق بدأت تخرج من عتمة الأدراج، بدأتُ أفهم أنّ لخان الخليلي وجهاً غير الوجه المصري الخالص، بالمعنى الذي توحيه واجهاته اليوم. تكشف الأدلة التجارية والصحف الفارسية الصادرة في القاهرة عن وجودٍ إيرانيٍ في السوق والمدينة: تجاراً وصحافيين ورجال مؤسساتٍ وأُسراً. وبتقادم الزمن، تراجعت اللغة الفارسية من واجهات المكان، وبقيت آثارٌ متناثرةٌ تحتاج إلى من يربط بينها: زقاقٌ يحمل اسماً قديماً مثل "سكة البادستان"، أو إعلانٌ في صحيفةٍ فارسيةٍ، أو روايةٌ عائليةٌ شفهيةٌ تحفظ اسماً لم يعد ظاهراً في المشهد العام.


تحولت مصر في القرن التاسع عشر إلى مركزٍ متزايد الأهمية للتجارة والاتصال بين البحر المتوسط والبحر الأحمر والمحيط الهندي. فمنذ عهد محمد علي باشا، الذي تولى حكم مصر سنة 1805 ووضع أسس الدولة الحديثة فيها، بدأت البلاد تشهد توسعاً في التجارة والمشروعات العمرانية وانفتاحاً متزايداً على الخارج. وتواصل هذا المسار في عهدَيْ سعيد باشا، الذي تولى الحكم سنة 1854، وإسماعيل باشا، الذي خَلَفَه سنة 1863. وقد أسهمت مشاريع التحديث، والطفرة المرتبطة بزراعة القطن، ثم افتتاح قناة السويس سنة 1869، في تعزيز هذا الانفتاح. وقد حفزت هذه التحولات توافد موجاتٍ من التجار والموظفين الأجانب إلى القاهرة والإسكندرية.

في ظل هذا المناخ، وفقاً لما تناوله المؤرخ البريطاني روجر أوين في دراسته "كوتُن أند ذي إيجبشن إيكونومي [. . .]" (القطن والاقتصاد المصري، 1820 - 1914) المنشورة سنة 1969، بدأ الإيرانيون يظهرون في القاهرة ضمن حركة الوافدين التي صاحبت التحولات الاقتصادية والتجارية في مصر.

ويشير المختص في الدراسات الإيرانية، محمد يادغاري، في دراسته "ذي إيرانيان سِتِلمِنت [. . .]" (الاستيطان الإيراني في مصر [. . .]" – التي اعتمدت على رصد التاريخ الإيراني في مصر من خلال صحيفة الجالية "تشهرنما" (أي معرض الوجوه) بين سنتي 1904 و1966 – إلى أن الجالية لم تكن قد تشكّلت بعدُ في صورة جماعةٍ مستقرة. فحضورها بدأ تدريجياً من أفرادٍ ومجموعاتٍ جاءت من أفجاجٍ شتّى. بعضهم عبر الهند حاملاً وثائق سفرٍ صادرةً في إطار الهند البريطانية. وغيرهم جاؤوا من إسطنبول بعد خبرةٍ في إنشاء الصحف السياسية والاجتماعية هناك. فيما قدم آخرون من مدنٍ إيرانيةٍ مختلفة.

آنذاك لم تكن العلاقة بين مصر وإيران قد تبلورت بعدُ في سياقٍ دبلوماسيٍ حديث. ما كان قائماً هو روابط صنعتها التجارة والهجرة وحركة الأفراد بين مصر الخديوية، المستقلة عملياً داخل الإطار العثماني، وبين إيران القاجارية التي كانت تواجه ضغوط القوى الأوروبية وتدخلاتها. كذلك لم يكن الفصل بين التجارة والتمثيل السياسي واضحاً تماماً في تلك المرحلة. فبحسب يادغاري، أتى بعض ممثلي إيران في مصر قبل عشرينيات القرن العشرين من صميم الجالية نفسها، وبالأخص من طبقتها التجارية الثرية. بل إنّ منصب السفير الإيراني في مصر كان شرفياً تُغطّى نفقاته من الإيرانيين.

بحلول مطلع القرن العشرين، بدأت ملامح هذا الوجود تنضج أكثر. يتبين جانبٌ مهمٌ من هذه الحياة في صحيفة تشهرنما، وهي صحيفةٌ فارسيةٌ ذات طابعٍ سياسيٍ واجتماعيٍ وثقافيٍ، تأسست في الإسكندرية في أبريل 1904، ثمّ توقف صدورها إثر حريقٍ في المطبعة، لتنتقل إلى القاهرة حيث وجد مؤسسها ميرزا عبد المحمد إيراني، الملقب بمؤدب السلطان – وهو لقبٌ تشريفيٌ مرتبطٌ بالبلاط القاجاري – إمكانات طباعةٍ أكثر تقدماً. ومن خلال هذا المنبر، عبّرت الجالية الإيرانية عن نفسها مجتمعاً له لغته وطبقاته واهتماماته. 

أعداد أصلية من صحيفة تشهرنما | ارشيف الكاتبة الخاص

ففي عدد أبريل 1938، تشير الصحيفة إلى أنّ عدد الإيرانيين بلغ في أواخر الثلاثينيات نحو ثلاثة آلافٍ وخمسمئة شخصٍ، وهو رقمٌ يذكره أيضاً يادغاري في قراءته الصحيفةَ. ومع محدودية العدد مقارنةً بجالياتٍ أخرى، فإنّ حضور الجالية الاقتصادي والاجتماعي كان أكثر اتساعاً من الرقم وحده. فلم يتشكّل لهذا الوجود الإيراني، وفق ما تكشفه الصحيفة، حيٌّ فارسيٌّ مغلقٌ داخل القاهرة، مثلما حدث في مدنٍ متوسطيةٍ أخرى أهمّها إسطنبول، بل كان حضوراً موزعاً داخل المدينة بحسب المهنة والطبقة وشبكات العلاقات.

شملت الطبقاتُ الدنيا العمالَ وصغارَ الكسبة، الذين أعوزهم الفقر واندمجوا سريعاً في المجتمع المصري، واعتمد بعضهم على دعم الجمعية الخيرية الإيرانية في نفقات التعليم والمساعدات الضرورية، وفق يادغاري. في المقابل، برزت العائلات التجارية الكبرى، إلى جانب المدرسة الإيرانية والجمعية الخيرية وغرفة التجارة الإيرانية، وهي مؤسساتٌ صنعت للجالية حضوراً أوسع داخل اقتصاد القاهرة ومؤسساته. وبين هذين المستويين، بقيت الطقوس الدينية خيطاً رابطاً للهوية، خصوصاً عبر مجالس العزاء الحسيني و"روضه خوانى" (قراءة المراثي الحسينية المرتبطة بواقعة كربلاء)، ومواكب عاشوراء.

ومع ترسّخ هذا الوجود داخل القاهرة، بدأت العلاقة بين مصر وإيران تدخل بدورها مرحلةً جديدة. إذ قُنّنت تدريجياً عبر سلسلةٍ من الاتفاقيات التجارية والدبلوماسية التي نقلت الروابط التي صنعتها التجارة والهجرة إلى إطارٍ قانونيٍ أكثر وضوحاً.

كان أول هذه النصوص "قانون الإذن بعقد ترتيب تجاري مؤقت بين إيران ومصر"، الذي أقرّه مجلس الشورى الوطني الإيراني في فبراير 1923، ووضع إطاراً أولياً للتبادل التجاري بين البلدين. ثم جاءت "معاهدة المودة والإقامة بين إيران ومصر"، الموقعة في طهران في 28 نوفمبر 1928 والمسجلة في سلسلة معاهدات عصبة الأمم، لتحدد بوضوحٍ حقوق الرعايا الإيرانيين في الإقامة والتنقل والعمل والتجارة وتملّك الأموال المنقولة والعقارات. في المقابل، قلّصت المعاهدة ما بقي من امتيازاتهم القضائية، لتنقل وجودهم من وضعٍ تحكمه أعراف السوق وتوازنات القنصليات إلى وضعٍ تعاهديٍ أكثر انتظاماً داخل الدولة المصرية.

في 17 يونيو 1930، استُكمل هذا المسار بتبادل الحكومتين المصرية والإيرانية مذكراتٍ أنشأت ترتيباً تجارياً جديداً دخل حيز التنفيذ في اليوم نفسه، ثم سُجّل لدى عصبة الأمم في أكتوبر من العام ذاته.


مثلما وطّدت الاتفاقياتُ حضورَ الإيرانيين في القاهرة، عزّزته الحياة اليومية وتشابك العلاقات والمصالح خارج المجال الرسمي. فالسوق احتضن عمليات البيع والشراء، كما رسم العلاقات والمكانة الاجتماعية. ومن بين العائلات التي تجسد هذا المسار، عائلة كازروني التي أدّت دوراً أساساً في فتح باب التجارة الهندية والإيرانية إلى مصر، وفق صحيفة تشهرنما.

فالحاج محمد حسن كازروني، ثمّ أبناؤه وأصهاره، أنشؤوا أواخر القرن التاسع عشر شركاتٍ لاستيراد مسحوق النيلة الذي راجَ في مصر صبغاً للأقمشة، لاسيما الرسمية، إلى جانب السجاد والبضائع الفاخرة. كذلك، أداروا مصانع نسيجٍ في مدينة شيراز الإيرانية صُممت منتجاتها بما يلائم ذوق الزبون المصري. بل واستعانوا بفنانين أوروبيين لتطوير تصاميم جديدةٍ نُسجت في إيران وبيعت في مصر.

وفي مطلع الثلاثينيات توسّع هذا النشاط عندما أسّس فرعٌ من العائلة مصنعاً للملابس الفاخرة في أصفهان. وظلّت صحيفة تشهرنما تلاحق هذا المسار التجاري، من الثلاثينيات حتى أواخر الخمسينيات، بإعلاناتٍ قدّمت أزياء المصنع علامةً على ذوقٍ حديثٍ يجمع بين الحرفة والوجاهة. كشفت هذه الإعلانات عن شبكةٍ اقتصاديةٍ تتحرك بين مدن إيران ومتاجر القاهرة، وتضع السوق المصرية داخل دائرةٍ أوسع من التبادل التجاري والثقافي.

إيصال صادر عن متجر الكازروني، مؤرخ عام 1940، يوثق بيع سجادة تبريزية | أرشيف الكاتبة الخاص

وفي ذاكرة السيدة نازلي كازروني، ابنة تاجرٍ آخر هو عبد الحميد بك كازروني، التي التقيتُها سنة 2022، تبدأ الحكاية تاريخياً من متجر السجاد في الحمزاوي، المنطقة التجارية المتاخمة خانَ الخليلي، ثم سرعان ما تخرج من حدود المتجر إلى خريطةٍ أوسع. وهو ما تبرزه مادةٌ منشورةٌ سنة 2012 في مدونة "قطاع الزراعة الآلية. دمنهور"، وفيها يرد اسم عبد الحميد كازروني، القادم من القاهرة، بين كبار مؤسسي شركة دمنهور للسجاد وأول رئيسٍ لمجلس إدارتها. هنا ينتقل السجاد من تجارةٍ عائليةٍ في خان الخليلي إلى مشروعٍ صناعيٍ في البحيرة، حيث صار الإرث الإيراني جزءاً من صناعةٍ مصريةٍ حديثة. 

وثيقة قبول طلب الجنسية المصرية لعبد الحميد الكازروني | ارشيف عائلة الكازروني

تستكمل العائلة هذه الذاكرة عبر شهادات محمود فهمي، حفيد عبد الحميد والرئيس التنفيذي ومالك مصنع وشركة كازروني للسجاد في القاهرة اليوم، وابنته كريمة والحفيد الآخر علي. أخبروني أن عبد الحميد بك كازروني يظهر في الرواية العائلية تاجراً ناجحاً وواحداً من الوسطاء الذين ربطوا الإيرانيين بالقاهرة.

يروي الشهود أنه تخرّج من كلية التجارة بجامعة الملك فؤاد الأول (جامعة القاهرة حالياً) ضمن الأوائل في عشرينيات القرن الماضي، وألقى كلمة الخريجين التي كافأه الملك عليها بساعةٍ ذهبية. ثمّ أصبح رئيساً لغرفة التجارة الإيرانية في القاهرة، وأحد مؤسسي الجمعية الخيرية الإيرانية والمدرسة الإيرانية. أي واحداً من رجال تلك الطبقة التي أحاطت نشاطها التجاري بمؤسساتٍ للرعاية والتعليم والوجاهة الاجتماعية.

قصيدة كتبها عبد الحميد الكازروني للملك فؤاد في حفل تخرجه من كلية التجارة جامعة فؤاد الاول | أرشيف عائلة الكازروني

وتظهر عائلة مشكي أيضاً نموذجاً لالتقاء التجارة بالعمل الأهلي والنخبوي. إذ توثق دراسة محمد يادغاري أن ميرزا محمد رفيع مشكي، المنحدر من أسرةٍ تجاريةٍ إيرانيةٍ كبيرةٍ في مدينة كلكتا الهندية، هاجر إلى مصر في سبعينيات القرن التاسع عشر، وأسّس مع أبنائه شركة "جواد ورضا ورفيع مشكي وشركاؤهم" العاملة في التجارة والعقارات. ثمّ أصبح ابنه آقا ميرزا مهدي بك رفيع مشكي في أواخر العشرينيات واحداً من أبرز وجوه الجالية، ولُقّب بعميد الجالية الإيرانية في مصر.

تولّى آقا رئاسة الجمعية الخيرية الإيرانية، وغرفة التجارة الإيرانية في القاهرة أعواماً. وأسهمت هذه المؤسسات في حفظ شبكةٍ اجتماعيةٍ كاملة. وتوضح قراءة يادغاري صفحات تشهرنما أنّ الجمعية الخيرية الإيرانية تولّت دعم التعليم ومساعدة الأسر المحتاجة.

شهادة فخر وولاء ملكية | أرشيف عائلة كازروني

في المقابل، تكشف عائلةٌ أخرى شهيرةٌ هي عائلة نمازي مساراً مختلفاً، تمثّل في الانتقال من عالم التجارة إلى جهاز الدولة المصرية. وقد روت لي تفاصيلَ بعضٍ من سيرة العائلة شخصيتان من أحفاد أشقاء محمد علي نمازي باشا، هما محمود النحاس، ومحمود مرزوق. أخبراني أنه وُلد في القاهرة لأبٍ إيرانيٍ من أصفهان عمل في تجارة السجاد، وأمٍّ شركسية. درس القانون والتحق بالخدمة الحكومية، وتدرّج في المناصب الإدارية والقانونية للدولة المصرية في عهد الملكية. فترأس الإدارة القانونية في وزارة المواصلات، ثم إدارة المنازعات القضائية في وزارة المالية، قبل أن يصبح وزيراً للمواصلات بين سنتَيْ 1949 و1950، ثم وزيراً للعدل فترةً قصيرةً سنة 1952.

كذلك تكشف وثيقةٌ أعدّتها السفارة البريطانية في القاهرة عن أبرز الشخصيات المصرية سنة 1950، عن جانبٍ آخر من مسيرة نمازي. إذ تشير إلى توليه بعد الحرب العالمية الثانية إدارة "شركة الأراضي العربية"، التي أُنشئت في مصر سنة 1946 لدعم استقرار العرب في فلسطين، وكان هدفها دعم القطاع الزراعي الفلسطيني ومساعدة ملّاك الأراضي العرب على الاحتفاظ بأراضيهم وزيادة قدرتهم الإنتاجية. فضلاً عن ذلك، تكشف الوثيقة أن نمازي باشا تولى الإدارة المالية لأمانة جامعة الدول العربية في الأربعينيات. وبهذا، تظهر الجالية الإيرانية في القاهرة من خلال عائلات كازروني ومشكي ونمازي شبكةً من البيوت والعلاقات والمؤسسات.

عبد الحميد بك كازروني في حفل في القاهرة | أرشيف عائلة كازروني

إلى جانب طبقة التجار الكبار، وأصحاب المشاريع الصغيرة، والعائلات ذات التأثير، برزت نخبة مثقفة جاءت من إسطنبول وطهران، وساهمت في تأسيس صحفٍ فارسيةٍ صدرت خارج إيران مثل "حكمت" و"برورش" (التربية / التنمية) و"ثريا". وقد عاينتُ بنفسي بعض أعداد تشهرنما وبروش وثريا في "كتابخانه ملي" (المكتبة الوطنية) في طهران في نوفمبر 2025. جلستُ في قاعة المطالعة أقلّب صفحاتٍ منها، وكان الورق هشاً والحبر باهتاً في مواضع كثيرة. لكن ما حفظته الصفحات ظلّ واضحاً: وجوهٌ وأسماءٌ، وإعلاناتٌ ومحالّ وعناوين، إلى جانب أخبارٍ ومقالاتٍ تنتمي إلى عالمٍ أوسع من حدود القاهرة.

المكتبة الوطنية بطهران | تصوير الكاتبة

وتشير "الموسوعة الإيرانية" في منشورٍ على موقعها في فبراير سنة 2009 عن الصحافة الفارسية في مصر، إلى أنّ الجالية الإيرانية أصدرت بين سنتي 1892 و1959 ثماني صحفٍ ومجلاتٍ، مستفيدةً من المناخ السياسي الأكثر انفتاحاً في مصر، في حين كانت حرية التعبير والصحافة غائبةً عن الداخل الإيراني. ومن القاهرة، أسهم صحافيون إيرانيون في تطوير لغةٍ جديدةٍ حول الحرية والقانون والإصلاح السياسي، وفي المساهمة تهيئة المجال الفكري الذي سبق الثورة الدستورية الإيرانية، وهي حركةٌ سياسيةٌ طالبت بتقييد سلطة الشاه وإقامة نظامٍ دستوريٍ وذلك بين 1905 و1911. 

كانت صحيفة "حكمت" البداية الأوضح لهذه التجارب. صدرت في 20 سبتمبر 1892 في القاهرة، وكانت أول صحيفةٍ فارسيةٍ في بلدٍ عربي. واستمرت، رغم فترات التوقّف وتغيّر ظروف النشر، حتى 30 مايو 1911، أي قرابة تسعة عشر عاماً، بحسب منشورٍ في ديسمبر 2003 على موقع الموسوعة الإيرانية العلمية. أسّس الصحيفة ميرزا محمد مهدي خان تبريزي، الطبيب والصحفي الذي جاء من إسطنبول إلى مصر بعد تجربةٍ مع صحيفة "أختر" الفارسية. وقد جعل مهدي خان من صحيفة حكمت منبراً سياسياً وثقافياً يراقب أحوال إيران من خارجها.

جديرٌ بالذكر بأن خان كان أيضاً معروفاً في إيران بِاسم "الدكتور ميرزا محمد مهدي خان زعيم الدولة ورئيس الحكماء". وقد ترك مؤلفاتٍ وأشعاراً وطنيةً، من بينها كتاب "مفتاح باب الأبواب" عن تاريخ البابـية ونقدها، وهي حركةٌ دينيةٌ ظهرت في إيران سنة 1844 ومهدت لاحقاً لظهور الديانة البهائية.

وقد تحدّث الأديب المصري عباس محمود العقاد عن مهدي خان في أكثر من مناسبةٍ، فخصّه في مقالٍ نشره سنة 1954 في مجلة "اطلاعات" الثقافية الإيرانية الشهيرة آنذاك والتي تأسست سنة 1926، تحت عنوان "این دانشمند ایرانی [. . .]" (عالِم إيراني بعيد عن إيران ناضل من أجل المشروطة (الثورة الدستورية الإيرانية). 

وفي كتابه "رجال عرفتهم" المنشور سنة 1963، يذكر العقاد أنّ صلته بمهدي خان بدأت من خلال الكتابة، بعدما نشر مقالاتٍ في جريدة "الدستور" عن شعراء الفرس، ثم كتب سنة 1909 عن الشاه الصغير، أحمد شاه قاجار، في خضم الثورة الدستورية الإيرانية. وصلت المقالة إلى مهدي خان، فأعجب بها وطلب لقاء صاحبها. وحين التقيا، رأى العقاد أمامه طبيباً وشاعراً وصاحب صحيفةٍ، لكنه رأى أيضاً وسيطاً إلى عالم الجالية الإيرانية في القاهرة. ويروي العقاد أيضاً أنّ مهدي خان ساعده في حضور إحدى ليالي عاشوراء في "التكية الفارسية" (دار دينية لإقامة مجالس عاشوراء)، وهو ما لم يكن متاحاً لكل راغب.

لكن عالم الجالية الإيرانية الذي لمحه العقاد من خلال مهدي خان يمكن رؤيته على نطاقٍ أوسع في ما تركته الصحف الفارسية. فقد كانت هذه الصحف الصادرة في مصر أشبه بدفتر يومياتٍ جماعيٍ، بل بأرشيفٍ اجتماعيٍ حفظ لغة الجالية وسجّل اهتماماتها وترك أثراً مكتوباً لوجودها داخل المدينة. فالإعلانات ترسم خريطةً اقتصاديةً للمدينة: محلاتٌ إيرانيةٌ تبيع السجاد، ومكاتب شحنٍ تربط القاهرة بالسويس وبندر عباس وبوشهر، وهي مدنٌ وموانئ إيرانيةٌ مهمةٌ في حركة التجارة عبر الخليج والمحيط الهندي. وفي جانبٍ آخر، تكشف المقالات والقصائد عن خريطةٍ وجدانيةٍ أيضاً: إحساسٌ بالغربة على ضفاف النيل، ومحاولاتٌ لفهم حياةٍ معلقةٍ بين لغتين وبيتين وذاكرتين.

والأهم أنّ هذه المطبوعات تكشف عن ثنائية اتجاه العلاقة بين القاهرة وطهران. فمن صفحاتها كانت أخبار الجالية ومؤسساتها ونقاشاتها تعود إلى المجال الثقافي الإيراني، وكانت تحمل أخبار مصر وثقافتها إلى القراء الإيرانيين أيضاً. فصحيفة حكمت، مثلاً، عنيت بالتطورات الثقافية المصرية، فنشرت الشعر العربي المعاصر وترجماتٍ فارسيةً لأعمال مؤلفين مصريين. على الجهة الأخرى، كانت أخبار إيران وتحوّلاتها السياسية تصل إلى القراء في مصر: من الثورة الدستورية الإيرانية إلى سجالات الإصلاح والتعليم واللغة وقضايا المرأة. وتظهر طبيعة هذا الانخراط السياسي في برورش، التي حُظرت في إيران سنة 1900 بعد نشر مقالٍ قارن بين رئيس الوزراء علي أصغر خان، المعروف بلقب "أمين السلطان"، وخصمه السياسي ميزرا علي خان، أمين الدولة. وهما من أبرز رجال الدولة في العهد القاجاري.

بهذا كانت الصحافة الفارسية الصادرة في مصر جسراً بين ضفّتين: إيران التي كانت تتغيّر، وجاليةٌ تعيد بناء حياتها في القاهرة من دون أن تنقطع عن الأسئلة التي تشغل مجتمعها الأول.

احتفال في مكتب شركة الكازروني بإتمام إحدى الصفقات | أرشيف عائلة الكازروني

لكن صورة الجالية لا تكتمل من خلال الأخبار والنقاشات العامة وحدها، فبعض التفاصيل الأكثر دلالةً تظهر في ما تسجله الصحافة عن الطقوس والمناسبات التي حافظت من خلالها الجماعة على مدى عقودٍ على روابطها داخل القاهرة. وتبرز ذكرى عاشوراء هنا واحدةً من أوضح النوافذ على هذه الحياة اليومية، وهو ما توثقه صفحات تشهرنما بتفاصيل دقيقةٍ في مراحل مختلفة.

ففي عدد ديسمبر 1948، تحت عنوان "إقامة عزاء محرم الحرام في مصر"، توثّق الصحيفة الاستعدادات التفصيلية لمجالس العزاء في تكية الحمزاوي، من تجهيز المكان وتنظيم المجلس، إلى الإشراف على حركة الحضور. كذلك، تدوّن أسماء القائمين عليها، وفي مقدمتهم ميرزا مهدي بك مشكي وعددٌ من وجهاء الجالية، لتعطي بذلك بعض صورةً عن البنية الاجتماعية التي حافظت على استمرار هذه الطقوس داخل القاهرة. وفي عدد أكتوبر 1953 من الصحيفة، تحت عنوان "عزاء حسيني في القاهرة"، يظهر المجلس الحسيني مساحةً تجمع إيرانيين ومصريين وباكستانيين وعراقيين حول مركزٍ رمزيٍ واحدٍ هو الإمام الحسين.

كذلك، فقد ارتبط نشاط الجمعية الخيرية الإيرانية بالموسم الحسيني من خلال تقديم المساعدات وتوزيع الملابس والقماش على المحتاجين، وفق قراءة محمد يادغاري لصفحات تشهرنما.

مقال عن عاشوراء في عدد نوفمبر 1950 من تشهرنما | أرشيف الكاتبة

وكانت عاشوراء في هذا السياق مناسبةً يتقاطع فيها الديني والاجتماعي والثقافي والسياسي. ويتضح ذلك من خلال تقريرٍ في عدد نوفمبر 1950 من تشهرنما، تحت عنوان "في ليلة عاشوراء الحسيني"، إذ يصف مجلساً حضره "كما في الأعوام السابقة، عدد كبير من الإيرانيين وشيعة من بلدان أخرى، إلى جانب شخصيات دينية وسياسية من أنحاء الشرق الإسلامي". وكان من أبرز المتحدثين محمد تقي القمي، الأمين العام لدار التقريب بين المذاهب الإسلامية وقتئذٍ، الذي دعا إلى التقارب بين السنة والشيعة وحذّر من استغلال القوى الأجنبية الخلافات المذهبية. فضلاً عن محمد صادق مجددي، الوزير المفوض لأفغانستان، الذي استحضر واقعة كربلاء ليؤكد أنّ انقسام المسلمين يبدد وزنهم السياسي في العالم. وتكشف الصحيفة أنّ استمرار هذه المجالس اعتمد على مبادراتٍ فرديةٍ وأوقافٍ وتبرعاتٍ من الجالية. 

غير أنّ ما حفظته الصحف لم يكن كلّ شيءٍ، إذ بقي جانبٌ آخر من هذا العالم حيّاً في ذاكرة أحفاد الجالية. أخبرني محمود مرزوق، حفيد عائلة مشكي، وهو الآن في الستينيات من عمره، أنه لا يتذكر التكية ومجالس عاشوراء من خلال ما كُتب عنها، بل من طفولةٍ عاشها في القاهرة.

ويشير في حديثه إلى أنّ المواكب بدأت تتراجع شيئاً فشيئاً في أواخر السبعينيات، لا بقرارٍ صريحٍ، بل بسبب انخفاض عدد المشاركين وتغيّر حضورها في الشارع. مع ذلك، لم تختفِ عاشوراء من البيت، إذ بقيت في طقوس العائلة، وفي صورة جدته التي كانت ترتدي الأسود في تلك المناسبة، ثم تصحبه إلى محيط مقامي الحسين والسيدة زينب لتوزيع "قِيمَه". وهي في هذه الشهادة طعامٌ يُوزّع في مناسبةٍ دينيةٍ حتى أصبح جزءاً من ذاكرةٍ ثقافية. القِيمَه يخنةٌ إيرانيةٌ تُحضّر عادةً باللحم والبصل والبازلاء الصفراء المجروشة والليمون المجفف والبهارات، وتُقدم عادةً مع الأرز. وفي سياق عاشوراء ترتبط في ما يُسمّى في إيران بفكرة "النذرى"، أي الطعام الذي يُطبخ ويُوزع ثواباً للإمام الحسين.


مرّت السنون وبدأ حضور الجالية الإيرانية يأخذ شكلاً مختلفاً. لم تختفِ مؤسساتها دفعةً واحدةً، لكن حضورها الذي كان واضحاً في الصحف والمتاجر والمجالس بدأ يفقد ملامحه الجماعية. وفي خلفية هذا التحول، كانت هناك تغيراتٌ سياسيةٌ واقتصاديةٌ أوسع شهدتها مصر. وتبقى آثار الحكاية في المكان الذي بدأت منه: خان الخليلي والحمزاوي.

فعند السير اليوم في السوق، تبدو الرواية السائدة مألوفة: سوق تاريخي، وحرفيون محليون، وماضٍ يبدأ من العصر المملوكي، ثمّ تعيد السياحة الحديثة تقديمه فضاءً للحرف والهدايا والمقاهي العتيقة. لكن دليل التجارة المصري لسنة 1929 يعيد التذكير بالطبقة الأخرى الكامنة وراء صخب المكان اليوم. فبين قوائم التجار والمستوردين وأصحاب المخازن، تتكرر أسماء مثل، نمكي، وشيرازي، وفضل الله، وأصفهاني، وتبريزي، ويزدي، ومشكي، وكازروني. وفي قلب أوراق الدليل هذا تظهر المفارقة: بقي السجاد الإيراني حاضراً في لغة الجودة والفخامة، في حين تراجع ذكر الإيرانيين الذين ساهموا بصنع شبكات هذه التجارة.

حتى مقهى نجيب محفوظ، الذي صار محطةً سياحيةً معروفةً في خان الخليلي، يحمل في رواية أحفاد عائلة كازروني الذين تحدثوا لي، طبقةً أخرى من هذه الذاكرة. فبحسب محمود فهمي، يعود جزءٌ من ملكية المكان إلى العائلة، وقد ظلّ مؤجراً منذ زمنٍ طويلٍ بإيجارٍ رمزيٍ ثابتٍ قدره خمسةٌ وعشرون جنيهاً مصرياً، ما زالت العائلة تتسلمه حتى اليوم. ومع ذلك فالمكان، على شهرته، لا يظهر فيه ارتباطه بتاريخ عائلةٍ إيرانيةٍ لم يعُد اسمها حاضراً في الواجهة العامة.

في وسط القاهرة تظهر علامةٌ أخرى: "المصبغة الإيرانية". ففي يونيو 2026، زرتُ المكان وتحدثتُ مع أم يوسف، مديرة المحل، التي روت لي أنّ المواطن المصري فؤاد فتوح أسّس المصبغة في أيام زواج الأميرة فوزية من محمد رضا بهلوي سنة 1939. ووفق روايتها، فإنّ مرور موكب الزفاف من شارع بورسعيد، المعروف بشارع التحرير اليوم، دفعه إلى اختيار اسمٍ يحتفي بذلك الرابط الملكي بين مصر وإيران. وبحسب قولها، فإنّ الاسم كاد يتغيّر في سنواتٍ سابقةٍ، لكنّ وزارة السياحة رفضت ذلك لأنه أصبح جزءاً من ذاكرة المكان.

المصبعة الايرانية في باب اللوق وسط البلد القاهرة | تصوير الكاتبة

حتى الذاكرة السياسية تركت أثراً في المدينة. مثل شارع مصدّق في الدقي، الذي يحمل اسم رئيس الوزراء الإيراني الأسبق محمد مصدّق الذي زار القاهرة في نوفمبر 1951. وتستعاد هنا لحظة التقاطع بين السياسة المصرية والإيرانية في الخمسينيات، حين رأت القاهرة في نضال مصدّق ضد النفوذ البريطاني وتأميمه النفط الإيراني صدىً لمعركتها مع النفوذ الاستعماري.

ومع ثورة 1952، التي أطاحت بالملكية وأقامت النظام الجمهوري، أعادت الدولة الجديدة تعريف الاقتصاد والملكية والانتماء. وقد طالت سياساتُ العهد الناصري، خصوصاً التأميمات والقيود الاقتصادية، جالياتٍ أجنبيةً متعددةً كانت ترتبط بعالم المال والتجارة في مصر.

أما الإيرانيون، فكان مسارهم أكثر تعقيداً. تزامن هذا التحول الداخلي أيضاً مع بدء انقلاب العلاقة بين القاهرة وطهران، خصوصاً مع إسقاط حكومة مصدّق سنة 1953 وانضمام إيران إلى حلف بغداد في 1955. ثم جاء تأميم قناة السويس سنة 1956 ليضع البلدين في موقعين مختلفين من الأزمة. فقد أقرت إيران بحق مصر في تأميم القناة، لكنها شاركت في الجهود الدولية المعارضة لموقف القاهرة. وتفاقم الخلاف في السنوات التالية، إلى أن قطعت مصر العلاقات الدبلوماسية مع إيران سنة 1960، واستمرت القطيعة حتى 1970.

وبحلول هذه المرحلة، كان الإيرانيون في القاهرة قد أصبحوا أقلّ عدداً ولكن أكثر اندماجاً بالمجتمع المصري عبر العمل والمصاهرة. بل إنّ بعضهم كان حاضراً داخل مؤسسات الدولة نفسها، وفق ما تكشف سيرة محمد علي نمازي باشا. وتظهر تحية كاظم، زوجة الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر، مثالاً آخر على هذا الاندماج. فقد وُلدت في القاهرة لأبٍ إيرانيٍ وأمٍّ مصريةٍ، ونشأت في عائلةٍ ارتبط جانبٌ منها بتجارة السجاد. لكن أصلها الإيراني لم يصبح جزءاً أساساً من صورتها العامة، فقد استقرت في الذاكرة المصرية زوجةً للرئيس ووالدةً، في حين بقيت جذورها الإيرانية في الخلفية العائلية. 

صورة من داخل المصبغة الإيرانية لفؤاد فتوح مؤسس المصبغة | تصوير الكاتبة

في خان الخليلي بدأت الحكاية من سجادةٍ، ثم قادتني شذرات جدتي هانية وصفحات تشهرنما إلى طبقةٍ أخرى من القاهرة، طبقةٍ لا تظهر في الواجهات وحدها، بل في العلاقات التي صنعت المدينة، وفي الأشخاص الذين مرّوا فيها وتركوا آثارهم. البحث عن السجاد كان ستاراً للبحث عن الصلة التي انقطعت بين الأشياء وأصحابها. بقيت السلعة، وبقيت بعض الأسماء، وبقيت آثارٌ متفرقةٌ تكشف أن تاريخ المدينة لم يُصنع بواسطة جماعةٍ واحدةٍ، بل عبر طبقاتٍ متداخلةٍ من التجار والمهاجرين والعائلات والمؤسسات. 

وإذا كانت بعض الوجوه قد تراجعت من المشهد العام، فإن ما بقي منها ربما يكفي لإعادة وضعها في مكانها الصحيح. هي ليست هامشاً في تاريخ القاهرة. إنها جزءٌ من تاريخها الاجتماعي والاقتصادي، وقد خرجت من تلك الطبقات المتراكمة التي منحت المدينة شيئاً من شكلها الذي نعرفه اليوم.

اشترك في نشرتنا البريدية