يتكرر المشهد أكثر من مرة، في الحدائق وفي المدرسة وفي الأنشطة الأسبوعية. وفي كل مرة كانت ابنتي تبدو أكثر ارتياحاً للمكان مما أشعر به، فكل مساحة جديدة تحتاج إلى وقت أطول حتى آلفها.
داخل الأسرة الواحدة، لا تبدأ الهجرة من النقطة نفسها. إذ يحمل الآباء والأمهات لغة وذكريات وعلاقات تشكلت في أوطانهم الأصلية، وفي المقابل ينمو الأطفال داخل مجتمع جديد يصبح مرجعهم الأول مع مرور الوقت في اللغة والصداقات والحياة اليومية. وبين هذين المسارين تتشكل فجوة في الإحساس بالانتماء وطريقة التكيف مع المكان الجديد. تُظهر تجارب أربع أمهات عربيات يعشن في الولايات المتحدة الأمريكية هذه الفجوة، إذ يحاولن الحفاظ على ارتباط الأبناء بثقافتهم الأصلية. في المقابل يزداد اندماج هؤلاء الأبناء في المجتمع الجديد ويعيد تشكيل علاقتهم بهويتهم الأولى. تفسر أدبيات الهجرة والهوية هذه الاختلافات وتفككها جزءاً من تباين مسارات التكيف بين الأجيال.
وصلت أسماء محمد، ذات الأربعة والثلاثين عاماً، إلى ولاية ماريلاند في 2025 رفقة ابنها آسر للانضمام إلى زوجها الذي كان يعمل في الولايات المتحدة منذ سنوات، لكنها لم تعش البدايات التي يتخيلها كثير من المهاجرين. ففي السنة الأولى من وصولها انفصلت عن زوجها، لتجد نفسها مضطرة إلى بدء حياتها من جديد بلا مورد مالي ثابت أو شبكة اجتماعية تستند إليها، قبل أن تنتقل إلى ولاية نيوجيرسي بحثاً عن فرصة عمل أفضل.
تقول أسماء للفراتس إن التكيف مع الحياة الجديدة لم يكن سهلاً، فكل شيء بدا غريباً واحتاج جهداً إضافياً لفهمه. حتى اللغة الإنجليزية التي درستها من قبل لم تكن كما توقعت. وقد امتد هذا الشعور بالغربة إلى تفاصيل الحياة اليومية، حتى الطعام. تستعيد مشهداً من منزل أسرتها في مصر حين كانت والدتها تعود من السوق فتملأ رائحةُ الخضروات والفاكهة المنزلَ قبل أن ترى ما تحمله. ثم تقارن ذلك بما تعيشه اليوم، بين أنواع مختلفة من الطعام، لكنها بلا طعم ولا رائحة مميزة كما اعتادت من قبل.
انتقالها من ماريلاند إلى نيوجيرسي عزز شعورها بأن حياتها ما زالت مؤقتة. لذلك ترى أن امتلاك المنزل، كما يروج له جزءاً من الحلم الأمريكي، ليس من أهدافها الآنية. تقول: "أنا اليوم في نيوجيرسي، ولا أعلم إن كنت سأبقى فيها أو أغادرها إلى ولاية أخرى. الحياة هنا أنك تبحث دائماً عن فرصة أفضل، وتضطر إلى تغيير المكان دائما".
وإذا كانت أسماء لا تزال تبحث عن المكان الذي يمكن أن تسميه بيتاً، فإن فلسطين ظلت المكان الذي لم يغادر تفاصيل حياة إيلين زنايد، ذات الواحد والأربعين عاماً، منذ هجرتها إلى الولايات المتحدة لولاية شيكاغو سنة 2011. فقد تزوجت إيلين من شاب فلسطيني أمريكي لتبدأ معه حياة جديدة في ولاية تكساس. وفي حديثها للفراتس تتذكر لحظة الرحيل جيداً. فلم تحمل معها الملابس فقط، بل حملت صوراً كانت معلقة على جدران غرفتها، ودفاتر يومياتها التي كتبتها في سنوات الجامعة. وبعد انتهاء زيارات الأقارب والتهاني بالزواج، وجدت نفسها وحيدة في مجتمع جديد، وتحولت أيامها إلى مكالمات طويلة مع أسرتها في فلسطين.
في السنة الأولى زارت فلسطين مرتين. وتقول إنها كانت تحاصر نفسها بالذكريات، وترفض الاستسلام للحياة الجديدة. تضيف أن محاولاتها الأولى للتأقلم لم تكن سهلة، سواء مع اللغة أو مع طباع المجتمع، لكنها قررت الخروج إلى العمل، ثم تعلمت قيادة السيارة بعد ثلاث سنوات. وبعد مرور خمسة عشر عاماً لا تزال إيلين تبحث عن مساحات تشعر فيها بالألفة. لذلك تفضل الذهاب إلى كنيسة عربية مع بعدها عن منطقة سكنها. لأنها كما تقول: "تعاليمهم مثلنا، وألتقي بأبناء الجالية العربية، ونتحدث لغة واحدة، وطريقة عبادتنا متشابهة".
حتى مع تراجع فرص زيارتها فلسطين بسبب الأوضاع الأمنية، ظل مسقط رأسها حاضراً في نكهة طعامه. إذ واصلت والدتها إرسال طرد غذائي لها كل ستة أشهر يضم ما تفتقده من أطعمة فلسطينية، وعلى رأسها زيت الزيتون وورق العنب، الذي تحرص على لفه بنفسها كما كانت تفعل في الوطن.
ومن فلسطين أيضاً جاءت نداء أبو حمدية، ذات الثلاثة والأربعين عاماً، لكن علاقتها بالمجتمع الجديد اتخذت مساراً مختلفاً. هاجرت نداء مع زوجها إلى الولايات المتحدة ليواصل دراسة الدكتوراه، وتنقلت بين ولايتي كونيتيكت وفرجينيا، قبل أن تنتقل سنة 2022 إلى كاليفورنيا.
تصف نداء للفراتس بداياتها بأنها احتكاك بمجتمع متعدد الخلفيات والثقافات. وحتى داخل الجالية العربية، اكتشفت أن اللغة وحدها لا تكفي لبناء علاقات متينة، لأن كل عائلة جاءت من بيئة وتجربة مختلفة. لذا اختارت أن يكون اندماجها قائماً على التمسك بهويتها الفلسطينية، فكانت حريصة على المشاركة في الحياة العامة والتعبير عن ثقافتها الفلسطينية والعربية في الوقت نفسه. وتقول إن الاختلاف لا يتعارض مع الاندماج، بل يساعد عليه: "علمت بناتي ألا نخجل من هويتنا، وأن نعبر عن ثقافتنا التي ورثناها من آبائنا وأجدادنا".
أما هناء جاسم، وعمرها ثمانية وخمسون عاماً، فلم تبدأ هجرتها بمحاولة التشبث بما تركته خلفها، بقدر ما فرضت عليها الظروف البحث عن حياة جديدة. وصلت إلى الولايات المتحدة مع زوجها وأبنائها الأربعة لاجئين من العراق سنة 2009. تتذكر في حديثها للفراتس شوارع بغداد، بعد الغزو الأمريكي للعراق، وقد امتلأت بالدبابات وأصوات الرصاص. وتصف البدايات في الولايات المتحدة بأنها قاسية جداً. لم تكن لغتها الإنجليزية جيدة ولم تكن تعرف البلاد أو نظامها. التحقت بدروس اللغة التي وفرتها المنظمة التي استقبلت الأسرة، وتولى زوجها العمل وتأمين الدخل.
البدء من الصفر لم يكن مجرد الانتقال إلى بلد جديد، لكنه مرحلة صاحبتها مسؤوليات متراكمة وخوف دائم من المستقبل. ولم تعرف الأسرة الاستقرار في مكان واحد في السنوات الأولى، فانتقلت من منزل إلى آخر بحثاً عن مدارس أفضل، وهو ما كان يعني لهناء إعادة ترتيب الحياة من جديد في كل مرة.
وبعد انتهاء هناء من دراسة اللغة، سألتها إحدى المشرفات عما تنوي فعله لاحقاً. ولم يكن عند هناء خطة واضحة، لكنها ما زالت تتذكر نصيحة المشرفة بأن تبحث عن مسار مهني يخصها. على الأثر، دخلت مجال التعليم ورعاية الأطفال، لكنها لم تجد نفسها في المؤسسات التي عملت بها. فقد رأت معلماتٍ مرهقات وأجوراً قليلة وتعاملاً مع الأطفال لا يشبه ما تؤمن به، حتى قررت افتتاح حضانة منزلية تُظهر طريقتها الخاصة في التعامل مع الأطفال.
لم تثق في البداية في أن الأهالي سيقبلون أن تعتني امرأةٌ عراقيةٌ تتحدث الإنجليزية بلهجة مختلفة برعاية أطفالهم. ومع الوقت، كبرت الحضانة حتى حصلت على لقب أفضل حضانة في المقاطعة التي تقيم فيها بولاية ماريلاند. لكن النجاح المهني لم يعن لها أن العراق أصبح جزءاً من الماضي. فما زال حاضراً في بيتها، وفي الحضانة أيضاً وهي تُعد للأطفال أطباقاً عراقية مثل الدولمة.
سبق ابنُ أسماء والدتَه بخطوات في التأقلم مع الحياة الجديدة. فتعلم الإنجليزية سريعاً وكوَّن صداقات في المدرسة، وأحب نمط الحياة في أمريكا واعتبرها بلده، بينما أصبحت مصر بلد العائلة الكبيرة يحب زيارتها لا العيش فيها. ولم تقتصر سرعة تعلمه اللغةَ على المدرسة، فقد ظهرت أيضاً في علاقته بوالدته. إذ صار يساعدها في فهم الإنجليزية الدارجة، ويصحح لها أحياناً محادثاتها مع زملاء العمل.
في المقابل، وبينما كانت أسماء تبحث عن المحلات العربية التي تبيع الأطعمة المصرية وتستعيد النكهات التي اعتادت عليها، كان ابنها قد اعتاد على الوجبات السريعة التي تقدمها المدرسة والمطاعم، وأصبحت جزءاً من طعامه اليومي. بهذا كانت الأم تقيس الطعام بذكريات البيت في مصر، ولكن الابن لم يعد يحمل المرجع نفسه وتشكلت عاداته الغذائية تدريجياً داخل البيئة الجديدة.
أما أبناء إيلين فقد وُلدوا ونشأوا في أمريكا وبدت علاقتهم بالمكان مختلفة عن علاقة أمهم به. لم يزوروا فلسطين سوى مرة واحدة سنة 2018، وأصبحت المدرسة والأصدقاء والحياة اليومية في أمريكا عالمهم الوحيد. ومع دخول ابنتها مرحلة المراهقة بدأت تظهر اختلافات في نظرة كل منهما إلى الحياة. فالابنة ترغب في المشاركة في الأنشطة المدرسية والخروج مع صديقاتها، بينما ترى الأم أن بعض هذه الأنشطة لا يتوافق مع أسلوب تربيتها. إذ لا تسمح إيلين لأبنائها بالمبيت في منازل الأصدقاء أو المشاركة في رحلات التخييم المدرسية إلا إذا كانت معهم.
وتستعيد إيلين موقفاً شعرت فيه ابنتها بالحرج عندما ظلت معها في حفل عيد ميلاد إحدى صديقاتها بينما غادر بقية الأهالي بعد توصيل أبنائهم. وتشرح أن هذه المواقف تكشف اختلاف نظرة كل جيل إلى ما يعد طبيعياً في المجتمع الذي يعيش فيه، في الوقت الذي تحاول فيه إيلين الحفاظ على أسلوب التربية الذي نشأت عليه.
ترى نداء أبو حمدية أن تجربة بناتها مع الاندماج اختلفت باختلاف المرحلة العمرية. ففي السنوات الأولى كان من السهل على ابنتيها الأكبر الاندماج في المدرسة وتعلم الإنجليزية سريعاً. وبعد انتقال الأسرة إلى كاليفورنيا سنة 2022 فضلت نداء إلحاق بناتها بمدرسة إسلامية خاصة، أملاً في أن يجدن بيئة تشترك معهن في العادات والقيم والثقافة. لكن التجربة لم تستمر طويلاً، ولم تستطيع الفتيات الاندماج بعيداً عن المحيط الأمريكي الذي اعتدن عليه في المدرسة ومع الأصدقاء، فعُدن إلى مدرسة حكومية أمريكية مرة أخرى.
ومن التحديات في غربة نداء إجادةُ اللغة العربية. فكلما تقدمت البنات في الدراسة واتسعت دوائرهن الاجتماعية، أصبحت الإنجليزية هي اللغة الحاضرة في المدرسة والأنشطة والأحاديث اليومية. فما زالت البنات الأكبر سناً يتحدثن العربية قليلاً، بينما تلاشت لغة الأصغر وطغت عليها الإنجليزية، فصار الحفاظ على العربية داخل المنزل تحدياً مستمراً للأسرة.
أما هناء جاسم، فتقول إن صغر سن أبنائها ساعدهم على التأقلم سريعاً بعد وصول الأسرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية. كان أصغرهم في الصف الأول الابتدائي، فتعلموا الإنجليزية وكونوا صداقات في المدن المختلفة التي انتقلت إليها الأسرة في سنواتها الأولى.
بعد فترة، قال لها ابنها الأصغر: "أنا نسيت العربي ولا أعرف أن أتحدث الإنجليزية". حاولت مساعدته بما تعرفه من مبادئ الإنجليزية، لكنه لم يكن يحب سماع لكنتها ولا لكنة والده. وبعدها اقترح الابنُ أن يتوقف الجميع عن التحدث بالإنجليزية داخل المنزل، وأن تبقى العربية وحدها لغة العائلة. ومع أن هذا القرار ساعد على بقاء العربية داخل البيت، إلا أن ابنها ما زال يتردد أحياناً أثناء حديثه مع أفراد العائلة في العراق. والسبب في ذلك أن كثيراً من الكلمات والتعبيرات المستخدمة في العراق لم تعد جزءاً من حياته اليومية في أمريكا.
في كتابه "ذا لوكيشن أوف كلتشر" (موقع الثقافة) الصادر سنة 1994 يشير أستاذ العلوم الإنسانية هومي بهابا إلى أن الحدود لا تمثل نقطة انتهاء لكنها مساحة يبدأ عندها تشكل واقع جديد. ففي تجربة العائلات المهاجرة، لا يعيش أفراد الأسرة الواحدة الانتقال بين وطنين بالطريقة نفسها. فالأمهات يواصلن حمل ذاكرة المكان الأول، بينما يُنشِئ الأطفال علاقتهم الأولى بالمكان الجديد، لتتشكل داخل الأسرة نفسها خبرات مختلفة للانتماء. ويربط هومي بين تجربة الشتات والبحث عن مساحات جديدة للتجمع والانتماء. وهو ما ظهر في المقابلات مع الأمهات وهن يبحثن عن الكنيسة العربية أو المسجد أو الجالية التي تتحدث نفس اللغة، أماكن تعيد إنتاج جزء من الوطن داخل المجتمع الجديد. فالهوية برأي الكاتب ليست شيئاً ثابتاً، إنما يعاد تشكيلها باستمرار داخل المكان الجديد.
وإذا كانت الأمهات الأربع حملن معهن هويات أوطانهن، فإن أبناءهن بدأوا في بناء تصور مختلف لأنفسهم داخل المجتمع الأمريكي منذ سنواتهم الأولى. وهو ما يفسره الفيلسوف الكندي تشارلز تايلور في طرحه "بوليتكس أوف ريكوغنيشن" (سياسات الاعتراف) سنة 1992. يقول إن الهوية تجربة يكتشف فيها كل فرد طريقته الخاصة في أن يكون نفسه. ومن هذا المنطلق، تعيد الهجرة تشكيل علاقة الإنسان بنفسه وبالمجتمع.
وتتشكل هذه الهوية بالتفاعل المستمر مع الآخرين، وبالعلاقات واللغة ودوائر الانتماء التي يعيش داخلها. وتؤكد لقاءات الأمهات هذا الطرح، إذ وجد الأطفال هذه الدوائر سريعاً في المدرسة والأنشطة والصداقات، بينما احتاجت الأمهات إلى سنوات لبناء مساحات اجتماعية نحو الشعور نفسه بالألفة والانتماء.
تناولت أدبيات الهجرة أيضاً مفهوم التثاقف بأنه إعادة الأفراد والجماعات التكيف مع مجتمع جديد، بتعلم قيمه وعاداته ولغته، مع الحفاظ بدرجات متفاوتة على ثقافتهم الأصلية. ويقسم عالم النفس الكندي جون بيري طرق التثاقف إلى أربعة أنماط رئيسة. أولاً الاندماج، وفيه يحتفظ الفرد بثقافته الأصلية ويشارك في المجتمع الجديد. وثانياً الاستيعاب، الذي يتبنى فيه الفردُ ثقافة المجتمع المضيف على حساب ثقافته الأصلية. وثالثاً الانفصال، وبه يتمسك بثقافته ويبتعد عن المجتمع الجديد. وأخيراً التهميش، وفيه يضعف ارتباطه بكلتا الثقافتين. وتشير أبحاث جون بيري إلى أن الاندماج غالباً ما يرتبط بأفضل النتائج النفسية والاجتماعية للمهاجرين، لأنه يحقق التوازن بين الحفاظ على الهوية الأصلية والانخراط في المجتمع الجديد.
وتقترب تجارب الأمهات مع ما توصلت إليه دراسة بعنوان "نموذج تكيف العلاقة بين الأم والطفل لدى المهاجرين العرب المسلمين في الولايات المتحدة" نُشرت في مجلة "ساينس دايركت" في أغسطس 2009 واعتمدت على بيانات 635 أماً وابناً من عائلات عربية مسلمة هاجرت إلى الولايات المتحدة. تشير الدراسة إلى أن الأمهات العربيات المهاجرات يواجهن تحدياً مزدوجاً يتمثل موازنة اندماج الأبناء في المجتمع الجديد مع الحفاظ على القيم التي يحملنها من أوطانهن الأصلية. كذلك وفقاً للدراسة تواجه الأمهات المهاجرات ضغوط الهجرة ذاتها، مثل فقدان الوطن وصعوبة اللغة وإعادة بناء الحياة في مجتمع جديد، بينما تتأثر قدرة الأبناء على التكيف بعوامل من بينها العلاقة مع الأم والدعم الاجتماعي.
هذه الفجوة في التكيف رصدها كذلك بحث المتخصصتين في علم النفس دينا بيرمان وميريديث بوف من جامعة إلينوي بشيكاغو ونشرته "تشايلد إنسايكلوبيديا" (موسوعة تنمية الطفولة المبكرة) في 2011. تقول الباحثتان إن فجوة التكيف بين الآباء والأبناء تبدأ غالباً من اللغة، لكنها لا تتوقف عندها. إذ تظل اللغة الأم وسيلة التواصل الأساس لكثير من الآباء والأمهات حتى بعد سنوات من الهجرة، ويكتسب الأطفال لغة المجتمع الجديد بسرعة مستفيدين من وجودهم اليومي في المدرسة، فيصبحون أقدر على استخدامها في الدراسة والحياة اليومية.
وتمتد الفجوة إلى القيم والتوقعات الاجتماعية. فالآباء يتمسكون بالمفاهيم التي نشأوا عليها في بلدانهم الأصلية، مفاهيمُ تعطي أولوية للأسرة وتتبنى أساليب تربية أكثر صرامة. وفي المقابل، ينشأ الأبناء داخل مجتمع يتيح لهم هامشاً أكبر من الاستقلالية سواء في تكوين الصداقات أو المشاركة في الأنشطة أو بناء العلاقات الاجتماعية. ومع اتساع هذه الاختلافات، قد تتباين نظرة كل طرف إلى ما يعد سلوكاً طبيعياً ومقبولاً أو العكس.
بدأت محاولة أسماء مع اللغة والدين. فكلما عاد ابنها آسر من المدرسة محملاً بكلمات إنجليزية جديدة حرصت أن يبقى على صلة باللغة العربية، وخصصت له دروساً أسبوعية عبر الإنترنت لتعلم القرآن واللغة العربية مع معلمة من مصر. وترى أن الاحتفاظ باللغة والدين يربطه بجذوره، حتى وإن كانت حياته اليومية بعيداً عن وطنه الأم. وفي حديثها مع الفراتس تخشى أسماء أن يأتي يوم يفهم فيه ابنها العالم من حوله بلغة لا تستطيع هي أن تشاركه تفاصيلها كاملة، أو يصبح الحديث مع عائلته في مصر أصعب.
أما إيلين زنايد فحاولت نقل فلسطين إلى أبنائها بأسلوب الحياة نفسه واللغة والذاكرة العائلية، لا مجرد خارطة على الحائط. تقول للفراتس إنها كانت حريصة على أن يكبر أبناؤها داخل البيت بالقيم والعادات التي نشأت عليها في فلسطين، حتى وإن كانوا يعيشون في مجتمع مختلف. وتصر على اصطحابهم معها إلى الكنيسة العربية ليس للصلاة فحسب، وإنما ليسمعوا العربية ويلتقوا بعائلات تشبههم في الخلفية والثقافة فيشعرون أن هويتهم ليست شيئاً معزولاً عن الآخرين.
وحتى الطرود التي ترسلها والدتها من فلسطين كل ستة أشهر، حولتها إلى حدثٍ منزلي، فتجمع الأبناء تحدثهم عن الطعام وطريقة إعداده بالطريقة الفلسطينية. تتحدث الأم للأبناء عن زيت الزيتون الذي يأتي من أرض العائلة، وكيف كانت جدتهم تلف ورق العنب مثلما اعتادت منذ سنوات.
وبالمثل فعلت نداء أبو حميدة مع الهوية الفلسطينية. كانت تبحث عن الفعاليات الفلسطينية لحضورها بصحبة بناتها، ومن بينها مشاهدة فيلم "فلسطين 36" الذي نظمته الجالية الفلسطينية في كاليفورنيا، والذي يستعيد مرحلة الثورة الفلسطينية ضد الانتداب البريطاني والحركة الصهيونية سنة 1936. كذلك حاولت الأم الحفاظ على طقوس الأعياد بكل تفاصيلها، من الصلاة في المسجد والعيدية والهدايا إلى الزيارات مع الأصدقاء والجيران من الجالية العربية.
وكما فعلت أسماء اتجهت هناء جاسم للحفاظ على اللغة العربية. وافقت على اقتراح ابنها بأن تبقى العربية اللغة الوحيدة داخل المنزل. لم يكن القرار متعلقاً باللغة وحدها، بل بالإبقاء على مساحة مشتركة تجمع أفراد الأسرة مع اختلاف العالم الذي يعيش فيه الأبناء خارج المنزل. وكانت ترى أن استمرار الحديث بالعربية داخل المنزل يحافظ على قدرة الأبناء على التواصل مع أقاربهم في العراق، ويمنع أن تصبح العلاقة معهم مع مرور السنوات مجرد زيارات عابرة أو مكالمات قصيرة يصعب فيها التعبير عن المشاعر لاختلاف اللغة.
وبجانب اللغة، ظل العراق حاضراً أيضاً في تفاصيل الحياة داخل المنزل في اللوحات المعلقة على الجدران والكتب واسطوانات الموسيقى. وامتد ذلك إلى الحضانة المنزلية التي أسستها، فكانت تقدم للأطفال وجبات من المطبخ العراقي.
وهنا الدرس الأهم الذي خرجت به من قصص النساء الأربع. لم تحاول أي واحدة منهن منع أبنائها من الاندماج في المجتمع الجديد، كانت تحاول فقط ألا يضطروا إلى الاختيار بين انتماء وآخر. فالهجرة لا تعني نسيان المكان الأول، والهوية لا تبدأ من إتقان اللغة بقدر ما تبدأ من الشعور بأنها جزء منك. وربما لهذا السبب، يكفي أحياناً أن يقول طفل كلمة "مرحباً"، أو يعرف نفسه بأنه يتحدث العربية، حتى تدرك أن شيئاً من الوطن ما زال حياً.

