سرعان ما تحولت بهجتي خيبة أمل عندما أخبرني موظف الجوازات أني مطلوب على ذمة قضية يجب عليّ حلّها قبل الخروج ثانية من البلد. سألته عن فحواها فأجاب بأسلوب مؤدب لكن غير متعاون، بأنها قضية تخلف عن الالتحاق بالوظيفة الالزامية في وزارة الإسكان والتعمير قبل خمسة وأربعين عاماً بالتمام، مما ولا بد أنه سقط بالتقادم. يبدو أن ذاكرة الدولة العميقة عميقة فعلاً، وأنها لا تبالي بتغيّر النظام. فالدعوى، على حد رأيه، قد حُرّكت ثانية سنة 2013، أي أثناء قمة انغماسي بنقد نظام الأسد في الصحف.
كانت هذه اللحظة الأولى من عودتي إلى دمشق بعد خمس عشرة سنة من الغياب القسري الذي فرضه نقدي نظامَ الأسد على صفحات الصحف والمجلات العربية. عدت الآن لأستكشف ما صارت عليه البلاد بعد سنة كاملة من سقوط ذلك النظام.
كشفت زيارتي القصيرة هذه أن استغراقي الأكاديمي بتحليل مآلات الحرب التي استمرت أربع عشرة سنة وأدت إلى تخلخل بنية المجتمع السوري ودمار مدنه وقراه وبناه التحتية أغفل جانباً لا يقلّ أهمية ولا يدرَك إلا بالمعاينة المباشرة. إنه جانب الطرق والأساليب التي تتأقلم فيها المدن مع الحرب والتدمير وتغير السلطة.
أخذت المراقبة مسارين، فكريٌّ ثقافيّ وبحثيٌّ أكاديميٌّ، انشغلا بتدمير نظام الأسد العمرانَ السوري. أما الفكري الثقافي فتجلى في مقالاتي شبه الأسبوعية في صحيفة الحياة اللندنية أكثرَ من سبع سنين. ركزت في هذه المقالات على الآني والمفجع والعنيف والإجرامي من تعامل نظام الأسد مع شعبه الثائر عليه، ومن ردود أفعال العالم المختلفة على الثورة السورية وتداعياتها القريبة والبعيدة.
وأما المسار البحثي والأكاديمي، الذي استغرق وقتاً أطول، فانصب تركيزي فيه على سؤال إعادة الإعمار. فبعدما اتضح لي حجم الدمار الذي أصاب مختلف المناطق السورية، نظمت ندوة سنة 2019 بعنوان "ريكونستراكشن آز فايولنس: ذا كيس أوف أليبو" (إعادة الإعمار فعل عنف: حالة حلب) في معهد ماساتشوستس للتقنية، الذي أُدرِّس فيه منذ أربعة عقود. كانت هذه الندوة جزءاً من مشروع أكبر عنوانه "أخلاق إعادة الإعمار" الذي أطلق ضمن برنامج الآغا خان الذي أُشرف عليه في المعهد. شكلّت مجموعةُ الأكاديميين والمتخصصين المشاركين في هذه الندوة النواةَ البحثية التي استمرت في العمل وانضم إليها آخرون لتتوّج هذه الجهود في كتاب "ريكونستراكشن آز فايولَنس إن أسدز سيريا" (إعادة الإعمار فعلَ عنفٍ في سوريا الأسد)، الذي حررته مع زميلي الباحث في الدراسات الحضرية دين شارب ونشر سنة 2025. حوى الكتاب خلاصة ملاحظاتنا التاريخية والقانونية والتحليلية والنقدية عن استغلال نظام الأسد الدمارَ في سوريا لإعادة ترتيب الأرض والمجتمع والولاء والرقابة على الشعب.
شغلني في المسارين موضوع الدمار. فانتقدتُ في مقالاتي التدمير الذي خلّفَه النظام بأشكاله وأهدافه سواء كانوا بشراً أم حجراً. وانشغلت في نشاطي البحثي بالدمار الذي لحق بالمدن السورية تحليلاً ودرساً وكذلك نقداً لمقاربات إعادة الإعمار السائدة التي تعامل المسألة تقنياً وتغفل أبعادها السياسية والحقوقية والأخلاقية.
أوّل تأقلم لاحظته عمرانيّ. وهو تأقلم عشوائي وانتهازي ونابع من الحاجة الملحة الناتجة عن تدمير جزء كبير من المباني والبنى التحتية. فلم يكن تغيّراً عمرانياً مقصوداً تقوده خطط حكومية مركزية أو مشاريع استثمارية كبرى أو قرارات أهلية منظمة ديمقراطياً تحقيقاً لمصالح عامة. تغيرٌ جاء نتيجةَ أفعال فردية متراكمة غير منسقة تحركها الحاجة وغريزة البقاء التي طرأت على مدينة لم تعد مغرية للاستثمار لأن الدولة أهملتها. مرت كل المدن التي دمرتها الحروب بهذا التأقلم، وخرجت منه ببرامج إعادة التخطيط والعمران بعد الحرب. بدا لي من حالة المباني على طرفي الطريق من المطار أن دمشق لم تصحُ بعد من صدمة انهيار النظام الذي سامها العذاب عقوداً، ولم يبدأ القيمون عليها بوضع خطط إعادة البناء والتخطيط والعمران.
أخذتني أختي وصديقتها من المطار لزيارة مقبرة الدحداح حيث قبر أمي التي ماتت قبل أن أزورها ودون أن أودعها. تبعد هذه المقبرة العريقة التي عرفت في الماضي باسم مقبرة باب الفراديس حوالي سبع دقائق بالسيارة عن المسجد الأموي وتقع على شارع بغداد في المنطقة بين دمشق القديمة والأحياء الحديثة التي خططت في عهد الانتداب الفرنسي إلى الشمال من نهر بردى. وسميت بالدحداح نسبةً للمحدّث أبي الدحداح أحمد بن إسماعيل المتوفى سنة 982. وتحوي المقبرة قبور العديد من العلماء والأولياء والأمراء والسيدات العظيمات ومن المشاهير المعاصرين منهم الروائي عبدالرحمن منيف والمفكر العروبي زكي الأرسوزي والرئيس حسني الزعيم صاحب أول انقلاب في تاريخ سوريا سنة 1949 والممثل نهاد قلعي المشهور بشخصية حسني البورظان في الدراما السورية.

كانت المقبرة أول شاهدٍ واجهته على فوضى هذا التأقلم. فأول ما فعلته عند وصولي الوقوفُ عند قبر أمي أخاطبها في نفسي بالمقولة المنسوبة إلى الجنرال الفرنسي غورو عند احتلاله دمشق، ولكن لغاية أخرى: "ها قد عدت يا نهدو". ففي السنوات الخمس عشرة الماضية كنت متيقناً أنني لن أرى دمشق مرة أخرى، ولن تتاح لي الفرصة لرؤية مدفن أمي والدعاء لها. بعدها وقفت أتأمل اجتماع الناس في الموت في رقعة صغيرة، يتزاحمون على كل شبر فيها بازدياد عدد الراغبين بالدفن في هذه المقبرة العريقة التي أصبحت قبورها غالية الثمن وتباع بأسعار عالية تتجاوز أسعار البيوت. ازداد الطلب على القبور، ربما بفعل ازدحام الناس في دمشق ممن هُجّروا إليها لأن قراهم وبلداتهم دمرت أثناء الحرب، خاصة سكان الغوطة التي دمرت العديد من قراها ونزح معظم سكانها إلى المدينة.
أدهشني في ذهابنا وإيابنا من المقبرة زحمة السير وعشوائيته التي تُظهر الطريقة، أو الطرق، التي تكيفت فيها المدينة مع إهمال نظام الأسد مهامَه المدنية وانشغاله بحرب شعبه. فالسير بطيء والجميع منزعجون يطلقون منبهات سياراتهم بسبب وبدون سبب في مقطوعة نشاز مستمرة. وصل عدد السيارات المسجلة في محافظة دمشق قبل سقوط النظام سنة 2023 إلى حدود نصف مليون سيارة، ثم تضاعف هذا العدد إلى قرابة المليون منذ سقوط النظام دون أن تستعد شوارع المدينة لها. لا عجب إذن أن يتجاهل السائقون أبسط قواعد السير واحترام الآخرين من سيارات ومشاة ودراجات نارية.
والدراجات النارية خصوصاً تضاعفت أعدادها. ربما لأنها بديل أقل ثمناً من السيارة. ولم توقف انتشارَها قراراتُ محافظة دمشق منع استخدامها داخل المدينة. حتى حملاتُ الشرطةِ لمصادرة من يخالف هذه القرارات ومحاولة اللجنة الوطنية للاستيراد والتصدير منع إدخال الدراجات النارية بكافة أنواعها إلى سوريا لم توقف انتشارها. فقد رأيت سائقي هذه الدراجات يمرون بين السيارات بسرعة وتهور لا مثيل له، ويصعدون على الأرصفة مزاحمين المشاة للهرب من زحام الشارع. والكل يقود كأنه الوحيد في الطريق، والآخرون مجرد هوام مزعجة يجب تفاديها. حتى أن المشاة أنفسهم لا يتقيدون بأي قواعد، بل يسيرون على مسؤوليتهم بلا ممرات خاصة أو قانون يحميهم أو رجال شرطة متمكنين من مهامهم. وقد بات عبور الشارع، مشياً أو قيادة، يتطلب قدراً كبيراً من الصبر والمراوغة والحلم.
إضافةً لرواسب الحرب المتطاولة في الطرق والمقبرة، وجدت مباني دمشق هرمة مهملة لكنها في نفس الوقت متأقلمة مع تلك السنين العجاف. فغالبيتها، حتى في الحارات الغنية، تشقق طلاؤها وتكسرت قطع من واجهاتها ولم تُنظف نوافذها منذ أمد بعيد. وبدأت المخلفات تتراكم على شرفاتها وأسقفها. ولعل أهمَ مظاهر تأقلمها مع سنوات الحرب، ألواحُ الطاقة الشمسية وخزانات الماء والوقود التي غدت ضرورية بعد تدهور خدمات الماء والكهرباء والطاقة. فاضطر السكانُ إلى الاعتماد على مواردهم الذاتية في تأمين هذه الضروريات.
ولعلّ أكبرَ ضحايا إهمال الدولة أشجارُ الشوارع التي مات عدد كبير منها وبقيت جذوعها وأغصانها اليابسة واقفة بحسرة ولكن بشيء من التحدي. الاستثناء الوحيد كانت النخلات السامقات التي تزين الفاصل الأخضر في منتصف شارع أبو رمانة الراقي والمهم. خلافاً لما رأيت في باقي نواحي دمشق، بدت لي النخلات أنضر مما أذكرها عليه منذ خمسين عاماً حين كنت وأصحابي نتسكع على أرصفة هذا الشارع ننتظر فتيات المدارس على أمل نظرة أو ابتسامة.
أكبرَ ضحايا إهمال الدولة أشجارُ الشوارع | تصوير الكاتب
أما أسواق المدينة، فتأقلمت مع اتساع دائرة الفقر المدقع بسبب الحرب. وأصبحت غالبيتها أقرب ما يكون لأسواق سد الحاجة الضرورية. وغدت أسواق الملابس المستعملة، أو أسواق "البالة" كما تسمى شعبياً، أكثر رواجاً وانتشاراً لتلبية حاجات الناس الذين لم يعد باستطاعتهم شراء ملابس جديدة. وكثرت بسطات الباعة على الأرصفة يبيعون ما تيسر درءاً للفاقة. ولم تُفلح محاولات محافظة دمشق وحملاتها في إزالتها أو تنظيمها. أغلب ما تبيعه هذه البسطات زهيد الثمن، ولا يملك المرء إلا أن يتساءل عما يلزم البائع بيعه ليكسب خبز يومه ويوم عائلته.
آخرُ الملاحظات العمرانية على تأقلم المدينة مع الحرب، انتشارُ التسول في الشوارع . فقبل الحرب كان التسوّل نادراً وكان المتسولون معروفين لسكان الأحياء التي يتسولون فيها. أما اليوم فقد بدا لي أن أغلب المتسولين طارئون على المدينة. فهناك أمهات مع أولادهن وبناتهن، ينتشرون على مسافات من الطريق يبيعون المناديل أو بعض البسكويت أو الحلوى ستاراً لتسولهم. وغالبية الأمهات، كما بدا لي، من الريفيات القادمات من ريف دمشق أو أبعد جنوباً ولم أتمكن من التأكد فيما لو كنّ ذوات أزواج أو لهم إخوة ذكور، أم أن هؤلاء ماتوا في الحرب أو هاجروا إلى بلاد بعيدة.
حضرتُ وأنا في دمشق مؤتمراً علمياً عن تاريخ سوريا لم أكن خططت لحضوره. نظم المؤتمر المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة المرتبط بالمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة. كان للمؤتمر عنوانٌ لافتٌ: "كيف يُكتب تاريخ سورية؟" وكان اللقاء عالي التنظيم والترتيب والخدمات. إذ عُقد في فندق البوابات السبعة الفخم. سمي هذا الفندق بهذا الاسم نسبة إلى بوابات المدينة التاريخية، وكان يعرف سابقاً بالشيراتون ولي فيه ذكريات كثيرة. فقد كان أحد مراتع شبابي الأول، وأمضيت في بعض مرافقه أوقاتاً جميلة، وفي إحدى قاعاته عقد زواجي.
لفتني في المؤتمر وجود فئتين من المؤرخين. يمكن تسمية الأولى القدامى أو المخضرمين، والثانية الشباب أو الصاعدين. وكان الاختلاف في مقاربات المتحدثين من الفئتين واضحاً ولافتاً. فالقدامى، مثل أقرانهم في مناطق أخرى من العالم، محافظون في مقاربتهم للتاريخ وفي منهجهم، ولا يلتفتون إلى النظريات التاريخية. مؤرخون واثقون من معلوماتهم المتراكمة بفعل الزمن وبفضل معايشتهم الأحداثَ عن قرب، لكنهم لم يقدموا تنظيراً جديداً أو تأويلاً ممنهجاً. فأحد المتحدثين متبحّر في تاريخ سوريا القديم يعرف أحداثه ومحطاته الرئيسة وتطوره، ويسرده ببراعة، لكن بلا محاولات تأويلية أو تنظيرية. أما المؤرخون الشباب، وغالبيتهم من خريجي جامعات بلدان الشتات السوري مثل مصر وتركيا وماليزيا، فأكثر إلماماً بالمقاربات التاريخية الحديثة وأكثر ارتياحاً في التعامل مع النظريات والمناهج السائدة، وإن كانوا أقل ثقة بمعرفتهم وأكثر تهيباً من المخضرمين الذين يملكون مفاتيح المناصب والترقيات الأكاديمية.
أعجبتني عدة مداخلات من هؤلاء الشباب. أحدهم على سبيل المثال قدم مسحاً عن المدارس التاريخية التي تناولت تاريخ سوريا في الفترة من أواخر الحكم العثماني إلى بدايات العهد الوطني قصير الأمد. وأثناء تقديمه هذا المسح طرح منهجاً متكاملاً لقراءة المصادر المتوافرة ونقدها وتمحيصها، مقترحاً منهجية جديدة مدققة تتجاوز القراءات الموجهة وتنفتح على تعددية الآراء في الآن نفسه. وحلل باحث آخر عجز الخطاب التاريخي المعاصر عن مقاربة تاريخ الأقليات في سوريا بتجرد وموضوعية تأويلية متوازنة.
ولو قارنت هذه التجربة بتجاربي السابقة في حضور المحافل والمناسبات الثقافية أثناء حكم الأسد، لهالني حجم الفروقات، وتحديداً تمكين الباحث السوري. حضرت قبل الحرب مؤتمراً عن تاريخ سوريا القديم، منذ العصر السلوقي إلى بدايات الإسلام. وكنت الباحث الوحيد سوري الأصل بين أكثر من عشرين باحثاً متخصصاً بالتاريخ السوري. وكذلك المؤتمر الذي أقامه مركز البحوث الألماني عن التاريخ المعماري والعمراني في سوريا الإسلامية، كنت واحداً من اثنين أو ثلاثة من أبناء البلد بينما توزع الباحثون العشرون الآخرون على مختلف الجنسيات الغربية. لم يكن يُسمح حينها بإقامة مؤتمر عن تاريخ سوريا الحديث والمعاصر لما سيثيره من تساؤلات لن تعجب نظام القائد الواحد والحزب الواحد والرأي الواحد.
ضاعف الأمل الذي تبثه مقارنة وضع البحث التاريخي في ظل النظام الحالي بما كان عليه قبلها حفلٌ حضرته مع أختي لفرقة موسيقية من الشباب السوري في دار الأوبرا الوطنية. كان اسم هذه الدار سابقاً "دار الأسد للثقافة والفنون" لكن اسمها عدّل مثل المكتبة الوطنية وغيرها من المباني العامة بعد عسف آل الأسد. وضع حجر الأساس لهذا المشروع سنة 1979 لكنه مرّ بمراحل تعثّر كثيرة منها حريق اندلع في قاعتها الرئيسة أجَّل افتتاحها إلى سنة 2004. والدار الآن أهم مسرح في دمشق من حيث الخشبة والتجهيز والعمارة.
كان الحفل على تواضعه باعثاً على التفاؤل. جلست وأختي نستمع مجموعةً من الشبان والشابات، عزفوا موسيقى أفلام ومسلسلات بإتقان لأكثر من ساعة. لم يكن العزف فائق الجودة، لكنه كان مرضياً، وجعلته روح الشباب المتقدة أكثر تأثيراً وأحلى وقعاً. غادرت القاعة إلى البهو مليئاً بالحبور وقد استعدت بعض التفاؤل. توقفت أمام أم جميلة وابنها وابنتها، اللذين لم يتجاوزا السادسة عشرة، وقلت للولدين: "شكراً على هذه الأمسية الرائعة، أعجبتني فرقتكم كثيراً". ابتسما وهزا رأسيهما مرحبين بإطرائي. أضاء وجه الأم وقالت: "شكراً، أنا فخورة بهما كثيراً". أجبتها: "وأنا كذلك، يا سيدتي" وأردفت في نفسي وأنا أبتسم: "فهما منبع التفاؤل بمستقبل أفضل لهذا البلد الذي تعذب كثيراً".

لم تكتف الفضاءاتُ العامة والطرق بإزالة صور رموز النظام السابق، بل أزيلت معها الحواجز الإسمنتية التي أعاقت الحركة في الشوارع. كان المرور في الأحياء السكنية الراقية حيث أقام معظم المسؤولين يتطلب لياقة عالية في القيادة وصبراً طويلاً. لكن اليوم لا تجد هذه الحواجز عند بيوت المسؤولين إلا عند بيت الرئيس. وأزيلت كذلك مقصورات الحراسة و"الكولابات"، أو الحواجز الاسمنتية، التي غصت بها أحياء سكن مسؤولي النظام السابق أو مقار فروع حزبهم ومخابراتهم. وقيل لي إن غالبية هذه العقارات التي غُصبتْ من أصحابها الأصليين قد أُعيدت إليهم في خطوة رفعت من أسهم النظام الجديد عند نخب دمشق التجارية التقليدية. فقد عانت هذه النخب مثل غيرها من عسف نظام الأسد مع استزلام بعض أفرادها لأبناء النظام السابق الذين اقتحموا عالم التجارة والاستثمار وكانوا بحاجة إلى من هو أدرى منهم بتعاملات الأسواق.
لكن بعض مظاهر السلطة الأخرى التي ألفناها مع النظام البائد استمرت. سيارات دفع رباعي بيضاء تجوب الشوارع ويقودها رجال ملتحون ينتمون للهيئة يتصرفون أحياناً وكأنهم يملكون الطريق. يقودون بسرعة ويفسح الناس لهم الطريق إما خوفاً، وإن لم أشاهد حادثة واحدة كانوا طرفاً فيها، أو تعوداً بعد سنوات القهر على عدم مساءلة أجهزة النظام عن مخالفتها. هناك حراس مسلحون في معظم المواقع الحساسة، لا يرتدون زياً موحداً، وجلهم تقريباً من أبناء الأرياف الذين قدموا مع النظام الجديد وانتسبوا إلى جيشه وأجهزته الأمنية.
تقاطعت يوماً مع واحد منهم، فتبين لي من مجادلتي معه أن بعض الأحوال ظل كما كان وبعضها تغيّر إلى الأفضل. نزلت من طريق الصالحية، أهم شريان تجاري في المدينة، فتوقفت أمام مبنى وزارة الاتصالات على شارع العابد. أخرجت هاتفي النقال والتقطت صورة لواجهة المبنى بعمارتها العربية الجديدة التي تميّزت بها عمارات دمشق الرسمية في ثلاثينيات القرن الماضي وأربعينياته.
وضعتني هذه الصورة وجهاً لوجه مع السلطة الجديدة. فبعد أن التقطتها سمعت صوتاً خلفي يقول: "ممنوع التصوير". التفتّ مستغرباً، لأرى فتىً لا يتجاوز الثامنة عشرة يحمل رشاشاً ويرتدي ثياباً عسكريةً مرقطةً. سألته: "ولمَ ممنوع التصوير؟" فأجاب: "لأنك أخذت صورة لرجل أمن". قلت: "أي رجل أمن؟ أنا صوّرت واجهة المبنى". فقاطعني: "لكن رجل الأمن الواقف أمام المبنى ظهر فيها". فقلت له، وقد تشجعت وأنا أنظر إلى المبنى ثانية: "ها قد خرج رجل الأمن من الإطار، فسآخذ صورة ثانية". والتقطت الصورة. هنا أعاد الفتى قوله: "ممنوع،" ثم أردف: "من أين أنت؟" قلت: "من هنا. وأنت، من أين أنت؟" قال: "من القنيطرة، وأنا منتسب للجيش".
عندها جاء من بدا أنه أعلى رتبة منه، وإن كان هو الآخر بالكاد قد خرج من المراهقة. سأل: "ماذا يحدث؟" أجابه المجند: "هو يأخذ صوراً ممنوعة لمبنى الوزارة". فقال العريف، وهو ينظر إلي مباشرة: "لا، ليست ممنوعة. تصوير المباني الرسمية مسموح للمواطنين". شكرته ومضيت.

وأنا أبتعد عنهما بدأت أقارن في ذهني بين هذه المواجهة وحوادث مشابهة حصلت لي في الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين. حين أوقفني رجال المخابرات وأنا أصور مباني سكنية لم أعرف أن بعض ساكنيها من المهمين، فصادروا آلة التصوير أو سحبوا الفيلم بعنف وتعالٍ وسباب. صورت يوماً مجموعة مبان سكنية جديدة، يبدو أن أحدها كان تابعاً لرفعت الأسد، الأخ الأصغر لحافظ الأسد والرجل القوي في البلد يومها. حاصرتني مجموعة من رجاله مسلحين وهم يصرخون ويسبون. أخذوا مني آلة التصوير وفتحوها وأخرجوا الفيلم منها وهم يتوعدونني بالويل والثبور، قبل أن يدفعوني بعيداً ويلقوا بآلة التصوير أرضاً.
لكن اختفاء أساليب المخابرات لا يعني اختفاء مظاهر البطء الحكومي القديمة التي أرسى قواعدها نظام الأسد. فقد قضيت يومين أو ثلاثة أتنقل بين الدوائر الحكومية محاولاً حلّ مشكلة لم يكن يجب أن توجد أصلاً. لاحظت أثناء تطوافي أن كثيراً من مظاهر البطء الحكومي القديمة، من تعمّد تأخير المعاملات والفساد، لا زالت قائمة. ولعلّ هذا يعود إلى أن كتلة وازنة من الموظفين القدامى لا زالت تعمل في ظل النظام الجديد الذي لا يملك من الكفاءات أو الجرأة السياسية ما يسمح له بالتخلي عنها. وبدا لي أن كثيراً منهم ارتدع عن ممارساته الفاسدة من رشى ومحسوبيات ومماطلة وتعطيل، بفعل الطبقة الجديدة من المديرين والمراقبين الذين جلبهم النظام معه من إدلب. إلا أن هذه الطبقة الجديدة تجهل هيكلية الدولة وعمل تروسها وعجلاتها. ومع ذلك، والحق يقال، أني لم أصادف من أي من الموظفين المتعنتين أي تلميح لرشوة أو طلب مال. ولعل في ذلك بداية طيبة لإصلاح دوائر الدولة وتنظيفها، وإن كان الطريق إلى هذا الهدف طويلاً ومليئاً بالمطبات.
الانطباع الذي لم يفارقني عن الناس في الشوارع هو تشعث مظهرهم. ولا أقصد بذلك فقر المظهر، وهو أمر مألوف في البلاد الفقيرة كما كانت سوريا دوماً، وكما أصبحت الآن بدرجة أكبر بعد السنين العجاف. وتسري هذه الملاحظة على المناطق الشعبية والمناطق الغنية في آن واحد. وطرأ عليّ أن انتشار الحجاب الملتزم الذي يغطي المرأة بغطاء كامد اللون دورٌ في تراجع عنايتها بمظهرها، غير أن التشعث يتجاوز ذلك. إذ إن غالبية النساء غير المحجبات اللاتي رأيتهن فقدن الاهتمام بتناسق الألوان وقطع الثياب أو مظهر الوجه. وغالبية الرجال لم يحلقوا لحاهم، وتركوا بداياتها الخشنة تنبت على وجوه لم تُغسل وشعور لم تُمشط. غنيٌّ عن القول أن هذه الانطباعات الشخصية لا تنفع أن تكون أساساً للتعميم، لكن تكررا مصادفتي إياها جعلني أدوّنها.
بدا لي الأمر أعمق من ذلك. أصبح المظهر دلالة بحد ذاته، أناس مسحوقون بالغلاء المطرد وانعدام الخدمات الأساس أو تراجعها. متعبون من أربع عشرة سنة من الحرب، ومن تكالب عصابات شتى على بلادهم وحيواتهم. مرهقون من بطش طال أمده واستشرى، وبالكاد بدأ النظام الجديد محاسبة مسببيه. ويائسون من تحسن الأحوال، على الأقل في المدى المنظور، لقلة البشائر والإشارات إلى تغيير ملموس من النظام الجديد الذي لا يبدو أنه على عجلة من أمره في حل المشاكل العالقة أو إقرار صيغ عدالة انتقالية ملزمة. ولعل هذا كله يجعل المرء يفقد عادة الاهتمام بالمظهر، على فرض أنها تتطلب حداً أدنى من الرضا عن النفس والأمل بالحاضر.
هذا الانطباع السلبي عن الناس في الفضاءات العامة يتحوّل لآخر إيجابي في الفضاءات الخاصة. فما زالت العلاقات الأسرية والصداقات حميمة ودافئة ومتقاربة، على عكس ما اعتدت عليه في الولايات المتحدة في خمس وأربعين سنة. ما زالت الأسر متحابة، ويجد أفرادها في صحبة بعضهم ألفة ورضا وارتياحاً. زرت أقربائي من جهتي الأخوال والأعمام، وكانت الجلسات كلها دافئة مليئة بالمرح والقفشات والحنان والمحبة كأننا لم نفترق طوال الخمس عشرة سنة الماضية.
والحال نفسه مع الأصدقاء، ولاسيما أصدقاء المدرسة، الذين التقيت مجموعتين منهم على عشائين. صحيح أنهم تقدموا في العمر وبدت عليهم علامات الكبر، لكن أرواحهم ظلت فتية، مستعدة عند أول شرارة ذكرى للارتداد عودةً إلى الصبا ولهوه ولامبالاته ورذالته ومرحِه. وجدت في ذلك سعادة غامرة وفرحاً حقيقياً، بصرف النظر عن مرور السنين. أما الاستعادة الأكبر والأهم فكانت مع أختي، إذ كانت تلك المرة الأولى التي نقيم فيها معاً في بيتنا العائلي من دون الأم أو الأب. كان الانتقال من حالة البنوة إلى حالة الأخوّة سلساً، واكتشفت في أختي ما لم أكن فكرت فيه من قبل: جزءاً مني.
يمكنني أن أملأ مجلدات عن الطعام في دمشق، الذي يبدو أنه الوحيد الذي لم يحتج لأن يقاوم من أجل البقاء. فبعد خمسين سنة من الترحال في أرجاء العالم، والأكل في مطاعم مدن كثيرة وبيوت أهلها، وصلت إلى قناعة شخصية لا لبس لدي فيها: لا مطبخ يعلو على المطبخ السوري، وبخاصة الحلبي، يليه مباشرة المطبخ الشامي. ولم تخيب دمشق أملي. بدأت زيارتي بشاورما عند مطعم خارج السور في بيت عربي أُعيد ترتيبه ليصبح مطعماً. ولا يتعلق الأمر بالشاورما وحدها، بل بالسفرة التي يقدمها معها: برك بالجبنة، كبة مشوية وكبة مقلية مع الحمص والمتبل، وصحن الشاورما العتيد يليه قطايف عصافيري وكأس من الشاي الثقيل. أما الأكلة التي كنت أشتهيها أكثر من سواها ففتة المقادم. لبّى الأصدقاء طلبي، وذهبنا إلى أحد المطاعم المشهورة منذ أيامي القديمة في دمشق ولم تخيب فتتهم ظني. مقادم طرية تنزلق تحت اللسان، ومرقة اللحم واللبن والخبز المقلي تكمل كوكبة النكهات وتنوع ملمس اللقمة في الفم.
يمكنني أن أملأ مجلدات عن الطعام في دمشق | تصوير الكاتب
ولو أني لم أملك أن ألاحظ أن ثمن الوجبة الواحدة أكبر بكثير مما يمكن لفرد من الطبقة المتوسطة تحمله. فالوجبة تراوحت ما بين ستة دولارات أمريكية أو سبعة، في حين أن متوسط دخل الفرد الشهري في دمشق ما بين خمسين إلى ستين دولاراً، أي أن الوجبة تعادل عُشر معدل دخل الفرد الشهري. والحال نفسه في المطاعم الشامية الأخرى التي ازداد عددها في غيابي، وزرت بعضها على أمل أن أعود لتجربة البقية.
أصابني الفزع حين زرت حزام البلدات والقرى المدمرة حول دمشق | تصوير الكاتب
فكرت، وأنا أتنقل بين دوائر الدولة لملاحقة شبح دعوى لم نعثر على أي مستند يثبت وجودها، بأني لن أعود إلى دمشق مرة أخرى. لكن قراري تغيّر بسرعة مع دفء العلاقات مع الأهل والأصدقاء وروعة الطعام الدمشقي وملامح نظام أكثر إنسانية وأقل تسلطاً وتعجرفاً من سابقه البائد البادية في كل مكان. وكذلك ظهور جيل جديد من الباحثين الذين يطرحون الأسئلة النقدية المناسبة التي توحي بأن مجال النقد والتساؤل أصبح أكثر انفتاحاً عما كانه في الخمسين سنة الماضية.
وها أنا اليوم أخطط لزيارة قادمة آمل أن تمتد لمختلف المدن والمواقع التاريخية السورية التي درستها وزرتها في الماضي. ومناطق ما زلت إلى اليوم آمل أن أراها وقد امتدت إليها يد الرعاية الواعية والمحبة لإعادة رونقها إليها لتعود سوريا بلداً لكل أهلها وكل ثقافاتها المتنوعة ذات التاريخ العريق.

