بهذه العبارة وصف المتخصص في العلاقات العراقية الأمريكية رمضان البدران طبيعة علاقة الفصائل بإيران في مقابلةٍ مع برنامج "حوار التاسعة" على قناة الفلوجة العراقية في مايو 2026. إلا أن تصريح البدران لا يُعدّ جديداً. فقد شاع في التحليلات العراقية بأن الفصائل المسلحة في البلاد التي قُنّنَت في الحشد الشعبي سنة 2016 تمثل تطبيقاً عملياً للحرس الثوري الإيراني مؤسسةً عقائديةً تحمي الثورة الإيرانية الإسلامية ونظامها. وفي أحسن الأحوال، يقال إنها تحاكي التجربة الإيرانية ولا تستنسخها، بهدف "ضمان هيمنة القوى الإسلامية الشيعية المتحالفة مع طهران" في العراق، كما يذهب الباحث في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات حارث حسن في مقاله "'الشيعية المحاربة': الحشد الشعبي ومحاكاة الحرس الثوري"، المنشور سنة 2026. ويستند هذا التصور إلى مسارٍ تاريخيٍ ممتدٍ ارتبط بتكوين عددٍ من هذه الجماعات داخل بيئة المعارضة العراقية، وعلاقاتها اللاحقة بشبكات الدعم الإيراني. وهو ما عززته تصريحات قادة هذه الفصائل، التي أكدت في عدة مناسباتٍ ارتباطها بمفهوم ولاية الفقيه وبمشروع الجمهورية الإسلامية السياسي.
لكن قراءة الفصائل العراقية المسلحة امتداداً عقائدياً لإيران فقط، لا تفسّر مسار تشكلها ولا طبيعة أدوارها داخل الدولة العراقية. فهذه الجماعات، على حضور الخطاب العقائدي في تعريف هويتها وتبرير مواقفها، نشأت وتطورت في سياقٍ سياسيٍ اتسم بانهيار مؤسسات الدولة بعد سنة 2003، وتسييس المجال الأمني، وتنافس القوى المختلفة على إعادة توزيع السلطة والموارد. وتكشف التجربة أن هذه الفصائل لم تبقَ قوىً مسلحةً موازيةً الدولةَ، بل سعت إلى التحول إلى فاعلٍ داخلها عبر المشاركة السياسية، واختراق المؤسسات الأمنية، وبناء شبكاتٍ اقتصاديةٍ، وتوظيف السلاح أداة نفوذٍ وتفاوض. لذلك فإن فهم علاقتها بإيران لا يكتمل عبر مفهوم الولاء العقائدي وحده، بل يتطلب النظر إلى كيفية تفاعل العقيدة مع حسابات السلطة والمصلحة وشروط الدولة العراقية التي أنتجت هذا النمط من الفاعلين.
لم يقف اعتذار مكية الفكري والأدبي عند ذلك الحد، إذ كتب سنة 2023 مقالاً بعنوان "إراكي مافيا ستيت" (دولة المافيا في العراق)، قال فيه إن "العراق لا يملك دولةً بالمعنى المتعارف عليه، إذ لا تتركز وسائل العنف في أيدي الدولة". ثم نسب اتخاذ القرارات المهمة إلى "سماسرة نفوذ غامضون، أو 'زعماء' كما يُطلق عليهم في مصطلحات المافيا، يديرون ما يشبه الجيوش الخاصة، التي تخضع في معظمها للوصاية الإيرانية".
ويحيل هذا التشخيص إلى إحدى الإشكاليات المركزية التي رافقت بناء الدولة العراقية بعد الاحتلال، والمتمثلة في ظهور قوىً مسلحةٍ تُرى "جيوشاً خاصةً" موازيةً مؤسسات الدولة. ومن ثم ظهر مصطلح "عراق 2003"، كما أشار رئيس وحدة دراسات الخليج والجزيرة العربية في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات حيدر سعيد في دراسته "جيش المهدي والتيار الصدري: الصراع على الهوية والتحول"، المنشورة سنة 2021. ويشير هذا المصطلح إلى مجموعةٍ من الأزمات والإشكاليات لحظة تأسيس النظام الجديد، أمنياً وسياسياً واقتصادياً، فضلاً عن نهج الحكم القائم على المحاصصة وتقسيم المجتمع إلى مكونات.
في هذا السياق حاول إبراهيم المراشي، الأستاذ المشارك في تاريخ الشرق الأوسط في جامعة ولاية كاليفورنيا سان ماركوس، مناقشة إشكاليات الأمن في العراق في تلك المرحلة في دراسته "إيراكس سيكيورتي سيكتور [. . .]" (قطاع الأمن العراقي من الغزو الأمريكي إلى جائحة كوفيد 19)، المنشورة سنة 2021. وقال المراشي إن قرار حل الجيش العراقي من دون استراتيجيةٍ واضحةٍ سمح لمعارضي نظام صدام بتأسيس قوات الأمن الجديدة. ومع احتسابها بديلاً عن الجيش السابق، إلا أنها عززت أنماط الإقصاء والهيمنة الطائفية، ما دفع الجميع في عراقهم الجديد "إلى الاعتماد على ميليشياتهم المحلية مقدمي خدماتٍ أمنيةٍ بديلين".

ويوضح المراشي ذلك بالإشارة إلى أن مقاتلي الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني شكلوا قبل سنة 2003 قواتٍ مسلحةً تعمل في شمال العراق. وأنشأت إيران "المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق" مع جناحه المسلح المسمى فيلق بدر، ليكون حكومة منفى إبان الحرب الإيرانية العراقية، وحظيت بتدريبٍ خاصٍ ومباشرٍ من الحرس الثوري الإيراني.
تنافست هذه الفصائل على السيطرة على قطاع الأمن. فتواجد فيلق بدر بعد سنة 2003 في البصرة والنجف، وتسلل بكثافةٍ إلى وزارة الداخلية. وبالمقابل، سمحت الولايات المتحدة لقوات الحزبين الكرديين بأن يصبحا الجيش الفعلي لحكومة إقليم كردستان. وهذا ما أكده مبكراً ضابط الأمن العراقي نجم الجبوري في مقاله "فور إفري إراكي بارتي آن آرمي أوف إتس أون" (لكل حزب عراقي جيشه خاص) المنشور سنة 2009. إذ قال بأن الفرقة الخامسة من الجيش العراقي في ديالى كانت تحت سيطرة المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، والفرقة الثامنة في الديوانية والكوت خاضعة إلى حدٍ كبيرٍ لحزب الدعوة، والفرقة الرابعة في صلاح الدين متحالفة مع أحد الحزبين الكرديين الرئيسين.
وكان هذا الحضور داخل مؤسسات الدولة امتداداً لسياقٍ سياسيٍ سابقٍ تشكلت فيه تصورات هذه الجماعات عن الحكم والتمثيل. فقد ارتبط صعود الفصائل الشيعية المسلحة بسردية معارضة رأت "استئثار الأقلية السنية بالحكم دون أكثرية الشعب"، كما قال السياسي العراقي وأحد نخبة المعارضة وقتئذٍ، عبد الكريم الأزري في كتابه "مشكلة الحكم في العراق" الصادر سنة 1991. ثم تبلورت تلك السردية في "إعلان شيعة العراق" سنة 2002، الذي يعد وثيقةً رسميةً عبرت فيها جماعات المعارضة الشيعية بكل أصنافها عن رؤيتها بشأن حكم العراق، ودعت إلى "أن ينص الدستور العراقي على أن أغلبية الشعب العراقي هي من الشيعة". وما يترتب على ذلك من تصور أحقية توليهم مراكز الحكم الرئيسة.
خاطب الأمين العام لمنظمة بدر هادي العامري، في مهرجانٍ انتخابيٍ في أكتوبر 2021، الجماهير بقوله: "إننا مع إيران، ونحن جنودها المندوبون في العراق، وسنحقق فوزاً انتخابياً نرفع فيه راية الإمام الخامنئي". أما قيس الخزعلي، الأمين العام لحركة "عصائب أهل الحق"، فقد أكد في خطابٍ نقلته قناة الجزيرة سنة 2015، أن منظمته ماضيةٌ في مشروعها العقائدي بإقامة ما سمّاه البدر الشيعي بديلاً عن "الهلال الشيعي" (وهو مصطلح جغرافي يجمع إيران والعراق وسوريا ولبنان). أضاف أنه بظهور "صاحب الزمان"، وهو الإمام الثاني عشر الغائب عند الشيعة، فإن "قواتهم ستكون قد اكتملت بالحرس الثوري في إيران وحزب الله اللبناني وأنصار الله الحوثيين في اليمن وعصائب أهل الحق وإخوانهم في سوريا والعراق".
وهذا الموقف العقائدي لا يتوقف فقط على التصريحات، بل على تبرير مواقف الفصائل في الحروب الإقليمية. فقد استخدم الأمين العام لكتائب "سيد الشهداء" هاشم السراجي، المعروف بأبي آلاء، صفة "الولائي" إشارةً إلى ولائه لإيران، ويعرّف نفسه بأنه عقائدي. ويطرح ما وصفه، في لقاءٍ نشرته قناة الشرقية العراقية سنة 2019، بالدليل على عقائديته بقوله "بعد أن أخرجنا المحتل الأمريكي [من العراق سنة 2011] ذهبنا للدفاع عن السيدة زينب في سوريا". وأشاد الولائي بفضل "الجمهورية الإسلامية في إيران التي أشرفت على تدريبنا"، وأبدى استعداده للقتال إلى جانب إيران إذا ما تعرضت لعدوانٍ أمريكيٍ، ليس "باعتبارنا أذرع إيران، بل لأننا ننطلق من محدد عقائدي [...] العقيدة بالنسبة لي أولاً".
ومنطلق "الدفاع عن المقدسات" في سوريا هو أيضاً ما حمله الأمين العام للواء "أبو الفضل العباس"، أوس الخفاجي، في عدة مناسبات. وكان فصيله من أبرز الفصائل التي قاتلت هناك. إذ أشار إلى أن المحفز الرئيس نابعٌ من عقيدةٍ فرضت عليه هذا الانخراط، وفقاً لما جاء في مقابلةٍ نشرتها قناة دجلة العراقية سنة 2019، بعنوان "حروب الوكالة... شجابرك على المر".
أما بالنسبة إلى أكرم الكعبي، الأمين العام لحركة "النجباء"، فقد أجرى معه موقع خامنئي الإلكتروني مقابلةً نشرت في ديسمبر 2018 قال فيها إن "الحشد الشعبي يُعتبر التجربة الإسلامية الوحيدة في العراق على مستوى التطبيق، فهو تكوّن من مجموعة فصائل عقائدية [. . .]".

هذا ينطبق على المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، أحد جماعات معارضة نظام صدام حسين. فبحسب تصنيف مجلس العلاقات الخارجية، وهو مؤسسةٌ بحثيةٌ أمريكيةٌ تُعنى بتحليل السياسات الدولية، المنشور سنة 2005 بعنوان "إراك: إراكي أوبِزِشن غروبس" (العراق: جماعات المعارضة العراقية)، أجمع معارضو صدام على موافقتهم على إسقاط نظامه. ويكتسب هذا السياق أهميةً عند ملاحظة أن هذه الجماعات، على اختلافها، لم تكن تتحرك ضمن إطارٍ عقائديٍ بالضرورة، إنما ضمن توازناتٍ سياسيةٍ شملت علاقاتٍ متقاطعةً مع قوىً إقليميةٍ ودوليةٍ، من بينها الولايات المتحدة وإيران على حدٍّ سواء.
مع سقوط نظام صدام حسين سنة 2003، تحولت هذه السردية من خطاب معارضةٍ إلى مصدرٍ للشرعية السياسية في النظام الجديد. وبحسب ما تطرحه عُلا كاظم، أستاذة السياسة والدراسات الدولية السابقة بجامعة لندن، في مقالتها "ذا ترانزناشونال بولِتِكس أوف إراكيز شيا داياسبورا" (السياسات العابرة للحدود الوطنية للشتات الشيعي في العراق) المنشورة سنة 2018، قدّم هؤلاء أنفسهم حكاماً شرعيين للعراق، و"تعاونوا طوال التسعينيات مع حكومتي الولايات المتحدة والمملكة المتحدة للمساعدة في الإطاحة بصدام حسين، وقدموا معلومات استخباراتية عن الدولة العراقية، وساعدوا في إضفاء الشرعية على الاحتلال".
وكان لشخصياتٍ وأحزابٍ شيعيةٍ في المنفى دورٌ محوريٌ في خطة التحالف الذي قادته الولايات المتحدة بعد الاحتلال، من بينهم أحمد الجلبي وإياد علاوي، أبرز الفاعلين في حراك المعارضة حينها. بالإضافة إلى حزب الدعوة والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق. ونجح الجلبي خاصةً في إقناع المحافظين الجدد في واشنطن بأن "حكومة شيعية في العراق ستكون معتدلة، وموالية لأمريكا وإسرائيل، ولن تكون بأي حال من الأحوال تابعة لإيران"، بحسب ما تنقله عنه عُلا كاظم.
بهذا لم يظهر البعد العقائدي محدِّداً وحيداً أو أولياً لحراك هذه الجهات، بقدر ما تداخل مع اعتباراتٍ تتصل بالصراع على السلطة بعد صدام حسين. ويعزز هذه القراءةَ تحقيقُ الصحفي نِد باركر لوكالة رويترز الذي نُشر سنة 2015 وعنوانه "تورتشر باي إراكي ميليشياز [. . .]" (التعذيب على أيدي الميليشيات العراقية: التقرير الذي لم ترغب واشنطن في أن تراه). ويستند التحقيق إلى وثائق أمريكيةٍ وشهادات مسؤولين عسكريين ودبلوماسيين، تكشف أن منظمة بدر لم تنفصل عن بنيتها العسكرية بعد سنة 2003، بل انخرطت مباشرةً في مؤسسات الدولة، لاسيما وزارة الداخلية، مع احتفاظها بأدواتها التنظيمية وشبكاتها المسلحة. ويشير باركر إلى أن قادةً من بدر تولوا مواقع مؤثرةً داخل الأجهزة الأمنية، وأسّسوا تشكيلاتٍ غير رسميةٍ، من بينها السجن السري "مديرية التحقيقات الخاصة" الذي ارتبط بعملياتٍ طائفيةٍ مثل الاحتجاز والتعذيب والقتل.
وقد بيّن التحقيق كذلك أن التداخل بين الفصائل ومؤسسات الدولة جرى في سياقٍ سياسيٍ تغاضت فيه الولايات المتحدة عن تلك الممارسات، باعتبارها جزءاً من ترتيباتٍ أمنيةٍ تهدف إلى تثبيت النظام الجديد ومواجهة مناهضي الاحتلال. ذلك أن فيلق بدر لم يقاتل القوات الأمريكية، خلاف تياراتٍ شيعيةٍ أخرى مثل "جيش المهدي" التابع لرجل الدين الشيعي مقتدى الصدر، أو مسلحين وعشائر في مناطق غرب العراق.
كان نتيجة ذلك تحول منظمة بدر إلى فاعلٍ يعمل داخل الدولة، وانتقلت من موقع المعارضة إلى موقع السلطة. ويؤكد هذا التحول روبرت فورد، الدبلوماسي الأمريكي السابق الذي شغل منصب المسؤول السياسي في السفارة الأمريكية في العراق بين سنتي 2004 و2006. ففي حواره مع باركر رأى أن تعامل الحكومة الأمريكية مع ملف ذلك "السجن السري" وعدم معاقبة المسؤولين عنه أرسى سابقةً خطيرة. وتمتد أهمية هذه الشهادة إلى تشخيص طبيعة الفصائل، إذ يلفت فورد إلى أن هذه الفصائل "جماعات مسلحة ذات أجندات سياسية، أو أجنحة مسلحة لجهات سياسية"، وتحولت لاحقاً، حسب فورد، إلى كيانٍ مختلفٍ هو الحشد الشعبي بعدما أصبح مؤسسةً رسميةً تتلقى موارد مباشرةً من الدولة.

مع الوقت، اتسع نفوذ هذه الفصائل داخل مؤسسات الدولة، ولاسيما بعد فوز الأحزاب الشيعية في انتخابات سنة 2005، إذ مُنحت منظمةُ بدر والمجلسُ الأعلى وزارةَ الداخلية. ويشير رايان كروكر، الذي شغل منصب سفير الولايات المتحدة في العراق سنة 2007، في حديثه إلى باركر، إلى أن "تعاظم دور الفصائل المسلحة يوازي اتساع نفوذها السياسي داخل البلاد"، بما أضعف الحكومة وأفقدها احتكار استخدام القوة.
وقد أتاح هذا التحول بيئةً مواتيةً لتوسع الفصائل وإعادة تشكلها، فتنامت عقب تلك الانتخابات وتمايزت وانشق بعضها عن الآخر، وأُعلن عن تأسيس أخرى. فبحسب تقرير الجزيرة نت "الفصائل العراقية الموالية لإيران.. دروع 'الثورة الإسلامية' في بلاد الرافدين" المنشور سنة 2024، فإن جمال جعفر (عُرِف لاحقاً بِاسم أبو مهدي المهندس)، الذي كان عضواً في البرلمان العراقي سنة 2005، أسّس كتائب حزب الله العراقي سنة 2007 في مدينة العمارة جنوبي العراق. وهي كذلك جزءٌ من الحشد الشعبي، وتعد الأكثر نفوذاً فيه، وتسيطر على إداراتٍ رئيسةٍ مثل رئاسة الأركان والأمن والاستخبارات والصواريخ، والأسلحة المضادة للدروع.
انشقت كذلك "عصائب أهل الحق"، وهو فصيلٌ مسلحٌ أسسه قيس الخزعلي، عن التيار الصدري سنة 2006. ثم تأسست حركة "النجباء"، سنة 2013 بقيادة أكرم الكعبي، بعد انشقاقه عن "عصائب أهل الحق"، وانضمت إلى الحشد الشعبي لمحاربة تنظيم "داعش". تأسست أيضاً كتائب "سيد الشهداء" سنة 2013 تحت قيادة أبو مصطفى الشيباني، على إثر انشقاقه عن كتائب حزب الله العراقي. ومنذ سنة 2014 انتقلت القيادة إلى أبي آلاء الولائي، وانضمت الحركة إلى الحشد الشعبي، ولها جناحٌ سياسيٌ بِاسم "المنتصرون" قاده النائب فالح الخزعلي. وتعد الحركة من أكثر الفصائل نشاطاً، ولها اتصالٌ وثيقٌ بالحرس الثوري الإيراني وحزب الله اللبناني.
وقد استخدمت تلك الفصائل قوتها العسكرية أداةً لبناء قاعدةٍ سياسيةٍ أو توسيع قاعدةٍ موجودة. وهذا ما حدث مثلاً مع فصيل "كتائب الإمام علي" الذي تأسس سنة 2014 جناحاً عسكرياً لحزب "حركة العراق الإسلامية". ووفق بعض الدراسات فقد حافظ الفصيل على وجودٍ بارزٍ بعد سنة 2015 في معسكر سبايكر، القاعدة العسكرية غرب تكريت. واستولى "على موقع عسكري كبير في الصويرة بواسط [جنوبي العراق]، حيث بنى زعيمها شبل الزيدي قاعدة سياسية قوية".
تبع هذا التحوّل إعلان رئيس الوزراء العراقي سنة 2019 عادل عبد المهدي عن فك الارتباط الإداري والعملياتي لأربعة ألويةٍ تُعرف بأسماء "ألوية العتبات الدينية" أو "حشد المرجعية"، وربطها مباشرةً بالقائد العام للقوات المسلحة. وتزامن ذلك مع تصريحٍ من ألوية المرجعية بالنأي بنفسها عن النشاط السياسي والحزبي.
ففي مؤتمر "حشد العتبات حاضنة الفتوى وبناة الدولة"، الذي عقدته في كربلاء سنة 2020، أعلنت هذه الفصائل عن ارتباطها المباشر بالقائد العام للقوات المسلحة، في خطوةٍ دفعت الصحفي في إندبندنت عربية، أحمد السهيل، إلى أن يعنون تقريره المنشور سنة 2020 "السيستاني يسحب بساط الحشد من تحت أقدام الميليشيات". ورأى السهيل أنّ هذا يعد أول فرزٍ معلنٍ داخل الحشد بين ما يُعرف بحشد المرجعية والفصائل الموالية لإيران.
وتكشف هذه الحالة أن الحشد لم يكن بنيةً عقائديةً متجانسةً، بل إطاراً مؤسسياً جمع فصائل اختلفت في مرجعياتها وعلاقتها بالسياسة. لكن صعود الفصائل الأكثر ارتباطاً بإيران والتي أعلنت ولاءها لولاية الفقيه وحصولها على التمويل من طهران – مثل كتائب حزب الله العراقي وعصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي – داخل هذا الإطار أتاح لها تحويل حضورها العسكري إلى نفوذ يتجاوز المؤسسة الأمنية، ليمتد إلى مجالات الدولة الأخرى.

يعرض ريناد منصور، نائب مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في معهد تشاتام هاوس، قضية المتاجرة بالأدوية مثالاً في مقالته "حركة الأدوية في العراق [. . .]" المنشورة سنة 2022. يقول منصور إن عمليات نقل بعض المنتجات الدوائية وتوريدها في العراق ترتبط بشبكةٍ معقدةٍ تضم نخباً سياسية ورجال أعمالٍ وجماعاتٍ مسلحةً، تعمل عبر معابر رسميةٍ وغير رسميةٍ، وتستفيد من ضعف الدولة وتعدد مراكز القوة. ويشير إلى أن تجارة الأدوية عبر الحدود قد تصل قيمتها إلى نحو ثلاثة مليارات دولار سنوياً، لا يدخل منها إلا جزءٌ محدودٌ إلى خزينة الدولة العراقية، فيما تُستخدم عوائدها في تمويل أطرافٍ سياسيةٍ متنافسةٍ، بما في ذلك فصائل مسلحة.
ويوضح التقرير أن هذه الفصائل يتركز وجودها في المحافظات النفطية في الجنوب، وتتوزع على الطرق الدولية والمعابر الحدودية مع دول الجوار. وتستخدم نفوذها في تعزيز أنشطتها التجارية في قطاعات النقل البري والجوي وشحن النفط إلى الخارج، والسيطرة على التجارة المارة في المعابر الحدودية.
وفي هذا الاتجاه، أجرى الباحث في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى عقيل عباس، دراسةً بعنوان "بوردر كروسنغز [. . .]" (معابر الحدود: التحالف المشؤوم بين إيران والميليشيات العراقية) نشرت سنة 2023، وصف فيها المعابر الحدودية بأنها "عنصر أساسي في استراتيجية إيران لضمان سيطرتها على العراق". وأشار إلى وجود تسعة معابر حدوديةٍ رسميةٍ بين العراق وإيران. وهذه التي اكتسبت أهميةً متزايدةً سنة 2012، عندما دعت إيران إلى تطوير ما أسمته "اقتصاد المقاومة" الإيراني. ثم تعززت هذه الأهمية حين حوّلت طهران هذا المفهوم إلى سياسة دولةٍ، في ظل العقوبات الاقتصادية الغربية.
سعت القيادة الإيرانية، وفقاً لعباس، إلى إعطاء الأولوية لإنتاج السلع غير النفطية مصدراً بديلاً للدخل، بعد أن تضررت صادراتها النفطية جرّاء العقوبات. فبدأت بتشكيل شبكةٍ واسعةٍ من الشركات الوهمية للحصول على الدولار الأمريكي بطرقٍ غير رسميةٍ داخل العراق وتهريبها إلى إيران. وقد بلغت قيمة الصادرات غير النفطية الإيرانية سنة 2011 نحو 26.65 مليار دولار، كان نصيب العراق منها 4.61 مليار. ثم في سنة 2013، ارتفعت هذه الصادرات إلى 38.36 مليار دولار، وكان نصيب العراق منها 6 مليارات. وواصلت القيمة بالارتفاع في السنوات التالية، لتبلغ سنة 2021 نحو 40.74 مليار دولار، استحوذ العراق منها على 8.9 مليار.
ولم تُقدَّم هذه العلاقات الاقتصادية من الجانب الإيراني مجرد آليةٍ للالتفاف على العقوبات، بل جزءاً من توسيع التعاون الاقتصادي مع العراق. فقد دعا الرئيس الإيراني آنذاك حسن روحاني سنة 2019 إلى رفع حجم "التبادل التجاري مع العراق" إلى عشرين مليار دولار سنوياً، فيما وصف محمد جواد ظريف، وزيرُ الخارجية حينها، العراقَ بأنه "شريكنا التجاري الكبير".
لكن هذه اللغة الدبلوماسية بدت مضللةً عند عباس، لأنها تُظهر تدفقاً أحادي الجانب للبضائع الإيرانية إلى العراق. فلا يكاد العراق يبيع شيئاً لإيران، باستثناء منتجات الطاقة، التي تمر عبر خطوط نقل الطاقة عالية الجهد، وأنابيب الغاز المسال. فضلاً عن معابر غير رسميةٍ تسيطر عليها فصائل وتُستغل في عمليات تهريبٍ واسعة النطاق، لاسيما الأسلحة والمخدرات.
وتتعزز رؤية عباس في معطيات مؤشر الجريمة المنظمة العالمي عن العراق، التي كشفت عن بنيةٍ مركّبةٍ تتجاوز التفسير العقائدي المغلق. فالتقرير الذي شمل السنوات بين 2021 و2025 صنّف العراق ضمن الدول الأعلى عالمياً في مستوى الإجرام المنظم، مع تسجيل درجةٍ بلغت 7.17 من أصل 10. وتكمن أهمية هذه المعطيات في طبيعة الفاعلين المرتبطين بالجرائم. فبالإضافة إلى الشبكات الإجرامية المستقلة، كشف التقرير عن مشاركة فصائل مرتبطةٍ بالحشد الشعبي في تسهيل أنشطةٍ غير قانونيةٍ، تشمل الاتجار بالبشر والتهريب والابتزاز، مستفيدةً من موقعها داخل مؤسسات الدولة وما يوفره ذلك من غطاءٍ سياسيٍ وإداريٍ يتيح لها العمل والإفلات من المساءلة. وترتبط هذه الأنشطة بشبكات تهريب النفط والمخدرات واتخاذ المعابر الحدودية نقاط جبايةٍ، ما يضعها داخل بعدٍ اقتصاديٍ أمنيٍ ضمن شبكةٍ إقليميةٍ تتداخل فيها المصالح مع إيران، بحسب التقرير.
ظهر هذا البعد الاقتصادي أيضاً في استخدام الفصائل أدوات القوة المسلحة للتأثير في موازين الاقتصاد داخل الدولة. وضمن هذا السياق، يمكن فهم هجمات الفصائل المتكررة التي اشتدت بعد سنة 2022، والتي استهدفت منشآت الطاقة في إقليم كردستان بالتوقف عند طبيعة خط التصدير الذي يمرّ عبر ميناء جيهان التركي. فالميناء من أهم ممرات تصدير نفط العراق إلى الأسواق العالمية بجانب موانئ جنوب البلاد. وهو ما قد يفسر هجمات الفصائل، خلال الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في فبراير 2026، على حقول النفط والغاز والمصافي، وأدّى إلى تعطيل الإنتاج والتصدير. هذا ما يوضحه الصحفي العراقي تميم الحسن في تقرير "أزمة جيهان تكشف عن تحكم الفصائل بالنفط و'حصار كردستان'" المنشور في مارس 2026. إذ تشير المعطيات التي أوردها إلى انخراط جماعاتٍ مسلحةٍ عرّفت نفسها "المقاومة الإسلامية في العراق" بهذه الهجمات، ووصفت خطوتها هذه بكونها نقاط ضغطٍ اقتصادية.
وعلى هذا النحو، لا يظهر القصف فعلاً عشوائياً أو بهدف نصرة إيران، إذ يؤدي تعطيل التصدير عبر جيهان إلى تقليص قدرة العراق بالإنتاج والبيع عبر الإقليم، وربط تدفق النفط بقنواتٍ تخضع لتوازناتٍ سياسيةٍ وأمنيةٍ أوسع، غير مرتبطةٍ بالضرورة بإيران أو ولاية الفقيه.
يذهب الباحث في المعهد الدنماركي للدراسات الدولية سورين شميدت، في دراسته سنة 2008، بعنوان "شيا إسلامست بولتكل آكتورز إن إراك [. . .]" (الفاعلون السياسيون الشيعة الإسلاميون في العراق: من هم وماذا يريدون؟). يوضح شميدت إلى أنّ "الإسلاموية الشيعية" لم تظهر تجسيداً لجوهرٍ طائفيٍ ثابتٍ، بل لغةً سياسيةً تُستدعى في سياقاتٍ تنافسيةٍ وتتكيف مع شروط البيئة التي تتحرك فيها. وحسبه فإن التفاوت بين هذه الفواعل – في مواقفها من إيران ومن بنية الدولة ومن أدوات العمل السياسي والعسكري – يُبرز حدود أيّ ادعاءٍ من الفصائل أو قراءةٍ اختزاليةٍ تُحيل سلوكها إلى محددٍ واحدٍ، ويقود بدلاً من ذلك إلى فهمها ضمن فضاءاتٍ أوسع تحكمها اعتبارات المصلحة والتموضع داخل بنية الدولة.
وهو الإطار التفسيري الذي يوسعه شميدت سنة 2009 في دراسةٍ أخرى بعنوان "شيا إسلام آند شيا إسلامزم إن إراك" (الإسلام الشيعي والإسلاموية الشيعية في العراق). إذ أطّر فهم العلاقة بين الإسلام الشيعي والتشكل السياسي الشيعي في العراق ضمن مقاربةٍ تتجاوز الاختزال العقائدي، قائلاً إن الإسلام السياسي الشيعي مكّن جماعاتٍ ادّعت أنها "مهمشة تاريخياً من تثبيت حضورها السياسي داخل الدولة".
تتضح تلك المسألة أكثر في التباين الفقهي بين النجف وطهران، وموقفهما من الفصائل، الذي يفسر أيضاً طبيعة العلاقة عند النظر إلى ما درسه الباحث في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، حارث حسن في مقاله "سيستاني، إيران، آند ذا فيوتشر أوف شيعي كليركل أوثورتي إن إراك" (السيستاني، إيران، ومستقبل السلطة الدينية الشيعية في العراق) سنة 2017. ويشير حسن إلى أنه على اتفاق المرجعيتين في النجف وطهران على مبدأ "تمكين الشيعة في العراق"، فإن الخلاف بينهما تمحور حول طبيعة القوى التي ينبغي دعمها ووظيفة هذا الدعم. فقد اتجهت إيران إلى رعاية طيفٍ واسعٍ من الأحزاب والفصائل المسلحة، في "إطار استراتيجية تهدف إلى توسيع نفوذها الإقليمي وإدماج العراق ضمن مجالها الحيوي. بينما ركزت مرجعية النجف، ممثلةً بعلي السيستاني، على الاستقرار الداخلي والحد من النزعات المتطرفة، دون الانخراط في بناء شبكات مسلحة موازية للدولة.

هذه الجماعات التي لم تحظَ بغطاء من مرجعية النجف وجدت في إيران راعياً يوفر لها ما لا توفره المرجعية المحلية، كالتمويل والتسليح وشبكات النفوذ، والأهم، قناة للتمكين داخل بنية الدولة. ويساعد هذا المعنى على تفسير إصرار السيستاني، على الرغم من فتواه سنة 2014 التي دعت إلى الانخراط الشعبي في صفوف القوات الأمنية لمواجهة داعش، على مبدأ حصر السلاح بيد الدولة. فهذه الفتوى لم تُطرح، في تصوّر النجف، تفويضاً مفتوحاً لتوسيع الجماعات المسلحة أو إضفاء شرعيةٍ دائمةٍ على وجودها خارج المؤسسة الرسمية، بل دعوةً استثنائيةً لسدّ الانهيار الذي أصاب القوات العراقية في تلك اللحظة. ومن ثم، ظل السيستاني وممثلوه يؤكدون أن المقصود دعم القوات الأمنية العراقية، لا تأسيس مراكز قوةٍ موازيةٍ لها.
قَرَأَت طهران في المقابل هذه الفتوى على نحوٍ مختلف. فقد وصفها المرشد السابق علي خامنئي بأنها "إلهام إلهي"، في إشارةٍ ربما إلى الأهمية التي أولتها طهران لهذه التعبئة فرصةً لتوسيع حضور الفصائل المدعومة من الحرس الثوري في العراق تحت مظلة الحرب على الإرهاب. وفي هذا السياق سوّقت الفصائل الأقرب إلى إيران نفسها، خلال تلك الحرب، القوةَ الأكثر التزاماً بمحاربة داعش، وشكّكت في كفاءة القوات العراقية، مع محافظتها في الوقت نفسه على وصف نفسها بفصائل المقاومة. وهو خطابٌ بدا منسجماً مع الدعاية الإيرانية الرسمية أكثر مما انسجم مع تصوّر النجف وظيفة التعبئة وحدودها.
ومع تزايد المؤشرات على أن الفتوى تُستثمر لتعزيز نفوذ هذه الجماعات، وأن بعض الفصائل ذات الطابع الطائفي تجاوزت الإطار الذي رُسم لها، أصبح السيستاني أكثر تحفظاً في التعبير عن دعمه الحشد الشعبي بوصفه تسميةً باتت تُحيل عملياً إلى الجماعات المدعومة من الحرس الثوري. لذلك فضّل هو وممثلوه استخدام تعبير "المتطوعين"، تأكيداً على أن الشرعية التي منحتها الفتوى تتصل بالفعل الدفاعي المؤقت داخل إطار الدولة، لا بتكريس تشكيلاتٍ مسلحةٍ مستقلةٍ عنها. ولهذا، حين دعا السيستاني إلى حصر السلاح بيد الدولة في مناسباتٍ عديدةٍ، كان ذلك يتضمن عملياً رفض بقاء السلاح بيد الفصائل المرتبطة بإيران التي استثمرت الفتوى لتثبيت نفوذها العسكري والسياسي.
ازداد هذا الموقف وضوحاً عندما وُجهت اتهاماتٌ لبعض تلك الجماعات بارتكاب انتهاكاتٍ طائفيةٍ في أثناء الحرب على داعش. فأصدر مكتب السيستاني سنة 2015 بياناً دعا فيه المقاتلين إلى تجنب أيّ تجاوزات والتحلي بأقصى درجات ضبط النفس. في حين بدت الفصائل الأقرب إلى مرجعية النجف (ألوية العتبات)، وكذلك سرايا السلام التابعة لمقتدى الصدر، أكثر استجابةً لهذا السقف الانضباطي. وهنا يظهر أن الفارق بين النجف وطهران، الذي أشار إليه حسن، تجلى في طبيعة القوة التي ينبغي أن تحمل هذا الدعم، بمعنى قوةٍ منضبطةٍ داخل الدولة عند السيستاني، وشبكة فصائل مسلحةٍ قابلةٍ للتمدد وتحظى بالدعم من إيران.
كشف هذا التباين أن موضع الاختلاف لم يكن في مشروعية حمل السلاح فحسب، بل في علاقته بالسلطة أيضاً. ومن هذه النقطة تحديداً، بدأت الفصائل تراجع موقعها، بحيث غدا السلاح وسيلةً للدخول إلى المجال السياسي وتعزيز النفوذ داخله، دون أن يقف عند حدٍّ استثنائيٍ فرضته ظروف الحرب حينئذ.
وقد جسّد مسار منظمة بدر هذا التداخل بين التمثيل السياسي والحضور المسلح. إذ لم تكتفِ بالدخول في الانتخابات تحت غطاء المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق سنة 2005، الذي غيّر اسمه بعد المكاسب السياسية سنة 2007 إلى "المجلس الأعلى الإسلامي العراقي". لكنها سعت لاحقاً في سنة 2012 إلى الاستقلال السياسي تحت اسم "منظمة بدر للإعمار والبناء"، وهو تغييرٌ يبرز رغبةً في إبدال الهوية العسكرية بصورة "بناة الدولة" مع الحفاظ على ترسانة سلاحٍ قويةٍ، وفقاً لما جاء في "بدر أورغنايزيشن: إيرانز أولدست بروكسي إن إراك" (منظمة بدر: أقدم وكيل لإيران في العراق)، مقالة المتخصص في شؤون الجماعات المسلحة مايكل نايتس وكرسبن سميث، الخبير القانوني خريج جامعة هارفارد، والمنشورة سنة 2025.
على هذا، لم يبقَ هذا النموذج محصوراً في بدر، إذ تحول إلى صيغة عملٍ تبنّتها فصائل أخرى اعتمدت على استراتيجية الجناحين، عسكرياً منخرطاً في الحشد الشعبي، وسياسياً مسجلاً في مفوضية الانتخابات. فتحالفُ الفتح الذي قاده هادي العامري في انتخابات 2018 و2021 كان المظلة الكبرى لهذه الأذرع، إذ ضم منظمة بدر وعصائب أهل الحق وكتائب سيد الشهداء. وقبيل انتخابات 2021، ظهرت حركة "حقوق" جناحاً سياسياً لكتائب حزب الله العراقي.
ومع أن الفصائل مُنيت بخسارةٍ في عدد المقاعد في تلك الدورة، إلا أنها استعادت توازنها عبر الإطار التنسيقي وهو الائتلاف الشيعي الحاكم، الذي أقصى التيار الصدري، ما أدى إلى انسحاب الأخير من البرلمان تحت وابل النيران.
حُسِم صراع الفصائل على السلطة بقوة السلاح، عبر مواجهاتٍ مسلحةٍ شهدتها العاصمة بغداد عقب إعلان نتائج تلك الانتخابات. وأصبحت هذه الحادثة تُستدعى في كل مناقشات "حصر السلاح بيد الدولة". وظهر تخوّفٌ سياسيٌ من تكرار نزاعٍ مسلحٍ في حال استجابت الحكومة لدعواتٍ شعبيةٍ واسعةٍ بهذا الصدد، أو لمرجعية النجف، والتيار الصدري، إلى جانب ضغوطٍ وتهديداتٍ أمريكيةٍ شددت على تفكيك الفصائل. فرئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني قال للولايات المتحدة إن هذا السلاح "ملف سياسي"، ولا تستطيع الحكومة التعامل معه دون موافقة القيادات السياسية في البلاد، أبرزها التي تملك أجنحةً مسلحةً، وحضوراً سياسياً فاعلاً. وهذا وفقاً لما نقله قصي محبوبة، القيادي في ائتلاف الإعمار والتنمية الذي يتزعمه السوداني، في لقاء بثته قناة السومرية العراقية في أبريل 2026، بعنوان "فوز تاريخي يؤجل حديث الحرب".
وبسبب تعمق هذا التداخل بين السياسة والسلاح، وُصِفت حكومة السوداني بأنها من أكثر الحكومات التي تزايد فيها نفوذ الفصائل في كواليس السلطة. إذ قال مايكل نايتس في دراسته "رايز أوف ذا إي ميليشياز [. . .]" (صعود الميليشيات الرقمية: جماعات مصنفة إرهابياً تغزو الاقتصاد الرقمي العراقي) المنشورة سنة 2025، إن "ما تغيّر في عهد السوداني هو التراكم السريع لسيطرة الميليشيات على مكتب رئيس الوزراء، ووزارة الاتصالات ومؤسساتها، وهيئة الإعلام والاتصالات".
أظهرت نتائج الانتخابات حصول الفصائل على نحو 90 مقعداً في البرلمان الجديد، المكون من 329 عضواً. وهو رقمٌ وصفه تقريرٌ لموقع شفق نيوز الإخباري بعنوان "إراكز نيو بولِتِكَل إكويجن [. . .]" (المعادلة السياسية الجديدة في العراق: مكاسب الجماعات المسلحة تضغط على الولايات المتحدة) سنة 2025، بأنه سيختبر النظام السياسي العراقي أمام ضغوط واشنطن، بسبب وجود فواعل متنفذة بالدولة تعلن الولاء لإيران بصراحة.
إلا أن هذا الاختبار لم يدم طويلاً. فصعود وضع الفصائل جعلها أمام معادلةٍ مختلفةٍ، إذ أصبح الحفاظ على المكاسب السياسية مرتبطاً بقدرتها على تخفيف الضغوط التي يفرضها استمرار السلاح خارج يد مؤسسات الدولة. لذا أعلنت كلٌّ من عصائب أهل الحق، وأنصار الله الأوفياء، وكتائب الإمام علي، وكتائب سيد الشهداء، بعد شهرٍ واحدٍ من نتائج الانتخابات، تأييدها "حصر السلاح بيد الدولة". وهذا التحوّل جاء بعد إبلاغ الإدارة الأمريكية قادةَ الإطار التنسيقي برفضها التعامل مع أيّ حكومةٍ فيها تمثيلٌ للفصائل المسلحة الموالية لإيران، وفقاً للصحفي العراقي زيد سالم في تقريره "فصائل عراقية مسلحة تتبنى خطاب 'حصر السلاح بيد الدولة'" المنشور في ديسمبر 2025.

في المقابل، رفضت كتائب حزب الله وحركة النجباء الانخراط في خطاب حصر السلاح بيد الدولة. ويرتبط هذا الموقف بموقعهما المختلف داخل المشهد الفصائلي. فبخلاف فصائل أخرى سعت إلى تثبيت نفوذها عبر الجمع بين الجناحين العسكري والسياسي، لم تمتلك الجماعتان تمثيلاً سياسياً مباشراً داخل المؤسسات. ومع ظهور حركة حقوق واجهةً سياسيةً قريبةً من كتائب حزب الله، فإنها أكدت استقلالها التنظيمي وعدم ارتباطها العضوي بالفصيل، ما أبقى الفصل قائماً بين الحضور السياسي والعمل العسكري. وفي هذا السياق، ارتبط رفضهما أيضاً بالسعي إلى الحصول على ضماناتٍ تَحول دون استهدافهما من الحكومة أو الولايات المتحدة، وفقاً لرئيس مركز التفكير السياسي إحسان الشمري في مقابلته مع قناة الحدث في يناير 2026.
ويتسق هذا الاختلاف في التموضع مع قراءةٍ أوسع لطبيعة أدوار الفصائل داخل الشبكة المرتبطة بإيران. إذ يضع فراس إلياس، الأكاديمي والباحث في الشأن الأمني العراقي، هذين الفصيلين في مقاربةٍ تتعلق بالبنية العملياتية، في دراسته "العراق في بنية الصراع الأميركي الإسرائيلي مع إيران"، المنشورة سنة 2026. ويرى أن ثمّة تنوعاً يظهر في أدوار الفصائل بوصفه أحد أبرز ملامح البنية العملياتية التي تعتمدها إيران.
يقول إلياس: "الفصائل لا تتحرك كوحدة متجانسة، بل ضمن توزيع وظيفي يعكس درجة من التكامل العملياتي، إذ تضطلع بعض الفصائل بأدوار ذات طابع استراتيجي- عملياتي (مثل كتائب حزب الله العراقي وحركة النجباء)، فيما تتولى أخرى مهام تكتيكية أو إسنادية أو إعلامية (مثل حركة عصائب أهل الحق ومنظمة بدر)".
أما السياسي العراقي سجاد سالم، فيقول في تدوينةٍ له على منصة إكس في مايو 2026 إن "إيران تتعامل مع كل ميليشيا عراقية على حدة. داخل كل منها مجاميع تتبع إيران، وليس لقائدها المحلي او الميداني [. . .]".
واجه رفضُ هذين الفصيلين خطوات حصر السلاح استنكاراً من جميع الفصائل الأخرى، والتي حاول بعضها التواصل مع أمريكا. وتعليقاً على ذلك، يقول الصحفي العراقي تميم الحسن، في تقريره "المدى تنفرد بنشر رسالة الفصائل إلى واشنطن [. . .]" المنشور في يناير 2026، إنه حصل على نسخةٍ من رسالةٍ بعثها فصيلان مسلحان بارزان، لم يسمّهما، إلى واشنطن، مفادها "أن الولايات المتحدة 'ليست دولة عدوة'، ولسنا في حالة حرب مع إسرائيل [. . .] كعراقيين، لا علاقة لنا بإيران، وإن العلاقات الإيرانية الأمريكية شأن يخص الدولتين". وأكدت مصادر سياسيةٌ للحسن مضمون الرسالة، مشيراً إلى كونها "محاولات قامت بها بعض الفصائل للتواصل مع أوساط أمريكية، عبر ما وصفته بـ 'رسائل طمأنة' تضمنت استعداداً للتجاوب الكامل، وصولاً إلى بحث تسليم السلاح للدولة".
وكان الحسن قد نقل، في تقريرٍ آخر في فبراير 2025، عن قيادات الإطار التنسيقي مخاوفها من منافسة تلك الفصائل، بعد أن توقفت عن القتال بسبب هدنة الحرب التي جرت في لبنان وغزة. قال الحسن في تقريره "'الفصائل المتقاعدة' تزاحم الإطار التنسيقي على المناصب"، إن مفاوضاتٍ بين الفصائل من جانبٍ، والحكومة والإطار التنسيقي من جانبٍ آخر، هدفت التوصل إلى "تسوية تتضمن المناصب مقابل نزع السلاح". وتركزت المناصب التي طلبتها الفصائل على رئيس المخابرات، ومستشارية الأمن الوطني، ورئيس أركان الحشد، ومديرية الأمن الوقائي، فضلاً عن حصةٍ من السفراء.
العقيدة بدت صيغةً رمزيةً جرى عبرها تسويغ مشروعٍ سياسيٍ يتصل بالنفوذ الداخلي. فلم يكن السلاح لبناء نموذج حكمٍ عقائديٍ وفق ما تؤمن به الفصائل العراقية، إنما أداتها السياسية. ومن ثم، فإن ما يبدو للوهلة الأولى "ولاءً عقائدياً" يكشف عند التفكيك عن بنيةٍ أكثر مصلحيةً، وعقيدةٍ تُستدعى للتعبئة، وعدوٍّ يُنتج لإعادة التماسك، وخطابٍ طائفيٍ يُستثمر لتجديد الشرعية، ومظلّةٍ إيرانيةٍ تُستخدم لتثبيت الموقع داخل الدولة العراقية نفسها. وهذا ما يفسر التبدلات السريعة في مواقف الفصائل، من إعلان الولاء المطلق "لولاية الفقيه" إلى إرسال رسائل الطمأنة إلى واشنطن، ومن التمسك بالسلاح إلى قبول معظم الفصائل حصره بيد الدولة، ومن خطاب "المقاومة" إلى التنافس على المناصب والأجهزة والوزارات.

