إنها حزام الطائرة المخصَّص للبدناء الذي طلبته في الرحلات القليلة التي سافرت فيها مضطرة. وهي السخط العنيف الذي أبدته طبيبة قسم الجراحة على إصابتي في السادسة والعشرين من عمري بالناسور الشرجي، وهو مرض يتمثَّل في قناة غير طبيعية تتكوَّن بين القناة الشرجية والجلد. ولا يسببه الوزن الزائد مباشرة كما عرفت لاحقاً، لكنه يجعل الجسد أكثر عرضةً للالتهاب بالتعرق والاحتكاك في الطيات الجلدية مهيئاً إياها لخرّاجاتٍ فظيعة.
ندبات بطني هي كذلك المرات التي ذهبت فيها إلى النادي الرياضي، وانتهيت محبطةً من عدم تحقق أي شيء. وهي اللحظات التي حدق فيها الناس إليّ مشفقين أحياناً ومشمئزين أحياناً أخرى. وهي ذاتها التي رأيتها في نظرات التعجب من زملائي والكلام المستفهم كيف صار وزني مئة وكيلين بعد أن كان في أقصى حالاته دون الستين كيلاً. بهذا منعتني ندباتي من أن يكون حضوري في العمل غير لافت الانتباه، ومنعتني فيما منعتني من الحب. ومثلت لي أطلال أوقاتٍ مؤلمة، "ذاكرةٌ مشحونةٌ حسياً تستجيب للمس"، كما يعبر عن الندوب عالم الاجتماع الفرنسي دافيد لوبرتون في كتابه "ندوب: الوجود في الجلد" المترجم للعربية سنة 2024.
على هذا، فالمشكلة ليست في الوزن رقماً، إنما في الطريقة التي يصير بها الجسد علامةً اجتماعيةً وأخلاقيةً تتغير دلالتها بتغير الزمن والمجتمع. فمعايير الجمال والقبح تتحرك معها خرائط كاملة من الطبقية والفضيلة والانضباط والنجاح. فتتحول أجسادنا إلى أدلةٍ على هويتنا وكيف نعيش، وما الذي نستحقه. لذلك لا تعمل الحمية هنا خطةً صحيةً فقط، إنما منظومة سلوكٍ تفرض رقابةً ذاتية ولغة ثوابٍ وعقاب تنتج شعوراً مزمناً بالذنب. ومع تراكم الفشل والضغط والهلع من السمنة، يظهر الحل الجراحي بما يُعرف باسم "تكميم المعدة" بقصها وتقليص حجمها، ما يبدو اختصاراً للزمن والالتزام بالحمية مثلاً. لكن، كما جربت، لا تُخرج هذه الجراحة صاحبها من دائرة الحكم، بل تدخله في دائرة وصم "الحل السهل" وتوترات طبقية عن من يستطيع "شراء" الخلاص السريع وروايات جاهزة تبيع الطمأنينة باسم العِلم. هكذا يصبح الجسد عالقاً بين نموذجين متناقضين ظاهرياً لكنهما متشابهان جوهراً: نموذج يطالب المرء بالتحكم المستمر بذاته، وآخر يعده بنتيجة فورية. بينما يبقى الوصم في الحالتين هو المشترك.
في التراث العربي يظهر هذا التنويع بين الجميل والقبيح في تقديرهم السواد مثلاً. يتجلى هذا في كتاب أبي منصور الثعالبي "تحسين القبيح وتقبيح الحسن"، الذي كُتب في القرن الخامس عشر تحت فصل مسألة "تحسين سواد اللون". فقد نُقل عن القاضي أبي يوسف، تلميذ أبي حنيفة وقاضي القضاة في عهد هارون الرشيد، قوله إن من فضل السواد "أنه لم يكتب كتاب الله سبحانه إلا به"، وأن النور يكمن في "سواد النظر".
وقد سار بعض الشعراء على هذا النهج في مدح السواد، ومنهم أبو حفص الشطرنجي (المتوفى سنة 825) في جارية سوداء واصفاً لونها بلون المسك: "لا شك إذ لونكما واحد، أنكما من طينة واحدة".
وتجاوزت إعادة تعريف القبيح والجميل في هذا التراث اللون، لتطال الوزن. فلم تكن الأجسام السمينة دائماً وصمة تعبِّر عن الكسل واعتلال الصحة، بل مثَّلت في فترات من التاريخ مظهراً للعافية والثروة والراحة، بحسب الباحثة في الدراسات الثقافية غريتشن إي هندرسن في كتابها "التاريخ الثقافي للقباحة" المترجم للعربية سنة 2020.
وليس ببعيد عن هذا ما يوثقه التراث العربي باحتفائه بالمرأة الممتلئة علامةً فارقةً للجمال. هذا الجمال الذي يجعل المرأة "تزحف من البُهر"، أي ضيق التنفس من الثقل، إن مشت شبراً، كما وصف الشاعر قيس بن ذريح حبيبته لبنى بنت الحباب. وكذلك الشاعر جميل بن معمر من العهد الأموي، الذي يصف ردفَي معشوقته "بثينة" وصدرها، قائلاً إنهما يمنعان قميصها من مسِّ بطنها أو ظهرها لرحابتهما. بينما يُشبِّه عروة ابن الورد محبوبته ابنة عمه عفراء الممتلئة في أردافها وصدرها بالكثبان الرملية.
في هذا السياق تنقل الأكاديمية والروائية العمانية جوخة الحارثي، عن الباحث خليل عبد الكريم في كتابه "العرب والمرأة" المنشور سنة 1998، أن حياة العرب مع الناقة والفرس دفعتهم لاستخدام الأوصاف نفسها على المرأة الأثيرة لديهم. من الأمثلة "الكِناز" (الكثيرة اللحم الصلبة) و"الهركولة" (ضخمة الأوراك). فيما ترجح الحارثي تفسير الباحث علي البطل في كتابه "الصورة في الشعر العربي" الصادر سنة 1980، أن صورة المرأة الممتلئة موروثةٌ من اعتقادٍ دينيٍّ قديمٍ يربط السمنة بـكينونة "الآلهة الأم"، إذ يرمز الجسد السمين إلى الخصوبة والأمومة وضمان استمرار النوع.
وحتى وقتٍ قريبٍ ظل الاحتفاء بالامتلاء ماثلاً في الثقافة العربية. ويتبين ذلك على سبيل المثال في الروايات المعاصرة، مثل "ثلاثية القاهرة" لنجيب محفوظ الصادر أولها سنة 1956، وتشمل روايات "بين القصرين" و"قصر الشوق" و"السكرية".
في رواية "بين القصرين"، التي تدور أحداثها سنة 1917، يمد كبير العائلة، أحمد عبدالجواد بصره بنهمٍ في ليلة أنسٍ وطربٍ للراقصة وسلطانة المجلس "زبيدة"، "فيتلكأ ناظره عند طيات جسمها المكتنز، فطاب قلباً بما أفاء عليه الحظ من نعمة [. . .]".
ويتبدى في الجزء الثاني من الثلاثية "قصر الشوق"، عن المرحلة التالية من 1924 إلى 1927، الصراع بين المعايير التقليدية والناشئة عن جمال الجسد. فنجد ياسين، الابن البكر لأحمد عبد الجواد، مردداً بصره بين أختيه خديجة القوية الممتلئة، وعائشة النحيفة الرقيقة بحركة متعمدة للفت الأنظار.
يقول ياسين مستنكراً: "حدثتمونا عن تعب خديجة المتصل من الفجر إلى الليل، فأين أثر ذلك التعب؟". كأنها اللاهية، وكأن عائشة النحيفة هي العاملة. فردت خديجة، وهي تبسط راحة يُمناها في وجهه مفرجة بين أصابعها الخمس، مدافعةً عن امتلائها: "ومن شرِّ حاسدٍ إذا حسد".
ولكن عائشة اندفعت للذود عن نحافتها متجاهلةً ملاحظة ياسين، وهي تعاني شيئاً من الغيرة، لتقول إن السمانة لم تعُد موضة العصر. لكن استدركت عندما شعرت باتجاه رأس خديجة نحوها، "أو على الأقل فالنحافة موضة كذلك عند كثيرات". فعلقت خديجة بتهكُّمٍ: "النحافة موضة العاجزات عن السمانة".
لكن كل هذه القراءات التي تجعل زيادة الوزن أو نُقصانه معياراً للجمال، وتحقق معانٍ اجتماعية مثل الانتماء الطبقي المقرون بالوزن الزائد بسبب الوفرة والصحة، لم تصل الحد الذي بات فيها الوزن مشحوناً بقيم أخلاقية أخرى، تنتمي لعالمٍ يطالب "السمينة" بالثبات والنجاح وضبط الذات.
وصولاً للعصر الحديث، استمرت هذه التبدلات في موقع البدناء من معايير القباحة والجمال، ليصبح خطاب الجسد "المثالي" غير الممتلئ هو المرجع. فالرغبة في الامتثال للسائد عن مثالية الجسد تتشكل مع تبدل السلطة، حسب الكاتبة والناشطة النسوية الأمريكية سونيا رينيه تايلور في كتابها "الجسد ليس اعتذاراً" المترجم للعربية سنة 2023. ومن ذلك برأيها ما نراه من حملاتٍ بدأت بها النسويات عن تجاوز "عار الجسد"، التي احتوتها الرأسمالية بإطلاق علامات تجارية للنساء البدينات. وقد تزامن ذلك مع انفجار ظاهرة الصوابية السياسية، وهي مجموعة أفكار وسلوكيات لغوية واجتماعية هدفها تجنب الإساءة أو التمييز ضد فئات معينة في المجتمع.
وفي سعيي إلى الامتثال لهذه المعايير الاجتماعية محاولةً تجنب ما يحمله الجسد الممتلئ اليوم من وصمٍ وأحكامٍ مسبقةٍ، خضت تجارب على نفسي ومن أجلها. كانت أولها الحمية، ولكنها لم تكن مخرجاً من الحكم الأخلاقي ونظرة الآخرين لي بما فيها من اتهام وشك.
يضع كارل سيدرستروم وأندريه سبايسر، المختصان في الإدارة والسلوك التنظيمي، في كتابهما "متلازمة العافية" المترجم للعربية سنة 2015، هذه التجارب الفردية ضمن تاريخ أطول للحميات، لا استجابة صحية، بل عملاً أخلاقياً لإدارة الذات والذنب والانضباط. وهنا تلتقي قراءتهما مع ما تقترحه نعومي وولف في "أسطورة الجمال". إذ تصف التحكم بالوزن شكلاً من اللاهوت اليومي، أي منظومة إيمانٍ تقوم على الطهارة والخطيئة والعقاب، واصفةً النساء الخاضعات لها بأنهن منتميات إلى "طائفة الخوف من الدهون". هنا لا يكون الخوف من السمنة، كما تطرح وولف، بل "الخوف من الذنب". وهو ما يجعل الحمية منذ بدايتها مشروعاً أخلاقياً قبل أن تكون تقنيةً غذائية.
بهذا المعنى، يقرأ سيدرستروم وسبايسر تجربة القس الإنجيلي الأمريكي ريك وارِن، مؤسس كنيسة سادلباك في كاليفورنيا، نموذجاً مكثفاً لتداخل العافية مع الخطاب الأخلاقي حتى في الخطاب الديني الروحي. ففي سنة 2010 وأثناء تعميده 858 شخصاً في كنيسة سادلباك، داهم وارن شعور مفاجئ بالذنب بعد وصوله إلى المتعمد رقم خمسمئة. فقد صدمته فكرة أن "الجميع سمان" وهو في مقدمتهم، واصفاً نفسه بأنه "مثل سيء" للرعية.
دفع هذا الإدراك وارن إلى تتبع «خطة دانيال»، في برنامج صحي جماعي استلهم اسمه من قصة النبي دانيال الذي رفض أطعمة البلاط البابلي المترفة كاللحوم والنبيذ، واكتفى بالخضار مساراً تطهيرياً. لم يقدم مشروع الحملة نظاماً غذائياً فحسب، إنما تجربة رُبط فيها الامتناع عن الطعام بالانضباط الإيماني والروحي والصحة الجسدية. وقد شارك في هذه المبادرة داخل الكنيسة نحو خمسة عشر ألف شخص في مرحلتها الأولى، قبل أن تتحول إلى مثال بارز على ما يسميه الكاتبان "السوق الإنجيلي". وفي هذا السوق يُستثمر تداخل الدين مع الخطاب الصحي، ويعاد تقديم التطوير الشخصي والرشاقة مساراً روحياً جماعياً، لا مجرد اختيار فردي.
ومن هذا التقاطع بين الذنب والعافية، يمكن فهم التحول الذي يناقشه الكاتبان للصيام من ممارسة دينية إلى واحدة من أكثر أعمال الحمية رواجاً. وهو تحول اختبرته شخصياً أيضاً. فالصيام كما يشرحان، لم يعد فعلاً روحياً مرتبطاً بالزهد أو التأمل، بل أعيد تقديمه أداةً لإدارة الذات الحديثة. وهو ما جسده الطبيب والصحفي مايكل موسلي بحمية أسماها "5:2"، وتسمح بفترات من الأكل غير المقيد مقابل أيام من التقشف الصارم، مانحةً التابعين إحساساً مزدوجاً باللذة والانضباط. وبهذا تصبح الحمية وسيلة لتقويم السلوك الاجتماعي، لا مجرد استجابة لمشكلة صحية. ويتحول الوزن والقياس والتسجيل اليومي إلى اختبارات أخلاقية مستمرة.
هنا تعود نعومي وولف لتوضيح البنية النفسية لهذا التوازن الظاهري. فتشير إلى أن طقوس الجمال (بإنقاص الوزن مثلاً) لا تعمل بالمنع المطلق، إنما بدورات متكررة من الحرمان والانفراج، تولِّد التعلق بدل التحرر، وتبقي الذنب حاضراً حتى في لحظات المتعة. وتورد أنه في ظل طقوس كهذه يضحي التحكم بالوزن تقنيات للسيطرة على الفكر، لا الجسد فقط.
وفي سياق مشابه، يشير سيدرستروم وسبايسر إلى أن الحميات تعمل غالباً لفترات قصيرة، ثم يعود الناس إلى أوزانهم الأصلية، مصحوبين بتجارب إخفاق. غير أن هذا الإخفاق لا يزعزع المنظومة، بل يعززها حالةً من التبعية، بأن يكون الاخفاق في الحمية بفقدان الوزن فشلاً اجتماعياً وأخلاقياً وجب إصلاحه. ويتقاطع هذا الطرح مع تحليل وولف الذنبَ محركاً مركزياً. فلا يُنظر برأيها إلى الفشل (في الحمية وفقدان الوزن) دليلاً على قسوة النظام، بل عيباً أخلاقياً في الفرد نفسه. وتسمي وولف هذه الظاهرة "سلسلة جنون رسمية مزروعة من الخارج"، إذ يُوجه العدوان والتدمير الذاتي ليُفهما على أنهما نابعان من الداخل، بينما هما نتاج منظومة أخلاقية تقوم على الحرمان والتكرار والذنب.
وإذا كان الذنب هو الوقود الأخلاقي الذي يحرك ثقافة الحمية والعافية، فإن شكله اليومي الأشيع هو الاعتذار عن الجسد نفسه. تبين سونيا رينيه تايلور في كتابها "الجسد ليس اعتذاراً" كيف أصبح الاعتذار ممارسة تلقائية نؤديها بلا وعي. تقول: "نعتذر عن وزننا، وعن لون بشرتنا، وعن ميولنا الجنسية، وكأن وجودنا الجسدي في حد ذاته يحتاج إلى تبرير [. . .] لأننا تشبعنا بفكرة أن هناك شكلاً صحيحاً للجسد، وأن أي انحرافٍ عنه هو إزعاجٌ ضمنيٌ للآخرين". وتضيف أن هذا الاعتذار يظهر في أكثر التفاصيل عادية في حياة المرء اليومية: في تخيلنا أننا نشغل مساحة أكبر من اللازم في مقعد الطائرة، أو أننا نثقل على من يجلس بجوارنا.
تصل تايلور إلى قلب هذا المنطق في لحظةٍ شخصيةٍ دقيقة تسردها بتفاصيلها. ففي التاسع من فبراير سنة 2011 نشرَ أحد أصدقائها صورة لعارضة المقاسات الكبيرة الأمريكية "تارا لين"، على صفحته في فيسبوك. تصف تايلور دهشتها الفورية من جمال الصورة، وكيف قادها الفضول إلى البحث عن اسم تارا لين لتنهال أمامها الصور: امرأةٌ ممتلئة ترتدي الجينز مع قميصٍ أبيض بسيط لمتجر عصري، ولا ترتدي سوى عقد من اللؤلؤ وهي تتدثر بشال من الفرو. لكن الصورة التي تحسم التجربة، كما تقول، هي صورة الغلاف، حيث تقف تارا لين بثبات في مشد أسود، في حملة إعلانية لعلامة ملابس داخلية جديدة.
لم ترَ تايلور في تلك اللحظة جسد امرأة أخرى فحسب، بل إمكانية رؤية جسدها الممتلئ هي نفسها بلا اعتذار. لذا تعلق: "اللعنة على الآراء"، وتدفعها هذه اللحظة إلى فعلٍ كانت عاجزة عنه أشهراً. تنشر صورتها على فيسبوك وهي ترتدي مشدها الأسود، وتذكر مع الصورة أن وزنها مئة وأربعة كيلوغرامات، مشيرةً لعلامات التمدد على جلدها. وتختم تايلور بالقول: "في هذه الصورة لا أشعر بالخجل، ولا بالاعتذار. ليست هذه لحظة استعراض أو تحدٍّ، بل سحب للجسد من منطق التبرير كله". وبهذا تتحدى الصورة النمطية عن الجسد المثالي، وكأنها تقول أن وزنها لا يحدد كينونتها.
ومع ذلك، لم أستطع أنا أن أفعل ما فعلته تايلور، ولم أستطع تقبل وزني ولم يكن هناك من يدعمني في ذلك فعلياً. كان الشعور بالوحدة هائلاً، خانقاً. صار جسدي مساحةً معزولةً لا يشاركني فيها أحد. حتى قراءتي الأدبيات النسوية وإن منحتني فهماً أعمق، ومنها كتاب تايلور هذا، لكنها لم تغير في الأمر شيئاً في معيشتي اليومية ولم تردم المسافة بين الفهم والقدرة. كان ثمة جرحٌ يكبرُ فيّ كل يوم، ومن عدم معرفة كيف يمكن العيش مع الجسد من دون محاكمته.
ومع تحديات الأمراض التي أصابتني لاحقاً، صار هذا الجرح أكثر حضوراً وأكثر استعصاءً على التجاهل. لم يعد الأمر مسألة قناعةٍ أو وعي، بل اختباراً يومياً للقدرة على الاحتمال، اختباراً لم أجد له إجابةً ولا عزاءً جاهزاً.
لطالما أردت ضم ذقني إلى ركبتي والنوم دون الشعور بالاختناق. ورغبت أن يتركني جسدي وشأني ولو لساعات قليلة. لم أحب شكلي يوماً لكن الأمر ازداد سوءاً. أردت أن أكون غير مرئية في المساحات العامة المشتركة، أن أعبر الشارع والمقهى والمتجر من دون أن أشعر بأنني حاضرة أكثر مما ينبغي. أريد أن أتزوج دون أن يصاحبني الخوف من الانكشاف على حقيقتي وطبيعة هذه التجربة. وفي الوقت نفسه، أردت شراء الفستان المنقَّط الذي رأيته الأسبوع الماضي، دون أن يبدو ذلك خياراً يحمل إنكاري لحقيقة وزني الزائد.
وتحت وطأة الحمل الثقيل بدت هذه الرغبات والأحلام بعيدة المنال. أصبحت الكيلوغرامات المكتنزة الحقيقة الوحيدة المتاحة، قدراً لا خلاص منه. وفي استراحة محارب قضيتُ الوقت أعاقب نفسي بمزيد من الأكل، لكنني في كل مرة أعود للحمية. وباتت هويتي هي هذه المراوحة بين الإمساك وعدمه، فيما ظن من حولي أنني في حمية غذائية إلى الأبد. لم أكن أعرف بأنني على وشك إنهاء هذا الأبد قريباً.
لم أفكر في هذا الحل قبل تلك الليلة. قال لي إن أخاه خضع للعملية نفسها، وإن صديقه المستشار في جراحة المعدة هو من أجرى له العملية. بدون تردد طلبت منه أن يحدد لي موعداً مع الطبيب، وهذا ما حصل. بل إن وساطته منحتني دوراً متقدماً، إذ كان علي في الأحوال العادية أن أنتظر أشهراً أخرى.
لم أخبر عائلتي بالأمر، باستثناء أختي والأصدقاء الأربعة الذين كانوا ضيوفاً عندي. وفي يومين فقط، كنت قد قد أنجزت الفحوصات اللازمة ودفعت ما يقارب سبعة آلاف دولار، على أن يكون حجز الغرفة في المستشفى ليومين لا أكثر، يوم العملية واليوم الذي يليه. كذلك وقَّعتُ مستنداً فيه إقرار أن أي نتائج تترتب على الجراحة مسألةٌ تخصني وحدي، وأن الحاجة لأي تدخل طبي حينها غير مشمولة بسعر العملية.
دخلت غرفة العمليات عند الساعة التاسعة صباحاً، بعد ذلك لم أشعر بشيء بسبب التخدير. استيقظت بعد ساعات، وكان إلى جانبي صديق يضحك ويقول "الحمد لله على السلامة". كان يحمل في يده عبوة شفافة بداخلها شيء لم أتبيَّنه مباشرةً، بدا مثل الرئة أو الأمعاء. ثم فهمت أنه 80 بالمئة من معدتي. كانت الصدمة الكبرى أنني لم أكن أعرف شيئاً عن العملية، ولم أعرف أنهم سيقصون معدتي ويخرجونها. كان اليأس قد وصل بي درجة أني لم أحاول حتى أن أتعرف على ما أنا مقبلةٌ عليه، حتى وإن عنى ذلك شيئاً جذرياً كهذا. علاوةً عن ألمٍ لا يتوقف، ووهنٍ بسبب عدم تناول أي طعام عدا ماءٍ سائلٍ شفافٍ مصفَّى من الخضار وذلك مدة أسبوعين، وبعض العصائر المنكهة.
على الإنترنت، هناك قصص شخصية كثيرة عن تكميم المعدة تختلف عناوينها وصورها لكن تتشابه في أن معظمها مدونات أو مواقع لمؤسسات طبية تُقدم هذه التجارب "دليلاً" على نجاح العملية. دليلاً تجارياً يُبرر كلفة العملية الباهظة ويطمئن القلق الشخصي عن احتمالات نجاحها. هذا مثال على ما يُعرف باسم "تسليع الطب"، كما يَذكر عالم الاجتماعيات والسياسي الأمريكي دانيال باتريك موينهام في بحثه "أُن ذا كوميديفيكشن أُف ميديسن" (فيما يخص تسليع الطب) المنشور سنة 1998.
ومع مرور الأشهر بدأ وزني بالانخفاض على نحوٍ ملحوظ، وتلقيتُ تبريكات على ذلك من أشخاص لا يعرفون أنني أجريت العملية. لكن شعري تساقط كلياً، وصار لدي نوبات تشنج ورجفة لأيام تصل إلى عدم القدرة على التنفس. وقد اضطررت مع هذه الأعراض إلى اللجوء إلى الطوارئ، لأكتشف أن لدي نقصاً في الحديد. يضاف لذلك أنني لم آكل أي شيء دون أن أتقيأ، وليست كل الأشياء قابلةً للأكل، ووجب علي في البداية تفادي المأكولات الصلبة. ومع مرور الوقت تغيرت تفضيلاتي للطعام كلها.
على هذا فوجئت أن الوصم طالني حتى بعد أن بدأ وزني يصبح مثالياً، بل بعدما بدأت ممارسة الرياضة مثل السباحة والمشي. ومع أن زيادة الوزن طارئة في عمري، إذ كنتُ نحيفة، إلا أنني لم أعد أُتَذَكَّر إلا سمينة. وعندما قررتُ إيقاف ذلك تبين أنني لا أمتثل لاقتصادٍ أخلاقي جديد تجاه صحة الجسد، تجعله جزءاً من روايات البطولة والكفاح.
مرد هذا الوصم أن تكميم المعدة تدخل جراحي جذري لا يتطلب نفس المستوى من الالتزام الشخصي المطلوب في الحمية، ما يجعل التكميم عُرضة للاستقبال السلبي. فهي حُلول لا تتضمن أي نوعٍ من المسؤولية الذاتية، لا يفعل الفَرد أي شيءٍ سوى الاستعداد لما قبل العملية وبعدها. ولا يتغير أي شيءٍ في حياته حسب الأفكار الشائعة سوى تناوله كميات أقل نتيجةً للعملية لا لأنه يفعل شيئاً ما. بمعنى آخر، عملية تكميم المعدة تستدعي غياب الفعل المفترض، أي الالتزام بحمية، وتضعه مباشرةً أمام التساهل بعمل عملية جراحية. وبهذا لا يعترف التكميم بالزمان والمكان أو الحاجة للتحكم في العوامل المُحيطة مثل طبيعة الطعام والعادات الاجتماعية التي تؤثر على عادات الأكل. وفي غياب الحمية، يتبلور وصم اجتماعي عن الحلول الجاهزة والاستسهال.
تَظهر نماذج من هذا الوصم الاجتماعي في بحث أنيتا بورغ من كلية التمريض في جامعة نورد النرويجية بعنوان "أنتولد ستوريز أوف ليفينغ وذ آ باريأتريك بودي" (الحكايات غير المروية للعيش بجسد خاضع لجراحة السمنة) المنشورة سنة 2019. وفي البحث تقابل أنيتا أشخاصاً أجروا عملية التكميم. وقد عبروا عن الخَجل من سهولة العملية من جانب، والوصم الاجتماعي واستدعاء هذه السهولة، من جانب آخر.
تقول إحدى الخاضعات للبحث: "تخيل أن ينقص باوند من وزنك يومياً، هذا ليس انجازك [. . .] أنا لست فخورة. لم أتعب حتى قبل أن أذهب لطاولة العمليات. لم أقدر على أن أقوم بشيءٍ ما تجاه وزني". حتى الأشخاص الآخرين ممن لم يُظهروا الحساسية الذاتية نفسها من خيار التكميم حلاً سهلاً كانوا متورطين في إطار الوصم الاجتماعي. يتحدث أحدهم عن تعليقات بخصوص سهولة التكميم بقوله "لا أزال أسمعها وتستفزني، لأنني أرى أنها غير عادلة. لا بأس بكون الحمية وخسارة الوزن التزاماً، لكن هذا هو أيضاً ما نفعله. الفارق فقط هو أن خسارة الوزن أسهل".
يشير البحث كذلك أنه حتى بعد مرور ثماني سنوات على العملية، تحسس جميع المشاركين من الحديث عنها. وينقل قول بعضهم إنها "هزيمة وطريقة غير طبيعية لخسارة الوزن".
بدا هذا كله صحيحاً في معيشتي اليومية. مثلاً سألتني زميلتي في العمل بنبرة من يستعد لمحاكمتي، "كيف أنقصتِ وزنك؟ ليكون مسوية شيء أو شيء". لكنني تهربت هذه المرة كما مراتٍ عديدة من الإجابة. فلطالما ألقى عليَّ الناس تهمة عدم السيطرة على الذات بسبب وزني، وكأني همجيةٌ لا أستطيع ضبط طعامي. ومثلما تقول تايلور، فإن الحجة القائلة بأن الناس اختاروا أن يكونوا على هذا النحو أو ذاك هي في جوهرها حجةٌ عن الاختلاف وعدم قدرتنا على قبوله وتحقيق السلام معه.
بهذا فهمت بصعوبة مسعى تايلور لا إلى قلب المعايير بتمجيد الجسد المختلف أو إعادة تعريفه جميلاً وفق قاموسٍ جديد، بل اقتراحها مقاربة أعمق. بمعنى تفكيك العلاقة بين الجسد والحكم الأخلاقي من أساسها. تقول إن عبارة "أنا سمينة" يجب أن تكون مثل "حذائي أسود" أو "السحاب رقيق". فهي تتجاوز الدعوة إلى تغيير المفردات إلى تفريغ الكلمة من الشحنة الأخلاقية التي راكمها المجتمع عنها. السلبية، كما تؤكد، ليست في الجسد ولا في الكلمة، بل في الكراهية التي أُلصقت بها اجتماعياً. من هنا تصبح اللغة نفسها ساحة الصراع إما أن نستخدمها لإرهاب الجسد وإدامة الذنب، أو لتحويلها إلى أداة حب ذاتي جذري ترفض الاعتذار عن الوجود.
وفي خضم هذه التساؤلات القيمية وتسرعي في اتخاذ قرار، فاتتني أسئلة جوهرية لم أدرك أهميتها إلا بعد المعاناة منها.
هذه التجربة جعلتني أدرك أن الإجراءات الطبية المرتبطة بالسمنة لا يمكن التعامل معها خدمات تجارية محضة، طارحةً أسئلة عن دور الدولة في تنظيم أي تدخل طبي عالي الخطورة. إذ ترك هذا المجال للسوق، كما يبدو، يحول أجساد البدناء إلى مختبرات للتجريب والتسليع والربح.
في مسألة شفط الدهون تحديداً، تنص اللوائح التنظيمية في دبي مثلاً، على أن هذا الإجراء ليس وسيلة لإنقاص الوزن ولا علاجاً للسمنة، بل عملية تهدف حصراً إلى تشكيل القوام وإزالة تجمعات دهنية موضعية لدى أشخاص قريبين من الوزن الصحي. لذلك فإن تقديم شفط الدهون على أنه حل لإنقاص الوزن أو إجراؤه لأغراض علاج السمنة، يبدو تضليلاً طبياً وعملاً غير مهني. هذا التقنين يتجاوز الاعتبارات التجميلية فقط لتصور يعتبر الجراحة تدخلاً طبياً خطراً لا يجوز تسويقه بديلاً عن مسارات علاجية أخرى. وعله يؤكد أن حدود التدخل الجراحي لا يقررها طلب السوق، إنما المعايير الصحية والتنظيمية.
من هذا المنطق، نشر الاتحاد الدولي لجراحة السمنة واضطرابات التمثيل الغذائي سنة 2021 دراسة بعنوان "إنترناشونال كومبارزن أوف فاريبلز [. . .]" (مقارنة دولية للمتغيرات في السجلات الوطنية لجراحة السمنة)، هدفت إلى تقييم مدى توافق المتغيرات بين السجلات الوطنية الصادرة سنة 2019. فقد وجه القائمون على الدراسة الدعوة لثماني عشرة دولة، منها الولايات المتحدة وهولندا والسويد، لمشاركة سجلاتها في معايير جراحة السمنة، استجابت منها إحدى عشرة دولة فقط. وبناءً على البيانات التي قدمتها الدول المتعاونة، تبين اختلاف كبير في المتغيرات والتعريفات المستخدمة، إذ وُجد توافق تام في نحو 10 بالمئة فقط من المتغيرات. وأن نسبة محدودة أظهرت توافقاً مرتفعاً أو متوسطاً.
من هنا يوضح هذا النموذج كيف أن تجميع البيانات السكانية وتوحيد تعريفاتها يمكن أن يوفر أدلة واقعية دولية عن النتائج ويساعد في وضع معيار عالمي للرعاية، وهو دور تنظيمي لا يمكن تركه لمبادرات المراكز الخاصة. فالمطلوب بنية رسمية تقودها الدولة لضمان الشفافية والمساءلة وتحسين جودة الرعاية الصحية.
نقاش مشابه سلكه استشاري الجراحة العامة وجراحات المناظير وجراحات السمنة ناظم الرفاعي، في بودكاست تخيل في حلقة بعنوان "أكبر خرافة عن تكميم المعدة وتحويل المسار" بُثت فبراير سنة 2026. إذ وصف الرفاعي السمنة بأنها مرض نفسي، لكنه أضاف مستدركاً أنها ليست مرضاً فقط بل تسمماً دهنياً يعمل عمل السرطان وهي المرض الأكثر عرضة للظلم. إذ يتدخل في تشخيصها وعلاجها الجميع تقريباً، مع أنها حالة طبية معقدة تتطلب تخصصاً دقيقاً وخبرات طويلة. ويشير إلى أن طبيب العائلة يعالجها، وأن الصيادلة يصرفون أدوية مثل "مونجارو"، في حين تُتخذ قرارات علاجية جسيمة دون الإحاطة الكافية بتعقيد هذا المرض.
وبالتوازي مع تصريحات الرفاعي، نقرأ عن القوى الاجتماعية والتاريخية التي أسهمت في تسييس السمنة على نطاق واسع. والتوسع السريع في جراحات إنقاص الوزن وما صاحبه من تصاعدٍ ملحوظٍ في الإعلانات الإلكترونية، يشير إلى تحولات جديدة في آليات هذا التسييس. وهذا ما تناولته دراسة "إنترنت ماركتينغ أوف بارياتريك سيرجري" (التسويق الإلكتروني لجراحة السمنة) المنشورة سنة 2005.
حللت الدراسة تصميم مئة موقع إلكتروني لمراكز جراحة السمنة ومحتوى المواقع، بهدف الكشف عن دور الإعلانات الرقمية في إعادة تعريف السمنة طبياً واجتماعياً. وأظهرت أن هذه المواقع، باستخدام استراتيجي للنصوص والصور، تقدِّم السمنة باستمرار مرضاً خطيراً يتطلب تشخيصاً وإشرافاً طبياً متخصصاً، ويسبب معاناة فردية عميقة. لكنه في الوقت ذاته قابل للعلاج بجراحة توصف بأنها منخفضة المخاطر وذات آثار تحويلية جذرية. وبهذا الخطاب نُقل معيار تحديد الصحة من القياسات البدنية المباشرة (الطبية التشخيصية) إلى مفاهيم مثل "الوضع الاجتماعي الطبيعي" و"تقليل المخاطر"، بما يعيد صياغة معنى الجسد السليم والمقبول اجتماعياً.
كذلك كشفت الدراسة عن مفارقة خطابية، إذ تبرر المواقع التدخل الجراحي بالتأكيد على أسبابٍ خارجيةٍ للسمنة، مثل العوامل الوراثية والبيئية، لكنها في المقابل تُحمّل الأفراد مسؤولية أي إخفاقٍ في نتائج الجراحة بالتركيز على السلوكيات الشخصية. وخلصت إلى أن الدوافع الاقتصادية والمهنية وراء هذا النمط من التسويق قد تؤدي إلى إنتاج رسائل مضللة للمرضى المحتملين، وترسيخ صورٍ نمطيةٍ جنسانية عن السمنة. فضلاً عن تعميق التفاوتات الصحية بدل الحد منها، امتداداً لارتباط البدانة بالقيمة الأخلاقية وخطاب النجاح والذنب والإرادة.
ولعل الرفاعي في نفس الحلقة قال ما كنتُ أحاول تفكيكه منذ البداية، إن السمنة لا علاقة لها دائماً بالإرادة وبأن هذا وهم. إذ إن أجسام البدناء لديها استعداد بنيوي لزيادة الوزن، وهذا ما يُفسر أن تناول كميات قليلة من الطعام قد يزيد من وزن شخص ما، بينما لا تفعل مع شخص آخر. لكنني مع ذلك لا أستطيع استثناء أي خطاب من احتمالية تسليعه في سباق الحصول على ثقتي بدينةً تعيسة.
فالجسد هنا ليس مشكلة تحتاج إلى حلٍّ ولا مشروعاً أخلاقياً يتطلب التكفير المستمر، بل ساحةٌ تتقاطع فيها السلطة والمعرفة واللغة والعار. فما تكشفه الحمية، ليس طريقاً واحداً إلى الخلاص. بل شبكةٌ من الوعود المتناقضة التي تعيد إنتاج الذنب بطرقٍ مختلفة. وبين الانضباط الطويل والحل الفوري، يظل الجسد مطالباً بالصمت والامتثال، ومهدداً بالمحاسبة مهما فعل.
وربما لا تقدم تجربتي جواباً، لكنها قد تحاول إزاحة وهمٍ راسخ مفاده أن العافية قرارٌ فرديٌ خالص، وأن الألم فشلٌ شخصي. وما يتبدى في النهاية حاجةٌ ملحة لإعادة التفكير في علاقة المرء بجسده خارج منطق الإصلاح والاعتذار. كذلك الاعتراف بأن بعض الندبات ليست علامات نقص، بل ربما آثار نظامٍ كامل مر فوقنا وترك بصمته.

