من معتقلٍ إلى أرشيفٍ حسيٍّ للعنف.. تحوُّلات سجن صيدنايا

تتراكم طبقات القمع في صيدنايا حتى تغدو تجربةً تمحو هوية المعتقل عبر تعذيبٍ يوميٍّ، وتطوّر ذاكرةً حسيةً تلتقط الخطر قبل حدوثه.

Share
من معتقلٍ إلى أرشيفٍ حسيٍّ للعنف.. تحوُّلات سجن صيدنايا
العنف في صيدنايا ليس مجرد انحرافٍ فرديٍّ | تصميم خاص بالفراتس

قبل صعودي إلى الطائرة من مطار إسطنبول متجهاً إلى دمشق، شاهدتُ مقابلةً لخالي نور الدين خباز وهو يجول داخل سجن صيدنايا العسكري بعد أيامٍ من سقوط نظام الأسد. فرحتُ بعودته إلى السجن زائراً حرّاً. ولَفَتَ انتباهي سلوكٌ في حديثه، فلا يزال كما أعرفه يرتجف ويتلعثم في الكلام حينما يسرد تجربة اعتقاله. هذا التفاعل الجسدي واللغوي الذي ظهر لا إرادياً دلالةٌ على الأثر النفسي العميق لتجربة الاعتقال الطويلة، ويعكس استمرار أعراض الخوف والصدمة حتى بعد زوال الخطر المباشر. وعندما قابلتُه لاحقاً في دمشق قال لي: "انتصرنا على آل الأسد وانتهت جمهورية الصمت والخوف". نطق عبارته وهو يعانقني مرتجفاً.

ودّعتُ خالي وأخبرته باهتمامي بتوثيق تجربة اعتقاله شهادةً تاريخيةً وبحثيةً في مجال عملي الحالي. وفي طريقي إلى المنزل التقيتُ صدفةً بصديق الثورة والحصار خالد الدالاتي الذي انقطعت بيننا السبل منذ تهجيرنا من جنوب دمشق إلى شمال سوريا سنة 2018. لاحظتُ عليه تغيراً جسدياً حاداً، فقد بدا وجهه شاحباً وجسده هزيلاً فاقداً نصف وزنه ويلهث أثناء حديثه. دار حديثٌ سريعٌ بيننا ثم سألتُه عن سبب غيابه أعواماً فأجابني بهدوء: "كنت معتقلاً في صيدنايا وخرجت يوم التحرير". 

طيلة عقودٍ ظلّ صيدنايا تمثيلاً لجمهورية الخوف والقمع، وفي غياهبه عانى آلاف السوريين والعرب. ولكن نهج التوحش بين جدران هذا السجن، والذي ازداد تكشفاً بعد سقوط نظام الأسد نهاية 2024، لم يكن نمطاً واحداً من بداياته. فلَم يُدَر سجن صيدنايا منذ تأسيسه بنهجٍ ثابتٍ ودرجة عنفٍ واحدة. إنما تغير بمرور الزمن في شدته وأدواته ووظيفته. ففي افتتاحه عُرف مكاناً أقل قسوةً من سجن تدمر سيّئ السمعة. ثم أخذت وتيرة العنف والقمع بازديادٍ وصولاً إلى تجربة الاستعصاء سنة 2008. وبلغت ذروتها ما بعد الثورة السورية سنة 2011، ليصبح صيدنايا بنيةً مغلقةً يُدار فيها العنف والقتل وتُنزع فيها إنسانية المعتقل وهويته. ومن خلال تجارب بعض من عاشوا بين ثناياه وخبروا سنينه، يُعاد رسم شيءٍ من مشهدية هذا السجن من النشأة حتى كسر بواباته وأبواب زنزاناته.


يُعَدُّ عبد الحميد السراج المهندس الأساس للنظام الأمني والدولة البوليسية في سوريا في خمسينيات القرن العشرين. بينما يمثّل حافظ الأسد أول من أسس منظومة التعذيب القهرية متمثلةً بسجن تدمر الصحراوي وسط سوريا، حيث أُخفي فيه قسراً نحو سبعة عشر ألف سوريٍ وغيرهم من جنسياتٍ عربيةٍ بين سنتي 1980 و2000.

وكما يرث الابن أباه في التركة، ورث بشار عن أبيه منظومة التعذيب. وربط اسم سجن صيدنايا في الذاكرة السورية بأقصى درجات القسوة والنزع الإنساني، منظومةً مغلقةً لا تخضع لأيّ رقابةٍ قضائيةٍ أو قانونية. وبفعل هذه الممارسات، كثيراً ما يُشبَّه صيدنايا بسوريا نفسها معتقلاً عاماً، بل أصبح دالاً رمزياً على بنية العنف التي حكمت البلاد.

على أطراف بلدة صيدنايا في ريف دمشق يقع سجن صيدنايا العسكري المنعوت "المسلخ البشري"، وفق وصف منظمة العفو الدولية. وقد بدأت مؤسسة الإنشاءات العسكرية التابعة لوزارة الدفاع تشييده سنة 1981 على أرضٍ صودرت في عهد حافظ الأسد، ليُفتتح رسمياً سنة 1987 مع دخول أول دفعةٍ من المعتقلين. 

يتكوّن السجن من مبنيين، الأول يُطلق عليه "صيدنايا الأحمر" بُنيَ على شكل الحرف الإنجليزي "واي" وخُصص للمدنيين والعسكريين ومعتقلي الرأي والمتَّهمين بالإرهاب. أما الثاني فهو "صيدنايا الأبيض" على شكل الحرف الإنجليزي "إل"، وبُني بين سنتي 1998 و1999 مخصصاً للعسكر المحكومين بقضايا جنائية.

تَبِعَ السجنُ إدارياً لوزارة الدفاع السورية تحت إدارة الشرطة العسكرية وإشراف الاستخبارات العسكرية. وتولت حراسته الخارجية وحدةٌ من الفرقة الخامسة "ميكا" (فرقة مشاة تابعة للجيش السوري السابق). ولم يكن لوزارة العدل في النظام السوري السابق صلاحياتٌ عليه، بحسب رابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا في تقريرٍ عنوانه "الهيكلية الإدارية لسجن صيدنايا وعلاقاته التنظيمية" منشورٍ سنة 2022. ووفقاً للتقرير، تولّى العقيد بركات العش إدارة السجن وقت افتتاحه. وتزامن افتتاحه مع نقل دفعاتٍ من المعتقلين، خصوصاً من سجن تدمر، وصلت أولها في سبتمبر 1987. ليصل عدد النزلاء حينئذٍ إلى نحو ثلاثة آلافٍ وخمسمئة معتقلٍ بحلول سنة 1990.

دارت وقتئذٍ الشائعات حول أسباب إنشاء سجن صيدنايا وعن حاجة الأسد الأب لمزيدٍ من السجون في ذلك الحين. وبهذا الخصوص، ذكر نور الدين خباز للفراتس أنّه قيل آنذاك بأنّ من تلك الأسباب الاكتظاظ الشديد في سجن تدمر، خصوصاً وأن البلاد كانت تمرّ باضطراباتٍ سياسيةٍ مع وجود قرارٍ بقمع المعارضة بجميع أطيافها. وأشار إلى لقائه معتقلين أوقِفوا قبل سنواتٍ وكانوا أحداثاً (صغار السن) نقلوا من تدمر فور إنشاء صيدنايا. 

كان من بين الدفعة الأولى لصيدنايا المعتقل السياسي السابق نصّار يحيى، وقد جرى توقيفه على خلفية انتمائه إلى حزب العمل الشيوعي، الذي تأسس منتصف السبعينيات حزباً معارضاً. دخل يحيى صيدنايا سنة 1987 قادماً من سجن تدمر العسكري. ولمعرفة حال السجن وقتئذٍ، التقت الفراتس به وبدا جوابه في سياق المقارنة التي كثيراً ما يعبّر عنها المعتقل السوري جدلاً بين السيئ والأسوأ.

آنذاك كان العميد محيي الدين محمد يدير سجن صيدنايا، وقد عُرف عنه التعامل مع السجن بقبضةٍ من حديد. دخل يحيى معصوبَ العينين ونجا مِمّا يُسمى داخلياً "حفلة الاستقبال" (وهي استقبال المعتقلين الجدد بالضرب المبرح عند البوابة). بعدها نُقل إلى الطابق الثاني في الجناح "ب" حيث التقى معتقلين من دفعة سنة 1987. 

يقول يحيى: "في سجن صيدنايا كان النوم على فراش من القطن العسكري أمراً لم نعتد عليه في سجن تدمر. كنا نفترش الأرض بعازلٍ من قماشٍ وبطاطين. وكانت أبواب المهاجع العشرين في الجناح الواحد تُفتح الساعة السابعة صباحاً فنصبح أحراراً نتنقَّل بين المهاجع حتى السابعة مساءً. وكان وضع السجن ضمن المعقول بالنسبة لجميع التيارات من إسلاميين ويساريين وشيوعيين وبعثيين عراقيين". 

غادر يحيى صيدنايا نهاية أبريل 1991، في حين كان نور الدين خباز قد اعتقلته أجهزة المخابرات السورية من متجره بحي الميدان بدمشق على خلفية انضمامه إلى حزب التحرير الإسلامي.

يستذكر خباز يوم اعتقاله للفراتس، قائلاً: "صادف يوم اعتقالي الذكرى العاشرة لاعتقال شقيقي أحمد خباز الذي أُعدم ميدانياً في سجن تدمر العسكري بحسب ما علمنا لاحقاً. وقد تولّى مراقبتي قبل اعتقالي العميد علي مملوك رئيس فرع المخابرات الجوية آنذاك، ثم نُقلت إلى إدارة المخابرات الجوية في منطقة باب توما بدمشق لمدة عشرة أشهرٍ، وتعرّضت خلالها لجولاتٍ متكررةٍ من التحقيق والتعذيب، إلى درجة لم أعد قادراً على إنكار التهم الموجهة إليّ".

يضيف: "بقيتُ في المنفردة أربعين يوماً، ثم وُضعتُ في مهجعٍ جماعيٍ مع نحو ثلاثين شخصاً من قضايا مختلفة".

وبحسب الشهود الذين قابلتهم الفراتس كان الطعام والشراب في صيدنايا وقتئذٍ جيدين وكافيين. بل وكان بالإمكان تقديم طلباتٍ خاصةٍ لشراء الأدوية والحليب والطعام وغاز الطهي من خارج السجن. واقتصر عمل المساعد المناوب حينها على إحصاء عدد السجناء يومياً.

بالنسبة للمحرومين من الزيارة، فقد استخدم السجناءُ وذووهم برنامجاً إذاعياً عُرف بعنوان "أبناؤنا في العالم" بثّه الإعلام الحكومي بوصفه صلة وصلٍ بين السوريين وأبنائهم المغتربين. لكن جزءاً من الرسائل التي حملها البرنامج لم تكن موجّهةً إلى المغتربين بل إلى المعتقلين، خصوصاً في صيدنايا. ومع امتلاك جهاز راديو داخل الزنازين أصبح البرنامج إحدى المحاولات القليلة التي لجأت إليها عائلات المعتقلين لتجاوز الصمت الرسمي، كما يذكر جابر بكر في مطولةٍ نشرها في مجلة الفراتس بعنوان: "'أبناؤنا في العالم'.. حين يكون الصوتُ عالَم سجناء صيدنايا". 

أما عن المحاكمات، فيروي خباز مسار محاكمته امتداداً للعذاب والخوف. فبعد مدةٍ من احتجازه نُقل مراراً من صيدنايا إلى محكمة أمن الدولة العليا، حيث كان يُعرض مع معتقلين آخرين على القاضي فايز النوري، مقيّدي الأيدي بسلسلةٍ واحدةٍ داخل ما يُعرف "سيارة اللحمة" (عربة نقل اللحوم). وفي كل مرةٍ كانت الجلسات تنتهي بتأجيل الحكم أشهراً مزيدةً، لتستمر محاكمته على هذا النحو أربعة أعوامٍ كاملةٍ قبل أن يصدر بحقّه حكمٌ بالسجن ستّة أعوامٍ بتهمة الانتماء إلى حزبٍ معادٍ الدولةَ.

لكن مع انتهاء الحكم لم يُفرج عن خباز بل أُعيد وفق آلية تدوير المعتقل من حيث اعتُقل أول مرةٍ إلى فرع المخابرات الجوية في مطار المزة العسكري بدمشق. وهذه آلية اعتادها النظام مع المعتقلين عندما ينهي أحدهم سنوات حكمه المفروضة، فيُعاد اعتقاله مروراً بفروع أمنية أخرى لينتهي به الحال في سجن صيدنايا مجدداً. احتُجز هناك سنةً وثلاثة أشهرٍ إضافيةً، ووُضع مع ثلاثةٍ آخرين في زنزانةٍ لا تتجاوز مساحتها متراً ونصف المتر في ظروفٍ دفعته إلى التوسل للعودة إلى صيدنايا، حسب قوله. 

في هذه الشهادات ثمّة إشارةٌ إلى أنّ المرحلة التأسيسية في صيدنايا لم تتسم بالعنف الممنهج أو الإجرام المباشر بحق المعتقلين. ويستشفُّ من حديث يحيى وخباز أن السجن لربما عكس وضعاً أقل قسوةً مقارنةً بتدمر. وقد وصف بعض سجناء تلك الفترة الذين تحدثنا إليهم بأنها حالةٌ من "الرفاه النسبي". فالسجن بدا أداةً لإعادة توزيع المعتقلين وتخفيف الضغط عن سجن تدمر لا لتغيير جوهر الاعتقال السياسي. وتنسجم هذه الشهادات مع ما وثّقه تقريرٌ صادرٌ عن منظمة العفو الدولية سنة 1987 حول مسؤولية النظام السوري عن شنّ اعتقالاتٍ تعسفيةٍ واسعةٍ واستخدامه ما لا يقلّ عن خمسةٍ وثلاثين أسلوباً مختلفاً من أساليب التعذيب. 

وإن كان لصيدنايا منحىً مختلفٌ نسبياً في عقدَيْه الأوّلَيْن، إلّا أنه تحوّل بمرّ الأيام لاحقاً، لاسيما في مرحلة الاستعصاء (انتفاضة السجناء) سنة 2008، إلى رمزٍ مركزيٍ للإبادة الصامتة في بنية القمع السوري. 


شهدت فترة إدارة العقيد لؤي يوسف ما بين سنتي 2003 و2006 ملامح التوتر المتراكم داخل سجن صيدنايا مع اكتظاظ الزنزانات بالمعتقلين القادمين من مختلف المشارب الفكرية، وتصاعدت الإجراءات العقابيَّة ورسمت حدود علاقةٍ جديدةٍ بين السجّان والسجين.

شكلت حادثة "البورية" نقطةَ تحولٍ في مسار تصاعد التعذيب والقمع داخل صيدنايا، مِمّا مهّد لاستعصاء صيدنايا لاحقاً. ففي نهاية سنة 2005، قَتَلَ معتقلٌ يلقب بأبي سعيد الضحيك شخصاً بواسطة البورية (قطعة حديد من السرير) بعدما سبَّ الذات الإلهية عدّة مرات. وغيّرت هذه الحادثة مزاج مدير السجن يوسف فأنزل أقصى العقوبات بالجميع وأعلن نهاية حالة الرخاء النسبي وبداية مرحلةٍ أشدّ قمعاً.

يروي الشاهد عمار عربي الحلبي للفراتس أن وصوله إلى صيدنايا في منتصف سنة 2006 يعكس طبيعة المكان حينئذ. فمع دخوله أُخذ في حفلة استقبالٍ عنيفةٍ عندما تلقاه أحد العناصر بركلةٍ على صدره أسقطته مغشياً عليه. وبعد إفاقته وجد نفسه مصاباً بكسر في أحد أضلعه مُلقىً في زنزانةٍ صغيرةٍ مع خمسة معتقلين آخرين. لم تتجاوز الزنزانة مساحة مترين، وضمت مرحاضاً صغيراً. وكان المعتقلون وفقاً للحلبي ينامون مصطفّين متعاكسين، رأسُ كلّ واحدٍ حذاءَ قدمَي الآخر. 

الطعام كان وجبتين يومياً. برغلٌ يُسكب على البلاط مباشرةً، وحساءٌ يوضع في كيس نايلون. ويقول الحلبي: "لم نخرج أبداً ولم نرَ الشمس ولا أيّ إنسان. قضيتُ في العزل ثلاثة أشهرٍ وعشرة أيام". وكان ذلك قبل نقله إلى المهاجع الجماعية. 

بالتوازي، كان صيدنايا آنذاك فضاءً مناسباً لتكوين شبكات تواصلٍ وخوض نقاشاتٍ سياسيةٍ ودينيةٍ، وعقد ترتيباتٍ غير معلنةٍ بين المعتقلين في بيئةٍ تتَّسم بالاكتظاظ والرقابة المشددة. وسمحت هذه الحالة بتشكّل علاقاتٍ وتنظيماتٍ داخل السجن انعكاساً لخارجه. 

تشير الشهادات التي وثّقتها الفراتس إلى أن إدارة السجن تعمّدت تبديل مواقع السجناء دورياً في المهاجع بين معتقلي التنظيمات المختلفة من خلفياتٍ كرديةٍ وإسلاميةٍ وجهاديةٍ وشيوعيةٍ وناشطين حقوقيين. ففي مهاجع "ألف يسار" تعرّف عمار على حسان الحلبي (الملقب أبو مجاهد) الذي اعتُقل على خلفية ارتباطه بجماعة فتح الإسلام – وأصبح لاحقاً قيادياً في تنظيم الدولة الإسلامية (داعش). وتعرّف كذلك على إلياس عكة (الملقب أبو خليل)، وهو موظفٌ سابقٌ في مكتب عبد الحليم خدام نائب الرئيس السوري واعتُقل بسبب القضية المرتبطة به.

وسط هذه الظروف، تصاعدت أعمال العنف ضد المعتقلين حتى وصلت ذروتها صباح يوم 27 مارس 2008. ففي زمن إدارة العقيد علي خير بيك وقع الاستعصاء الأول في جناح "ب يسار" بحسب ما ذكره الحلبي، حين انتفض السجناء الإسلاميون إثر تلقّي أحد المعتقلين ضرباً وتعذيباً وسبّاً للذّات الإلهية بحضور خير بك، لتنتقل الانتفاضة إلى جناح "ج يمين" ويتلاقى السجناء من الجناحين في مواجهة قوات الشرطة العسكرية.

تمكن المعتقلون من فتح جميع الأجنحة بعد السيطرة على الطابق الثاني والثالث وسطح السجن. وباءت جميع محاولات خير بيك لاستعادة السيطرة بالفشل، ليرسل النظام آنذاك اللواء سعيد سمور الذي التقى بلجنةٍ من المعتقلين.

كسب المعتقلون نقطةً إضافيةً لصالحهم مع تزامن الاستعصاء مع انعقاد القمة العربية في دمشق، ما اضطر النظام للتهدئة مع السجناء وإنهاء الاستعصاء سلمياً. وذلك بعد تعهد سمور بتلبية جميع مطالبهم، مثل فتح الزيارات وإيقاف الإهانة والتعذيب وإعادة النظر في ملف المحاكمات وتحسين الخدمات، وأهمها التوقف عن شتم المقدسات الدينية.

يؤكد الحلبي للفراتس: "بالفعل تحسنت الأمور كثيراً بعد الاستعصاء الأول وتوفر الطعام وتحسنت ظروف السجن وسمحت الزيارات مجدداً لكن لم تدم الأوضاع لفترةٍ طويلة".

لكن بالمقابل كانت بوادر الاستعصاء الثاني قد بدأت على خلفية عقوباتٍ انضباطية. فبحسب الحلبي شهدت تلك الأيام حالة فوضى مع تراخي إدارة السجن قليلاً وتراكم غضب المعتقلين. ويذكر أنه في صباح الخامس من يوليو 2008 "دخلت قوات الشرطة العسكرية وأغلقت أبواب المهاجع، وشعرنا أننا أمام خيارين، إما الخضوع الكامل أو المواجهة، فقررنا النجاة والمواجهة المفتوحة".

يضيف الحلبي بأن النظام أراد إعادة فرض الطاعة على السجناء والتأكيد أنه لم ينسَ الاستعصاء الأول. ومع اتساع أحداث المواجهة سيطر السجناء على السجن كاملاً هذه المرة، وتلتها مفاوضاتٌ، وتشكَّل مجلس شورى وآخر عسكريٌّ من السجناء. ووفقاً للمتحدث فلم يكن الأمر فوضى، إنما كان هناك تنظيمٌ واضحٌ وطرق توزيع مهامّ حتى إنشاء مستوصفٍ ميدانيٍ بدائيٍ ومطبخ. ويذكر أن السجناء أسروا قرابة ألف عنصرٍ من الشرطة العسكرية، وكان شعورهم أنَّ ميزان القوى اختلَّ لصالحهم.

ما أربك النظام من الاستعصاء الثاني هو التحضيرات الرسمية لزيارة بشار الأسد إلى العاصمة الفرنسية باريس في 12 يوليو 2008. ولهذا السبب سعى النظام جاهداً لإنهائه. فعُزل خير بيك، واستدعى النظام أحد أكثر الضباط صرامةً ووحشيةً، وهو العميد طلعت محفوض المدير السابق لسجن تدمر العسكري. وبتعيينه مديراً جديداً لصيدنايا، بدا أن النظام أعلن تلقائياً عن نقل آليات وأدوات القمع والتعذيب من تدمر إلى صيدنايا.

وقد أشار تقرير رابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا إلى أن محفوض هو مهندس عملية تصفيح السجن وتدعيمه. وهو أحد المسؤولين عن مجزرة سجن صيدنايا سنة 2008 التي أودت بحياة ما لا يقلّ عن 125 معتقلاً خلال محاولة السيطرة على السجن والقضاء على التمرد.

يؤكد الحلبي هذا المعنى بقوله: "شعرنا أن تدمر انتقل إلينا عندما تردد في مسامعي اسم طلعت محفوض وكان ذلك كافياً لنعرف ماذا ينتظرنا". وبهذا تبدو شهادة الحلبي خيطاً ناظماً للربط بين لحظة الانفجار الداخلي سنة 2008 وما تلاها من إعادة هندسةٍ للعنف ومنع تكرار أيّ تجربةٍ تنظيميةٍ داخل جدران صيدنايا وخارجه بطبيعة الحال. 

كذلك يشير الحلبي إلى أن تعامل النظام مع حالة الاستعصاء كان وفق إطار احتواء الأزمة، واستطاع نسج علاقات مع عددٍ محدودٍ من الشخصيات الجهادية. ويتحدث عن علاقةٍ مريبةٍ جمعت العميد طلعت محفوض مع السجين القيادي في فتح الإسلام حسان الحلبي (أبو مجاهد)، وأن الأخير حصل على معاملةٍ خاصةٍ من محفوض في السجن القضائي القريب من صيدنايا بعد نقلهم واستسلامهم في 31 ديسمبر 2008.

في منتصف سنة 2009 أعاد النظام دفعةً من سجناء صيدنايا الذين كانوا قد نُقلوا بموجب ترتيباتٍ أعقبت الاستعصاء، وذلك بعد الانتهاء من ترميم السجن وإعادة تأهيله. وترافق ذلك مع طلاء المبنى باللون الأحمر بعد استعصاء 2008، في خطوةٍ حملت دلالاتٍ رمزيةً إعلاناً عن مرحلةٍ أشدّ قسوةً ودموية.

ومنذ تلك اللحظة بدا كأن السجن أضحى مهيّأً لوظيفةٍ جديدةٍ تتجاوز الاحتجاز، استعداداً لما سيأتي بعد مارس 2011 مع اندلاع الثورة السورية. لتكشف شهادات معتقلين سابقين في صيدنايا خلال سنوات الثورة عن مسارٍ تعذيبيٍ ممنهجٍ، يبدأ بانتزاع أيّ اعترافٍ من المعتقل وينتهي بالقتل تحت التعذيب خلال جولات التحقيق. 


بحسب رابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا في تقريرها بعنوان: "الاحتجاز في صيدنايا" المنشور سنة 2019، خرج آخر معتقلٍ من سجن صيدنايا في 29 يونيو 2011. جاء ذلك عقب إصدار بشار الأسد حزمة مراسيم وُصفت حينها بالإصلاحية، وشملت إلغاء محكمة أمن الدولة العليا وإصدار عفوٍ عامٍّ عن عددٍ من المعتقلين السياسيين، ثم إنهاء العمل بحالة الطوارئ وفقاً للمرسوم 161 في 21 أبريل 2011. وهو ما أحال ملفات المعتقلين من المحاكم العسكرية إلى المدنية، ومن ثمّ نُقل المعتقلون إلى سجن عدرا المركزي (دمشق المركزي) وخرجوا بعدها بما عُرف آنذاك بإجراء "ربع المدة" (أي قضاء ربع مدة الحكم). لكن ما لبث أن أُصدر قانون رقم 19 الخاص بمكافحة الإرهاب في الثاني من يوليو 2012، وتبعه إنشاء محكمة مكافحة الإرهاب وفق المرسوم رقم 22 نهاية الشهر ذاته.

في العودة إلى أوائل المعتقلين الذين أُدخلوا صيدنايا بعد انطلاقة الثورة سنة 2011، التقت الفراتس مع محمد فيصل تعومه، وهو عسكريٌّ منشقٌّ عن اللواء 106 في الحرس الجمهوري في جيش النظام السابق، واعتُقل بعد انكشاف مخطط انشقاقه. يروي تعومه لنا وصوله إلى السجن في ديسمبر 2011 قائلاً: "عندما وصلتُ إلى سجن صيدنايا، بدأ التعذيب فور أن أنزَلونا من الباص على يد جلادين لا يعرفون الرحمة. انهالوا عليّ ضرباً مقصوداً لتكسير العظام وإسالة الدم". 

قابلت الفراتس أيضاً المعتقل السابق محمد حمزة نَضَر، وهو من الناشطين الثوريين في دمشق، واعتقل في أكتوبر 2014.

يصف نَضَر مشهد تجميع المعتقلين ونقلهم من الفروع إلى صيدنايا وصفاً بصرياً دقيقاً: "بدأت عملية نقلي من الفرع 215 [سرية المداهمة التابعة للأمن عسكري]، وخرجنا على شكل أرتالٍ بجنازير تربط جميع المعتقلين عبر نفقٍ يربط الفرع بمبنىً مجاورٍ، ثم أنزلونا إلى النفق تحت الأرض. تجمَّعت هناك دفعات معتقلين من عدّة أفرعٍ أخرى، معظمهم [قال نضر إن معظم معتقلي قسم المستودعات في فرع 248 كانو بلا قيود]، قضوا فتراتٍ طويلةً في الاحتجاز وبدت عليهم آثار التعذيب الشديد".

يردف: "ومع بزوغ الفجر، نُقلنا داخل المبنى إلى شاحناتٍ مخصصةٍ لنقل اللحوم. وخلال المسير تمكنتُ من إزاحة عصبة العين لأرى من ثقبٍ في السيارة ساحة الأمويين وسط العاصمة. بعدها سلكت الشاحنة طريق بلدة التل بريف دمشق، وانتهت حالة التكهن عند رؤيتي لافتةً تُشير إلى بلدة صيدنايا".

ذكر نَضَر الذي وصل صيدنايا في مارس 2015 أنه أثناء نزوله من سيارة اللحمة مكبّلَ اليدين معصوبَ العينين اقترب منه سجّانٌ يُدعى "نمر" شارحاً تعليمات السجن بسرعةٍ، ثم بكى فجأةً وقال للمعتقلين: "ديروا بالكم على حالكم، يلي هون ما بخافوا الله". وأشار نَضَر من باب المفارقة أن المعتقلين كانوا قد أجمعوا على أن نمر ارتكب انتهاكاتٍ جسيمةً بحقّهم وكانوا يلقّبونه "الجزّار نمر".

تطورت أساليب التعذيب في صيدنايا إبان الثورة وتركزت على هوية المعتقل. بدايةً من التعرية الكاملة التي يُجبر عليها المعتقل فور دخوله والتي لا تُختزل في إجراء تفتيشٍ أمنيٍّ، بل تؤدي وظيفةً رمزيةً تنزع آخر طبقات الحماية الاجتماعية والشخصية وتحوِّل الجسد إلى مادةٍ تحت سيطرة السلطة. ويتبع التعرية تجريد المعتقل من اسمه.

يروي للفراتس الشاهد خالد دالاتي الذي وصل صيدنايا في أبريل 2019: "أعطوني رقم 21361 بدلاً من اسمي الحقيقي في حال حُوِّلت إلى المشفى. فسألت نفسي: لماذا المشفى؟ ثم لماذا يُسمُّون واحداً منّا 'عرصة المهجع' [شتيمة تعني القوّاد أو سيّئ الصيت] ليكون رئيساً للزنزانة". 

بعد أيامٍ يقضيها القادمون الجدد في المنفردة، يُخرَج المعتقلون إلى المهاجع الجماعية في ما يشبه طقس عبورٍ قسريٍّ، حسبما ذكره الدالاتي. يقول: "كان صوت الصدى يخيفني كثيراً، شتائم وألفاظ فظيعةٌ وصراخٌ بلا أيّ سببٍ [. . .] يصطفون في ممرٍّ مسلَّحين بأدوات تعذيبٍ متنوعةٍ، وكنا نُجبر على العبور بينهم. وكانت الأرض لزجةً بمادة الديزل [الوقود] والضرب ينهال علينا من كلّ حدبٍ وصوب. انتهت جولة التعذيب هذه مع وصولي إلى الطابق الثاني، وضعوني في الكتلة الخامسة 'ج يمين' المهجع رقم 8".

تتقاطع شهادات المعتقلين لتكشف أيضاً أن الزنزانة في ظلِّ هذه الظروف كانت مختبراً قاسياً لتطوير استراتيجيات مقاومة سلاح التجويع والنجاة تحت ضغط الإذلال. ويوضح تعومه للفراتس طبيعة الحصة الغذائية اليومية التي تتكون من نصف رغيفٍ وأحياناً رغيفٍ كاملٍ، مع قطعة بطاطا صغيرةٍ، وخمس حبات زيتونٍ، ونصف كأسٍ صغيرٍ من الأرزّ. ويردف: "كان التفكير داخل الزنزانة ينحصر بكيفية مقاومة الجوع". 

هنا ابتكر المعتقلون نظاماً أسموه "تسليف الطعام". يمنح المعتقل جزءاً من حصته يومياً لعدة أشخاصٍ مدّة خمسة عشر يوماً، ثم يستعيدها مجتمعةً بعد انقضاء المدة ليحصل على عدّة حصصٍ إضافيةٍ، فيشبع يوماً واحداً فقط كلَّ خمسة عشر يوماً. هذا النظام على قسوته بدا كأنه اقتصادٌ داخليٌّ بديلٌ يؤسِّس على الثقة والتناوب لإدارة الندرة بما يسمح لكل فردٍ بلحظة شبعٍ مؤقتة. وفي قلب هذه الندرة، تتحول غريزة البقاء إلى هدفٍ جماعيٍّ.

يصف نَضَر للفراتس التجويع الممنهج بوصفه مرحلة القتل البطيء وإهانة النفس البشرية. يقول: "منعوا الأكل في إحدى المرات مدة عشرين يوماً، رأيت أشخاصاً يأكلون الأظافر والبطاطين، وآخرين أكلوا البراز وشربوا البول. كان سعيُنا لأن نبقى أحياءً قدر المستطاع".

أما في شهادة الدالاتي تظهر آليةٌ أخرى للبقاء تقوم على إدارة العلاقة مع السلطة داخل المهجع. يذكر: "اختير الشاب علاء رئيساً للمهجع رقم 8 وتلقى التعليمات تحت الضرب: ممنوع التحدث، ممنوع السهر، وممنوع طلب أيّ شيء". يضيف الدالاتي بأنه كان على علاء أن يستلم الطعام منحنياً ويعلن العدد بصيغةٍ مهينةٍ: "سيدي 35 ابن عاهرة ولا يوجد إسعاف". وإذا وُجدت حالةٌ مرضيةٌ فسيُعاقب المريض ورئيس المهجع معاً. 

بهذا لم يكن دور رئيس المهجع محض وسيطٍ، بل دريئةً جزئيةً تمتصّ صدمة العنف الأولى وتمنح بقية المعتقلين هامشاً ضيقاً لتفادي العقاب. وأشار الدالاتي إلى أنه في إحدى الفترات ملأ السجَّانون الزنزانةَ بالطعام والخبز، في مشهدٍ بدا أول وهلةٍ استثناءً من سياسة الحرمان لكنه تزامن مع قرارٍ صارمٍ بعدم السماح بإخراج أيّ بقايا طعام. أمام هذا المنع اضطر المعتقلون إلى إتلاف الفائض ورميه في المراحيض. وهكذا تحوّل الطعام من وسيلة بقاءٍ إلى أداة قهرٍ رمزيٍ يُعرض أمام الجائع بكثرةٍ ثم يُجبر على التخلص منه بيده.

والمفارقة أن هذه الواقعة ليست معزولةً في تاريخ السجون السورية. فقد ذكر المعتقل نور الدين خباز للفراتس نقلاً عمّن قابلهم من سجناء تدمر أنهم شهدوا إدخال كمياتٍ كبيرةٍ من الطعام إلى المهجع ثم منع الاحتفاظ بالفائض وإجبار السجناء على إتلافه. 

يعلق المعتقل محمد فيصل تعومه أن أساليب القتل والتعذيب تصاعدت بوضوحٍ وصارت جزءاً من الحياة اليومية خلال إدارة العقيد محفوض، إذ كان شاهداً على قتل معتقلين بعد الركل المركّز على الصدر. يقول: "كانوا يأمروننا بمدّ أيدينا من تحت باب الزنزانة ليقفزوا عليها بكل قوتهم، أو إخراجها من الشراقة [نافذة صغيرة في باب الزنزانة] لضربها بالعصا أو بكابل كهرباء. كنت أسمع صوت العصا وأشعر بوجودها قبل أن تلامس يدي". 

كذلك ينوّه إلى تحوّلٍ آخر بعد سنة 2013 مع إدخال أدواتٍ جديدةٍ إلى منظومة التعذيب، "بدؤوا باستخدام عصا الكهرباء [. . .] كان صوتها وحده كافياً ليزرع الرعب". وذكر خباز نقلاً عمّن قابلهم من سجناء تدمر أن ضابطاً يدعى "أبو العيون الزرق" كان يأمر السجين بالاستلقاء على ظهره فيضربه على معدته حتى يصيبه نزيفٌ داخليٌ، ثم يضعه في الزنزانة إلى أن يفارق الحياة.

لاحقاً في زمن إدارة العقيد وسيم حسن ثم العقيد الركن أسامة العلي بين سنتي 2019 و2024، يحكي الدالاتي للفراتس عن البعد الإذلالي في صيدنايا، قائلاً: "في الليل كانوا يأتوننا ويضربوننا بلا سبب. وفي إحدى المرات قُتل معتقلٌ نتيجة الضرب فبدؤوا بإلقاء اللوم علينا وأننا نحن من قتله خنقاً في الزنزانة". هنا بدا أنهم يمارسون قلبَ الأدوار واستراتيجيةً نفسيةً تُحوِّل الضحية إلى متَّهم.

يضيف أنه حتى في الاستحمام "كنا نخرج في رتلٍ بوضعية حني الرأس. ندخل إلى أماكن الاستحمام وبمعظم الأحيان لم يكن يوجد ماءٌ، ثم نعود تحت الضرب والركل مجدداً إلى الزنازين. كنت مرغماً على القول بأن الماء ساخنٌ وبأنني استحممت لمدة عشر دقائق، رغم أني لم أستحمّْ". 

وتمتد آلة التعذيب لتشمل الاستشفاء من آثارها. فمنذ بداية الثورة لم يكن الطبيب في سجن صيدنايا يُعنى بممارسة دوره كما يخبرنا تعومه. ويسهب: "كان الطبيب يزور المهاجع صباحاً ويسأل عن المرضى ويهدد بقتل أيّ معتقلٍ يعترف بمرضه أو بوجود مريضٍ، ومن ثم بوضعهما في كيس الموتى ونقلهما مع الجثث إلى المجهول. وكان يشتم المعتقلين ويعذِّبهم ويسخر من أجسادهم الهزيلة ثم يخرج ضاحكاً بصوتٍ مرتفع". 

يضيف تعومه أنه في سنة 2014، أخرج الطبيب مريضاً مدة ربع ساعةٍ ثم أُعيد ووُضع عند باب المرحاض داخل المهجع، "أُجبرنا تحت الضرب على التعرِّي والدخول والخروج من المرحاض مراراً، وكان علينا الدعس على المريض في كلّ مرّةٍ حتى توفّي نتيجة الدعس المتكرِّر فقتلناه بأرجلنا بناءً على أوامر السجّان". 

المفارقة أنه في بداية العام نفسه، كان العالم خارج السجن يضجّ بصور قيصر الشهيرة، المقرونة في تقرير قيصر الذي وثّق حوادث قتل آلاف المعتقلين السوريين قتلاً منظَّماً. وحينها ظنّ السوريون أن نشر صور أبنائهم الذين قضوا تحت التعذيب سيُحدث صدمةً عالميةً قادرةً على إرباك النظام السوري، أو دفع المجتمع الدولي إلى اتخاذ خطواتٍ تُلزمه بوقف الاعتقالات التعسفية وقتل المعتقلين وفتح تحقيقاتٍ دولية. غير أن ما حدث كشف عن قدرة النظام على التكيُّف مجدداً.

فبدل أن يؤدي تسريب الصور إلى تغييرٍ في السياسات، تعاملت السلطات مع الحدث خرقاً أمنياً وجب احتواؤه. واقتصر الرد على تشكيل لجنة تحقيقٍ لمعرفة المسؤول عن التسريب. وعُدِّلت آليات العمل داخل المنظومة نفسها مثل تغيير موقع تصوير الجثث، وتعيين ضابطٍ أكثر ولاءً لإدارة عملية التوثيق. وذلك بحسب ما قاله فريد المذهان، الضابط السابق الذي سرَّب صور الضحايا والمعروف بِاسم "قيصر" في لقاءٍ مصوَّرٍ بثّته منصة "بدون ورق" في أكتوبر 2025.

يروي الدالاتي أنه حتى بعد صدور "قانون قيصر" بمدةٍ – وهو تشريعٌ أمريكيٌ صدر سنة 2020 بادعاء حماية المدنيين السوريين ومعاقبة نظام الأسد – نُقل إلى مشفى تشرين العسكري في نوفمبر 2021 بسبب فتقٍ في الحوض. وذكر للفراتس: "كان المشفى مسلخاً بشرياً. أجروا لي عمليةً ثم ضربوني عشرات المرات فقط لأنني مريض. شاهدتُ قتل مرضى لأنهم يتألَّمون، وحقنَ أحدهم حتى الموت، وخلال عشرة أيامٍ رأيتُ أربع جثثٍ تُنقل من غرفتي".

وبحسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان في تقريرها سنة 2018، بلغ عدد المعتقلين 127593 معتقلاً في المدة بين مارس 2011 وأغسطس 2018، منهم نحو اثنين وثمانين ألف مختفٍ قسرياً. وكان صيدنايا محطةً رئيسةً بعد عدة جولاتٍ في الأفرع الأمنية.

ومن ثم يشير تقرير رابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا إلى أن نحو ثلاثين إلى خمسةٍ وثلاثين ألف معتقلٍ في سجن صيدنايا قضوا نحبَهم بين سنتَيْ 2011 و2021 نتيجة الإعدام المباشر أو التعذيب. كذلك ارتبطت وفياتٌ أخرى بظروف الاحتجاز القاسية، مثل الحرمان من الرعاية الطبية والتجويع المتعمَّد. وأضاف التقرير أنه ما بين سنتَيْ 2018 و2020 أُعدم ما لا يقلّ عن خمسمئة شخصٍ كانوا قد دخلوا في ما سُمّي بالمصالحات أو ما يُعرف بتسوية الوضع. 

ووسط هذا السيل من الشهادات الصادمة، وبعد تحليل ومراجعة ما لا يقل عن عشرين مقابلةً أجريتُها مع معتقلي صيدنايا، لفت انتباهي أمرٌ كرّروه دائماً: "كنا نشعر بالخطر قبل حدوثه". وكأنه تبيانٌ لحالةٍ تطورت فيها لدى المعتقلين حاسةٌ للإنذار المبكر إستجابةً لواقعٍ غير سويّ.

هي حاسةٌ تولدت تحت ضغط العنف المتكرر مثل صوت الحذاء، وصفير الكابل أثناء الضربة، ونبرة السؤال، والصراخ، ورائحة الوقود، وصوت الحديد والأبواب، ورائحة الصدأ، ومزاج السجّان، وبذاءة الشتيمة، وصولاً إلى الأدوات نفسها. فلكل أداةٍ صوتها وملمسها وإيقاعها. ومع الوقت يلتقط الجسد الإشارة قبل وقوع الفعل وكأنه أرشيفٌ حسّيٌّ للعنف، أرشيفٌ لا يُبنى من الوثائق أو التواريخ، بل من الأصوات والروائح واللهجات والشتائم. 

كذلك تُشكِّل أسماء السجّانين وألقابهم جزءاً من هذه الحاسَّة. إذ يلجأ المعتقلون إلى تلقيب السجّان المجهول لتركيب هويةٍ له في ظلِّ عدم معرفة اسمه. ويحدث ذلك بناءً على شكل جسده، وطريقته في الحركة، وأسلوبه في الضرب أو الشتيمة. مثل علاء عباس "أبو بزقة" (لأنه كان يبصق في أكل المعتقلين)، وسليمان الحسن "أبو رجل كبيرة"، وألقابٍ أطلقوها مثل "أبو الحنفيات" أو "أبو البوط الرين" أو "أبو البدلة الصحراوية" أو "أبو الليل". ومنها أن يُلقَّب المساعد أوس سلوم "عزرائيل"، أو المساعد منهل سليمان "أبو الأظافر"، أو الطبيب الدكتور لجين "قَرِّب"، الذي ارتبط في ذاكرة المعتقلين بكلمةٍ واحدةٍ كان يكررها أثناء الكشف الطبي وتعني بدايةَ تعذيبٍ أو نقلٍ إلى المشفى. 

هذه الدائرة المغلقة من الإذلال قد تكشف أن الهدف ليس المعلومة، بل تدنيس الذاكرة أو المخيلة الخاصة بالسجين ومعاقبته بها. ويرتبط هذا بما قاله عالم النفس ستانلي ميلغرام في كتابه "أوبييدينس تو أوثوريتي" (طاعة السلطة) المنشور سنة 1974، بأن الأفراد قد ينفِّذون أفعالاً تتعارض مع ضميرهم عند وضعهم تحت سلطةٍ صارمةٍ وأن الطاعة تتحول إلى خيارٍ آمنٍ لهم.

ومن هذا المنطلق يمكن فهم شخصية السجَّان في صيدنايا بكونها نتاج تداخل ثلاث طبقاتٍ من الدوافع. الأولى طبقةٌ انتقاميةٌ يُسقِط فيها السجّان صراعاته السياسية والفكرية على جسد المعتقل. والثانية طبقةٌ شخصيةٌ هشَّةٌ يفرغ فيها أزماته الخاصة عبر ممارسات القسوة اليومية. أما الثالثة فهي الطبقة المؤسسية، التي تمنح فيها المؤسسة الأمنية غطاءً شرعياً للعنف فتتحول الأفعال الفردية إلى جزءٍ من منظومة قمع.

يمثل هذا التداخل بين الفرد والمنظومة محور اهتمام عددٍ من علماء النفس الذين سعوا لفهم حدود الطاعة والعنف. فقد أظهر ميلغرام في ما يسمى "اختبار ميلغرام"، الذي يدرس تجريبياً مدى انصياع الأفراد للسلطة، كيف يمكن للأفراد أن يمارسوا الأذى عندما يتلقون أوامر من سلطةٍ عليا. لاحقاً ذهب صديق ميلغرام، عالم النفس فيليب زيمباردو، أبعد من ذلك عبر "تجربة سجن ستانفورد" سنة 1971. إذ أحضر عدة طلابٍ من جامعة ستانفورد حيث درَّس ليلعبوا أدوار سجانين ومعتقلين، في محاكاةٍ للواقع. تدهور الأمر في غضون أيامٍ قلائل بأن تطورت لدى الطلاب السجانين حاسةٌ بالسلطة فاضطهدوا زملاءهم الذين لعبوا دور المعتقلين.

وخلص زيمباردو إلى أن البيئة المؤسسية والنظام القائم يلعبان دوراً حاسماً في إنتاج العنف. فعندما تُمنح السلطة المطلقة دون رقابةٍ أو مساءلةٍ، تتحول القسوة إلى سلوكٍ طبيعيٍ داخل المنظومة. وبذلك لا يصبح العنف في صيدنايا مجرد انحرافٍ فرديٍ، بل لعلَّه عملٌ منظمٌ تسمح به السلطة وتشرعنه. 


ليلة الثامن من ديسمبر 2024 سمعَ المعتقلون صرخاتٍ وأصواتاً داخل السجن فظنوا أن عملية إعدامٍ جماعيٍ قد بدأت. يسرد الدالاتي للفراتس تفاصيل هذا الموقف: "عند الساعة الحادية عشرة والنصف ليلاً تقريباً سمعنا صراخاً في مكانٍ ما داخل السجن ثم عمَّ الهدوء. وبعد نحو ساعتين، أي قرابة الساعة الثانية فجراً، سمعنا أصوات صراخٍ عاليةٍ جداً. حينئذٍ اعتقدنا أنهم بدؤوا بقتل المعتقلين جميعاً. وبدأنا نتشهَّد ونودَّع بعضنا بعضاً، ولم نلبث قليلاً حتى سمعنا أصوات كسرٍ للأقفال وإطلاق رصاص. بعض المعتقلين بدؤوا يضربون الأبواب ويصرخون 'الله أكبر'. ظننَّا أن هناك استعصاءً جديداً داخل السجن. كنت خائفاً من كاميرات المراقبة وقلنا لبعضنا إن السجَّانين قد يعاقبون من يشارك في الاستعصاء لذلك حاولنا ألا نفعل شيئاً. كنا خائفين جداً. وكلما اقتربت الأصوات من الزنزانة ازداد توترنا. ارتدينا البدلات البيج الخاصة بالسجن واختبأ بعض المعتقلين في المرحاض. كنت أعتقد أن قوات الفرقة الرابعة اقتحمت السجن وأنهم يقتلون الجميع".

لم يكن فتح أبواب صيدنايا مجرد حدثٍ دراميٍ خلال مسار معركة ردع العدوان التي أسقطت بشار الأسد بل انهياراً لرمزٍ مركزيٍ لمنظومة العنف المؤسسي في سوريا تطورت تدريجياً حدّ التوحش. فالمكان الذي بدا أنه دُشّن معتقلاً لتخفيف الضغط عن سجن تدمر سيّئ الصيت في الثمانينيات ولاحتجاز المعارضين، ترسخ وجوده عبر السنين أداةً لإخفاء البشر وتحطيمهم، ثم "مسلخاً بشرياً" مع الثورة السورية. إلى أن تحوَّل إلى فضاءٍ مفتوحٍ يخرج منه الشهود والأحياء والقصص.

بهذا اكتسبت لحظة خروج المعتقلين بعداً يتجاوز التجربة الفردية وتحولت إلى لحظةٍ تأسيسيةٍ في ذاكرة السوريين الجمعية، فانتقل السجن من مكانٍ للغياب القسري والخوف إلى شاهدٍ على سقوط النظام الذي جعل العنف مؤسسةً قائمةً بذاتها.

اشترك في نشرتنا البريدية