على أن اتهام المهلب بالسحر قد لا يكون عفوياً. فاختيار الأزارقة تسميته "المزوني" في هذا السياق، في وقت عُرفت فيه المزون بالسحر والكهانة، ساءَ المهلَّب. يظهر هذا في مراسلته الحارث بن أبي ربيعة، والي عبد الله بن الزبير على البصرة يبشِّره بانتصاره على الأزارقة. كان الحارث هنأه بالنصر بقوله "هنيئاً لك أخا الأزد"، وهو ما علَّق عليه المهلب بانتقاد نسبته للأزد بدل ذكره باسمه واسم أبيه. فكأنما الحارث تخطّى نسبة النصر إلى شخص المهلب وتدبيره، بأنْ جعله نصراً لقومه الأزد المستوطنين في مزون، فجعل السحر الذي يدعيه الأزارقة مزونياً أزدياً خالصاً.
يعود ارتباط عُمان بالسحر والكهانة إلى تراكمٍ تاريخيٍ تظافرت فيه نصوصٌ أدبية وتاريخية. مثل المقامة العمانية للحريري والمدونات التراثية المرتبطة بالمذهب الإباضي. إضافة إلى الروايات الشعبية، وكتابات الرحالة. تربط هذه المرويات سمات المكان بهذه العلاقة، التي ترسخ في الذاكرة الجمعية، فتتحول إلى وسائط لفهم العالم والتقاطع معه. ويتعزز هذا المسار في سياقٍ جغرافيٍ وتاريخيٍ يفرض إحساساً مضاعفاً بالغموض وحدود القدرة الإنسانية، فينشأ ميلٌ إلى ردّ ما يتعذَّر فهمه إلى قوىً غير مرئية.
وتحتل مقامات الحريري منذ كتابتها في القرن الخامس الهجري مكانة بارزة في هذا الفن. بل هي من أبرز مؤلفات الأدب المنثور في التراث العربي القديم، التي تلقاها خاصة الناس وعامتهم بالقبول في زمن الحريري وبعده، واشتغلوا بها حفظاً ومدارسةً وشرحاً.
لا تقتصر أهمية المقامة على محتواها الأدبي وما فيها من صناعة لفظية مشتملة على المحسنات البديعية وغيرها، بل تمتد إلى ما فيها من المضامين والمُتخيَّلات التي تحمل إشارات تاريخية وتوثيقاً اجتماعياً. ولذلك، لا يبدو ذِكْر السحر في المقامة العمانية صدفة، بل هو أمرُ قصد به الحريري الإشارة لارتباط السحر بأرض عمان، وما زال هذا التصور حياً في المخيلة الشعبية داخل عُمان وخارجها.
تبدأ المقامة العُمانية كغيرها من مقامات الحريري بذكْرِ الحارث بن همَّام، الرواي الذي أسند له الحريري كل مقاماته. فتذكر حبّه الارتحالَ والسياحة، وأنَّه بعد سأمه من السفر برّاً قرر السفر بحراً إلى مدينة صحار في الساحل العُماني الشمالي المطلّ على بحر عُمان. وعند انطلاق السفينة متّجهةً إلى صُحار سمع الحارث ومن معه أبا زيد السَّرُوجي، بطل كل مقامة وشخصيتها الرئيسة، ينادي عليهم أنه مسافر انقطعت به السبل ويطلب منهم اصطحابَهُ معهم.
ركب أبو زيد معهم من البصرة، موطن الحارث والحريري. قصدت السفينة السفر عبر الخليج العربيّ مروراً بمضيق هرمز، وصولاً إلى الساحل الآخر المطل على بحر عُمان ليصل بعدها إلى صُحَار. إلا أنَّ الريح لم تواتِها، فجنحت إلى جزيرة قريبة إلى أن تهدأ الريح، ويسكن موج البحر.
الأمر الذي لا يخلو من تهكُّم أن أبا زيد علَّم مَن في السفينة تعويذةً تقي المسافر أهوال البحر قبل هبوب الريح العاصفة. وأكد نجاعة هذه التعويذة بقوله "وإنَّ معي لَعوذة، عن الأنبياءِ مأخوذة، وعندي لكم نصيحة، براهينها صحيحة"، إلى أن "صاح صيحةَ المباهي" بحسب الحارث، وقال: "أتدرون ما هي؟ هي والله حِرزُ السَّفْر [أي المسافرين]، عند مسيرهم في البحر، والجُنَّة [أي الوقاية] من الغمّ، إذا جاش [أي هاج واضطرب] موجُ اليمَّ [أي البحر]". وإمعاناً في تحريضهم على استعمال التعويذة، أكد أنها أنجت نبي الله نوحاً من الطوفان.
يشير استعمال الألفاظ المستخدمة في المقامة للسحر. فقد ورد في معجم الدوحة التاريخي عند تفسير العُوذَة أنها "مَا يُرْقَى بِهِ الشَّخْصُ مِنْ سِحْرٍ. وكذلك ورد في ذات المعجم عند تفسير الحِرْز أنه التَّمِيمَةُ التي"تَقِي حَامِلَهَا مِنَ المَخَاطِرِ كَالعَيْنِ، وَالمَرَضِ، وَالسِّحْرِ." لذا، وإن كان اللفظان في أصل استعمالهما اللغوي دالين على الالتجاء والحفظ والصون، فإنهما يدلان على خوف السحرة وتعاويذ الكهنة.
الحارث لم يدرك ابتداءً أنّ ابنَ السبيل هو أبو زيد. لكنه استنتج أنْ فصاحة الرجل وبيانه العالي لا يكونان إلا لأبي زيد، فسأله إن كان هو. وكعادته في المقامات، لم يكشف أبو زيد هويته إلا بعد أن شك الحارث وسأله. وحيلة البيان وفصاحة اللسان سلاح أبي زيد الأقوى في جميع المقامات.
هذا يحيلنا إلى اللون الأدبي المسمّى "سجع الكهَّان"، الذي استُعمل قبل الإسلام. استعمل الكهان والرهبان في ذلك الوقت السجع "في الصيغ السحرية، وصيغ اللعنات والتوسلات والطلاسم،" كما يشير توفيق الفهد، مؤسس قسم الدراسات العربية والإسلامية في جامعة ستراسبورغ للعلوم الإنسانية، في كتابه "الكهانة العربية قبل الإسلام" المنشور سنة 1984. وفي كتابه "أسجاع الكهّان" المنشور سنة 2013، يفسر ياسين عبدالله جمول هذا الاعتماد على السجع بتحوله أداةً لترميم نقص الكلام عن كمال إدراك المغيَّبات. ويضيف سبباً آخر: السجع مرتبط عند الناس بالصدق. استخدم أبو زيد هذه الحيلة تمهيداً للناس بأن يصدّقوا عوذَته وحرزه، فيقول: "ثم قرأ بعض أساطير تلاها، وزخارف جلاها"، فالزخرف المقصود هو السجع وتوافق الوزن والجرس الكلامي.
انتظر الحارث وأبو زيد ومن معهم في السفينة هدوء البحر ليكملوا رحلتهم إلى صُحار. إلا أنّ هيجان البحر امتد حتى أوشك زادهم على النفاذ. فأوعز أبو زيد للحارث السيرَ في الجزيرة علَّهم يجدون الميرةَ والطعام من أهلها، بيد أنهم تفاجؤوا بقصر عالٍ حوله "عبيد" متجَهِّمون، يعلوهم حزن وأسىً، فاستخبرهمُ الحارث وأبو زيد عمّا حلَّ بهم فلم يجب أحد منهم بشيء.
الطريف أنَّ أبا زيد السروجي، الواعظ المبلِّغ في ابتداء المقامة، لم يُطِقْ هو والحارث إعراضَ "العبيد"، فشتمهم بقوله: "شاهتِ الوجوه، وقَبُح اللُّكعُ [أي اللئيم الأحمق] ومن يرجوه". وبعد تعبيرهما عن الاستياء بالشتائم، بادرهم "عبدٌ" مسِنٌّ قائلاً: "يا قوم لا توسِعُونا سبّاً، ولا تُوجعونا عَتباً"، وبرر لهما شغلهم عن الجواب: "إنَّا لفي حزنٍ شامل، وشغلٍ عن الحديثِ شاغل". وجدها أبو زيد فرصة ليَكشف لهم عن نفسه، وأنه العراف الخبير والكاهن البصير. فأخبره المسنُّ أن ملك هذه الجزيرة يرجو الولدَ منذ زمنٍ طويل، وجعل يتخيّر حِسَان النساء وأنجبهنّ للولد طمعاً في ذلك، إلا أنه لم يُرزق بما أراد. ثم حمَلَت إحدى زوجاته بعد طول انتظار وترقّب، ففرح لذلك وكلُّ أهل الجزيرة. وفي وقت الولادة، تعسّر خروج المولود عسراً كبيراً مما كاد أن يودي بحياة الحمل وأمّه، ولم يجدوا للأمر حلاً.
بعد سماع سبب ضيق "العبيد"، بدأ أبو زيد عمله السحري. فدلل على دعواه الكهانة بتميمة وعزيمة قال إنها تطلِق الحمل من رحم أمه. وكانت أول أساليبه الإيهام. فقبل أن يبدأ السحر طلب قلماً مبرياً، مع زعفران مسحوقٍ في ماء ورد ليكون حبراً للقلم. وطلب حجر الزبد البحري ليكتب عليه عزيمته السحرية. جيء له بطلبه، فقام بطقوسٍ معينةٍ لإيهام الحاضرين باستجلاب قوىً خفية كعادة العرافين وأهل الكهانة. يصف الحارث المشهد بقوله: "فسجد أبو زيد وعفَّر، وسبَّح واستغفر، وأَبعَدَ الحاضرين ونـفَّر، ثم أخذَ القلم واسحنْفَر، وكتب على الزَّبد بالمزعفر [. . .]". أي إنه سجد ومرَّغ وجهه في التراب، وبعد التسبيح والاستغفار أبعدَ الآخرين عنه، ثم كتب عزيمة الطلق بسرعة وعجل، مُعطياً جوَّاً طقوسياً لسحره.
تبنَّى في أسلوبه الثاني السخرية. فلم تكن عزيمته على حجر الزبد نصاً مقدّساً ولا طلب عونٍ خفي، بل كتب أبياتاً تحثّ الحمل ألا يخرج من بطن أمِّه بل أن يبقى مكانه، كونه في مكان لا يخالط فيه الناس ولا يناله أذاهم. وحذّر أبو زيد الجنين من نفسه وأنه راقٍ مخادع بقوله:
"فاستدِم عيشكَ الرغيدَ وحاذِرْ أنْ تبيعَ المحقوقَ بالمظنونِ
واحترسْ من مخادِعٍ لكَ يرقيـــكَ لِيُلقيكَ في العذابِ المُهين"
وإمعاناً في التهكُّم والاستهزاء فيما يظهر للمتأمل، وإكمالاً لطقوس الكهانة فيما يظهر لمن حول أبي زيد، تفل أبو زيد مئةَ تفلةٍ على ما كتبه من أبيات بعد أن مسحه على غفلة من الحاضرين وطوى حجرَ الزبد في قطعة حرير مُطيّبةٍ بعطر، وأوصى ألا تمسها يد امرأةٍ حائض، وأن تعلَّق العزيمة في فخذ الأم.
مضى الحريري في تفكيكه وهدمه القدرةَ السحرية بسخريته من وَهْم الناس بقدرة أبي زيد الخفية بما حصل بعد نجاح عزيمته وخروج الولد. فقال على لسان الحارث: "فامتلأ القصرُ حبوراً، واستُطير عميده وعبيده حبوراً، وأحاطتِ الجماعة بأبي زيد تثني عليه، وتُقبِّل يديهِ، وتتبرَّك بمساسِ طِمرَيْه، حتى خُيِّل إليَّ أنه القرني أويس، أو الأسدي دُبيس." تبدو مهابة أبي زيد في هذا الوصف آخذة بطرفين: مهابة روحية أخروية تتمثل في الرجل التقي المبارَك المُشبَّه بأويس القرني التابعي، ومهابة مادية دنيوية تشبه مهابة ملك عاصره الحريري. يهدم الحريري هذا البناء القدسي بأنَّ أبا زيد استعمل العلاج المادي متمثلاً بحجر الزبد البحري. وربما لو دققنا لوجدنا وعيَ أبي زيد بالعامل النفسي للمريض ولمن حوله سبباً مُهَيِّأً لنجاح عزيمة الطَّلْق. فما طقوس عزيمته الروحية إلا ظاهراً لعوامل أدركها ليأخذ منهم الاعتقاد الجازم بأنه لن يخيب في تميمته المدّعاة.
فكَّك الحريري الصورة المتخيلة عن القدرة السحرية بالتسبيب بالمنطق في أسلوبه الرابع. إذ أحال ما حدث للسَّبب الطبيعي المادي. فامتناع الجنين من الخروج علّة جسمية علاجها طبي. لذلك لم تمرَّ برهة قصيرة إلا وخرج الولد من رحم أمه إلى الحياة. وبرر الحارث الأمر بقوله: "اندَلَق [أي خرج بسرعة] شخص الولد، لخصّيصي الزبَد [أي لخاصيّة موجودة في الزبد]". "فقد أحال الحريري على لسان الحارث أن سبب خروج الولد ليس إلا بسبب خاصية موجودة في حجر الزبد البحري، وليس بسبب عزيمة أبي زيد".
ويؤكد قِدَم هذا التصور ما ورد من استنطاق الكهنة العمانيين الحيوانَ في وقت متقدم. ففي معجم "لسان العرب" كتب جمال الدين ابن منظور المتوفى سنة 1312 في مادة (نَزَف): "قالت بنتُ الجلندى ملك عُمان حينَ أَلْبستِ السُّلَحْفاةُ حليَّها، ودخلت البحرَ، فصاحت: نَزَافِ نَزَافِ ولم يبقَ في البحرِ غيرُ قَذافِ، أرادت انزفنَ الماء ولم يبق غيرُ غَرفَة". والمقصود بملك عمان الجلندى بن المستكبر، الذي حكم عمان قبل الإسلام، وأدرك ابناه الإسلام. ويذكر توفيق الفهد هذا اللون من الكهانة باستنطاق الحيوان في كتابه "الكهانة العربية قبل الإسلام"، المنشور سنة 2007، بعد ذكره السجع واستعماله من الكهان في الأعم الأغلب في ذلك الوقت: "وأنه كان من المفترض [أي السجع] أن يفهمه الجن والحيوانات، فذلك يشير إلى أنّ استعماله يرقى إلى عهدٍ طاعنٍ في القِدم".
ومن ذلك ما ذكره المؤرخ العماني عبدالله السالمي في كتابه "تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان" المطبوع سنة 1931 عن قصة أوردها شعراً في أكثر من خمسين بيتاً لقائل لم يذكر اسمه. وقعت القصة سنة 1696 في عهد دولة اليعاربة. وهي أنّ فتاة عمرها ست سنوات من بلدة سمد بمدينة نزوى العمانية ماتت، وعند تجهيزها للدفن نصح أحد أقاربها بعدم دفنها لأنها ليست ميتة وإنما مسحورة. لم يستجيبوا له ودفنوها، وبعد فترة شكوا بأنها مسحورة، فنبشوا القبر ولم يجدوها. وبعد سنين وجدها أحد فتيان قريتها مع فتاة بدوية ترعى الغنم، فأخذها إلى أهلها الذين عرفوها بعد اختبار. وذكرت البنت أنّ رجلاً جاءها بعد دفنها وسَحَبها من يدها وألقى بها عاريةً في الصحراء إلى أن رآها مجموعةٌ من البدو فأخذوها معهم، وذكر راوي القصة أن ما وقع للفتاة هو سحرٌ لا محالة.
فيظهر أنّ فلاناً الذي مات منذ سنين وجدوه يمشي في السوق ثم يختفي. وتنتشر قصص بأنّ بعض الحيوانات تشكُّلٌ لفلان ابن فلان الذي مات، فيقولون عند مرورها "هذا السنور حياة فلان بن فلان" أو "هذا الكلب حياة فلان الفلاني" أي فلان الذي كان حيّاً.
ومثل هذه الأساطير المنتشرة في عُمان بعودة الميت حياً، اصطلح الناس على تسميتها (المَغايِبة) وهو جمع مُغَيَّب، أي الذي غيّبَه السّحَرَة بأنْ أكلوه أو قتلوه قرباناً للجن الذي يستعين الساحر بهم. ويعني المصطلح أن الشخص ليس ميتاً بل هو غائب أو مأخوذ أو مسروق أو مختف. ويُزعم أن هذا الاعتقاد ذُكر في الحديث النبوي، غير أنه لا يوجد دليل يدعم هذا الادعاء. وذلك بحسب سمير العدوي ورستم بورجورجي وإحسان العيسى في بحثهم "مو غايب: أ كَلْتشر سبسيفك رِسبونس تو بريفمنت إن أومان" (المغايب: استجابة خاصة بثقافة معينة للفقد في عمان)، المنشور سنة 1997. فيفترض مفهوم المغايب سرقة الأفراد الموتى من أسرهم بواسطة ساحر اكتسب قوته من فعل مروع لا يوصف، مثل أكل أطفاله. ويضع الساحر تعويذة على الشخص المختار بدافع الحقد الخالص، أو أحياناً لأسباب أخرى. ونتيجة لذلك، يظهر الشخص المستهدَف كأنه ميت أو "تعرض لموت مفاجئ"، في حين أنه في الواقع لا يزال حياً.
وكما في المسار المعتاد لطقوس الحداد، تغسل الأسرة ميتها وتدفنه، بحضور أقاربه وأصدقائه. وبعد الجنازة، تلتزم الأسرة المفجوعة عادة بفترة حداد تمتد ثلاثة أيام أو أكثر، بحسب الوضع الاجتماعي والاقتصادي للمتوفى والمجتمع الذي ينتمي إليه. يبدو أن حداد الأسرة والأصدقاء والمعارف على المتوفى يشير إلى قبولهم بواقع الفقد. غير أنهم يواصلون الاعتقاد بأن هؤلاء الأفراد لا يزالون أحياء. ولذلك، يُتوقع منهم أن ينهضوا من القبر، وأن يتنقلوا ليعيشوا وجودا ظلياً، ينامون عراةً في كهف أثناء النهار، ويخرجون ليلاً للتجوال في الأرياف، ويتغذون على الأوراق، وينفذون أوامر الساحر، السيد أو المتحكم.
في هذه الفترة، قد يرى أفرادُ الأسرة والأصدقاء موتاهم ليلاً على هيئة أطياف شبحيَّة. وبدلاً من ذلك، قد يُبلّغ عن رؤيتهم وهم يرتدون ملابس عادية في النهار داخل سيارات تمر بسرعة، أو في مواقف أخرى يصعب التحقق منها. ولم يُروا قط عراة، لأن ذلك يتعارض مع الحشمة بحسب الدراسة نفسها التي توثق تفسيرين لردة الفعل هذه. أولهما العلاقة بين عمان وإفريقيا، إذ حكمت عمان أجزاء من شرق إفريقيا من 1696 حتى 1964 بربطها بقصة سجلت حالات دعت فيها أسر المتوفين معالجاً تقليدياً من إفريقيا، يعرف باسم "منغانغا"، للمساعدة في تحرير أحبائهم "المسحورين"سنة 1995.
يُحيل السبب الثاني إلى خصوصية الثقافة العمانية أكثر من الارتباط بالمعتقدات الإسلامية. إذ تقع عمان على الحدود الجنوبية الشرقية لشبه الجزيرة العربية، وتطل على بحر العرب وبحر عمان، والخليج العربي عبر مضيق هرمز. وتُعد عمان الأكثر عزلة، إذ يحيط بها البحر من ثلاث جهات، والصحراء الرملية الشاسعة للربع الخالي من الجهة الرابعة. وكانت اتصالات البلاد بالعالم الخارجي، مع استثناءات قليلة، اتصالات عبر البحر. أما الصحراء، فقد كانت في المقابل حاجزاً يفصل عمان عن الاتصال الوثيق بداخل شبه الجزيرة العربية. يذكر الكاتب العماني خالد المعمري، في مقاله "المُغَيَّب في كتب التراث العمانية" المنشور في جريدة عُمان سنة 2024 في هذه المسألة: "وجاء ارتباط المغيّب بعالم السحر والسحرة الذين يقومون بأدوارهم في قتل الناس في إشارة إلى الخوارق العديدة التي تقام على أيدي السحرة، ومعها يمكن للمسحور بطريقة أو بأخرى بحسب الروايات الشفوية المتداولة العودة إلى عالم الحياة فارّاً من سطوة الساحر إلى عالم التغييب، وهنا دارت ألسنة الناس بكثير من الحكايات والقصص، جعلت من هذا العالم خيالياً إلى حدود لا يقبلها العقل البشري، فإلى أي حد يمكن عودة الميت إلى الحياة في هيئة فاقد للإدراك أو متلبس بصكوك ونذور أقامها عليه السحرة".
ومثل هذه القصص التي لا تزال شائعة في عُمان دفعت المفتي العام أحمد الخليلي للظهور في برنامج يبث على قناة عُمان ليجيب عن مسألة المغيَّب قائلاً إنها لم تقع قط ومؤكداً أنها شائعة بين الناس حتى أنه بنفسه تابع قضيتين في هذا الجانب وتبين الكذب وخرج بعدها بسنوات مساعد المفتي للحديث عن هذا الموضوع في برنامج يبث على القناة التلفزيونية نفسها قائلاً إن هذا ضرب من الخرافة.
وحكى الحجري أيضاً عن الرحالة الإنجليزي جيمز ويلستد الذي زار عمان سنة 1835. وصف ويلستد البدو فيها أنهم "يؤمنون أشد الإيمان بالخرافات وقوى السّحَرَة والمشعوذين في تحويل البشر إلى معز". وفي كتابه "وسط الجزيرة العربية وشرقها" المطبوع سنة 2001 عاب وليم بلجريف، أحد أشهر الرحالة الإنجليز الذين زاروا وكتبوا عن الجزيرة العربية في القرن التاسع عشر، على أهل عمان التي زارها سنة 1863، "انتشار الفن الأسود (السحر) سواءً أكان حقيقةً أم ادعاءً، والإيمان إيماناً خرافياً بالسحر، أو إن شئت فقل الشعوذة ليس إلا، ومع ذلك فالناس يعتقدون بها ويمارسونها علانيةً".
ومنهم الرحالة الإيطالي فينزنزو الذي زار عمان في القرن التاسع عشر وسماه سلطانها الشيخ منصور. أورد عمرو مجدح في مقال بعنوان "طبيب للسلطان أم جاسوس لفرنسا؟ الرحالة الإيطالي الشيخ منصور في عمان" منشور سنة 2023، حكاية فينزنزو "السحر وأعاجيبه المنتشرة في البلاد" مثل مسخ السحرة البشر عنزاً".
"وحدثني منهم فتىً غير كاذب ببهلا صديق لا يزال مُصاحِبي
وقال الخبير: السحر سحران عندنا فسحر لذي ظلم، وسحر الملاعب
ذووا الظلم منهم يذبحون قريبهم ويأكلُ كلٌّ لحمَه لا تُعاقبِ".
ومما وقع من أحداث دالة على شيوع فكرة أن بهلاء موطن للسحر ما ذكره الفقيه العماني سعيد الحارثي الذي توفي سنة 2009 في كتابه "اللؤلؤ الرَّطب، في البحث عن مستودعات القلب". إذ يحكي وفاة رجل في بهلاء وخروج أهله به إلى المقبرة قُبيل المغرب. أدركهم المطر فأدخلوا الجنازة مسجداً مهجوراً خارج البلد ورجعوا إلى بيوتهم حتى يخف المطر. وتصادف مرور رجل من بلد سيت الواقعة في أطراف بهلاء، ودخوله المسجد للاحتماء من المطر. لم يرَ الرجل الجنازة، وخيم الظلام على الأفق. فلما توقف المطر جاء أهل الميت ليحملوه إلى قبره، فقعدوا في الصرح ينتظرون الباقي منهم "فأحس بهم هذا الغريب وظنّ أنّهم جاؤوا ليسحروه، لأن أهل بهلاء مشهورون أنّهم سَحَرَةٌ"فلما اجتمع القوم قاموا ليدخلوا إلى الجنازة، "فصرخ هذا الغريب داخل المسجد، وكسر الدريشة [أي النافذة]، وخرج هارباً إلى بلاده ليُعلِن فيهم: أنّ أهل بهلاء همّوا أنْ يَسحروه، وهرب أهل الجنازة وقالوا: حَيِيَ الميتُ، ورجعوا إلى البلد يقولون: إنّ الميت يصرخ، حتى تحقق أمره في الصباح". وهذه القصة تدل وضوحاً على التزيّد الذي يبالغ الناس فيه، والوهم الذي يتوهمونه حتى يصدقون ذلك الوهم. وتحيلنا القصة إلى الحيلة النفسية التي استعملها أبو زيد السروجي في مقامة الحريري، من طقوس موهمة تجعل الناس تصدق مفعول سحره، وكذلك وهم الناس هنا بأن الميت استفاق من موته، ووهم الشخص بأن أهل البلد جاؤوا ليسحروه دليل على العامل النفسي السابق في ذهن المتلقي الذي يجعل منه يؤمن بأوهام كهذه.
وقد صُنِّفت مدينة بهلاء العُمانية ضمن المدن العشر التي يكثر فيها انتشار الأشباح على مستوى العالم في مقال بعنوان "تن أوف ذا ووردس موست هانتيد ستيز" (المدن العشر الأكثر سكنى للأشباح)" المنشور سنة 2014 في موقع مجلة ناشونال جيوغرافيك. وبحسب المقال، "يُقال إن هذه الواحة الصحراوية في شبه الجزيرة العربية موطنٌ للجن، الذين يسكنون بساتين النخيل والمنازل الحجرية المهجورة في مركز المدينة، وتقول الأسطورة إن أحد هذه الأرواح بنى سوراً للمدينة في ليلة واحدة [ولا يزال هذا السور باقياً إلى يومنا الحالي]". ووجود سور يُدّعى أنَّ الجن بنَوه شائعة لا زال الناس يذكرونها. وتتكرر هذه الشائعة عن قلعة بهلاء الموجودة في وسط المدينة الملاصقة السوقَ. بعد أن رُمِّمَت القلعة لتكون مزاراً سياحياً، لم تفتتح أبداً وظلت مغلقةً مدة طويلة، فأعاد الناس إشاعة أن القلعة مسكونة بالجن لعدم فتح القلعة وإتاحتها للناس.
وفي سنة 2018، ضرب سواحل عمان الجنوبية في محافظة ظفار إعصار سُمي (إعصار مكونو). فانتشر مقطع مرئي محتواه عبوات ماء مغلفة بثوب ومحاطة بخيوط وبداخلها أوراق تمثل أعمالاً سحرية. ونشرت صحيفة الاستقلال الإلكترونية سنة 2018 مقالاً للكاتب والصحفي آدم يحيى بعنوان "السحر في عُمان، ما الأسباب التي ساعدت على انتشاره؟" يشير فيها الى أن الحادثة تكشف أن انتشار السحر في عمان لم يكن ظاهرة هامشية بل ممارسة واسعة ومخفية، لم تظهر إلا صدفة بفعل إعصار مكونو. الصدمة لم تكن في وجود السحر، بل في حجمه وتنظيمه، ما يشير إلى حضورٍ اجتماعيٍ وثقافيٍ عميق له. وهذا يطرح أن أسبابه لا تعود لاختلافٍ جوهري عن بقية الخليج، بل إلى عوامل داخلية غير مرئية مثل البنى الثقافية والمعتقدات الشعبية التي سمحت له بالانتشار بهذا الشكل. الجدير بالذكر أن بعض الخليجيين في تصورهم الأول عن العمانيين بعد صفة سلمهم وتسامحهم بأنهم سحرة، وقد بثت سنة 2024 مقابلة مسجلة في البودكاست العماني "جلسة كرك" مع الكويتي محمد السداني وعنوانها "عُمان في عيون الآخرين، الصورة النمطية، الأساطير، والتجربة". كان السداني قد عاش في عمان أربع سنوات أثناء دراسته مرحلة الدكتوراه، وعندما سأله المذيع ما هي صورة العمانيين معكم، قال معنا في الخليج العمانيين يُعرفون بالسحر. لتطل علينا حلقة أخرى تناقش هذا الموضوع هذه المرة لدى العمانيين في أغسطس سنة 2025 بعنوان "السحر في عُمان بين الحقيقة والخيال" .
ساهمت الدوافع السياسية كذلك في انتشار هذا التصور الذي يخيف كل مغير على عمان. علَّلَ وِلْيم بلجريف في كتابه "وسط الجزيرة العربية وشرقها" إطلاق الأجانب على عمان اسم "بلاد السَّحَرَة" بأن ذلك "يمنع كثيراً من النجديين من المخاطرة بالسفر إلى عمان تخوّفاً من أن تمسخهم عيون امرأة شابة، أو العصا السحرية لامرأة عجوز، إلى شياهٍ محبّة، أو أحياء مرتبكين حائرين". وبلجريف زار عمان في ستينيات القرن التاسع عشر، ما يدعم أن انتشار فكرة السحر أو نشرها وإشاعتها له سبب سياسي ذو بعد نفسي، لصد الغزاة وتخويفهم.
يظهر هذا البُعد في حكاية الحريري، قرار الحارث ركوب البحر قاصداً عمان بعد أن جاب كل السهول والجبال والصحاري، وملّ السير في اليابسة. وليس ركوب البحر بالأمر الهين: فتعليم أبي زيد ركاب السفينة عوذته التي تجنّب الأهوال دليل على خطر الأمر. وكذلك قول الحارث عند اتخاذه قرار ركوب البحر إلى عمان: "ثم ركبتُ ركوبَ حاذرٍ ناذر [أي إنه نذر نذراً يؤديه إن سلم من هول البحر]، عاذل [أي لائم] لنفسه عاذر [أي معتذر لنفسه]" فنلاحظ التردد الكبير الذي اختلج نفس الحارث لهول الأمر، وهذا يجعلنا نستنتج صعوبة الوصول إلى عمان في ذلك الوقت، لصعوبة الجغرافيا التي تحيط بها، وهو ذات الأمر الذي نلمحه سبباً لانتشار الكهانة في عمان.

