هاجم ترامب المجتمع الصومالي، وقال بنبرةٍ ساخرةٍ: "هل تصدقون ذلك؟ اتضح أنهم أصحاب معدلات ذكاءٍ أعلى مما كنا نعتقد [. . .] دائماً أقول إن هؤلاء أناسٌ منخفضو الذكاء. كيف يذهبون إلى مينيسوتا ويسرقون كل هذه الأموال؟". وكان في حديثه هذا يلمِّح إلى قضية احتيالٍ جرت منذ أعوامٍ في ولاية مينيسوتا تورط فيها عشرات الصوماليين. ولم يكن هذا الهجوم على الجالية الصومالية بجديدٍ على ترامب، إذ تكرر في كلتا فترتي رئاسته.
اليوم يجمع المجتمعَ الصوماليَّ في الولايات المتحدة كثيرٌ من السمات التي يخشاها اليمين الأمريكي ويحتفي بها اليسار في الوقت نفسه. مجتمعٌ أسود مسلمٌ مهاجرٌ، نجح في بناء تماسكٍ داخليٍ قويٍّ وتحول حيناً بعد حينٍ إلى قاعدةٍ انتخابيةٍ فاعلةٍ بدأت تنتج قياداتٍ سياسيةً محلية. مسارٌ تشكّل منذ موجات اللجوء الأولى بعد الحرب الأهلية الصومالية في التسعينيات ومحاولات التأقلم في البلد الجديد ضمن سياسات توطين اللاجئين، لاسيما في ولاية مينيسوتا. ليصبح الوضع أكثر تعقيداً عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر سنة 2001، وما تبعها من استهداف الجاليات المسلمة إعلامياً وأمنياً. وحتى بدخول أفرادٍ من أصولٍ صوماليةٍ المعتركَ السياسي المحلي وترشحهم لمقاعد متعددةٍ في مجالس الولايات في السنوات الأخيرة، ظلّ يرافق تأسيسَ هذا المجتمع استهدافاتٌ وتشكيكٌ متكررٌ في شرعيته.
وإن قاوم الصوماليون الاحتلال الأجنبي، لكنهم لم يبدؤوا بنيل الاستقلال إلا بعد الحرب العالمية الثانية بأعوام. ففي يونيو سنة 1960 استقل الصومال البريطاني، وبعدها بثلاثة أيامٍ استقل الصومال الإيطالي، ليتَّحد القسمان تحت اسم "جمهورية الصومال". في المقابل بقي الصومال الفرنسي تحت الاحتلال حتى سنة 1977، ليعلن نفسه جمهوريةً مستقلةً، وهو ما بات اليوم جمهورية جيبوتي.
بعد الاستقلال، دُشنت جمهورية الصومال دولةً ديمقراطية عبر انتقال السلطة سلماً. لكن سنة 1969 اغتيل الرئيس عبد الرشيد علي شرماركي، فنفذ محمد سياد بري انقلاباً عسكرياً، ليؤسس نظاماً استبدادياً دخلت معه البلاد في اضطراباتٍ سياسيةٍ واقتصادية. وقد عمَّقت الأزمةَ هزيمةُ بري في حرب "أوغادين" مع إثيوبيا، وزادت حدَّة المعارضة المسَّلحة والانقسامات القبليَّة. وبحلول أواخر الثمانينيات كانت مؤسسات الدولة قد بدأت تلفظ أنفاسها الأخيرة وفقدت الحكومة السيطرة على أجزاءٍ واسعةٍ من البلاد.
أدى غياب السلطة المركزية إلى اقتتالٍ بين الفصائل المسلحة للسيطرة على العاصمة مقديشو ومناطق أخرى. وبهذا دخلت الصومال سنة 1991 مرحلة الحرب الأهلية. وقد تسببت هذه الحرب في انتشار العنف وموجاتٍ كبيرةٍ من النزوح الجماعي. وعلى مدار أكثر من عقدين، تعاقبت محاولاتٌ لتشكيل حكوماتٍ انتقاليةٍ بدعمٍ إقليميٍ ودولي. لكن الصراع استمر في صورٍ مختلفةٍ مع صعود جماعاتٍ مسلحةٍ، أبرزها اتحاد المحاكم الإسلامية ثم حركة الشباب.
وفي رصدها تداعيات الحرب الأهلية الصومالية، أفادت الأمم المتحدة بأنه منذ اندلاع الحرب غادر أكثر من مليون صوماليٍ بلادهم لاجئين أو طالبي لجوء. وصل بعضهم إلى الولايات المتحدة مستفيدين من "برنامج قبول اللاجئين" الذي بدأ العمل به سنة 1980 بدعمٍ من الحزبين الديمقراطي والجمهوري.
أُخْضع اللاجئون في البرنامج لمقابلاتٍ ومراجعاتٍ تشارك فيها الأجهزة الأمنية والاستخباراتية، واختيروا غالباً بإحالاتٍ من الأمم المتحدة أو السفارات الأمريكية. لتتولى بعدها وكالات إعادة التوطين المحلية داخل الولايات المتحدة مساعدتهم منذ الوصول بتوفير السكن والدعم الأولي ومرافقتهم في مسار الاندماج.
في سبتمبر 1991، في عهد الرئيس جورج بوش الأب مُنح الصوماليون أول مرّةٍ "وضع الحماية المؤقتة" (تي بي إس)، اعترافاً بوجود ظروفٍ استثنائيةٍ ومؤقتةٍ في الصومال تمنع عودتهم الآمنة. ثم سنة 1992 بدأت الولايات المتحدة بإصدار تأشيراتٍ لهم. ويمنح هذا البرنامج التابع لوزارة الأمن الداخلي مواطني الدول التي تعاني من نزاعاتٍ أو ظروفٍ استثنائيةٍ حقّ البقاء والعمل مؤقتاً في الولايات المتحدة.
ومنذئذٍ، مُدّد هذا الوضع أو أعيد تصنيفه سبعاً وعشرين مرةً بسبب استمرار الصراع. وجاء أحدث تمديدٍ أثناء إدارة الرئيس جو بايدن، حين جدّد وزير الأمن الداخلي آنذاك أليخاندرو مايوركاس الحماية المؤقتة للصوماليين حتى مارس 2026. واستمر دعم الصوماليين حتى عودة دونالد ترامب للحكم في يناير 2025، إذ قرر تقليصه إلى حدّه الأدنى وتوقيف سياسات توطين اللاجئين.
وإن لم يلق وصول الصوماليين للولايات المتحدة صعوباتٍ رسميةً، غير أنه مثّل تحدياً لهم في مجتمعٍ مختلفٍ ثقافياً ودينياً ولغوياً، يفرض عليهم التأقلم السريع مع أنظمةٍ جديدةٍ في التعليم والعمل والخدمات. فكثيرون منهم جاؤوا لا يتقنون سوى الصومالية والعربية، وقد صعّب عدمُ إتقانهم الإنجليزية أبسطَ المعاملات اليومية من إنهاء الأوراق إلى التواصل في العمل أو المدرسة. إضافةً إلى عقباتٍ اجتماعيةٍ ودينيةٍ في ممارسة حياتهم اليومية، من البحث عن فرص عملٍ تتناسب مع خبراتهم، إلى محاولة الحفاظ على هويتهم الثقافية والدينية، مثل توفير أماكن للصلاة أو أطعمةٍ تتوافق مع معتقداتهم.
توزَّع الصوماليون بداية وصولهم في عدّة أماكن مختلفةٍ، مثل واشنطن العاصمة وولاية نيويورك، قبل أن يختار كثيرون لاحقاً الاستقرار في ولاية مينيسوتا، عبر برامج إعادة توطين اللاجئين التي تديرها الدولة بالتعاون مع منظمات مدنية، أو عبر كفالة عائلية، أو بالانتقال إليها من ولايات أخرى.
ما أسهم كذلك في تركز الصوماليين في الولاية – خصوصاً في أحياء مثل سيدار وريفرسايد التي عُرفت لاحقاً بِاسم "مقديشو الصغيرة" – هو استخدام الوافدين الأوائل من الجالية برامج لمِّ الشمل وفق قانون الهجرة الأمريكي لكفالة أقاربهم من خلال السكن المشترك وتقاسم الموارد أو جمع التبرعات وتقديم المساعدات الطارئة. وهو ما خلق شبكاتٍ جذبت آلاف الوافدين الجدد بحلول منتصف التسعينيات. وقد وفرت هذه الشبكات طرقاً عمليةً للعيش في السنوات الأولى، مثل المساعدة في العثور على فرص عملٍ عبر الأقارب. وكثيراً ما حُلّت الخلافات الأسرية أو المالية داخل المجتمع نفسه، اعتماداً على العرف المجتمعي دون اللجوء إلى الشرطة أو المؤسسات الرسمية.
كذلك شجعت على الاستقرار المزايا التي تقدمها برامج الإعانة الاجتماعية في الولاية، ومنها برنامج استثمار الأسرة الذي يوفر مساعداتٍ نقديةً ورعايةً طبيةً وإعانات رعاية الأطفال.
أسهمت أيضاً الهجرة الثانوية من ولاياتٍ أمريكيةٍ أخرى، مثل كاليفورنيا وتكساس، في زيادة عدد أفراد الجالية في مينيسوتا، وتركّز معظمهم بمدينتَيْ مينيابوليس وسانت بول. وبحسب التقرير السنوي لمسح المجتمع الأمريكي الصادر عن مكتب الإحصاء نهاية 2025، بلغ عدد الصوماليين في الولايات المتحدة سنة 2024 نحو مئتين وستين ألف شخصٍ، منهم نحو مئةٍ وسبعة آلافٍ يقيمون في ولاية مينيسوتا.
ساعدت هذه البنى داخل المجتمع الصومالي في مينيسوتا على تقويته وتوفير قدرٍ من الأمان الاجتماعي والاقتصادي في بيئةٍ جديدةٍ وغير مألوفة، ولكنها في الوقت نفسه ساهمت في زيادة الانغلاق. ويتضح ذلك في انخفاض معدلات زواج الصوماليين من خارج مجتمعهم، وفي الاعتماد الواسع على اللغة الصومالية في الحياة اليومية والتعامل مع الخدمات العامة. وهو ما حدّ من الاندماج الأوسع في المجتمع المحيط مع أهميته في مرحلة التكيف الأولى.
التقت الفراتس عبدي محمد الذي يجسد جانباً من هذه التجربة الجماعية. وهو الذي وُلد في مخيمٍ للاجئين بمدينة مومباسا الكينية في ذروة الحرب الأهلية الصومالية سنة 1996، وبعد بضعة أشهرٍ فقط من ولادته انتقلت أسرته إلى الولايات المتحدة. بدأت الأسرة رحلتها من مدينة سياتل في ولاية واشنطن، ومع بلوغ عبدي الخامسة قررت الأسرة الانتقال إلى ولاية مينيسوتا.
تكيُّف الأسرة مع الثقافة الجديدة لم يكن مساراً فردياً، بل عمليةً جماعيةً اعتمدت في جوهرها على التضامن المتبادل. يقول عبدي للفراتس إن المراحل الأولى شهدت دوراً كبيراً للخدمات الحكومية عبر برامج إعادة توطين اللاجئين، لكن العمود الفقري للحياة اليومية كان المجتمع نفسه. إذ تمتَّع الصوماليون بدرجةٍ عاليةٍ من الاعتماد على الذات، فكان الآباء يتشاركون مسؤولية رعاية الأطفال، ويتكفل بعضهم بتوصيل الآخرين إلى المستشفيات أو أماكن العمل أو مقابلات التوظيف. وانخرط القادمون الجدد بمن فيهم أفرادٌ من العائلة الممتدة لعبدي وغيرهم من الأسر في العمل داخل المصانع والمخازن.
يرى عبدي أن مينيسوتا أصبحت وجهةً جاذبةً اللاجئين الصوماليين لما توفّره من قدرٍ عالٍ من شبكات الحماية الاجتماعية، بما في ذلك برامج الدعم والرعاية الصحية، وهي عوامل أدّت دوراً في تمكينهم من الاستقرار وبناء حياةٍ جديدة. وتوسَّع المجتمع الصومالي في مينيسوتا، حسب عبدي، عبر ما يشبه تبادل الخبرات الشفهي، "الأفراد ينقلون لبعضهم أن الولاية توفر فرصاً حقيقيةً، وهو ما ساعد في جذب العديد من العائلات الأخرى".
يلفت المتحدث أيضاً إلى أن مينيسوتا ضمن أفضل الولايات من حيث جودة التعليم ونظافة المدن، ما يجعلها بيئةً مناسبةً للعيش ليس للمهاجرين فحسب بل للمواطنين عموماً. غير أن هذا المسار من الاستقرار النسبي لم يكن معزولاً عن التحولات السياسية والأمنية عقب هجمات الحادي عشر من سبتمبر سنة 2001، والتي شكلت مرحلةً فاصلةً للمجتمع الصومالي داخل المجال العامّ الأمريكي.
وحركة الشباب جماعةٌ مسلحةٌ ارتبطت بتنظيم القاعدة في الصومال. وكانت انشقّت سنة 2006 عن تنظيم المحاكم الإسلامية الذي تأسس سنة 1991 مع بداية الحرب الأهلية. وقد برز اسم الحركة بعد منتصف العقد الأول من الألفية واحداً من أخطر التنظيمات في شرق إفريقيا. اعتمدت الحركة على خطابٍ دينيٍ متشددٍ لتجنيد المقاتلين واستهداف الجاليات الصومالية في الخارج، خاصةً في الولايات المتحدة. وما بين سنتي 2007 و2009 انضم إليها عشراتٌ من أصولٍ صوماليةٍ في مدينة مينيابوليس. وهو ما أثار مخاوف لدى أجهزة إنفاذ القانون الأمريكية من احتمال تشكّل خلايا داخلية.
سنة 2009 نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" تقريراً حول سفر ما يقارب عشرين أمريكياً من أصولٍ صوماليةٍ إلى الصومال. وذكر التقرير حينها أن التديّن هيّأهم للتعاطف مع القضية الإسلامية في الصومال، إلى جانب غزو إثيوبيا بلادَهم سنة 2006، وهي الشرارة التي دفعتهم للانضمام إلى ما رأوه حركة مقاومةٍ مشروعة. ووفقاً للتقرير، أجبرت القضية عملاء فيدراليين ومحلّلي إرهابٍ على إعادة النظر في افتراضاتهم حول عرضة المهاجرين المسلمين في الولايات المتحدة للانجذاب إلى الإسلام المسلح، بعدما كان الإرهاب المحلي يعدّ مشكلةً أوروبيةً بالأساس، ناتجةً عن فشل المسلمين في الاندماج الاقتصادي والثقافي. واعتبر التقرير أن ما جرى لم يكن نتاج تدينٍ متشددٍ أو نزعة عنفٍ معزولةٍ فقط، بل نتيجة تداخلٍ معقدٍ بين الشعور بالاغتراب وغضبٍ من السياسات الأمريكية.
ويعود شطرٌ من أصل الحكاية إلى سنة 2006 عندما اجتاح اتحاد المحاكم الإسلامية الصومال وسيطر على البلاد. وقد تعهد بإنهاء خمسة عشر عاماً من العنف الداخلي بتوحيد العشائر تحت راية الإسلام، وأعاد فتح الموانئ وفرض النظام في مقديشو. لكن في واشنطن، رأت إدارة جورج بوش الابن في هذا التحول تهديداً لاستقرار شرق إفريقيا، واعتبرت أن فصائل متشددةً داخل اتحاد المحاكم الإسلامية تؤوي عناصر من القاعدة وتعلن الجهاد على إثيوبيا المسيحية. وفي ديسمبر من العام نفسه، عبرت القوات الإثيوبية الحدود الصومالية بدعمٍ استخباراتيٍ أمريكيٍ، وبدأ احتلالٌ دام عامين.
في المقابل نظّم طلابٌ جامعيون مظاهراتٍ في مينيسوتا ووزعوا قمصاناً تحمل العلم الصومالي، قبل أن يكتسب هذا الحراك بعداً دينياً مع تصوير الغزو في الخطاب الأمريكي جزءاً من الحرب العالمية على الإرهاب. بينما رآه كثيرٌ من الصوماليين في الولايات المتحدة حملةً صليبيةً على أرضٍ مسلمةٍ، غذتها تقارير عن اغتصاب نساءٍ ونهب مساجد وقتل مدنيين. وبهذا برزت حركة الشباب في مقدمة الصراع في الصومال جزءاً من معركةٍ عالميةٍ للدفاع عن الإسلام.
وفي السياق ذاته، بدأت السلطات الفيدرالية في مدينة مينيابوليس حملة ملاحقةٍ مكثفةٍ في الشوارع والمنازل والمساجد وداخل الحرم الجامعي، فيما خضع أفرادٌ من الجالية الصومالية لاستجواباتٍ متكررةٍ واستدعاءاتٍ قضائية.
ففي سنة 2010، مثلاً، أعلنت وزارة العدل اتهام أربعة عشر شخصاً من أصولٍ صوماليةٍ ويحملون الجنسية الأمريكية في ثلاث ولاياتٍ، هي مينيسوتا وألاباما وكاليفورنيا، بتهمٍ تتعلق بتقديم دعمٍ ماديٍ وبشريٍ وتمكينيٍّ لحركة الشباب الصومالية المصنفة في أمريكا منظمةً إرهابيةً أجنبية. وشملت الاتهامات جمع أموالٍ وتحويلها، وتجنيد أفرادٍ، والسفر من الولايات المتحدة للانضمام إلى الحركة والقتال في صفوفها. ثم في 2011 أدانت المحكمة سيدتين صوماليتين من مينيسوتا، لا تحملان الجنسية الأمريكية، بجمع أموالٍ لصالح الحركة بين سنتي 2008 و2010 وتحويلها باستخدام أسماءٍ وهمية. ولاحقاً في 2013 أصدرت المحكمة أحكاماً بالسجن بحقهما ما بين عشرٍ وعشرين سنة.
لم تنتهِ القضية في شقّها القانوني عند حدود اتهاماتٍ وإداناتٍ بحقّ أفرادٍ بعينهم، بل تجاوزت أثرها السياسي والأمني لتضع الجالية الصومالية كافة موضع اتهام. تحولت القضية بمرور الوقت إلى تهمٍ يعاد تدويرها في الخطاب الأمني والسياسي، لاسيما في خطاب دونالد ترامب الذي ظلّ يستدعيه حتى 2026 دليلاً على خطرٍ كامنٍ داخل الجالية.
يتفق عبدي محمد أن هجمات الحادي عشر من سبتمبر شكلت نقطة تحولٍ في تجربة المسلمين داخل الولايات المتحدة، ووضعتهم جميعاً تحت ضغطٍ أمنيٍ واجتماعيٍ متصاعدٍ، ولم يكن المجتمع الصومالي في مينيسوتا استثناءً منه. وبحسب عبدي تضاعف هذا الضغط ليأخذ شكل مراقبةٍ مباشرةٍ، و"خضع المجتمع الصومالي بأكمله لتحقيقات ومضايقات مكثفة".
يقول إن أثر هذه السياسات تجاوز العلاقة مع الدولة، لينعكس أيضاً على البنية الداخلية للمجتمع عبر ترسيخ سرديةٍ داخل الإعلام والخطاب الأمريكي بأن الصوماليين مجتمعٌ متطرف. ثم يردف: "تحول منطق الاشتباه من الأمني إلى المالي مع تصاعد الاتهامات بقضايا احتيال وإساءة استخدام أموال المساعدات الخاصة ببرامج التمويل المشروطة مثل التأمين الصحي وبرامج الإعانات الغذائية".
وفي امتدادٍ مباشرٍ لتأثيرات ما بعد الحادي عشر من سبتمبر، أوضح عبدي أن الفجوات الاقتصادية والاجتماعية في مينيسوتا لا يمكن فصلها عن مناخ الشكّ والتمييز الذي أعاد تشكيل علاقة الدولة والمجتمع بالمهاجرين والمسلمين. ومع جودة الحياة التي توفرها الولاية، لاسيما للسكان البيض، فإن معدلات البطالة تظلّ مرتفعةً وتبقى الفجوات في التعليم والتوظيف واسعةً بالنسبة للسود والعرب واللاتينيين والآسيويين. ويرى أنه على عكس استضافة مينيسوتا مقارّ كبرى الشركات العالمية، فإن المناصب العليا لا تزال حكراً على البيض، "الولاية ترحِّب بالمهاجرين لكنها لا تفهمهم فهماً كاملاً [. . .] تجد المجتمعاتُ السوداء والملونة نفسَها مضطرةً إلى خلق مساراتها الاقتصادية الخاصة".
وفي ظل هذا المناخ، تحولت الاتهامات ضد الجالية الصومالية إلى سرديةٍ متكررةٍ استخدمتها وسائل الإعلام المحافِظة لمهاجمة المجتمع الصومالي. يشير الكاتب الصومالي كايش ماجن في مقالٍ نشره موقع "مينيسوتا ريفورمر" المتخصص في تغطية أخبار الولاية، إلى أن السردية الإعلامية تتجاهل الوقائع القضائية وتستند إلى تهويلٍ سياسي. وضربَ ماجن مثلاً بمقالٍ نشرته مجلة "سيتي جورنال" المحافِظة وزعمت فيه أن أكبر ممولٍ لحركة الشباب هم دافعو الضرائب في ولاية مينيسوتا. وقالت إن الحركة الإرهابية في الصومال تتلقى تمويلاً عبر تحويلاتٍ ماليةٍ يرسلها صوماليون، لا يحمل جميعهم الجنسية الأمريكية، في مينيسوتا بعد احتيالهم على برامج عامة.
وأوضح الكاتب أن وجود وقائع احتيالٍ فعليةٍ تورَّط فيها أفرادٌ من الجالية الصومالية لا يعني تعميم الاتهام على مجتمعٍ كاملٍ أو ربطه بتمويل الإرهاب. فهذه القضايا حسب ما أظهرت التحقيقات القضائية دُفعت بالجشع الشخصي لا الإيديولوجيا، وتعاملت معها السلطات الأمريكية جرائمَ احتيالٍ ماليٍ وأُخضعت لمسارٍ قانوني. ولفتَ الكاتب إلى أن هذه المزاعم التي سبق دحضها تستخدم لإعادة إنتاج خطابٍ يربط الجالية الصومالية بالإرهاب، لتبرير مطالباتٍ سياسيةٍ أوسع مثل إلغاء وضع الحماية المؤقت للمجتمع الصومالي بأكمله.
موجات الوصم والاتهامات المتكررة التي طالت الجالية الصومالية، سواءً عبر ربطها بالاحتيال أو بالإرهاب، لم تقف عائقاً أمام الصوماليين من تحقيق حضورٍ سياسيٍ لافت. وقد تُوِّج ذلك بوصول شخصياتٍ منتخَبةٍ إلى مواقع صنع القرار، وفي الوقت نفسه رافق هذه الصعود موجاتٌ جديدةٌ من خطاب الكراهية والاتهامات.
أضحت إلهان عمر الوجه الأبرز تمثيلاً للمجتمع الصومالي في الولايات المتحدة. ولعل تجربتها نموذجٌ لمسار المجتمع الصومالي في الولايات المتحدة، بدايةً من الاندماج السياسي والاجتماعي إلى التعرض لحملات التشكيك والاستهداف.
وُلدت إلهان في مقديشو. ومع اندلاع الحرب الأهلية اضطرت أسرتها إلى الفرار إلى مخيمٍ للاجئين في كينيا، حين كانت في الثامنة. عاشت الأسرة في مخيم اللاجئين أربعة أعوامٍ، إلى أن منحت الولايات المتحدة عائلة إلهان حق اللجوء سنة 1995. استقرت العائلة في مدينة أرلينغتون بولاية فرجينيا، ثم في سنة 1997 انتقلت إلى مدينة مينيابوليس في ولاية مينيسوتا. سنة 2000 حصلت إلهان عمر على الجنسية الأمريكية، وهي في السابعة عشرة من عمرها.
عملت إلهان سنة 2012 أخصائية تغذيةٍ بالتوازي مع انخراطها في العمل العام من خلال التطوع في الحملات السياسية. وفي 2013 شاركت في إدارة الحملة الانتخابية لعضو مجلس نواب مدينة مينيابوليس حينها أندرو جونسون. ثم شغلت في السنة التالية منصب كبيرة مستشاريه لشؤون السياسات. وبحلول 2016 قررت الترشح لمجلس النواب، لتصبح أول امرأةٍ من أصلٍ صوماليٍ بمجلس نواب مدينة مينيابوليس.
بعد فوزها بمدةٍ قصيرةٍ لقيت حملةً من الاتهامات والشائعات التي روجتها مواقع ومنصاتٌ محافظةٌ على الإنترنت. وعلى رأس تلك الادعاءات أنها تزوجت من شخصٍ قيل إنه شقيقها لتسهيل هجرته إلى الولايات المتحدة. ومع السنة الثانية لها في مجلس النواب سنة 2018، أعلن عضو الكونغرس كيث إليسون ترشحه لمنصب المدعي العام للولاية، ما فتح الباب للتنافس على مقعد الدائرة الخامسة في الكونغرس. خاضت إلهان السباق على المقعد ونجحت في الفوز به، لتؤدي اليمين الدستورية في 2019.
ومثلما تحولت إلهان من لاجئةٍ إلى نائبةٍ منتخَبةٍ، واجهت مثل المجتمع الصومالي اتهاماتٍ متتالية. فقد كانت إلهان هدفاً مباشراً لهجمات الرئيس دونالد ترامب وخطابه التحريضي حتى قبل انضمامها إلى مجلس النواب. وخلال ولايته الأولى روّج ترامب مراراً تصريحاتٍ مضللةً بحقها، من بينها ادعاءاتٌ بتأييدها تنظيم القاعدة المسؤول عن هجمات الحادي عشر من سبتمبر، وطالَبَها وأفراداً من الجالية الصومالية بالعودة إلى بلدهم.
ومع ولايته الثانية اتسعت الاتهامات لتشمل المجتمع الصومالي بأكمله، متزامنةً مع حملاتٍ نفذتها هيئة الهجرة والجمارك الأمريكية المعروفة بِاسم "آيس" داخل ولاية مينيسوتا، بذريعة ملاحقة الخارجين عن القانون والمقيمين غير الشرعيين. وظلت اتهامات الاحتيال وإساءة استخدام الأموال الأمريكية حاضرةً تكراراً في خطابات ترامب، مبرراً سياسياً وإعلامياً للهجوم على المجتمع الصومالي بأكمله.
ففي ديسمبر 2025 قال ترامب في اجتماعٍ بحضور مجلس الوزراء، إنه لا يريد المهاجرين الصوماليين في الولايات المتحدة، معتبراً أن القادمين من بلدٍ ممزقٍ بالحروب يعتمدون بإفراطٍ على شبكة الأمان الاجتماعي الأمريكية ولا فائدة يجلبونها إلى البلاد.
وجاءت تصريحات الرئيس الأمريكي بعد أيامٍ من إعلان إدارته عن تعليق جميع قرارات اللجوء، عقب حادث إطلاق نارٍ استهدف جنديين من الحرس الوطني في واشنطن. حتى وإن تبيّن أن المشتبه به في الحادثة ينحدر من أصولٍ أفغانيةٍ، إلا أن ترامب استغل المناسبة ووجّه الحديث للجالية الصومالية، وقال: "هم لا يساهمون في أيّ شيء. الاعتماد على الإعانات يبلغ نحو 88 بالمئة أو شيئاً من هذا القبيل [. . .] لا أريدهم في بلدنا [. . .] بلدهم سيئٌ لسببٍ ما. بلدكم كريهٌ، ونحن لا نريدكم في بلدنا".
في المقابل، وصفت إلهان هجوم ترامب عليها والجالية الصومالية بالهوس. وقالت في تصريحاتٍ نقلتها شبكة "سي بي إس"، ضمن برنامج "فيس ذا نيشن" مطلع سبتمبر 2025، إن ترامب لا يهاجمها خصماً سياسياً، بل يستخدم خطاباً يقوم على "نزع الإنسانية عن مواطنين أمريكيين". وحذرت من أن هذا النوع من التحريض يقود إلى أفعالٍ عنيفةٍ ضد الصوماليين والمسلمين في الولايات المتحدة.
وربطت إلهان بين تصريحات ترامب وحوادث الاعتداءات العنصرية التي طالت أفراداً من الجالية الصومالية، معتبرةً أن استخدام الرئيس منصبه ومنصاته الإعلامية لتشويه مجتمعٍ بأكمله يعكس نمطاً من الاستهداف السياسي القائم على الهوية، لا على الخلافات السياسية المشروعة.
بالنسبة لعبدي، فالهجوم على المجتمع الصومالي لا يرتبط بسلوكياتٍ فرديةٍ أو قضايا قانونيةٍ بقدر ما هو انعكاسٌ لرفضٍ أعمق لهويته المركبة بوصفه مجتمعاً "أسود ومسلماً ومهاجراً" معاً. وهي هويةٌ تتعارض مع النموذج التقليدي المتخيَّل عن المواطن الأمريكي الأبيض المسيحي.
ويشرح عبدي أن جزءاً من هذا العداء نابعٌ من استياءٍ واضحٍ مما وصفه "جرأة الصوماليين على الإيمان بالديمقراطية والانخراط فيها بفاعليةٍ، وقدرتهم على التنظيم السياسي وتحويل وجودهم العددي إلى قوةٍ تمثيليةٍ [. . .] وهو ما يتجلى في صعود وانتخاب شخصياتٍ مثل إلهان وغيرها على المستويين المحلي والفيدرالي".
يضيف عبدي "إن هذه الهجمات تغذِّيها أيضاً حاجةٌ سياسيةٌ وإعلاميةٌ دائمةٌ إلى اختلاق عدوٍّ خارجيٍّ، إلى جانب الغضب من رفض المجتمع الصومالي التخلي عن هويته الثقافية والدينية أو إذابتها بالكامل في النموذج السائد". ولكنه يستدرك قائلاً إن أحد أبرز أوجُه سوء الفهم هو الاعتقاد بأن الصوماليين غير مستثمرين في الولايات المتحدة أو منفصلون عنها، ومؤكداً أن الواقع عكس ذلك تماماً. إذ يشاركون بعمقٍ في بناء المجتمع الأمريكي معلمين وممرضين وأطباء وفنانين وسياسيين، يدعمون جيرانهم وأسرهم ويساهمون في الحياة العامة.
يختزل عبدي محمد التجربة الصومالية داخل الولايات المتحدة في مسارٍ سياسيٍ لا يتغير جوهرياً بتغيّر الإدارات. فبينما يرى أن أوباما وبايدن أدارا العنف والانتهاكات بهدوءٍ، نفذها ترامب على الملأ وبقدرٍ من الفخر. ويختم بالقول أنه لا يرى في ترامب الاستثناء الأسوأ، إنما التجسيد الأكبر لإمبراطوريةٍ أمريكيةٍ لم تعد تشعر بالحاجة إلى إخفاء تناقضاتها أو تبرير أفعالها.

