الفقيه والحداثة: إبراهيم الرياحي جسراً نحو التحديث في تونس

مكّنت أصول إبراهيم الرياحي الريفية واستقلاليته عن العرش التونسي، أن يساهم في تحديث البلاد بدايات القرن التاسع عشر.

Share
الفقيه والحداثة: إبراهيم الرياحي جسراً نحو التحديث في تونس
لم يكن إبراهيم الرياحي فقيهاً عاش وانتهى دوره بموته | تصميم خاص بالفراتس

عندما عزم أمير تونس أحمد باشا الأول سنة 1846 على إلغاء الرق في البلاد، استفتى إبراهيمَ الرياحي ليسأله عن رأي الشرع في المسألة، قبل أن يحسم أمره في إصدار القرار. ومع أن السائد حينذاك عند جمهور الفقهاء يقضي بصحة عقود بيع الرقيق وشرائهم، إلا أن الرياحي لم يكتفِ بهذا السقف الذي رسمه التراث الفقهي، فدعم توجه الأمير في إلغاء الرق. وبهذا تجاوز منح غطاء شرعي، فاجتهد  اجتهاداً مستقلاً أعاد به تأويل الموروث الفقهي نفسه. وهو المنحى الذي لم يجرؤ على تبنّيه سوى قلة من علماء عصره في تونس. مع ذلك، يُروى تاريخ إلغاء الرق في تونس عادةً ضمن الرواية الأوروبية السائدة، مختزلاً في أن القنصل البريطاني ضغط على حاكم تونس. وقد أفضى هذا الضغط في النهاية إلى مرسوم، لم يكن للفقهاء التونسيين فيه دور سوى الخاتم الشرعي الذي يُغطّي قراراً اتُّخذ خارج إرادتهم.

وإن التقت هذه القراءة مع بعض الوقائع التاريخية، إلا أنها تُغفل بنيةً محلية أعمق كانت تتشكّل منذ بدايات القرن التاسع عشر داخل جامع الزيتونة نفسه. إذ ظهرَ جيل من العلماء من أبناء الأرياف والمدن الداخلية، لا ينتمون إلى الطبقات المترفة ولا تربطهم شبكات مصاهرة مع بلاط الحكم. وعلى ذلك نجحوا في أن يصبحوا فاعلين في التحولات التي شهدتها تونس حينها.  

وهنا تبرز محورية إبراهيم الرياحي. فبتتبع سيرته يتبين كيف لفرد من النخبة الدينية التقليدية أن يكون فاعلاً تاريخياً في الانتقال من "المخزن التقليدي"، الطبقة الحاكمة في الإيالة التونسية إلى الإصلاح. وفي المساحة الأوسع لجيله، لا نجد نخبة دينية محافظة تراقب التحديث من الخارج وحسب، بل كانوا وسطاء صنعوا بأدواتهم التقليدية الممرّ الذي عبرت منه الدولة الحسينية من صيغتها القديمة إلى صيغتها الإصلاحية. وقد كان هذا الدور "الجسري" محصلة موقعهم الفريد في المجتمع. فقد كان لهم رأس المال الرمزي القادر على إكساب قرارات الدولة الحديثة شرعيةً دينيةً، وفي الوقت نفسه احتفظوا باستقلالية مستمدة من أصلهم الشعبي ومصداقيتهم أمام العامة. ومع أن الريّاحي كان واحداً من هذا الجيل الإصلاحي، إلا أنّه في مواضع برز نسيجَ وحدِه، إذ أهلته ظروف اجتماعية وتاريخية ليبزّ أقرانه تأثيراً، لا مجرد فقيه يُستدعى لإبداء الرأي الشرعي.


وُلد إبراهيم بن عبد القادر بن أحمد الرياحي بمدينة تستور، غربي تونس، سنة 1766. وكان جده الأكبَر قد قدم من إيالة طرابلس الغرب، الاسم القديم لليبيا زمنَ الدولة القرمانليّة، التي حكمت المنطقة مستقلةً عن الدولة العثمانية بين 1711 و 1835. ويروي حفيده عمر الرياحي في كتابه "تعطير النواحي بترجمة العلامة إبراهيم الرياحي"، المطبوع سنة 1903، أنه ينتمي إلى الأشراف من البيت النبوي. غير أن الحفيد نفسه يعلّق بأن زهد جده وخلقه في التواضع كانا يمنعانه من الإفصاح عن هذا النسب أو التبجح به. وهذا ما يعني أنه رفضَ توظيف أي امتياز نَسَبي لتعزيز مكانته الاجتماعية. 

هذا الأصل الوافد البعيد عن شبكات تونس العلمية والاجتماعية المؤثرة منح الرياحي هامشاً من الاستقلالية ظلت معه حتى وفاته. وحين النظر إلى الجيل الذي احتضنه، يبدو الرياحي تعبيراً عن ظاهرة أوسع. إذ شهدت حاضرة تونس في تلك الحقبة تدفقاً لجيل كامل من النجباء من أبناء المدن والأرياف الداخلية، في سياق تحولات أوسع في بنية الدولة والمجتمع. ويذكرُ المؤرخ محمد والدي في كتابه " أ سليف بتوين إمبايرز" (عبدٌ بين الإمبراطوريات) المنشور سنة 2020، أنّ منابع تجنيد المماليك جفَّت تدريجياً من شرق المتوسط. فتح ذلك الحدثُ أمام هذا الجيل من أبناء الأرياف بوابةَ الصعود الاجتماعي في الجيش والخدمة المدنية والعلم الشرعي، بدل الولاء الشخصي أو الاسترقاق المؤسسي الذي كان يُغذّي طبقة المماليك سابقاً. 

ضمن هذا السياق التاريخي، وبعد أن أتم الريّاحي في فتوّته حفظ القرآن والعلوم الشرعية الأولية بتستور، ارتحل إلى حاضرة تونس. نزل بمدرسة حوانيت عاشور ثم بمدرسة بئر الحجار، وهي مدارس داخلية في مدينة تونس القديمة ينزل فيها الطلبة القادمون من آفاق البلاد وتنفقُ عليها الأوقاف. وقد شرح ذلك مستشارُ الحكومة التونسية الملكية سابقاً، عبده محمد بن الخوجة في كتابِه "تاريخ معالم التوحيد في القديم وفي الجديد" المنشور سنة 1939. هناك تتلمذ الرياحيُ على شيوخ متعددي المشارب الفقهية والصوفية، وقد ظهرت عليه علامات نبوغ مبكرٍ، أهلّته لاحقاً إلى الترقي السريع في مقامات التدريس داخل جامع الزيتونة.

ولم يكن تكوين الريّاحي الصوفي منفصلاً عن تكوينه الفقهي، فالجمع بين الفقه والتصوف كان نمطاً شائعاً في تونس وبلاد المغرب آنذاك. أخذ أولاً عن شيخ الطريقة الشاذلية (نسبةً إلى مؤسسها أبو الحسن الشاذلي المتوفى سنة 1258) البشير بن عبد الرحمن الونيسي، ولازمه ملازمة الابن أباه. وفي سنة 1801 حدث تحولٌ حاسمٌ حين رأى في منامه رجلاً مغربياً يأمره بسلوك الطريقة التيجانية، التي أسسها أبو العبّاس أحمد التيجاني في فاس سنة 1781، ثم وجد في اليوم التالي بجامع الزيتونة الرجل نفسه الذي رآه في رؤياه. تبيّن أنه علي حرازم الفاسي، أحد كبار أصحاب التيجاني، القادم لتوّه من المغرب. فأخذ عنه الطريقة وكان أول من تلقاها في تونس.

بانتمائه للطريقة التيجانية كسب الرياحي شرعيةً لا تخضع لمنطق التسلسل الوظيفي كما في جامع الزيتونة، ولا لمنطق تعيين الباي، حاكم تونس. فبينما كانت مكانته الفقهية تُبنى تدريجياً عبر سلّم زيتوني بطيء لم يكتمل إلا في سن متقدمة، كانت مكانته الصوفية تُبنى بالتوازي عبر شبكة مستقلة كلياً عن السلطة وعن الزيتونة معاً.

وقد تكفي رواية واحدة لتوضيح حجم هذا الرأسمال الرمزي. إذ ينقلُ محمد بن عثمان السنوسي في كتابِه "مسامرات الظريف بحسن التعريف"، الذي حُقِقَ وطُبع سنة 1994، أنّ أحمد باشا باي كان يعتقد أن أباه أحمد باي الأول لم يقتله "غير دعاء الشيخ إبراهيم". ولذلك كان يتحامى جانبه ويجلّ مكانته، حتى إنه حين أراد ترقية عالم آخر لم يجرؤ على مساواته بمنصب الرياحي، لأن المساس به قد يجلب غضباً لا يملك الحاكم أدوات مواجهته.

يضيف السنوسي أن هذه المكانة لم تتوقف عند شخص الرياحي. إذ انتقلت أيضاً إلى الزاوية التي أسسها ولم تكن فقط مقاماً للذكر والسماع، بل تحولت تدريجياً إلى مؤسسة اجتماعية موازية المؤسساتِ الرسمية. فالسنوسي يذكر أن أحمد باي استثمر رمزياً في تجديدها بعد وفاة الرياحي سنة 1850.


ما بدا شرعية حصنته نسبياً من غضب السلطة وأحوالها المتقلبة، منحت الرياحي قدراً من الحرية في اتخاذ المواقف أو حتى قبول ما تمليه السلطة السياسية ورفضه أحياناً. ويكشف تتبع علاقة إبراهيم الرياحي بمواقع السلطة عن نمط متكرر، تحفظ أولي عن تولي المناصب، يعقبه انخراط فيها حين تقوم حجة شرعية تلزمه به أو ضرورة تقتضيها الظروف.

فمثلاً يحكي المؤرخ التونسي محمد العزيز بن عاشور في مقالته "لماذا رفضَ الشيخ إبراهيم الرياحي (1766 - 1850) خطة القضاء؟" المنشور سنة 2017، إنّ الباي حمودة باشا بعثَ سنة 1806 إلى الرياحي ليوليه القضاء، فامتنع متعللاً بأن شيخيْه إسماعيل التميمي وأحمد بوخريص أصلح للخطة منه. ألزمه الباي القبول فقبل "ظاهراً" فقط، وهي عبارة كاتب الدولة أحمد ابن أبي الضياف، الذي وثّق الواقعة في كتابه "إتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان"، كما هي موجودة في نسختِه المنشورة سنة 1999. 

يتكرر الأمر في واقعةٍ أخرى بعد ربع قرن تقريباً. فقد قدَّم الباشا حسين باي الريّاحيَ لرئاسة أهل الشورى، دائرة المفتين بالمجلس الشرعي، بعد وفاة شيخه إسماعيل التميمي. لم يقبل الرياحي إلا بعد أن أكّد له الحاضرون أن الأمر "قد تعيّن عليك شرعاً". أما الواقعة المهمة الأخرى فكانت الإمامة الكبرى بجامع الزيتونة سنة 1839، حين اختاره أحمد باي الأول لهذه الخطة. جمع الرياحي بذلك بين الإمامة الكبرى ورئاسة الفتوى، وهو ما لم يجتمع لأحد قبله.

على ذلك كلّه، كان الريّاحي جريئاً في مواجهة السلطة السياسية. يروي السنوسي في كتابه: "خرج سيدي إبراهيم الرياحي يوم المولد النبوي متوجهاً إلى الجامع، فوجد عند بابه أرملة وأولادها يستغيثون به للشفاعة في زوجها المسجون، ويدعى السعدي، فوعدهم بذلك. بعد انتهاء قراءة المولد، عرض شفاعته على المشير [أحمد باي]، فأجابه هذا الأخير بأن الأمر 'مؤبد'".

يردف في الكتاب أنّ الرياحي، ما إن سمع هذه الكلمة، حتى استعاذ بالله علناً وصرّح أمام الحاضرين: "التأبيد لله"، رافضاً تسويف المشير في أمر يراه من حقوق الله والعباد. بُهت المشير من هذا الرد العلني، وقام الوزير ولسان الدولة معتذرَين، وأصدر الباي على الفور إذنه بإطلاق سراح السجين. 

وقد وصف السنوسيُ سلوكَ الرياحي هذا، بأنه كان قائماً على حدود الله "لا تأخذه في الله لومة لائم"، حتى إنه رفض أداء "المكوس"، أي الضرائب التي وظّفتها الدولة على الرعية، فيما بدا استقلالاً عن جهاز الدولة الجبائي.

لكنّ مواقف الريّاحي لم تمنع الباي من توكيله بمهام دبلوماسيّة لم يوكلها لعموم فقهاء البلاد. فكانت المحطة الأولى رحلته إلى المغرب الأقصى سفيراً سنة 1803، حين وقعت مجاعة قاسية في تونس، كما يروي المؤرخ حمّادي الساحلي في مقالته "سفارات الشيخ إبراهيم الرياحي في النصف الأول من القرن التاسع عشر" المنشورة سنة 1989.

عندها أراد أمير البلاد حمودة باشا طلب الحبوب من سلطان المغرب، فاختار وفداً كان الرياحي على رأسه لطلب المعونة من السلطان مولاي سليمان بن محمد. وحين وصل الرياحيُ إلى فاس، اغتنم الفرصة ليجتمع بمؤسس الطريقة التيجانية أحمد التيجاني. وهذه الزيارة شاهد على أن المهمة الدبلوماسية والمسار الصوفي كانا متشابكين في مسيرته لا منفصلين، إذ ساعده التيجاني في إقناع سلطان المغرب على منح الرياحي ما يريد كون السلطان كان من تلاميذ التيجاني. 

كانت محطة الرياحي الدبلوماسية الثانية رحلته إلى إسطنبول سنة 1838، عندما اختاره أحمد باي الأول سفيراً إلى السلطان محمود خان. إذ يروي عادل النفاتي، الباحث في التاريخ في جامعة تونس، في دراسته "الفقهاء والمخزن بإيالة تونس خلال القرن التاسع عشر" المنشورة سنة 2024، إنّ الباي طلب إعفاء البلاد من الخراج السنوي الذي كانت تدفعه تونس للسلطنة العثمانية، وقد نجح الريّاحي في تأجيل أداء المال المطلوب سنوياً. 


الاستقلالية النسبية عن السلطة التي حظي بها إبراهيم الريّاحي، وجذوره الشعبية وانتماؤه الصوفي وخصاله الدبلوماسية، جعلته أحد الجسور بين عالمين. فكان صلةً بين المؤسسة التقليدية التي ينتمي لها، والدولة التي كانت تدخل تدريجياً في طور جديد من التنظيم والإصلاح وما يترتب عليه من تحولات سياسية ومجتمعية.

فقد عاش الرياحي في تونس قبل وقوعها تحت الاستعمار الفرنسي سنة 1881، في عصر كانت فيه الدولة الحسينية تبحث عن طرق لتحديث هياكلها. وكانت المنطقة المحيطة بتونس تشهد تحولات سياسية عميقة منذ الثورة الفرنسية في أواخر القرن الثامن عشر. تزامن ذلك مع وقوع الجزائر تحت الاستعمار الفرنسي سنة 1830، ثم مع انطلاق "التنظيمات العثمانية" سنة 1839، وهي سلسلة إصلاحات إدارية وسياسية بدأت في عهد السلطان عبدالمجيد الأول. وترافق هذا كله مع تراجع نمط الإنتاج الإقطاعي في مقابل تطور التصنيع والنمط الرأسمالي، بكل ما حمله ذلك من تحولات اقتصادية ومجتمعية امتدت من أوروبا لتلقي ببعض ظلالها على المجال المتوسطي والدولة العثمانية. ولعل أبرز اسقاطات هذا التحول في تونس التوجه نحو إلغاء الرق.

كانت تونس أول دولة في العالم الإسلامي تلغي الرق في العصر الحديث، وجاء ذلك تدريجياً. ففي بداية أبريل سنة 1841 أصدر أحمد الباي أول مرسوم يحظر تجارة الرقيق عبر البحر المتوسط من الموانئ التونسية، كما تشرحُ الصحفيتان نسرين الزريبي وجوليا تيرادو في مقالتهما "23 جانفي 1846: نهاية العبودية؟"، المنشورة سنة 2023. وفي سبتمبر من سنة 1841 أغلق الباي سوق البركة، السوق الرئيس لبيع الرقيق في تونس العاصمة، وأمر بهدم دكاكينه متنازلاً بذلك عن عوائد ضريبية كبيرة لخزينة الدولة.

في سنة 1842، أقر الباي بأن كل طفل يولد من أبوين مسترقين مملوكين يُعتبر حراً منذ لحظة ولادته. ثم بحلول ديسمبر 1845، أعلن أن أي رقيق مملوك تطأ قدماه التراب التونسي يصبح حراً تلقائياً، بغض النظر عن جنسية مالكه. وقد توج جهوده في 23 يناير 1846 بإصدار أمر يقضي بالإلغاء التام للرق في كافة أنحاء الإيالة التونسية، معتبراً كل الرقيق الموجودين على أرضه أحراراً.

ولضمان قبول المجتمع هذه التغييراتِ الجذرية، لجأ باي تونس إلى المؤسسة الدينية لاستصدار فتاوى تؤيد قراره، وكان من بين أعضائها إبراهيم الرياحي. في هذا السياق، تقول وزارة العدل التونسية في موقعها الإلكتروني إنّ الحجج الدينية استندت إلى أن أصل البشر هو الحرية، وأن الكثير من الرقيق المجلوبين مسلمون أصلاً. بالتالي فإن استرقاقهم غير قانوني شرعاً، بالإضافة إلى مبدأ المصلحة العامة.

وعلى أهمية هذا التدخل الديني في إصدار التشريع، إلا أنّه عادةً ما ينظر إليه مصادقة شكلية لاحقة على قرار فرضته الضغوط البريطانية على باي تونس عبر القنصل توماس ريد. وهذا المنظور هو ما يقوله إسماعيل مونتانا، أستاذ التاريخ بجامعة إلينوي الشمالية، في حوارِه مع المفكرة القانونية سنة 2023 عن كتابِه "ذا أبولوشن أوف سليفري إن أوتمان تونيزيا" (إلغاء الرق في تونس العثمانية)، المنشور سنة 2013. ولم يكن الضغط البريطاني على تونس منفصلاً عن سياسة أوسع. فبعد أن ألغت بريطانيا تجارة الرقيق سنة 1807 ثم الرق في معظم مستعمراتها سنة 1833، استخدمت نفوذها الدبلوماسي للضغط على الدول التي استمرت فيها تجارة الرقيق. وكانت تونس إحدى ساحات هذا الضغط بسبب اتصال موانئها بشبكات تجارة الرقيق عبر الصحراء والمتوسط.

وإذا صحّ تفسير دور العلماء في إلغاء الرق مصادقةً شكلية على قرار سياسي، فإنه ينطبق بدرجة أكبر على المفتي محمد بيرم. فقد كان ذو أصول تركية وعلى المذهب الحنفي، المذهب الرسمي للسلطة وينتمي للشريحة الاجتماعية الأقرب من البلاط. أما الرياحي، فلا تبدو الرواية وجيهةً، بحكم منصبه مفتياً للمذهب المالكي، المذهب الرسمي لعموم التونسيين. إضافة لذلك هناك بعض الأسباب التي تمنع أن يكون رأي الرياحي مصادقة فقط. أولها أن الرياحي لم يكن في تاريخه الطويل أداة طيّعة تُصدر ما يُملى عليها، بل كان فاعلاً يتحرك داخل شبكة متداخلة من الولاءات المتعارضة. وقبل ذلك فإن مرسوم الباي ربما لم يكن ليُصدَر أو يُقبل اجتماعياً لولا مصادقة المفتي المالكي عليه، والوثيقة الرسمية وجّهت الخطاب إليه بالاسم قبل بقية العلماء. من ثمّ، فإن تأييد الرياحي للقرار لم يكن مجرد مصادقة من عالم ديني، بل جاء من موقع المرجعية المالكية للرعية، وجعل مشاركته جزءاً من إسناد قرار الإلغاء إلى مرجعية فقهية محلية تتجاوز دائرة السلطة الحاكمة.

يضاف إلى هذا كله أن قرار إلغاء الرق نفسه لم يكن وليد ضغط خارجي بريطاني بحت مقابل صمت داخلي تام، إنما نتاج تفاعل معقّد بين عاملين. فمن جهة، قد يكون القنصل البريطاني ضغط على الباي، وأن الحكومة البريطانية تدخّلت عند الباب العالي لتخفيف مطالبه المالية على تونس في السياق نفسه الذي واكب مهمة الرياحي الدبلوماسية سنة 1842. ولكن من جهة أخرى، فإن أحمد باي فضّل نهج الإلغاء التدريجي للرق، خشية المعارضة التي يمكن أن يلقاها من الطبقة المرفّهة المحيطة بالبلاط، كما تشير إلى ذلك المؤرخة إليزابيث فان دير هافن، في دراستها "ذا أبولوشن أوف سليفري إن تونيزيا (1846)" (إلغاء الرق في تونس 1846)، المنشورة سنة 2000.

هذا يعني أن معركة إلغاء الرق لم تكن بين "دولة تونسية خاضعة" و"ضغط أوروبي"، إنّما في جانب مهم منها معركة داخلية بين الباي المصلح والقوى الاجتماعية المحافظة. والأهم أن في هذه المعركة الداخلية كان لموافقة الفقهاء، وعلى رأسهم إبراهيم الرياحي، وزناً لا يمكن للضغط البريطاني وحده أن يُعوّضه. إذ تحكي فان دير هافن إنّ الباي أدرك أن أي مرسوم للتحرير لا يحظى بمصادقة الفقهاء وشرعية دينية محلية سيبقى عرضة للطعن الداخلي، مهما كانت قوة الدعم الخارجي الذي يحظى به. ولهذا كانت مصادقة بيرم والرياحي شرطاً ضرورياً لتثبيت المرسوم اجتماعياً.

ولم تنتهِ قيمة هذا الرصيد الرمزي بانتهاء الإصلاح الذي شارك الريّاحي في إسناده شرعياً، فقد بقيت مكانته حاضرة في النقاش الإصلاحي التونسي بعد وفاته سنة 1850. أصبحَ المرجعية الشرعية التي استند إليها جيل خير الدين باشا التونسي، أحد أبرز المصلحين في تونس في القرن التاسع عشر، المتوفى سنة 1890.وقد شغل منصب رئيس وزراء الدولة التونسية، قبل أن يتولى لاحقاً منصب الصدارة العظمى في الدولة العثمانية.

وربما أوضح دليل على دور الرياحي هذا، ما استحضره خير الدين باشا نفسه من سلطته الرمزية بعد عقود من وفاته. ففي كتابه "أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك" المطبوع أوّل مرة سنة 1867، حين يواجه خير الدين معضلة إقناع المجتمع التونسي والزيتونيين بالتنظيمات العثمانية، فهو لا يلجأ إلى حجج عقلية أو شرعية. ما كان يفعله بدل ذلك هو  استحضار اسم الرياحي حجةً قاطعةً بأن الإصلاحات والتنظيمات الإدارية متوافقة مع الشريعة. فيكتب أن هذا الرجل، الذي يصفه بأنه "الحبر الذي سارت بمآثره الركبان"، لو لم يكن مقتنعاً بأن التنظيمات مقبولة ومطابقة لأحكام الشريعة ومبادئها، لما طالب بالإبقاء عليها وتطبيقها.

ومع أن خير الدين باشا لم يكن يُعرف عنه ميل شخصي للتصوف، إلا أنّه أمر بترميم زاوية إبراهيم الرياحي، ولم يبخل بالجهد والمال في البحث عمّن يُتقن تزيينها. بل إنه استقدم خصيصاً نحّاتاً مغربياً من فاس، وكلّفه بإتمام زخرفة قبة الزاوية.

وهذه الواقعة تختزل بدقة جوهر فكرة الجسرية بين التقليد والحداثة. فخير الدين، رجل الدولة العصري المنبهر بمنجزات أوروبا المنخرط في شبكة علاقاتها، لم ير تناقضاً بين هذا الانبهار وبين الاستثمار الرمزي والمادي في مؤسسة صوفية تقليدية تحمل اسم الرياحي. فالتحديث الذي يقوده خير الدين لا يقطع مع الماضي، بل يحتفي برموزه ويرممها، تماماً كما يرمم مبانيها الحجرية. 


لم يكن إبراهيم الرياحي فقيهاً عاش وانتهى دوره بموته، بقدر ما شكل أساساً معرفياً وشرعياً وهوياتياً، ظل جيل خير الدين بأكمله يبني عليه ويستدعيه كلما احتاج إلى إثبات أن التحديث التونسي مشروعٌ نابع من الداخل. واستمر ذلك حتى جاءت القطيعة الاستعمارية الفرنسية سنة 1881 بنسختها الخاصة من الحداثة. وقد كانت قطيعة بالإكراه، فرضتها سلطة احتلال استغنت عن حاجتها الهيكلية إلى شرعية الفقهاء المحليين، فأفقدت النخبة الدينية وظيفتها الفعلية دون أن تلغيها رسمياً.

أما قطيعة  ما بعد الاستعمارية منذ منتصف الخمسينيات، فكانت بالاختيار، وقد أحدثتها نخبة وطنية بقيادة الحبيب بورقيبة ورثت سلطة الدولة، ورأت في تفكيك الاستقلالية المؤسساتية للحقل الديني شرطاً ضرورياً لبناء دولة حديثة موحّدة السلطة والقانون. فذهبت أبعد بكثير مما كان خير الدين باشا ليجرؤ عليه، مع أنها استعارت اسمه ورمزيته. 

هذا ما يجعل من إعادة قراءة سيرة إبراهيم الرياحي اليوم سؤالًا راهناً. فالنموذج الذي مثّله لم يمت بفعل الاستعمار وحده، بل استُكمل موته بفعل خيار سلطوي اعتبر أن الدولة الحديثة، لكي تكتمل حداثتها، لا بد أن تُنهي إمكانية وجود موقع ثالث بين التبعية الكاملة والمعارضة المطلقة، وأن تعيد السيطرة بالمطلق على المؤسسة الدينية ونخبتها.

اشترك في نشرتنا البريدية