ويا لفرح والدتي بما يأتي به. تحتفظ بحاجتنا، ثم توزِّع بعضه على الجيران، فيما يذهب بعضه الآخر إلى بائع الخضراوات بجوارنا فيحمل منه إلى بعض معارفه. كثيراً ما دار على الألسن اختلاف طعم هذه الخضراوات عن تلك المستوردة التي اعتاد الناس شراءها من السوق.
يتكرر هذا الحديث العابر كلّما وصل محصولٌ جديد. لكنه ذات مرّةٍ أعاد إلى ذهني صورةً مختلفةً حديثة العهد. ففي أواخر سنة 2020، تعطلت حركة الشاحنات عند معبر الكركرات، نقطة العبور على الطريق البرّي الواصل بين المغرب وموريتانيا، بعدما أغلقه عناصر جبهة البوليساريو ثلاثة أسابيع. شحّت بعض الخضراوات في السوق الموريتاني، وارتفعت أسعارها، ولاسيّما الطماطم. وشتّان ما بين خضراواتٍ تأتي من روصو تزيد على حاجة أسرةٍ، وبين سوقٍ يتأثر بتوقف الشاحنات المحمّلة بالخضراوات على طريقٍ خارجيّ.
وقتئذٍ أخذت الزراعة بالعودة إلى واجهة النقاش الاقتصادي في موريتانيا. واستفاض الحديث الرسميّ عن الإنتاج المحلي والأمن الغذائي وتقليل الاعتماد على الخارج. وفي يونيو 2026، اتّضح هذا التوجّه عندما صُدِّق مشروع مرسومٍ يقضي بإنشاء "قطب النهضة الزراعية" في اترارزة، ليجمع بين الإنتاج الزراعي والحيواني والتحويل الصناعي والخدمات التي تربط مناطق الإنتاج بالأسواق والمَوَان.
جاء الرهان على هذا المشروع بعد أزماتٍ كشفت عن تحسّس السوق الموريتانية مما يحدث خارج الحدود. فقد أظهرت جائحة كوفيد 19 سنة 2020 هشاشة سلاسل الإمداد. ثم جاءت أزمة الكركرات لتظهر انعكاس تَعطُّل طريقٍ خارجيٍّ داخل الأسواق الموريتانية. وسوى تَيْنك الأزمتين كشفت الهشاشة عن مسارٍ لاحت معالمه منذ الاستقلال سنة 1960، وتغيّرت على إثره علاقة الموريتانيين بالأرض والعمل والمدينة والسوق. وبين اقتصادٍ كانت الزراعة والرعي في قلبه، واقتصادٍ أصبحت فيه حاجات المدن أكثر اتصالاً بالأسواق والواردات، يمتدّ مسارٌ من التحولات يجعل العودة الراهنة إلى الحقل أسمى من زيادة المحصول فقط. ولا مناص دون هذه العودة من إعادة بناء الصلة بين الإنتاج المحليّ والتصنيع والنقل والسوق.

كان لهذه المخاوف ما يبرّرها. فقد أوشك اضطراب حركة التوريد أن ينتقل من الحدود إلى السوق، ومن السوق إلى مائدة الأسرة. هذا ما توضّحه وثيقةٌ للبنك الدولي سنة 2020 حول تطوير سياسة موريتانيا في مواجهة الجائحة. يرِدُ في الوثيقة أنّ واردات البلاد كانت تفي نحو 52 بالمئة من الطلب المحلي على الفاكهة والخضراوات، و98 بالمئة من القمح، و95 بالمئة من الحليب المجفف، وكامل الطلب على السكر. وحاصل ذلك أنّ السوق الموريتانية كانت تستورد أكثر من نصف ما تستهلكه من الفاكهة والخضراوات، وتعتمد على الاستيراد إلا قليلاً في مواد غذائيةٍ أخرى.
أبانت الأشهر الأولى من الجائحة عن شيءٍ من ذلك في الداخل. فما إن شحّت المواد حتى وقعت مضارباتٌ وارتفعت أسعارها في ولاياتٍ شتى. نشرت الوكالة الموريتانية للأنباء في السادس من يناير 2021 تقريراً عن حصيلة عمل إدارة حماية المستهلك وقمع الغشّ سنة 2020، وذكرت فيه أنّ فِرَق الرقابة نفذت منذ بداية الجائحة 9519 واقعة تفتيشٍ في أنحاء البلاد. أسفرت هذه الوقائع عن ضبط 4660 مخالفةٍ، منها 705 مخالفاتٍ مرتبطةٌ بالمضاربة. أشار التقرير أيضاً إلى أنّ الإدارة راقبت المواد الأساس وأسعارها، وأبرمت اتفاقياتٍ مع المورّدين، وتابعت المخزون الوطني.
على أن هذه الأرقام لا تعزو المخالفات المسجَّلة إلى الجائحة بالضرورة، لكنها تكشف عمّا شغلته مسألة التموين والتسعير من عمل أجهزة الرقابة في تلك السنة. وفي مايو 2020 كانت إدارة حماية المستهلك أكثر وضوحاً في وصف وضع الأسواق. ففي حصيلةٍ نشرتها الوكالة الموريتانية للأنباء في الثالث من يونيو، سُجّل "نقص ملحوظ في بعض المواد الأساسية [. . .] أدى إلى حدوث مضارباتٍ وارتفاعٍ [في الأسعار]" في ولاياتٍ مختلفة. وأشارت الوكالة إلى تأثّر التجارة الدولية بالجائحة، سواءً بتراجع الإنتاج العالمي أو تأثّر النقل البحري بالإجراءات الصحية التي طالت مَواني الشحن.

بعد أشهرٍ واجهت السوق الموريتانية اختباراً آخر على الطريق البرّي الذي يربطها بالمغرب. فقد تجمّع عناصر من الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب (البوليساريو) — إحدى أطراف النزاع حول الصحراء الغربية — في المنطقة منذ 21 أكتوبر 2020، وقطعوا الطريق على السيارات والشاحنات.
وسوى النزاع السياسي في المنطقة دلّت الأزمة على أثرٍ اقتصاديٍ مباشرٍ في السوق الموريتانية. فهذه الطريق تسلكها شاحناتٌ تحمل الخضراوات والفواكه وغيرها من السلع القادمة من المغرب، وسرعان ما ظهر أثر إغلاقها في الأسعار. ففي تقريرٍ بعنوان "أزمة الكركرات تتسبب في ارتفاع أسعار الخضروات بموريتانيا"، نشره موقع "أتلانتيك ميديا" الموريتاني في 25 أكتوبر 2020، ارتفع سعر الثوم من ثمانين إلى مئةٍ وعشرين أوقيةً (الدولار يساوي تقريباً 39.9 أوقية جديدة)، فيما ارتفع سعر الخسّ من عشرة أوقياتٍ إلى ثلاثين. وأوضح مثالٍ على أزمة الأسعار هو الطماطم. ارتفع سعر كيلوغرام الطماطم في الثاني من نوفمبر من خمسمئة أوقيةٍ إلى ألفين، أي إلى أربعة أمثال مستواه السابق. التجّار الذين نقل عنهم الموقع ربطوا هذا الارتفاع بتعطّل وصول الشاحنات المغربية التي كانت تزوِّد السوق الموريتانية بالخضراوات إثر إغلاق معبر الكركرات.
تتذكر سالمة بنت مبارك أثر تلك الأيام في حركة البيع، إذ كانت تبيع الخضراوات في دكانها بجنوب نواكشوط. ففي حوارٍ لها مع الفراتس، تحدثت عن تراجع ما يحصل عليه الباعة من تجّار الجملة، وارتفاع تكلفة شراء ما يتوفر منها. قالت سالمة إنّ ارتفاع الأسعار ثَنَى الزبائنَ عن الإقبال، إذ أخذ بعضهم يقلّل ممّا يشتريه، أو يستغني عن بعض الأصناف. وبذلك لم يتوقف أثر الأزمة عند نقص المعروض وارتفاع أسعار الجملة، بل وصل إلى بائع التجزئة، ثم إلى ما تستطيع الأسرة شراءه من السوق.
مع تطاول أمد الأزمة، بدأ البحث عن مساراتٍ أخرى لتزويد السوق. ففي الأول من نوفمبر 2020، ذكرت صحيفة "الصدى" الموريتانية أنّ قوافل من الشاحنات المحمّلة بالخضراوات وصلت من الجزائر إلى مدينة ازويرات شمالي البلاد. وفي أقلّ من أسبوعٍ، ظهر مسارٌ آخر لتجاوز تعطّل الطريق البرّي. فقد أفاد مصدرٌ بوزارة التجارة الموريتانية لموقع "الداخلة تيفي" في السابع من نوفمبر بوصول سفينةٍ محمّلةٍ بالخضراوات إلى ميناء نواكشوط وعلى متنها ثلاث عشرة حاوية.

كانت الصورة مختلفةً في بواكير الدولة الموريتانية الحديثة. وهذا ما يوضّحه تقرير البنك الدولي "موريتانيا: كارنت إيكونوميك سيتويشن آند بروسبيكتس" (الوضع الاقتصادي الراهن وآفاقه في موريتانيا) الصادر سنة 1974. في التقرير، قُدِّرت القوة العاملة بنحو خمسمئة ألف شخصٍ، يعمل قرابة 92 بالمئة منهم في القطاع التقليدي، مقابل 8 بالمئة في القطاع الحديث. ويشير التقرير إلى أنّ الثروة الحيوانية والزراعة من أبرز أنشطة الاقتصاد التقليدي، فيما تركزت أنشطة الاقتصاد الحديث أساساً على التعدين وصناعات معالجة الأسماك والإدارة العامة.
على ذلك، كان القطاع الحديث ينمو بوتيرةٍ أسرع بكثير. يقدّر البنك الدولي نموّ القطاع التقليدي بنحو 4 بالمئة سنويّاً بين سنتَي 1960 و1968، مقابل 19 بالمئة للقطاع الحديث. ثم أصبح نمو القطاع التقليدي قريباً من الصفر بين 1969 و1972، فيما نما القطاع الحديث بنحو 5 إلى 6 بالمئة سنويّاً. ووفقاً للتقرير، فإنّ أعداداً متزايدةً من العمّال القادمين من القطاع التقليدي أخذت تدخل القطاع الحديث.
وكما اختلفت معدّلات النمو بين القطاعَين، تضاعفت حركة انتقال العمّال من القطاع التقليدي إلى الحديث، ولاسيما قطاع الحديد. ففي دراسته "لي مين دو فير دو موريتاني: ميفرما" (مناجم الحديد في موريتانيا: ميفرما)، المنشورة سنة 1965، يصف الجغرافي الفرنسي فيكتور ماربو مجمّعاً تعدينيّاً ضخماً "أُقيم في وسطٍ طبيعيٍّ شديد القسوة". فمنذ إرسال أول شحنةٍ من معدات التجهيز في أبريل 1960 وحتى افتتاح المنشآت في يونيو 1963، جُهِّزت مناجم قادرةٌ على إنتاج ستة ملايين طنٍّ من خام الحديد سنويّاً، ومُدَّ خطٌّ للسكك الحديد بطول ستئمةٍ وخمسين كيلومتراً، وأُنشئ ميناءٌ قادرٌ على استقبال سفنٍ بحمولة خمسة وستّين ألف طنّ. هذا إلى جانب مساكن تستوعب نحو عشرة آلاف شخصٍ في كانصادو وازويرات، شمالي موريتانيا، مما جعل ماربو يذهب إلى القول بأنّ إقامة مركب المناجم هذا أحدث "تغييراً كاملاً" في الوسط المحلي.

هذا التحوّل، مع كونه عمرانياً وتقنياً، شهد استدعاء المنشآت الجديدة قوةً عاملةً أخذت تعيد تشكيل المجال المحيط بها. ففي تقرير البنك الدولي لسنة 1968 "موريتانيا: إسكيس دون بروغرام دو ديفلوبمان كادريينال" (موريتانيا: مخطط برنامج تنمية لأربعة أعوام)، تُظهر بيانات شركة حديد موريتانيا "ميفرما" أنّ عدد العاملين في الشركة بلغ 1120 عاملاً سنة 1961، ارتفع إلى ثلاثة أمثاله سنة 1965 مع 3788 عاملاً. وفي سنة 1966، بلغ عدد العمّال 3952، صُنّف 2933 منهم ضمن فئة العمال الأفارقة (موريتانيين وسنغاليين)، أي نحو ثلاثة أرباع مجموع العاملين. أما الربع الباقي، فكان من الأوروبيين، لاسيما الإسبان.
امتدّ أثر هذه الحركة بشريّاً. يشير التقرير في حديثه عن مدينة ازويرات إلى تجمّع أفرادٍ من أسر العامل وأقاربه حوله، بما جعل النشاط المنجميّ عاملَ جذبٍ بشريٍّ إلى المنطقة.
وهكذا، بالتوازي مع تشكّل المراكز التعدينية في الشمال، كانت الدولة تبني مركزها الإداريّ في نواكشوط، ومن ثمّ كان تَشكّل العاصمة وتجهيز الدولة مرافقها يجريان معاً. يتحدث تقرير البنك الدولي عن الوضع الاقتصادي الموريتاني سنة 1974، فيشير إلى أنّ العاصمة بُنيت منذ سنة 1960 في منطقةٍ تفتقر إلى البنى الأساس. ويلفت إلى أنّ السياسة الاقتصادية في العقد الأول من الاستقلال ركّزت على تطوير البنية التحتية اللازمة لتجهيز البلاد بعاصمةٍ حديثةٍ، وبالمرافق اللازمة لتسيير شؤون الدولة.
يقرأ أستاذ علم الاجتماع بجامعة نواكشوط، عبد الله ولد محمد فال، هذه المرحلة من زاوية الحاجة إلى القوة البشرية. ففي حديثه مع الفراتس، يقول إنّ الدولة الموريتانية الوليدة كانت تبني عاصمةً وإدارةً ومؤسّساتٍ حديثةً في مجتمعٍ توجد غالبية قوّته العاملة في الأرياف. ويختصر هذه العلاقة بالقول إنّ الدولة يومئذٍ "كانت بحاجةٍ إلى السكّان أكثر مما كان السكّان بحاجةٍ إليها". فمعيشة كثيرٍ من الموريتانيين كانت مرتبطةً بالقطيع والأرض، في حين احتاجت العاصمة والمؤسّسات الحكومية والمراكز الاقتصادية الجديدة إلى الموظفين والعمّال. وبحسب تحليل ولد محمد فال، أصبحت الأرياف خزّاناً بشريّاً استمدّت منه الدولة جانباً من القوة الفتيّة اللازمة لتشغيل مؤسّساتها وتكوين نواتها الحضرية.
تدعم أرقام النمو جانباً من هذا التفسير. ففي تقريره لسنة 1974، يقدّر البنك الدولي أنّ نحو 90 بالمئة من الزيادة في القيمة التي أضافتها مختلف القطاعات إلى الاقتصاد بين 1960 إلى 1972 تحققت في القطاع الحديث، وكان التعدين وحده مسؤولاً عن 58 بالمئة من تلك الزيادة. ويشير التقرير أيضاً إلى أنّ أعداداً متزايدةً من العمّال القادمين من القطاع التقليدي أخذت تُدمَج في القطاع الحديث. وهكذا، تركّز الجزء الأكبر من النمو في القطاع الحديث، في حين ظلّت الغالبية الكبرى من القوة العاملة داخل القطاع التقليدي.

كان لِما وَصَفَه ولد محمد فال باجتثاث اليد العاملة من الأرياف وجهٌ آخر داخل الريف. يوضح أستاذ علم الاجتماع أنّ خروج الشباب القادرين على العمل حَرَمَ الأنشطة الريفية من بعض السواعد التي كانت تقوم عليها. وبعبارته، تُرك الريف بدرجةٍ أكبر "للشيوخ والنساء"، فأصبح أقلّ قدرةً على حماية أنشطته الإنتاجية والتكيّف مع الصدمات اللاحقة.
لم تتأخر تلك الصدمات. بين أواخر الستينيات ومطلع السبعينيات، شهدت البلاد واحدةً من أشدّ موجات الجفاف التي عرفتها خلال عقود. يصف البنك الدولي جفاف السنوات، ما بين 1968 و1972، بأنها "من أسوأ فترات الجفاف في خمسين عاماً". وقَدّر تراجع الإنتاج الزراعي بما يصل إلى 60 بالمئة بين 1972 و1973، فيما قدّر خسائر قطيع الأبقار بنحو 30 إلى 40 بالمئة.
لكن لم يقتصر الأثر على الإنتاج. إذ أشار التقرير إلى مشكلاتٍ اجتماعيةٍ نجمت عن تجمّع اللاجئين حول مراكز الإمداد الغذائي الطارئ، وإلى أعباءٍ جديدةٍ على الميزانية الوطنية لتمويل عمليات الإغاثة الغذائية والخدمات الاجتماعية والصحية. تُظهر التحولات السكّانية مقدار ما حدث خلال مدةٍ قصيرةٍ نسبيّاً. ففي ورقةٍ قدّمها الباحث في المكتب الوطني الموريتاني للإحصاء، محمد لغظف الشيخ ماء العينين، عن التعداد العام للسكان والمساكن في موريتانيا ضمن ندوةٍ نظّمتها شعبة الإحصاء التابعة للأمم المتحدة سنة 2001، يظهر تراجع نسبة الرحّل من 75 بالمئة من السكّان سنة 1965 إلى 12 بالمئة سنة 1988، ثم إلى أقلّ قليلاً من 6 بالمئة سنة 2000. ويربط الشيخ ماء العينين سرعة الاستقرار السكّاني — من بين جملة عوامل — بموجات الجفاف في السبعينيات والثمانينيات وتحسّن ظروف المعيشة، لاسيما لدى السكّان المستقرّين. وهو ما شجّع الرحّل على الاستقرار حول المراكز الحضرية الرئيسة.

يوضّح تقرير "ستراتيجي دو ديفولبمان إندوسترييل بور لا موريتاني" (استراتيجية التنمية الصناعية لموريتانيا)، الذي أعدّته منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية سنة 1984، جانباً من هذه المفارقة. فقد كانت معظم الصناعات القائمة تستورد المواد الأولية أو المنتجات نصف المصنّعة، ويتركز نشاطها غالباً في المرحلة الأخيرة من العملية الصناعية مثل الخلط والتعبئة، وتكاد جميعها صناعاتٌ لإحلال الواردات، ونادراً ما تستخدم المواد الأولية المحلية.
علاوةً على غياب الموارد، كانت الروابط التي تصلها بالصناعة ضعيفة. يشير تقرير الاستراتيجية إلى ضعف الصلة بين النشاط الصناعيّ وقطاعات التعدين والزراعة والصيد والثروة الحيوانية، مع أنّها كانت تمثّل مجالاتٍ يمكن أن تقوم عليها أنشطةٌ تحويلية. ومع ذلك، رأى التقرير إمكانية تطوير مشروعاتٍ متكاملةٍ لتحويل الموارد الوطنية، لاسيما في قطاعَي الصيد والصناعات الغذائية، بما يمكن أن يشكّل مراكزَ للتصنيع عبر شبكةٍ من المؤسّسات الصغيرة والمتوسطة التي توفّر المدخلات والأدوات والمعدات.
يُظهر تقرير منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية "موريتانيا: إندَستريِل دِفلوبمِنت ريفيو سيريز [. . .]" (موريتانيا: سلسلة استعراض التنمية الصناعية – إعادة توجيه الصناعة وتجديدها) الصادر سنة 1989 أنّ خطة التنمية الثالثة للفترة بين 1976 و1980 تضمّنت برنامجاً لاستثمار 548 مليون دولارٍ، أي ما يعادل 121 بالمئة من الناتج المحليّ الإجماليّ، في سبعة مشروعاتٍ صناعيةٍ كبيرةٍ ضمن الصناعات التحويلية الأساس. غير أنّ ثلاثةً فقط من هذه المشروعات نُفذت ولم يدخل منها سوى مشروعٍ واحدٍ مرحلةَ الإنتاج، وهو مشروع فرن الحديد الكهربائي، فيما اقتصر نشاط مصفاتَي السكر والنفط لاحقاً على التخزين والتعبئة والتوزيع.
لم يؤدِّ ذلك إلى قيام قاعدةٍ تحويليةٍ بالاتساع المأمول. ففي سنة 1987، بلغ متوسط القيمة المضافة 38.5 بالمئة من رقم الأعمال الإجماليّ لدى اثنتين وعشرين مؤسّسةً صناعيةً شملها المسح. وهو ما عدّه التقرير مؤشراً على محدودية درجة التحويل في عدّة مؤسّساتٍ اقتصر نشاط بعضها على تعبئة منتجاتٍ مستوردةٍ أو على قدرٍ محدودٍ من تحويل مواد أساس كان معظمها مستورداً.
تُعدّ صناعة الدقيق مثالاً واضحاً على صعوبة بناء سلسلةٍ تحويليةٍ محلية. فقد أُنشئ مصنع "فامو موريتانيا" سنة 1981 بطاقةٍ تبلغ ثمانين ألف طنٍّ من الدقيق سنوياً، وكان يعتمد على القمح المستورد. لكنّ المصنع ظلّ مغلقاً منذ مايو 1982، بعدما أصبح سعر الحبوب المستوردة أعلى من سعر الدقيق المستورد. وهكذا، أصبح المنتج النهائيّ القادم من الخارج أكثر قدرةً على المنافسة من مادةٍ أوليةٍ مستوردةٍ تحتاج إلى تحويلها داخل البلاد.

تظهر الحصيلة العامة لهذا المسار في محدودية الوزن الذي احتلّته الصناعة التحويلية في الاقتصاد. ففي منتصف الثمانينيات، بلغت مساهمتها 3.8 بالمئة فقط من الناتج المحليّ الإجماليّ سنة 1984، ثم 4 بالمئة سنة 1986، مقابل 14.6 بالمئة للتعدين و20.2 بالمئة للثروة الحيوانية في السنة الأخيرة. وتكشف بيانات التشغيل عن محدوديةٍ مماثلةٍ، إذ لم يكن يعمل في القطاع الحديث سنة 1985 سوى نحو ستين ألف شخصٍ، أي 12 بالمئة من القوة العاملة، كان 30 بالمئة منهم في الإدارة و20 بالمئة في المؤسّسات شبه العمومية. أما بين العاملين في القطاع المنظم، فلم تستوعب الصناعة التحويلية سوى نحو 3 بالمئة، مقابل 26 بالمئة في البناء و44 بالمئة في الخدمات، فيما كانت المؤسّسات الصناعية الصغيرة والمتوسطة تشغّل نحو ألف شخصٍ فقط.
يُجلي السوق وجهاً آخر من هذه المحدودية. ففي سنة 1986، مثّلت المواد الغذائية 28.7 بالمئة من إجماليّ واردات موريتانيا. وقد ظلّ الإنتاج المحليّ عاجزاً عن مجاراة الطلب الغذائيّ، إذ لم يكن يغطي في منتصف الثمانينيات سوى نحو 20 إلى 30 بالمئة منه في المعتاد، فيما كان الاعتماد على الواردات والمساعدات الغذائية يسدّ جزءاً كبيراً من الفجوة.
بين هذه التحولات الاقتصادية، كانت العلاقة بالسوق تتغيّر داخل البيوت. ففي حديثٍ مع الفراتس، يستعيد محمد (من أسرة أهل الخليفة) مسار أسرته القادمة من منطقة لعصابة وسط موريتانيا حيث ارتبط راتب جيلها الأول بالرعي والزراعة وما يوفّره هذان القطاعان من دخلٍ وقوت. كانت الأسرة تحصل على قسمٍ من حاجاتها مباشرةً من نشاطها، وتستكمل باقي الحاجات عن طريق الأسواق والتبادل. بدأ هذا النمط يتغيّر حين التحق أحد أبناء الأسرة بالتعليم، ثم أصبح معلّماً في نواكشوط. ومع انتقاله إلى العاصمة، تغيّر مصدر الدخل تدريجياً. فأصبح الراتب القادم من الوظيفة مورداً أكثر انتظاماً، وأخذت السوق تشغل مساحةً أكبر في توفير حاجات البيت. لم تنقطع صلة الأسرة بالريف البتّة، لكنّ الطريق الذي يصل عبره بعض حاجاتها أخذ يتغيّر.
تدلّ المائدة على وجهٍ من هذا التحوّل. فقد كان الجيل الأول من العائلة يحصل على بعض قوته من النشاط الرعويّ والزراعيّ، فيما أصبح الجيل الذي استقرّ في نواكشوط يحصل على قسمٍ أكبر عن طريق الشراء. صحب ذلك اختلافٌ في نوع الطعام وكيفية وصوله إلى البيت. فما كان يأتي جزئياً من موردٍ تملكه الأسرة وتشارك في إنتاجه، أصبح يمرّ بدرجةٍ أكبر عبر الراتب ثم السوق.
تظهر بعض نتائج هذا المسار قبل إنشاء القطب، وهو ما يظهره موجز "كانتري بريف: موريتانيا" (موجز الدولة: موريتانيا)، الصادر عن منظمة الأغذية "فاو" في 9 سبتمبر 2025. يقدّر الموجز إجماليّ إنتاج الحبوب لسنة 2024 بنحو 571 ألف طنٍّ، أي بزيادةٍ تقارب 20 بالمئة على متوسط السنوات الخمس السابقة. وربط الموجز هذه النتيجة بظروفٍ مناخيةٍ مواتيةٍ عموماً، إلى جانب توفير المدخلات المدعومة والائتمان الزراعي لزراعة الأرز المرويّ، وتحسّن الوصول إلى خدمات الميكنة في إنتاج المحاصيل المطرية.

خدمة غيتي للصور
سبق ذلك إطلاق مشروع دعم التنمية والابتكار الزراعي في موريتانيا، الذي وافق عليه البنك الدولي في 17 نوفمبر 2022 بتمويلٍ قدره 50 مليون دولار من المؤسّسة الدولية للتنمية. يهدف المشروع إلى تحسين إدارة موارد الأراضي وتشجيع زراعةٍ تجاريةٍ شاملةٍ ومستدامةٍ في مناطق مختارةٍ من البلاد، وذلك عبر تدخلاتٍ تشمل استصلاح الأراضي والإدارة المستدامة للموارد الطبيعية. ويرمي المشروع إلى إعادة تأهيل البنية التحتية المائية والإنتاجية، وتحسين حيازة المنتجين على التقنيات والخدمات الزراعية، إلى جانب تطوير البنية التحتية التي تعزز الوصول إلى الأسواق.
في يونيو 2026، توسّع هذا المسار. فقد أفادت وكالة أنباء الأخبار المستقلة، في خبرها "الحكومة تنشئ قطباً تنموياً بولاية الترارزة" الذي نُشر 18 يونيو 2026، بأنّ الحكومة صادقت على مرسومٍ بإنشاء قطبٍ تنمويٍّ في ولاية اترارزة يحمل اسم "النهضة الزراعية". يتشكل القطب، وفق البيان الحكومي الذي نقلته الوكالة، من حوض إنتاجٍ يمتدّ على مقاطعات كرمسين وروصو وانتيكان واركيز والمذرذرة (جنوب غربي موريتانيا) بمساحةٍ إجماليةٍ تبلغ ثمانمئة ألف هكتار (الهكتار يساوي عشرة آلاف متر مربع) ومنصةٍ لتحويل وتصنيع المنتجات الزراعية والحيوانية قرب تكنت جنوب نواكشوط، في موقعٍ يتوسط مناطق الإنتاج وميناء نواكشوط وميناء انجاكو الساحلي قرب مصب نهر السنغال ومطار نواكشوط. ويستهدف المشروع تحقيق الاكتفاء الذاتي في إنتاج الخضراوات، وزيادة إنتاج القمح والأعلاف والفواكه، إلى جانب تثمين وهيكلة الشُّعَب الزراعية والحيوانية الموجهة نحو التصدير.
يختلف هذا التصوّر عن مجرد توسيع المساحات المزروعة. فهو يحاول الجمع، داخل المشروع نفسه، بين الحقل وما يأتي بعده من تحويلٍ وتصنيعٍ ونقلٍ ووصولٍ إلى الأسواق. غير أنّ المسافة بين هذا التصوّر وبين الإنتاج الفعلي تتضح عند النظر إلى ما يواجهه المزارع.
ففي مقابلةٍ للفراتس، يتحدث المزارع عبد الله ولد مسعود عن جانبٍ من هذه العقبات في منطقة شمامة، السهل الزراعي الممتد بمحاذاة نهر السنغال في مقاطعة روصو جنوبي موريتانيا. يقول ولد مسعود إنّ المزارع الذي لا يملك أرضاً يضطر إلى استئجارها، وإنّ إيجار الهكتار قد يصل في بعض الحالات إلى نحو سبعة آلاف أوقيةٍ جديدةٍ، أو ما يقارب 175 دولاراً أمريكياً.
لا تتوقف النفقات عند استئجار الأرض. يحتاج المزارع قبل جَني محصوله إلى سيولةٍ لتجهيزها وشراء مستلزمات الزراعة وتغطية تكاليف العَمالة والري. وهنا يقول ولد مسعود إنّ مشكلة التمويل تظهر لدى بعض المزارعين الذين لا يملكون الموارد الكافية لتغطية هذه النفقات في بداية الموسم. ويضيف أنّ توفير المياه وإيصالها إلى المزروعات يزيد العبء بما يجعل دخول الموسم الزراعي أصعب على المزارع الذي يبدأ من دون أرضٍ مملوكةٍ أو رأس مالٍ كافٍ.
وبحسب إفادة ولد مسعود، فإنتاج المحصول ليس آخر العقبات. ويشير إلى أنّ المزارع يحتاج كذلك إلى إيصال إنتاجه إلى السوق في الوقت المناسب، والمحافظة عليه خلال الفترة الفاصلة بين الحصاد والبيع، وهي مسألةٌ تزداد أهميةً مع الخضراوات سريعة التلف. وبذلك، تمتدّ التكاليف والمخاطر من الحصول على الأرض وتمويل الموسم وتوفير المياه، إلى ما يحدث للمحصول بعد خروجه من الحقل.
تتقاطع هذه الملاحظة مع صورةٍ أوسع يقدّمها تقرير "ويمِنز إيكونوميك إمباورمنت إن موريتانياز أغريبزنس سيكتر" (التمكين الاقتصادي للنساء في قطاع الأعمال الزراعية في موريتانيا)، الذي نشرته وزارة الخارجية والكومنولث والتنمية البريطانية سنة 2025. يصف التقرير القطاعات الزراعية الفرعية في موريتانيا بأنّها ضعيفة التنظيم، مع ضعف الترابط بين الفاعلين في حلقات سلاسل القيمة. ويشير إلى محدودية تحويل المنتجات الزراعية ما دامت مشكلات التخزين والتصنيع والتعبئة والنقل والوصول إلى الأسواق. وفي سلاسل الخضراوات تحديداً، يسجّل التقرير ضعف وسائل النقل إلى الأسواق، فيما تكاد تغيب سلاسل التبريد تماماً. ويظهر التقرير انخفاض الاستثمار في الإنتاج الزراعيّ بسبب قصور نظم التمويل وضعف الحوافز.
ووراء هذه العقبات، يتحدث ولد مسعود عن صعوبة التعامل مع الميكنة التي تواجه بعض المزارعين من جيله. يقول ولد مسعود إنّهم اعتادوا أعواماً عديدةً طرقاً تقليديةً في الزراعة توارثوا جانباً منها عن أجيالٍ سبقتهم في المهنة. ولذلك، يجد بعضهم صعوبةً في التخلّي عنها لصالح آلاتٍ وتقنياتٍ حديثةٍ لم يألفوا استخدامها من قبل. ويصف بعضَهم بأنه يبدأ بشيءٍ من التحفظ والاستغراب تجاه هذه المعدّات، لاسيما حين تختلف عن الأدوات وطرق العمل التي خبروها، وهو ما يجعل التكيّف معها يحتاج في بعض الحالات إلى وقتٍ وتجربة.
من هنا تكتسب منصة التحويل والتصنيع المقرّرة ضمن قطب "النهضة الزراعية" أهميتها. فهي تستهدف الحلقة التي بان ضَعفُها، بين ما ينتجه الحقل وما يصل منه إلى السوق. فزيادة المحصول لا تكفي وحدها إذا بقيت مشكلات الحفظ والتحويل والنقل قائمة. ولذلك يجمع التصور المعلن للقطب بين الإنتاج وبعض المراحل التي تليه. غير أنّ اختبار هذا التصوّر سيبدأ مع التنفيذ، حين يصبح ممكناً قياس ما أضافه فعليّاً إلى قدرة المزارع على إنتاج محصوله وحفظه وإيصاله إلى السوق.
وعلى مقدار نجاح هذه الحلقات في الاتصال، سيتحدد ما إذا كانت الوفرة التي تظهر اليوم في بعض مناطق الإنتاج قادرةً على أن تصبح جزءاً من غذاء المدن أكثر استقراراً، لا موسماً ينتهي بانتهاء الحصاد.

